أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
حِكَمٌ وبصائر

كهف الحرية

أربعة قيود تكبّل الإنسان في سورة الكهف، وأصلها خوفٌ واحد

د. أحمد أبو سيف•٢١ أغسطس ٢٠٢٦•7 دقائق قراءة
المناسبة: خلاصة خطبة جمعة أُلقيت في AIA Masjid بتاريخ 21 أغسطس 2026م، في أجواء الحديث عن ميلاد النبي ﷺالمصدر: تفريغ خطبة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوبتنبيه المحرر: هذه المادة ملخَّصٌ لما ثبت من المحاضرة وليست تفريغًا حرفيًّا لها؛ ولم يُضَف إليها شرحٌ لم يرد فيها.

فتيةٌ صغار لم تختبرهم الحياة ولم يختبروها، ليس بين أيديهم مال ولا جاه ولا سلاح، ولم يكن لهم ما يملكونه إلا أنهم عرفوا أن لهم إلهًا، وأن ما هو كائن حولهم لا يصح. فلجؤوا إلى الكهف. هؤلاء هم الأحرار الذين اختار الخطيب أن يبني عليهم خطبة سمّاها «كهف الحرية».

لماذا بُعث الأنبياء

بدأ الشيخ بالسؤال عن الغاية التي أرادها الله من بعثة نبيه ﷺ وبعثة الأنبياء من قبله. إن الهدف الكبير في حياتنا أن نعبده: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]. فإذا انحرفت وجهة العبادة إلى غيره صار هناك خطر يحتاج إلى محاولات إنقاذ عاجلة، فيأتي النبي ليخبر الأمة أن لا إله إلا الله، ويعيد توجيه قلوبها وعقولها إلى الواحد الأحد.

موقع الكهف بين الإسراء ومريم

ثم نظر في موقع سورة الكهف من المصحف. يلتفت الناس إلى أنها في منتصف القرآن، لكن الخطيب لفت إلى أنها بين سورتي الإسراء ومريم. فالإسراء، في قراءته، سورة الحركة للمجتمع كله، حركة أفقية يستطيعها البشر. ومريم مرجعية روحية. وبينهما الكهف: حركةٌ لكنها في أمان، وكأنه الكهف الذي يأوي البشرية كلها وهو الإسلام.

أربعة قيود، وجذرها واحد

ما التحرر المطلوب الذي تتحدث عنه سورة الكهف؟ يقول الناس: لا بد أن نتحرر من السلطة، ومثّلتها قصة أصحاب الكهف؛ ومن المال الذي يهيمن على نفوس أصحابه حتى يقول صاحبه: ﴿مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا﴾ [الكهف: 35]؛ ومن العلم وسلطانه، ثم تأتي القوة متمثلة في قصة ذي القرنين.

لكن الشيخ دعانا إلى أن نقلب الصفحة: بدلًا من أن ننظر إلى هؤلاء، ننظر إلى أنفسنا، نحن الذين نخضع لهذه السلطات. وسأل: ألا يمكن أن نتحرر من الخوف الذي في أعماقنا؟ فالقابع فوق رأسك، المتحكم في مصيرك، ما فعل ذلك إلا لأنه أيقن أنك أسير لشيء أكبر هو الخوف. فإن خرجت من هذه التبعية وقطعت حبال الخوف المحيطة بالقلب والعقل، فأنت حرّ تقول «نعم» وتقول «لا».

فتيةٌ لم يملكوا إلا اليقين

ولما لم يكن الأمر هينًا، ضرب الله لنا مثلًا بمجموعة من الشباب الصغار، أحرار من الخوف. فما الأدوات التي كانت بين أيديهم؟ لا شيء، إلا أنهم رفضوا في داخلهم ما هو كائن فآووا إلى الكهف: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ [الكهف: 11]، ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف: 25].

وأيًّا كان الرقم، فهو يرينا أن الله يغيّر الكون من حول من يريد أن يتغير. هل كانت هناك مواجهة بين هؤلاء الشباب والسلطة المهيمنة؟ لم تكن. ولما عادوا وجدوا الدنيا مختلفة، والمعالم مختلفة، والعملة مختلفة. علم الله نيتهم وإصرارهم وحركتهم المبدئية فغيّر نيابة عنهم، ولو كانوا نائمين في الكهف.

كتابٌ بلا عوج

ثم عاد إلى مطلع السورة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا ۜ قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ [الكهف: 1-2]. ذلك العوج الذي يهيمن على تصرفاتنا وأحوالنا وأنماط تفكيرنا ومعايير تنبّهنا، وهو موجود داخل البيوت والمصانع والشركات والشراكات، ليس في هذا القرآن منه شيء. و«قيِّمًا» في مقابل العوج: ما دور القرآن في حياتك؟ إنه يقيم لك معوجّ سلوكياتك[1].

وانتبه إلى قوله: «بأسًا شديدًا من لدنه»، وهو أدق من «عنده». وربط بين آيتين متقاربتين: في الإسراء ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 9]. وهنا «حسنًا» وهناك «كبيرًا». ورأى أن الحسن المنشود هنا هو حسن الحياة بتمامها إذا هيمن عليها القرآن، وأن لفظ الكبير والتضخيم في الأجر مناسب لنفسية من يتلقون القرآن هناك، وهمّهم المال. وأن ادعاء الإيمان وحده لا يكفي: لا بد من «الذين يعملون الصالحات».

نفسية النبي ﷺ

والله تعالى حين أراد منك أن تتحرر أراد لك نفسية النبي ﷺ. وما هذه النفسية؟ حرقة على حال الأمة، ينتفض عليه الصلاة والسلام لرؤية كافر يريد أن يحشر نفسه وسط من هم في النار، ويريد أن يستنقذ الناس بما يملك من أسباب. فيقول الله له: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: 6]. وفي المقابل أولئك الذين خرجوا عن إطار الوعي: ﴿وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ۝ مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الكهف: 4-5]، لما خرجوا عن دائرة العلم انحرفوا.

صاحب الجنتين: وراء الجحود خوف

ثم يضرب القرآن المثال. عندنا أربعة أنواع من المكبِّلات: السلطة والمال والعلم والقوة. وسمح الخطيب لنفسه أن يغيّر الصياغة فقال: خوف وقلق. صاحب الجنتين قال: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ [الكهف: 36]. لماذا ينكر الآخرة؟ لأنه خائف منها. ولماذا نسرق ونغش ونطمع ونرتشي ونخون؟ لأن في أعماقنا خوفًا من الفقر.

أما صاحبه الذي اطمأن قلبه ووجدانه باليقين فقال: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا ۝ لَّٰكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ [الكهف: 37-38]، ثم: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ۚ إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [الكهف: 39]. معايير التقييم عند الرجلين مختلفة: أحدهما مبهور بما أمام عينيه من أشجار وثمار وأرض ومساحات، والآخر مبهور بما استقر في قلبه، فنظر إلى ما وراء الأرقام والأحداث.

وقال الخطيب إن هذه العقلية إذا لم تتعدّل لم نقدر أن نعيش إلا كبهائم الحضائر، نخشى أن ينفد العلف من أمام أفواهنا، فنرتعب ونقطع الحبال وننطلق في الأرض ننهش منها ما نستطيع. وهذا سلوك البهائم، أما البشر فلهم سلوك آخر. والمرجعية الكلية تنفي مفهوم الخوف والقلق، فالذي يوقن بالله لا يظن أنه مفتقر أبدًا، ويعلم أن ما بين يديه وإن قلّ كثير وكبير، لأن المانح للبركة هو الله وحده.

علمٌ يحتاج حكمة، وقوةٌ تحتاج غاية

وفي قصة العلم يلقى موسى عليه السلام رجلًا ليس له في عالم الحياة ذكر، غير أنه عند الله علم. وقال الشيخ إن العلم وحده لا يكفي، فقد كان عند الشيطان من العلم الكثير ومع ذلك كان كافرًا. فلا بد لأصحاب العلم من إضافة الحكمة، وبخاصة في مسألة القيادة[2].

وأما القوة فتتمثل في ذي القرنين: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ۝ فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: 84-85]. والناس في الغالب يتوقفون عند منح القوة، لكن الخطوة التالية: «فأتبع سببًا»، دلالة على أنه لم يكتف بما أوتي، ولم يتحكم في الناس ويهيمن عليهم، وإنما اتبع سببًا. ولم يتّسع المقام لتتمة الحديث عنه.

الأخسرون أعمالًا

وبعد الاستراحة بين الخطبتين انتقل إلى خواتيم السورة، وفيها جملة تتردد كثيرًا ويقل الاستنباط منها: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ۝ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: 103-104]. وقف عند «الأخسرين» بدلًا من «الخاسرين». وأكثر ما يؤلم الرجل أن يبذل جهدًا كبيرًا ثم يرى أنه ضاع. قد يدخل المرء صفقة يخسر فيها مالًا فيسهل عليه الأمر، لكن أن يبذل جهدًا ثم لا يرى له أثرًا فذلك فادح. والعجيب أنهم لا يرون ذلك: هو يرى نفسه المصلح الكبير، صاحب التوجيه الأوحد.

فلماذا جاءت السورة إذن إلا لتعيد توجيه حركة الناس إلى الصواب؟ كأنه يقول لأمة التوحيد: أنتم سائرون في اتجاه خاطئ، أعيدوا التوجيه من هنا. وفي آخر السورة تأتي النهاية بلغة الاعتراف والتأكيد: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ [الكهف: 110]. أنت عليك أن تعمل، لكن قبل أن تعمل شيئًا فليكن عملك الأول تحرر قلبك من خوف سلطان جائر.

أن نصلي تحت الضغط

وهنا جاء إلى زمننا: شعارات الإسلاموفوبيا والضغط الإعلامي. وقال: نصلّي في الطائرة وفي المطار وفي كل مكان، وإن لم نجد ماءً تيمّمنا؛ سنصلي تحت قوة الضغط الإعلامي. هذه الضغوط المتتالية المتكاثفة تحتاج إلى تحرر نفسي: أنت مسلم وليس لك إلا الإسلام.

لا بد من انتزاع ذلك الخوف من أعماق النفوس، وكن على يقين بأن الله هو الذي يبسط الأرزاق ويسوقها إلى الناس بحسب علمه بحاجتك إليها، وعنده خزائن السماوات والأرض.

دعاء

واختتم بدعاء: اللهم علّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا. اللهم إنا نعوذ بك من تسلط الجاهل. لا تفتنا في ديننا ولا في دنيانا، ولا تجعل عيالنا حجة علينا في هذا البلد، واستنقذهم برحمتك ولطفك وسخّر لهم أسباب الهداية. اللهم مكّن الإيمان في قلوبنا، وأجرِ ذكرك على ألسنتنا، وحرّك عقولنا في ضوء ما أمرتنا. وسأل لفلسطين وأهلها أن يمدّهم الله بمدد من عنده.

--- [1]: توثيق المحرر: ومثله «القَيِّم» في قوله تعالى: ﴿دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [الأنعام: 161]، وهي مناهج السير، كما قال الخطيب. [2]: توثيق المحرر: قصة موسى عليه السلام مع العبد الصالح في سورة الكهف [الكهف: 60-82]، وفيها: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف: 65]. أما كون الشيطان ذا علم كثير ثم كفر فمن كلام الخطيب، ولا يُعزى هنا إلى نص.

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ