الضَّمائرُ اليقظَة
قراءةٌ في حركةِ الإيمان من مشاهد الخليل إلى وعيِ الإنسان المعاصر
مدخل: ضميرٌ يصحو أم نفسٌ تنام؟
ثمّةَ سؤالٌ خالدٌ يسبق كلَّ سؤال: ما الذي يجعل القلبَ يهفو، والعقلَ يتعلّق، والنفسَ لا تكفّ عن الاشتياق إلى بقعةٍ بعينها من هذا الكوكب؟ ما السرّ في أرضٍ خاليةٍ من الزخم، يَفِدُ إليها الناسُ من أقطار الدنيا، فيتجرّدون من ألبستهم وألقابهم، ويقفون على صعيدٍ واحد، تتحرّك فيهم همّةٌ غريبة لا يُفسِّرها منطقُ السياحة ولا حساباتُ الربح؟
إنّه — في تقديري — سرُّ الضمير اليقظ؛ ذلك المؤشّر الخفيّ الذي زرعه الله في الإنسان ليكون بوصلتَه حين تتشابه الدروب، وحَكَمَه حين تتنازع الأهواء، ومُنبِّهَه حين تَخرَس الألسنة وتتواطأ المصالح. ومع اقتراب موسم الحجّ، حيث تنطلق الأرواحُ إلى رحاب البيت العتيق، يحسنُ بنا أن نُعيد ضبطَ هذا المؤشّر، ونسائل أنفسنا: هل ضمائرُنا يقظة، أم أنّ غبارَ الأيّام قد غطّاها حتى صارت لا تَنبِض إلا بصعوبة؟
أوّلًا: حركةٌ في صحراءٍ، يَقَظةٌ في قلب
تأمَّل تلك الحركة التي دارت قبل آلاف السنين في بيئةٍ مجرَّدة من المشتِّتات؛ لغةٌ بسيطة، ومنطقٌ هادئ، وتركيزٌ تامٌّ مع كلِّ ما يجري على الأرض. هناك يتحرّك إبراهيمُ — على نبيّنا وعليه الصلاة والسلام — رجلًا واحدًا تنبثقُ من قلبه أمّةٌ كاملة.
يأتيه أمرٌ بالبشارة بالولد بعد طول انتظار. والبشاراتُ في الحقيقة اختبار؛ فمن الناس مَن يُبشَّر فيطمعُ في المزيد، ومنهم مَن يجزع لأنّ ما بُشِّر به دونَ طموحه، ومنهم مَن يُسلِّم للمُبشِّر وإن قلّت البشارة، عينُه على المُعطي لا على العطاء. وإبراهيمُ لم يُعلِّق على البشارة بحرف؛ بينما تعجّبت امرأتُه: «عجوزٌ عقيم!». ذاك ضميرُ الخليل يتحرَّكُ في صمت: نعمةُ ربّي لا تُردّ ولا تُنكَر ولا يُستعجَل بها، وإن كانت النفسُ متلهّفةً إليها.
ثم يمرّ زمنٌ يسير، ويأتيه الأمرُ بأن يأخذ هذا الرضيع وأمّه إلى أرضٍ خاوية: لا ماء، ولا طعام، ولا مَن يَسمَع، ولا مَن يُغيث. ولو نظرتَ إلى المشهد بعينٍ ماديّةٍ صِرفة، لرأيتَه ضربًا من الانتحار المتعمّد، أو محاولةَ قتلٍ بترك. غير أنّ ثَمّ ضميرًا قد عاهد الله على الالتزام بأمره وإن قسا على النفس، فآمَنَ وسلَّم؛ والتسليمُ لا يحتمل «كيف؟» ولا «متى؟» ولا «إلى ماذا؟»، إنّما هو «آمنتُ» فحسب.
ثانيًا: امرأةٌ في برّيّةٍ، ووعيٌ في ذروة
ثمّ تنتقل كاميرا القلب إلى مَشهدٍ لامرأةٍ صارت وحدها، فإذا بعنوان التسليم بارزٌ في كلماتها: «إلى من تَكِلُنا؟» فلا جواب. «آللهُ أمَرَك؟» «اللهمَّ بلى». «إذًا لن يُضيِّعَنا!».
ولْنَقِف عند جوهر السؤال: لِمَ سألتْ هاجر هذا السؤال أصلًا؟ لأنّها عَرَفت زوجَها رجلًا لا يتحرّك من تلقاء نفسه، ولا يتصرّفُ عن هوًى، إنّما هو إنسانٌ يعيش تحت ضياءٍ متَّقد في باطنه. فمتى علِمَت أنّ الله أمَره، استراحت إلى أنّ السماء لن تُسلِمَها. أيُّ ضميرٍ هذا الذي يجعل امرأةً تتلفَّتُ حولها فلا ترى شيئًا، ثم لا ترى إلا ربَّها، فتُسلِّم بكلمةٍ واحدة من زوجها؟!
ثم تمرّ السنواتُ والأشهر، ويعودُ إبراهيمُ فيرى المرأةَ كما تركها: عفَّةً، وصَونًا، وحفظًا لولدها، ومتانةً في الدين، وقوّةً في الشخصيّة. لم تنحرفْ بغياب زوجها، ولم تَلوِها مكوّناتُ الأنوثة عن الجادّة، ولم تُحوِّلها الوحشةُ إلى متصفِّحةٍ لشاشاتٍ تَستعرضُ المشاهد، ولم تستمتعْ بلحظات الحبّ والهيام التي تُمَثَّل على شاشاتٍ صغرت أو كَبُرت. كانت أَمَةَ الله، لا أسيرةَ الجسد ولا الشهوة ولا الفتنة. وبضميرٍ يقظ، استوعبت الدرس.
ثالثًا: غلامٌ يَنشأ على المراقبة
وإن قلنا إنّ إبراهيمَ شيخُ المنطق في العالم، الذي علَّم الدنيا الحوارَ وأساليبَ الإقناع، ومع ذلك لم يُجادل ربَّه في حرف حين أُمِر بذَبح ولده — مع أنّ الأعذار كثيرة، ولو شاء لتأخّر قليلًا عسى أن يُبدَّل الأمر — فإنّ الأعجبَ في المشهد إسماعيلُ نفسُه.
غلامٌ نشأ منذ صِغَره معتمدًا على ذاته بإذن ربّه وسط هؤلاء الناس، يزورُه أبوه بين الحين والآخر، ثم يأتيه ذاتَ يومٍ بأمرٍ يَهُدّ الجبال: ﴿إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾. ما المنطق؟ لكنّ إسماعيل قد رُبِّيَ قبل كلِّ شيء على ضميرٍ يتحرّك في داخله، يَزِنُ به الأمرَ من السماء، فلا يَجِدُ في صدره مَنفذًا لـ«لماذا؟»، إنّما يَجدُ ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾. هي معادلةٌ واحدة في الأسرة الواحدة: تسليمٌ من الأب، وتسليمٌ من الأمّ، وتسليمٌ من الابن. وفي قلب هذا التسليم الثلاثيّ، تَحَيا الأمّة!
رابعًا: شهادةُ الوحي على بصيرة الإنسان
تَفتحُ المصحفَ، فتجدُ هذه الحقيقةَ مَرسومةً في غاية الإحكام:
﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: 14–15]
وفي أيِّ سورةٍ نزلَت هاتان الآيتان؟ في سورة القيامة! وأيّ قيامةٍ هذه؟ أهي قيامةُ الآخرة وحدها، أم هي شعارٌ مرفوع: أنّ الضمير لا يَنبِض وهو نائم، وإنّما لا بدّ له من قيامٍ متّقد، ويَقَظةٍ مستمرّة؟
ولاحظ دقّة التعبير القرآنيّ: لم يقل «على نفسه مُبصِرة» فيكفي، بل قال «بصيرة»؛ والبصيرةُ تعني الاستيعابَ الكامل لكلّ جزئيّات المكوِّن الذي بين يديكَ. فأنا أعرفُ نفسي وأَعرف حركتَها وتقلُّباتها وميلَها واعوجاجَها واستقامتَها، فأُقيمُها قبل أن يُقيمَها عليّ غيري. ولمّا علِمَ منّا ربُّنا التماسَ المعاذيرِ مع كلّ تكليف، أردفها بقوله: ﴿وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾؛ كأنّه يقول: «عارفُكَ، أنتَ صاحبُ حركاتٍ ومُبرّرات!».
ثم تقرأ في السورة نفسها:
﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: 16–19]
وما المناسبة بين الحديث عن الضمير وبين أمرِ النبيّ ﷺ بألّا يَستعجل الوحي؟ كأنّ ربّنا يُعلِّمنا أنّ ذاك هو نموذجُ الهمّة التي تتحرّك معها الضمائر اليقظة: حِرصٌ على استقامة المعنى وقَوام المبنى، وضميرٌ لا يَكتفي بأن يتحرّكَ في صاحبه، بل يُحرِّك غيرَه إلى الخير.
ثم تأتي الآفةُ والعِوَج في الآية التالية: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾ [القيامة: 20–21]. فحبُّ العاجلة هو الذي يُسكِتُ الضمائر؛ بريقُ الذهب، ولمعانُ الفضّة، وإثارةُ الدولار — معبودِ الجماهير — يجعل العاجلةَ ضميرَك، فتقول لداعي الحقّ في داخلك: «انتظرْ قليلًا، نتكلَّمُ في هذا لاحقًا!». وهكذا تخرَسُ الألسنة، وتُدفَع الشهوةُ نحو المزيد من التحصيل مُبرَّرًا أو غير مُبرَّر.
خامسًا: النفسُ اللوّامة… أو مؤشِّر الإنذار
وفي مفتتح سورة القيامة نفسها يُقسِم ربُّنا بقَسَمين متلازِمين:
﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: 1–2]
والمقارنة بين القَسَمين بليغة: قيامةُ الكَون الكبرى، وقيامةُ النفس الصغرى! فاحتمالُ الخطأ في حياتنا ليس مستبعدًا، ولكنّ المُستبعَدَ — حقًّا — ألّا يُصاحبَ الخطأ ضميرٌ يوقف صاحبه بين الحين والآخر فيقول له: «أَصْحُ! تنبَّه! ثمّةَ مؤشِّرٌ يُصدِرُ إنذارًا».
هذا المؤشِّرُ هو الضمير. إن أصغيتَ إليه، أعادك إلى الجادّة وأنت لم تَبتعد. وإن أَطفأتَه أو خَفَضتَ صوتَه، انطلقتَ في الدرب الخطأ كيلومتراتٍ قبل أن تَكتشف أنّك لم تَعد تعرف الطريق.
سادسًا: الإسلامُ منظومةٌ لإيقاظ الضمائر
من تأمّل العباداتِ في هذا الدين، أدرك أنّ الشارعَ الحكيم بَنى المنظومةَ التعبّديّة لتعمل — في المقام الأوّل — على إيقاظ الضمير وصيانتِه من السُّبات:
فالصلواتُ الخمس في اليوم واللّيلة ليست شعائرَ منفصلة، وإنّما هي خمسُ «Refresh» يُعيدُ لكَ الإسلامُ بها إنجازَ ضميرِك في وعيك. ففي الصلاة تراقبُ الكلمةَ والحركةَ والسكنةَ، تراقبُ جسدَك كلَّه في كلّ شيء، وتعلمُ ما الذي يُفسدُ صلاحيّتَها وما الذي يُنقذها. إنّها إيقاظٌ للوعي خمسَ مرّاتٍ في اليوم.
وفي العام تأتيكَ دورةٌ تدريبيّةٌ كاملة، يأمرُكَ الله فيها أن تمتنع عن الحلال نهارَ رمضان، لِيوقظَ فيكَ هذا الضمير ويُحييَه مرّةً أخرى. والحجُّ ذاتُه ليس رحلةً سياحيّة، بل تجريدٌ للنفس من زخارفها كي يَلتقطَ الضميرُ صوتَ ربِّه واضحًا بلا تشويش.
فإذا استقامت هذه الضمائر، استقامت معها الحياة، وانضبطت بوصلةُ الدنيا، وبَلَغَ العبدُ منّا مرادَه في إقامة ذاته بين يدَي الله.
سابعًا: الضمائرُ في الأدوار الأربعة
أين موقعُ الضمير في يومنا المعاصر؟ إنّه يَنبضُ في أربعة مواقع لا يَنبغي أن نَغفل عنها:
- ضميرُنا كآباء: ألّا نُضيِّع عيالنا في زمنٍ كَثُرت فيه الشواغل، وانتُهِكت فيه طفولةُ الأبناء بشاشاتٍ تَسرِقُ منهم البراءة.
- ضميرُنا كأزواج: ألّا نُضيِّع نساءنا، وألّا تُضيِّع أخواتُنا الزوجاتُ رجالَهنّ، فالبيتُ المسلم يقومُ على وعيٍ متبادَل لا على عَقدٍ شكليّ.
- ضميرُنا كأصحابِ أعمال — مالكين كنّا أو عاملين: الأمانةُ في الأخذ والعطاء، والصدقُ في الإنتاج، والإحسانُ في الإنجاز.
- ضميرُنا كأصحابِ رسالة في هذه الأرض عن الإسلام: لا يَغِبْ هذا الفهمُ عن ذهنك، ولا تَنصرف عنه همّتُك.
فنحنُ لسنا هنا لقُمَةٍ ستذهبُ إلى موطنٍ أسوأ من الذي دخلت فيه، ولسنا لأموالٍ يَعرفون كيف يُعطُونها ثم يأخذونها، ولسنا لمتاعٍ ستعودُ معه أجسادُنا إلى ما تحت التراب. نحن هنا لغايةٍ، نحن هنا لهدف. فمن ضاع هدفه ضاعت هويّتُه، ومن ضاعت هويّتُه ضاع في وَسَط بقيّة الناس.
ثامنًا: المخالطةُ والصبر… لا الاعتزال
قد يُغريكَ ضميرُك اليقظ بالاعتزال؛ فإنّ أصحاب الضمائر يَضيقون كثيرًا بالمخالطة. وإنّي والله لأَحُسُّ بذلك الصحابيّ الذي جاء إلى النبيّ ﷺ يقول: «أَردتُ أن أعتزلَ الناس وأبقى في بيتي». فإذا بالنبيّ ﷺ يُصبِّره بما يَحملُه على مزيدٍ من المجاهدة، فيقول له ما معناه: «لأن تُخالط الناسَ وتَصبِر على أذاهم خيرٌ لك من ألّا تُخالطَهم ولا تَصبِر على أذاهم». وكأنّه ﷺ يقول له: استعِنْ بالله، فإنّ المَدَدَ من عنده، ورسالتُكَ في الناس لا تكتمل بفِرارٍ من الناس.
تاسعًا: الضميرُ الحيُّ… عزّةٌ لا تَموت
من ماتَ ضميرُه فقد ماتَ مع إيقاف التنفيذ لبقيّة جسده، ومن حَيِيَ ضميرُه حَيِيَ وإن تعطَّل عن الحركة جسدُه. ومن استنفر همّةَ الضمير في نفسه، عاش عزيزًا في حياته كلّها؛ لا يموتُ أبدًا ولا يَذِلّ، لأنّه متّصلٌ بالسماء، ومدادُه من ربّه، وزادُه من خالقه. لا يحتاج يدًا تَمتَدُّ إلى الناس، وإنّما يدُه دائمًا تَرتفعُ إلى الأعلى؛ لا تتلقّى بالمستوى الأفقيّ، إنّما تتلقّى من السماء. وذاكَ أعظمُ عطاءٍ يُمكن أن يُحصِّلَه إنسانٌ في الحياة.
خاتمة: تربيةُ الضمير ضرورةُ العصر
يَبذُلُ أحدنا من حياته منذ الصفّ الأوّل الابتدائيّ إلى أن يُحصِّلَ شهادةَ الدكتوراه عشرين عامًا أو يزيد؛ صَبرًا، وسَهرًا، وتَرتيبَ أولويّات. فما بالُنا لا نتصبّرُ قليلًا حتى نَبلغَ موطنَ الكرامة بين يدَي الله؟
إنّي والله أَعِظُ نفسي قبل غيري: إن كانت بين أيدينا شُبهةٌ من مال، فترْكُها لله أعزُّ وأكرم. وإن كانت بين أيدينا غوايةٌ تَلفِتُنا عن بيوتنا، فالاستعصامُ بربّ العالمين أوجَهُ وأَبلغ. وإن كانت بين أيدينا شهوةٌ أو انحرافٌ في سلوك أو ما لا يَعلمه إلا الله، فالتصبُّرُ أَحلى مذاقًا عند العاقبة، وأَرجى ثوابًا عند اللقاء الأَتمّ الأعلى.
اللهمّ أَيقِظ في صدورنا ضمائرَنا، وأَحْيِ بنبضِها قلوبَنا، واجعَلْها بوصلةً تَهدينا إلى مرضاتِك، ومَنبِّهةً تُوقظنا قبل أن يَفوتَ الأوانُ، إنّك سميعٌ مجيب.
مقالٌ مستلٌّ من خطبة الجمعة بتاريخ 15 مايو 2026م في مسجد أكاديمية الأئمة الأمريكية (AIA Masjid)، أُعيدت كتابتُه وتنقيحُه ليُلائم القراءة المكتوبة.