أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
سلسلة · الحلقة 9
حِكَمٌ وبصائر
حِكَمٌ وبصائر

شَهوةُ الطَّاعة

حين تَندفِعُ النَّفسُ إلى العبادةِ كما تَندفِعُ إلى الشَّهوة — كيف رَبَّى النبيُّ ﷺ القلبَ بين الإيقاظِ والتَّهذيب؟

د. أحمد أبو سيف٣١ مايو ٢٠٢٦13 دقائق قراءة

بقلم: د. أحمد محمد علي أبو سيف، رئيس أكاديمية الأئمة بأمريكا (American Imams Academy).

مدخل: وكما للمعصية شهوة... فللطاعة شهوة

ليس كل من أقبل على الطاعة قد عرف حقيقتها. وليست كل دمعة في محراب، ولا كل رغبة في قيام، ولا كل اندفاع إلى عبادة، دليلا ناضجا على رسوخ العلاقة بالله.

فكما أن للمعصية شهوة تدفع إليها، فقد تكون للطاعة شهوة أيضا. وليس المقصود بالشهوة هنا معناها المذموم، وإنما تلك الحالة النفسية التي تدفع الإنسان بقوة نحو شيء بعينه, حتى يكاد يظن أنه لا يحيا إلا به، ثم لا تلبث أن تهدأ أو تخبو أو تتحول.

فالإنسان بطبيعته كائن يندفع: يندفع إلى الحب، وإلى المال، وإلى النجاح، وأحيانا يندفع إلى العبادة. لكن السؤال المفصلي ليس: كيف نشتعل؟ بل: كيف نبقى بعد أن يخبو الاشتعال؟


حين تنبهر النفس بالطاعة

تمر بالإنسان لحظات يكتشف فيها عالما جديدا: موعظة تهز قلبه، أو أزمة تكسر غروره، أو نجاة من مصيبة كادت تودي به، أو أثر القرآن يلمس قلبه لأول مرة. فيشعر فجأة أنه يريد أن يعوض كل ما فاته؛ يريد أن يقرأ القرآن كله، ويقوم الليل كله، ويصوم الأيام كلها، ويغلق أبواب الدنيا كلها.

وهو في هذه اللحظة صادق غالبا. لكن الصدق وحده لا يكفي؛ لأن النفس ما تزال تحت تأثير الدهشة، والدهشة ليست أفضل مستشار. وهنا تكمن مفارقة نادرا ما يلتفت إليها: أن الغلو في العبادة قد لا ينبت من ضعف الإيمان، بل من قوة اندفاع إيماني لم يهذب. فالشهوة — حتى حين تكون إلى الطاعة — تظل شهوة تحتاج إلى عقل يزنها.


النفر الثلاثة: حين تفيض الشهوة على الميزان

ولعل من أوضح ما يكشف هذا قصة النفر الثلاثة الذين جاؤوا يسألون عن عبادة النبي ﷺ، فلما أخبروا بها كأنهم تقالوها. ولم يكن سبب استغرابهم قلة العبادة، بل أنهم رأوا أنفسهم قادرين على أكثر منها. فقال أحدهم: أما أنا فأصوم الدهر ولا أفطر. وقال الآخر: وأما أنا فأقوم الليل ولا أنام. وقال الثالث: وأما أنا فأعتزل النساء فلا أتزوج أبدا.

كانت لحظة اندفاع روحي هائل. لكن النبي ﷺ لم ينظر إلى حرارة المشاعر وحدها، بل نظر إلى مآلها:

«أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» [متفق عليه]

تأمل دقة الموقف: لم يستدرك عليهم في أصل العبادة، بل في اختلال الميزان. لم يقل: أكثرتم؛ بل قال: خرجتم عن السنة، أي عن طريق التوازن. هذب الشهوة الإيمانية كما تهذب الشهوة الدنيوية؛ لأن الإفراط في كليهما يفضي إلى النتيجة نفسها: الانقطاع.


ليس كل ارتفاع صعودا

ومن أخطر ما يقع فيه الإنسان أن يخلط بين الارتفاع المفاجئ والنمو الحقيقي. فالنار تشتعل في لحظة، أما الشجرة فتنمو في سنوات. ولهذا كثيرا ما نرى من يبدأ بقفزات هائلة ثم يتعثر بعد أشهر؛ لا لأنه لم يكن مخلصا، بل لأنه بنى برنامجه على حرارة الشعور لا على طبيعة الإنسان. والشعور يتقلب، أما المنهج فيبقى.

وقد حذرنا القرآن من نقض العزم بعد إبرامه، فضرب مثلا لا ينسى:

﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا﴾ [النحل: 92]

ولذلك كان ميزان النبي ﷺ هو الدوام لا الكثرة:

«أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل» [متفق عليه]
«إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه» [رواه البخاري]

وقد يوقظ النبي ﷺ الشهوة أحيانا

لكن الصورة لا تكتمل هنا؛ فالنبي ﷺ لم يكن دائما يطفئ الاندفاع، بل كان أحيانا يشعله. قال في حق عبد الله بن عمر رضي الله عنهما:

«نعم الرجل عبد الله، لو كان يصلي من الليل» [متفق عليه]

قال سالم: فما كان عبد الله ينام من الليل إلا قليلا. فهنا لم يهدئ النبي ﷺ الرغبة، بل أيقظها؛ ولم يكبح الشهوة، بل استثارها.


حبل زينب: لا عبادة على حبل

ولما دخل النبي ﷺ المسجد فرأى حبلا ممدودا بين الساريتين، سأل عنه فقيل: هو لزينب، تصلي، فإذا فترت أو أعيت تعلقت به. فقال:

«حلوه، ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليرقد» [متفق عليه]

فالعبادة التي تحتاج إلى حبل يحملك إليها ليست عبادة مستقرة بعد، والإيمان الذي لا يتحرك إلا بشد الحماس يحتاج إلى بناء أعمق. إن الله لم يكلفنا أن نكون ملائكة لا تفتر، بل كلفنا أن نكون بشرا صالحين يصلون نشاطهم، فإذا أعيوا أراحوا أنفسهم ليعودوا.


القاعدة الجامعة: لا يعالج العبادة، بل يعالج صاحبها

هنا يتكشف معمار الأمر كله. فالنبي ﷺ في المواقف الثلاثة لم يكن يزيد العبادة مرة وينقصها أخرى عبثا؛ كان يقرأ اتجاه القلب لا مقدار العمل. فإذا رأى اندفاعا يوشك أن يجمح بصاحبه إلى الغلو والانقطاع هذبه، وإذا رأى فتورا يوشك أن يهبط بصاحبه إلى التقصير والكسل حفزه. هدف واحد من بابين: أن يرد النفس إلى نقطة التوازن.

ولذلك فالمقصود ليس كثرة العبادة دائما، ولا قلتها دائما؛ بل الدوام هو المحور الذي تدور عليه الرحى. شعلة الشهوة توقظ، لكنها لا تبقي؛ والذي يبقي محبة تربي القلب على الوفاء.

شهوة توقظ... فمحبة تربي... فعهد يثبت.هكذا يرتقي القلب من لحظة الاشتعال إلى مقام الوفاء.

متى نستثيرها، ومتى نهذبها؟

فإذا كانت الشهوة إلى الطاعة ليست مذمومة في ذاتها، فالعبرة بحسن تدبيرها؛ ولها وقت توقظ فيه، ووقت تهذب فيه.

نستثيرها حين تكون الرغبة ضامرة والقلب فاترا: حين تغلب العادة على الروح، وتصير الصلاة حركة بلا حضور، ويصبح القرآن رفيقا مهجورا، ويبرد الشوق إلى الله. عندها نحتاج إلى الموعظة، والصحبة الصالحة، وذكر الموت والجنة، لنوقظ القلب من سباته. فهذه ساعة الإيقاظ، وهي نضج لا تكلف.

ونهذبها حين تفيض الرغبة على العقل: حين تدفعنا إلى ما لا نطيق، أو تجعلنا نحتقر أعمال الآخرين، أو تزرع فينا العجب، أو تحملنا على برامج لا نستطيع الوفاء بها، أو تنسينا أن الدين ليس صلاة وصياما فحسب، بل أسرة وعمل ورحمة وحقوق وواجبات. فهذه ساعة التهذيب، وهي علامة النضج حين يحكم العقل الشعور.

وبهذا ينحل السؤال: متى تكون الرغبة في الطاعة نضجا، ومتى تكون اندفاعا؟ هي نضج حين تقود إلى عمل يدوم ويتسع له القلب والحياة، واندفاع حين تطلب شعلة تحرق صاحبها ثم تنطفئ. والفيصل بينهما سؤال واحد: هل أقدر أن ألقى الله على هذا غدا وبعد غد؟


من الشهوة إلى المحبة

ولعل الفرق الأكبر بين المبتدئ والسائر الراسخ أن الأول يتحرك غالبا بالشهوة، أما الثاني فيتحرك بالمحبة. الأول يحتاج إلى اندفاع، والثاني يحتاج إلى وفاء. الأول يعبد الله ما دام الشعور مشتعلا، والثاني يعبده في أيام النشاط وأيام الفتور. الأول يعيش على اللحظات، والثاني يعيش على العهد.

ولهذا فالنجاح الحقيقي في الطريق إلى الله ليس أن تشتعل يوما، بل أن تبقى؛ وليس أن تبدأ بقوة، بل أن تستمر بإخلاص؛ وليس أن تحب الطاعة حين توافق مزاجك، بل أن تظل وفيا لها حين تغيب اللذة ويبقى التكليف. وذلك هو الثبات الذي أمر به سيد الخلق نفسه:

﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: 112]

خاتمة: الشهوة باب الطريق لا كله

فشهوة الطاعة قد تكون باب الدخول إلى الطريق، لكنها لا ينبغي أن تكون كل الطريق. أما الطريق نفسه فيبنى على ما هو أعمق وأبقى: على المحبة، والوفاء، والثبات، وحسن السير إلى الله، حتى يلقى العبد ربه ثابت القدم على العهد، لا منقطعا بعد اندفاع.

﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: 99]

اللهم كما أيقظت فينا الشوق إليك، فثبت لنا القدم، واجعل محبتك أبقى فينا من لحظة الحماس، وأدم علينا طاعة نحيا بها لا نحترق فيها.

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ