استُعمِلوا قبل أن تستبدلوا
تحذير سورة محمد: لكلٍّ منا وظيفة، ومن لا يعمل يُستبدَل
المناسبة: خلاصة خطبة جمعة أُلقيت في مسجد AIA بتاريخ 18 سبتمبر 2026مالمصدر: تفريغ خطبة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ الذي بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة ونصح الأمة، وبعد:
كان عنوان خطبتنا في الجمعة السابقة: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ [الزخرف: 43]. وما رأيتُ أنسقَ ولا أبدعَ بعد هذا النداء من أن نستكمل التذكّر بمآلات الأمور إن لم نستمسك. فقد جاء من ربّي سبحانه تحذيرٌ شديد اللهجة: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾ [محمد: 38].
خيارك واحد لا ثاني له، وسبيلك لا رجوع منه، والعبور مرة واحدة: إما أن تبلغ وإما أن تسقط. الحياة ممرّ والآخرة تنتظر مقرًّا، وليس للعبد اختيارات غير ما اختاره الله له. فإن تمسّكتَ بكلمة التوحيد فقد منحك الله الخير كله وباعد بينك وبين أنماط الشر. وليس من عاقل على ظهر الأرض يختار السوء بعد أن ناله الحسن، ولا أن يجنح عن الطريق الأصوب بعد أن هُدي إليه. معادلات في غاية البساطة، غير أن الناس يجنحون.
أين وقع هذا التحذير؟
وقع في موضع فريد من سورة تسمى سورة محمد ﷺ. والعجب أن ترى هذا التحذير في ختام السورة. فالذي يقع في أذهان الناس عند سماع «سورة محمد» أن محمدًا هو المخاطَب الأول فيها. وإذا بخطاب الله له فيها لا يأتي إلا بقوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد: 19]. تكليف أشبه بالسلبي: اعلم، واستغفر، في سورة كلُّ ما فيها حديثٌ عن القتال والإثخان.
ثم تنظر في موقع السورة فترى نداءً آخر ختمت به سورة الأحقاف حين أمره الله بالصبر المكثّف: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ﴾ [الأحقاف: 35]. وفي الأحقاف: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ [الأحقاف: 21]. فماذا حدث لهم حين رأوا العذاب؟ ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا ۚ بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ ۖ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: 24-25]. كانوا مغرورين جدًّا، حتى ظنّوا أن أسباب الحياة مسخّرة لخدمتهم وحدهم، وأنهم يتحكمون في الدنيا، وأن الريح والبحار والأمطار والجبال والأنهار كلها تحت أمرهم. فقال لهم القرآن: «بأمر ربها»، لا بأمركم.
وإذا رجعتَ إلى الزخرف التي جاء فيها «فاستمسك»، وجدتَ تذكيرًا بمن يشبههم: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف: 51]، ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف: 54]. عظّموه وضخّموا من ذاته حتى ظنّ نفسه إلهًا أوحد.
فسورة محمد سبيل النجاة من عاقبة كعاقبة الأحقاف، وسبيل وحيد لبلوغ الفتح؛ فتأمّل التسلسل: الأحقاف، ثم محمد، ثم الفتح، ثم الحجرات. والفتح منّة من الله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ [الفتح: 1]، فما الذي فعله محمد ﷺ؟ ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ﴾ [الأنفال: 17].
ولو شاء الله لانتصر
وفي مقدمة السورة يقول ربّ العالمين: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ﴾ [محمد: 4]. ألم يفعل ربنا بقوم عاد وثمود وقوم لوط ما فعل؟ وبفرعون وقارون؟ لو أراد لقلب الطاولة كأنها لم تكن، ولكن ليبلوَ بعضكم ببعض. فكأنه سبحانه يحدّثك يا مريد الجنة، يا محبّ النبي ﷺ: انظر موضعَ الاختبار، والموضعَ الذي وضعك الله فيه.
والعجيب أن بعضنا يكتفي بأنه مسلم وأنه يصلي. وهذا لك أنت، لا للدين. أصلّي لنفسي ولعاقبة أمري، وهو بذلٌ من نوع، لكن الدين يطلب بذلًا من نوع آخر.
ها أنتم هؤلاء تُدعَون لتنفقوا
﴿هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ ۚ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾ [محمد: 38]. أراد ربنا أن يبرز لنا أن الإنفاق نوع من العطاء وإثبات الوجود في عالم التضحية لأجل هذا الدين. والبخل بالمال جزء من البخل بالنفس والذات حين تُدعى.
وليست هذه الجملة وحيدة في القرآن. ففي التوبة: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: 41]، ويحذّر سبحانه في السورة نفسها: ﴿إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [التوبة: 39]. فهي سنة قرآنية تراها في التوبة وفي محمد وفي غيرهما، وكلٌّ حسب سياقه.
وكم تذاكرنا مشهد ذلك الصحابي الذي وقف في المعركة قائلًا: ما بيني وبين الجنة إلا هذه التمرات، لئن حييتُ حتى آكلها إنها لحياة طويلة، فألقاها وألقى بنفسه بين الصفوف.[1] ويُروى في مثل هذا المشهد: فوالله ما ندري أوقع على الموت أم وقع الموت عليه.[2] تلك نفوس ظهرت لتقول: يا رب، نحن حيث استعملتنا.
ما وظيفتك؟
والعجيب أننا لا ندري وظيفتنا. أنا أعلم أنني أعمل إمامًا، وربما كان هذا ما استعملني الله فيه، لأقف بين يدي الناس ثم أُسأل عن عملي وفعلي في كل جمعة، بل في كل يوم. لكن لو اكتفيتُ بأن أكون إمامًا وأعظ الناس، وأهملتُ أهلي وعيالي، وقصّرتُ في حياتي مع امرأتي وأقاربي، وعققتُ أمي ونفّرتُ من أبي، واكتفيتُ بهذه الجزئية، أيصلح هذا؟ أيصلح أن تستشعر دورك في ركن صغير ثم تنسى أدوارك في بقية عوالم الحياة وجوانبها؟ من أنت؟ ومن أنا؟ سؤال لن يجيب عنه غيرك. وإن تتولَّ، فعن ماذا؟
كان لعثمان بن عفان رضي الله عنه دور لم يتخلف عنه. وخالد بن الوليد رضي الله عنه لم يكن صاحب عطاء مالي، لكنه كان صاحب الصوت والقوة والغلبة والعقل. كان علي في ميدان، وعثمان في ميدان، وأبو بكر في ميدان، وعمر في ميدان رضي الله عنهم أجمعين؛ فإذا وقفوا معًا رأيتَ منظومة متكاملة من العمل والعطاء.
أما الإشكال الحقيقي، وأستغفر الله لتقصيرنا، فهو أن الواحد منا لا يدرك حقيقة دوره في الحياة. أتظن أن ربي خلقني عبثًا، وأني هنا لآكل وأشرب وأتنعم، لأجمع مالًا؟ أم أني هنا لدور أكبر؟ لقد صار وجودنا موضع تهمة، وصار إسلامنا محل شبهة؛ وإن لم نتمكن من إثبات هذا التواجد في هذا العالم ضاع ما ننتمي إليه، والله غالب على أمره. لكن أين الموظفون في هذه الشركة العظيمة، في هذه المؤسسة الجبارة التي تسمى الإسلام؟ أين العمال فيها؟ ما الذي نبذله وما الذي لا نبذله؟
لكل منا دور. المطلوب أن تكتشف دورك، وأن تعرف حقيقته، وتكتشف مواهبك التي بين يديك فتبذلها لدينك.
إلى أين نفرّ؟
لو صدر أمر بالإقالة من رب العالمين لي عن مهمتي هذه لتركتُ هذا العمل وانصرفتُ إلى غيره؛ لكن مع ربنا إلى أين تنصرف؟ إذا فُصلتَ من شركة قالوا لك: شكرًا، استغنينا عن خدماتك، فتذهب إلى غيرها. أما مع الله، إذا وظّفك كمسلم يحمل هذه الهوية ويرفع هذه الراية وينتمي إلى هذا الدين ثم أقالك منه، فإلى أين نذهب؟ إلى أين نفرّ من الله إلا إليه؟
لقد فررنا من ديننا حين قصّرنا في التعبد، وهو من مؤشرات الإيمان القوية. فإن سألتَ عن قيام الليل في حياة المسلمين رأيتَ عجزًا كبيرًا جدًّا، وإن سألتَ عن إتمام الصلوات الخمس رأيتَ عجزًا كبيرًا، وإن سألتَ عن الإنفاق وقفتَ على ما يأتي.
وكنا قبل يومين نتحدث في خاطرة عن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس: 47]. ما معناها؟ لو كان الله يريد إطعامهم لأطعمهم، فالأمر خارج عني، لست تحت المسؤولية. تخيّل كيف زيّن الشيطان لهم منطقًا شديد المنطقية! وكم من مسلم يطبّق هذا المبدأ وإن لم يدّعِه! ننظر إلى الفقراء نظرة الداعين لهم: يا رب فرّج عنهم، لكن مدّ الأيدي إلى الجيوب والإنفاق الحقيقي لا يوجد. وكثير منا إذا أنفق فإنما ينفق مسكّنًا لضمائر: ينفق قدرًا يسيرًا ليهدّئ ضميره من أجل ما يجري في مكان آخر أو من أجل كمية المال التي عنده، فيخدع عينه عن نفسه أمام نفسه. أما أن ينطلق من نهمٍ إلى الدفع عن الأمة وحماها فلا يوجد إلا عند من رحم الله.
نحن نتكلم عن استشعار المسؤولية، وحمل الهمّ، والوعي بأن الأمة كلها في يدك، أو في جيبك، أو في عقلك. وإذا امتدت الأيادي جميعًا في وقت واحد نهضت الأمة.
دعاء
اللهم رُدَّنا والمسلمين إلى دينك مردًّا جميلًا، واحفظ علينا عافية الإيمان والقلوب. اللهم لا تباعد بيننا وبين كتابك، ولا تُغفِل عقولنا عن فهمه ولا قلوبنا عن الإحساس به. اللهم ثبّتنا واهدنا وارضنا واربط على قلوبنا. اللهم لطفًا بأهل غزة ومن حولهم، وثباتًا لأهل الحق وتأييدًا لأهل البر. اللهم اغفر لنا تقصيرنا وأعنا على مزيد من العمل لك وفي سبيلك يا أرحم الراحمين، ولا تخزنا ولا تفضحنا في الدنيا ولا في الآخرة.
--- [1]: توثيق المحرر: القصة في صحيح مسلم من حديث أنس رضي الله عنه في خبر عمير بن الحمام رضي الله عنه يوم بدر، ولفظ الخطيب بالمعنى؛ ولفظ مسلم: «لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ»، فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قُتل. [2]: توثيق المحرر: أورد الخطيب هذه العبارة في سياق الرواية، ولم يقف المحرر على مصدرها؛ وليست في لفظ حديث مسلم عن عمير بن الحمام رضي الله عنه، فلا تُنسب إليه.
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.