أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
القرآن والحضارة

الحقُّ أحقُّ أن يُتَّبَع

حين ننتفض لركلة ضائعة ونسكت عن الحقوق الضائعة

د. أحمد أبو سيف•١٠ يوليو ٢٠٢٦•7 دقائق قراءة
المناسبة: خلاصة خطبة جمعة أُلقيت في AIA Masjid بتاريخ 10 يوليو 2026مالمصدر: تفريغ خطبة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيدنا محمدًا عبده ورسوله ﷺ، بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة. أما بعد.

ركلةٌ ضاعت في مباراة، ثم خرجت مصر من المونديال، فانتفض العالم. غضبٌ وصياح، وشعارات تقول إن هذا «ليس هو الحق»، وإنه غشٌّ واحتيال. ومن يعرفني عن قرب يعلم أني أفشل من يتحدث في عالم الكرة، وما جئت لأتحدث فيه. غير أن الذي يلفت النظر أن هذه الانتفاضة لم تحدث للقذائف التي تتساقط على أهل فلسطين. وأولئك الذين ارتفعت أصواتهم بأن هذا ليس هو الحق ربما لا يعرفون الحق في بيوتهم، ولا يقيمونه في أقرب علاقاتهم.

أين نحن من حقوق الخلق؟

هذا ما دعاني إلى اختيار العنوان الذي بلغكم: «الحق أحق أن يتبع». فلو سألنا لماذا لا تثور فينا ثورة الحق ونحن نتعامل مع الواقع الذي نعيشه، لكان السؤال أولى: أين نحن من حقوق الخلق؟ أين نحن من إقامة المعروف في أماكننا، وفي أشغالنا، وفي بيوتنا؟

الجملة في موضعها من سورة يونس

الجملة وردت في سورة يونس:

﴿أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَىٰ ۖ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس: 35]

أتظنها تعقيبًا على موقف عابر؟ أم أنها، كمنهجية القرآن الدائمة، جزء من صناعة عقلية تفكّر في آليات الحق وكيفية إيقاعه في أرض الواقع وأنماط حياة الخلق؟ وتعلمون حرصي على التدقيق: لماذا وردت في هذه السورة تحديدًا وفي هذا السياق؟ لأن في السورة ذكرَ يونس عليه السلام، الذي نظر إلى أعداد المستجيبين فلم يرضه ما رأى، واستشعر أنه غير مؤدٍّ لوظيفته، فخرج وترك قومه إلى حيث لا يعرف. فانتقل من المنهج المنظَّم الذي أُمر به، ومن آليات التعامل ومنطقيات الإقامة للأشياء، إلى خطة غير مدروسة وحركة غير مفهومة. فرده الله تبارك وتعالى بعدما علّمه أن أعيننا لا تنظر إلى الأشخاص، وإنما تنظر إلى المنهج، إلى الحق في ذاته.

علمٌ حاصل ونفسٌ تأبى

وفي سورة البقرة معالجات كثيرة لهذه المسألة، لكن قبل أن نمضي لا بد أن ندرك جملة يؤصّل لها القرآن تأصيلًا عظيمًا:

﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 42][6]

هذا النص يأخذ بمجامع عقلي ويدفعني إلى سؤال: إقامة الحق، أهي مرتبطة بالعلم أم بالنفس؟ تحقق عندهم العلم، ومع ذلك لبسوا الحق بالباطل ليغطوا على الناس ويعمّوا عليهم.

وكان الخطاب لبني إسرائيل. تذكرون قصة البقرة، وكيف بدأت مراحل المفاوضة والمنازلة والمراودة:

﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً ۖ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ۖ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة: 67]

أتراهم يتكلمون عن القضية أم يتكلمون مع المتحدث؟ حتى اضطُرّوا أن يتكلموا عن القضية، لكنه منطق المراوغة: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ﴾ [البقرة: 68]، فيجيبهم: ﴿إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَٰلِكَ ۖ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ [البقرة: 68]. ثم يعودون: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا﴾ [البقرة: 69]، فيقال: ﴿بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة: 69]. ثم يعودون ثالثةً: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 70].

إلى أين يسير هؤلاء؟ وما الذي يفعلونه؟ ولماذا سيقت لنا القصة؟ حتى لا نقع في مثل هذا مرة أخرى.

ثم انظر إلى أول خطاب لبني إسرائيل في القرآن:

﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: 40]

هذا التعبير بلفظ الرهبة: أيحدّث عقولًا أم يحدّث نفوسًا؟ وانتقل بعده انتقالة سريعة إلى جملة تصف نمطًا آخر من المعاندين للحق:

﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ﴾ [النمل: 14]

أين الخطاب هنا؟ وما الذي يخاطبك به ربك؟ إنه يخاطب نفسك.

والعلم كان حاصلًا عند إبليس حين أُمر أن يسجد لآدم: كان يعلم أن هذا هو الحق، ومع ذلك تنكّرت ذاته أن تنصاع لأمر الله عز وجل. ولذلك جاء الوعيد غير عقلي ولا منطقي:

﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ۝ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: 82–83]

لماذا جاءت بالفتحة؟[1] لأن هؤلاء خلاصة المخلِصين؛ فالمخلِصون بنفوسهم كثيرون، وقد يخلص المرء لحق وقد يخلص لباطل. أما المخلَصون الذين تميزوا بعقلهم ووعيهم، وتميزت نفوسهم فلم تنغمس في بقية شهوات الدنيا، فهم منتقون من وسط الجموع الغفيرة التي تنتفض للكرة وللخروج من المونديال، ولا تنتفض للقضايا الكبرى في حياتها.

نهتم بالتفاهات ونهمل المعظَّمات

نقع في مشكلة كبيرة جدًّا: نهتم بالتفاهات ولا نهتم بالمعظَّمات، ونتصور أن التجاوز عن الأمور البسيطة حكمة وعقل ووعي. غير أني أقف أمام إقامة الحق في حياة النبي محمد ﷺ. يومًا ما، في مجلس عابر وموقف طبيعي بسيط، تدعو امرأةٌ وليدها فتقول له: تعال، كأنها تعده بشيء. فإذا بالنبي ﷺ يتغير مسار الحوار تمامًا، والقاعدة تنقلب: «وما أردتِ أن تعطيه؟» قالت: أعطيه تمرًا. قال: «أَمَا إِنَّكِ لَوْ لَمْ تُعْطِهِ شَيْئًا كُتِبَتْ عَلَيْكِ كَذْبَةٌ»[2]. لماذا هذا كله؟ لأن الذي يُكذَب عليه اليوم من أقرب الناس إليه يتعلم الخيانة غدًا.

ولذلك قال ﷺ على مسمع الجموع: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعتُ يدها»[3]. أين النسب الشريف العظيم؟ أين الشفاعة بأبيها ﷺ، رضي الله عنها وعن أمهات المؤمنين وآل بيت النبي ﷺ؟ لا، إنه الحق.

ولذلك ترى القرآن يحدثنا بوضوح وصراحة:

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]

فإن كان لنا عقل نزن به الأمور، ومنطق نستبصر به الوقائع، فليكن هذا العقل وهذا المنطق هو المحرك لك في دارك ومع عيالك، فأولئك أحوج الناس إلى العقل المنضبط بالحق.

وصايا عند الخروج

لا تُسلم رأسك لأحد يضع فيها ما يشاء، وإنما أسلم زمام قلبك وعقلك لكتاب ربك. تتبّع مواطن التربية التي صدرت لك، وانظر مواطن حاجتك من القرآن، وتقفَّ آثار الإصلاح الإلهي للخطأ البشري الحاصل في نفسك. واجتهد أن يكون هدفك الذي تنشده أن تلقى الله يوم القيامة وأنت واحد من أصحاب الحق.

وتجنّب مواطن الغيبة التي تُؤكل فيها أعراض الناس وأنت ساكت، لأن الموقف بسيط لا تقوم فيه بالحق فترد غيبة الخلق. وارفع همتك أن تردّ المظالم حتى وإن كانت دانقًا. فقد حذّر رسولنا ﷺ يومًا أمام الناس من اقتطاع مال امرئ مسلم بغير حق، فسأله رجل السؤال البسيط المنطقي الذي يسأله كلٌّ منا: وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله؟ قال ﷺ: «وإن قضيبًا من أراك»[4]. وهو السواك. تأكل أموال الناس بالباطل بقطعة من السواك، فتكون في جهنم! ليعلم الناس أن آفة الأمة استصغار الصغيرة. ونحن نعلم، ولا يغيب عن شريف علمكم، أن معظم الخطر الوارد علينا يوم القيامة من الصغائر.

وربما كان في كلامي اليوم نوع من التعميم، لكنه مرتبط بكلمة الحق التي لا أحسن أن أدخل بها بيتك لأنظر في الأحوال التي بينك وبين امرأتك. فالأكل للحقوق كلمة عامة تتوزع باعتبار المقاييس الصادرة لها وعليها، وغمط الحق في المواقف ومع الأشخاص كلمة عامة، لكنك تعلم أين تضعها في حياتك.

عباد الله، لا يغيبنّ عن أحدكم أننا في هذه البلاد أصحاب مسؤولية عن ديننا، وأن العامل لذلك ناجٍ بين يدي الله يوم القيامة، وأن المضيّع لهذه الحقيقة في حياته خاسر هنا وخاسر هناك. فلا يشغلنكم شيء عن أمر دينكم، ولا تلتفت نفوسكم إلى شيء غير الغاية التي من أجلها نحن هنا. الأرقام في حياة الناس كثيرة، والأموال في البنوك ينتفع بها غيرك أكثر مما تنتفع بها أنت ولا عيالك، والثروات طائلة في جيوب الناس، لكنك لن تفيد من ذلك بشيء إلا بما تقرّبت به إلى الله، وأنصفت به نفسك بين يديه، من إقامة الدعوة في هذه البلاد وغيرها. فانظروا مستقبلكم. ومن كان حريصًا على عياله فلا يضيّعهم بسوء خلقه ولا بسيئ تصرفه.

دعاء

اللهم أودِعنا الإيمان وبارك لنا فيه في قلوبنا وعقولنا، اللهم ثبّتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأجِرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة يا رب العالمين. اللهم إنك أعلم بحال أهل فلسطين، وتعلم عنهم ما لا نعلمه، فأغث نداءهم، ولبِّ حاجتهم، وطوِّع بين أيديهم الأسباب. اللهم إنا نسألك أن تقهر لهم عدوهم، اللهم أرهم آيات نصرك في أحوالهم كلها، وأغث نداءاتهم كلها يا رب العالمين. ربنا نعوذ بك من لسان ساكت عن الحق، ومن نفس تغمط المعروف. ربنا ثبّتنا وارضَ عنا، ونجِّ أبداننا وقلوبنا وعقولنا من كل حيلة للشيطان، ومن كل مؤامرة لأعداء دينك، اللهم آمين يا رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

--- [1]: توثيق المحرر: قراءة حفص في الموضعين (ص: 83، والحجر: 40) بفتح اللام: «المُخْلَصِين»، اسم المفعول، أي الذين اصطفاهم الله واستخلصهم لنفسه؛ وبكسرها «المُخْلِصين» اسم الفاعل، أي الذين أخلصوا، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر ويعقوب. وقد لفت الخطيب إلى معنى الفتح. [2]: توثيق المحرر: رواه أبو داود (٤٩٩١) وأحمد من حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة رضي الله عنه؛ وحسّنه الألباني، وقال شعيب الأرناؤوط: «حسن لغيره». [3]: توثيق المحرر: متفق عليه من حديث عائشة رضي الله عنها، وجاء بلفظه هذا في سياق قصة المرأة المخزومية. [4]: توثيق المحرر: رواه مسلم من حديث أبي أمامة الحارثي رضي الله عنه، وتمامه: «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرّم عليه الجنة»، وقد أورده الخطيب بالمعنى. [6]: توثيق المحرر: نطق الخطيب من الآية بقوله: «لا تلبسوا الحق بالباطل وأنتم تعلمون»، والمثبت تمام الآية.

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ