وذَكِّرهم بأيّامِ الله
ستّةُ دروسٍ من جائحةِ كورونا — قراءةٌ في سُنَن الله حين تَدور الرَّحى على البشريّة
بقلم: د. أحمد محمد علي أبو سيف، رئيس أكاديمية الأئمة بأمريكا (American Imams Academy).
مدخل: «وذكرهم بأيام الله»
ثمة جملة قرآنية محكمة، أخبر الله بها موسى عليه السلام أن يعيد تذكير قومه بما كان من أمر فرعون وبأسه وبطشه، وما كان من مراحل استضعافهم بين يديه. جاءت في سورة إبراهيم على لسان الكليم:
﴿وذَكِّرهم بأيّامِ الله﴾ [إبراهيم: 5]
وما «أيام الله»؟ إنها ليست الأيام الزمنية السائرة في عد الفلك، بل هي الأيام التي تنكشف فيها يد الله على البشرية — أيام الابتلاء، وأيام النصر، وأيام التمحيص، وأيام التجلي. هي الأيام التي تختلف عن بقية الأيام؛ لأن الله يكشف فيها عن سنن كبرى يحجبها عنا الاعتياد في الأيام الأخرى.
والسؤال الذي يطرحه القرآن علينا: هل كان بين أيدينا، خلال الفترة السابقة، ما يختلف عن بقية الأيام؟ نعم — جائحة كورونا (كوفيد-19). لقد مرت بنا أزمة بحق، وكأن العالم تغير في شكله ونوعه وكمه، وبقيت آثارها على وجوهنا جميعا، لا يجرؤ أحد اليوم على أن يقبل من لا يعرفه، أو يصافح من يلقاه أول مرة. الأثر ما زال في النفوس قبل الوجوه.
فماذا تعلمنا؟ وأي دروس اعتبرنا بها؟ أم لا تزال العقول في غفلة عن صانع الحياة سبحانه؟ هذه قراءة في ستة دروس كشفتها الجائحة، تستحق منا التوقف والتأمل.
الدرس الأول: والله غالب على أمره
أول ما يلوح في هذه «الأيام» قانون كوني راسخ:
﴿واللهُ غالبٌ على أمرِه ولكنَّ أكثرَ الناسِ لا يَعلمون﴾ [يوسف: 21]
لا يكون في ملك الله إلا ما يريده سبحانه. ومن اعتقد أن الصناعة البشرية قادرة في ذاتها، فقد شك في قدرة الله. ومن اعتقد أن الله يعجزه أن يحفظ الناس من بأس أو شر، فقد شك في رحمته. ومن رحمته بنا أن يرينا هذه اللقطة الصغيرة من قدرته، حين ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس.
لاحظ كيف كان تأثير الفيروس على بعض الناس دون بعض. كيف دخل بعض الأبدان فأثر فيها مدة، وعبر بعضها كأنه نسمة هواء لم يحس بها. كيف فعل في أجساد آخرين ما ترك معه الحياة كلها. هو فعال لما يريد، غالب على أمره، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. ﴿إنّه بما يَعملونَ مُحيط﴾، ﴿ومن ورائهم مُحيط﴾.
هذا هو الدرس الأول: أن نعيد ضبط ميزاننا في النظر إلى أنفسنا وإلى الكون، فلا نغتر بما أوتينا من علم وتقنية، ولا نيأس من قدرة الله حين تضيق بنا الأرض.
الدرس الثاني: «وما يعلم جنود ربك إلا هو»
ومن أجل ما يكشفه هذا الابتلاء أن لله جنودا لا يراها البشر:
﴿وما يَعلمُ جُنودَ ربِّكَ إلا هو﴾ [المدثر: 31]
ولاحظ: هذه الآية نزلت في سورة المدثر، في أشد الأوقات التي كان النبي ﷺ يحتاج فيها إلى الدعم، يوم كانت قريش في عزها وسطوتها وسلطانها، صوتها بالغ الأثر في كل بقاع الأرض حولها. ومع ذلك، أنزل رب العالمين هذا التذكير على نبيه: لا تخف، فإن لله جنودا لا تعرفها قريش ولا غيرها.
والقرآن يعرض بعدها معالم الكون: ﴿كَلّا والقَمَرِ، واللَّيلِ إذ أَدبَر، والصُّبحِ إذا أَسفَر، إنّها لإحدى الكُبَر، نَذيراً للبَشَر﴾. لماذا هذا الاستعراض للأقمار والسماوات والأفلاك؟ لأن الذي أقام الشمس في موطنها، والقمر في مكانه، والنجوم في مراسيها — قادر على أن يقيم دعوته على الوجه الذي يريد.
وفي زمن كورونا، خرج على البشرية جندي صغير لا يرى بالعين المجردة، فأوقف المدن والاقتصادات والمطارات. من كان يعلم أن في ملك الله جنديا بهذا الحجم وبهذا الأثر؟ ولعل في الهواء الذي نتنفسه الآن، ومن النفس الذي نستنشقه، جنودا أخرى قد نكتشفها غدا أو لا نكتشفها. ﴿ولله جُنودُ السَّماواتِ والأرض﴾.
وهذا الدرس يعصم المؤمن من الكبر، ويفتح له باب الافتقار إلى الله، وأن لا يأمن مكره ولا ييأس من رحمته.
الدرس الثالث: المراحل النفسية الخمس
ومن ألطف ما يكشفه هذا الابتلاء أنه يعرينا أمام أنفسنا — يرينا تقلب النفس البشرية عبر خمس مراحل متعاقبة، خلقها ضيق الجائحة:
(١) الإنكار: «مش ممكن، مستحيل!» — رفضت العقول أن تصدق أن العالم كله قابل للإيقاف.
(٢) الطغيان والاستخفاف: أناس استهتروا بالأمر، فاجتمعوا في المحافل، ثم أصيب منهم خلق كثير.
(٣) الفزع: لما توالت الأخبار والوفيات، انتقلت النفوس من الاستخفاف إلى الذعر المريع.
(٤) الاحتياط: بدأ الناس يلتزمون بالإجراءات، ويتجنبون التجمعات.
(٥) الترقب ثم الرجاء: بعد ظهور المعالجات واللقاحات، عاد الرجاء إلى القلوب، وعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده.
هذه المراحل ليست خاصة بكورونا، بل هي نمط النفس البشرية في كل ابتلاء كبير. من تأملها وعى نفسه قبل أن تفجأه الأزمة القادمة، فاختصر على نفسه طريقا مملوءا بالاضطراب. وسبحان من يأتي بالداء ويأتي له بالدواء، ومن يبتلي بالمرض ويبتلي بالعافية. ﴿سبحان الخَلّاقِ العَليم﴾.
الدرس الرابع: العزلة والاجتماع في البيت
ومن أعمق ما كشفه الإغلاق عن أنفسنا، حالتان متقابلتان في الاجتماع الإنساني:
الحالة الأولى: العزلة. رأينا الناس يعتزلون العالم. توقفت الشوارع من الحركة. صور الإعلاميون أكبر مدن العالم خاوية على عروشها، كأن شهرا واحدا يمكن أن يعيد مدن القرن الواحد والعشرين إلى مشهد القرى المهجورة. كل في بيته، يستقبل مواد اشتراها عبر الإنترنت، فلا يفتح الباب إلى الخارج إلا لاستلام طرد يتركه السائق ويهرب.
وفي هذا تنبيه للصروح الشامخة التي يتباهى بها أصحابها: قد تخلو من ساكنيها في أقل من ثانية بقدرة من القدير. ليرى العباد حجمهم الحقيقي في الكون، حتى وإن اغتروا بما عندهم من علم وتقنية وميديا.
الحالة الثانية: الاجتماع في البيت. وهنا كان مشهد مختلف. أناس كثيرون بدأوا يكتشفون بيوتهم من جديد. تعرف بعضهم على بعض كأنهم لم يلتقوا قبلا:
«هذه ابنة ناس طيبين، والله!»«الحمد لله أن ربنا رزقني بهذه الزوجة، طلعت كويسة!»«اكتشفت أن عندي أربعة أولاد، لا خمسة ولا ثلاثة!»
كأن الكورونا، في رحمة الله الخفية، أعادت كثيرا من الآباء إلى أولادهم، وأعادت الأزواج إلى زوجاتهم، وأعادت كثيرا من البيوت إلى ذاتها بعد أن كانت مجرد غرف نوم ومواقف سيارات.
ولكن المأساة أن بيوتا أخرى لم تتحمل هذا الاجتماع المطول، فانهدمت. والأدهى: أن بيوتا انكسرت لا لكثرة المشاكل، بل لغيابها! بدأ الساكنون يبحثون عن مشاكل يخلقونها، حتى لا يعرضوا للسكينة. وكأن بعض النفوس لا تطيق الراحة إذا طالت!
هنا كشف الابتلاء أن التقارب ليس مجرد مكان مشترك، بل منظومة من التفاهم والتجاوب والتنازل والتراحم، تحتاج إلى لغة تفهم بها عقلية الآخر، وتستوعب بها ما يتوقعه مما تنطق به، لا ما تقصده أنت بنطقك. الزوج من المريخ والزوجة من الزهرة، كما يقول بعض كتاب علم النفس — لكن القلوب الواحدة تتقاطع.
الدرس الخامس: لماذا لا نتحد إلا في الأزمات؟
سؤال مؤلم يطرح نفسه بعد الجائحة: لماذا لا نتحد إلا حين تدور الرحى؟
في أوقات الأزمات — والناس مرضى في بيوتهم — كان كل قلب على كل قلب. كل يراعي الآخرين، والكل ينسى خلافاته الصغيرة. فإذا عافانا الله، ووقفنا على أقدامنا، وعدنا إلى الشوارع، عدنا فورا إلى الانقسام.
وهذا ليس في البيوت وحدها، بل على مستوى العمل الإسلامي نفسه. في الأوقات التي كنا نبني فيها المسجد ونشده، كان الكل على طاولة واحدة، كل يجلس ليؤدي دوره ويحمل نصيبه. فإذا تم البناء، وأمنا، انفجرت الخلافات، وعلت الأصوات في ما هو دون ذلك بمراتب.
ما الذي في هذه الأدمغة؟ لماذا تستجلب النعمة الانقسام، وتستجلب النقمة الاتحاد؟ هذا سنة نفسية علينا أن نستنبطها ونتداركها — أن نتدرب على الوحدة في الرخاء لا في الشدة، فإن ذلك أدل على بنيان صادق من الوحدة التي تمليها الضرورة.
الدرس السادس: الأمن الذي صنعه الإغلاق
ومن أعجب ما كشفه الإغلاق أن رجال الشرطة لم يكن لديهم عمل إلا الخدمة. لا جريمة في الشوارع، ولا سرقات، ولا نهب، ولا حوادث قتل. لأن الله حبس الناس داخل بيوتهم.
سؤال بسيط ولكنه نافذ: لماذا لا نتعلم أن نشعر بهذا الأمن في نفوسنا وقلوبنا وعقولنا وأرواحنا، دون أن يحبسنا الله في بيوتنا؟
الأمن ليس نظاما خارجيا يفرضه إغلاق، بل هو سكينة داخلية يهبها الله لمن وثق به وأطاعه. وقد كان النبي ﷺ يعلمنا أن المؤمن يلازمه الأمن في قلبه قبل أن يستولي على شوارعه. ﴿إنّ في ذلك لذِكرى لمَن كان له قَلبٌ أو أَلقى السَّمعَ وهو شَهيد﴾.
خاتمة: العودة إلى هدي النبي ﷺ
وختام هذه الدروس، أن الجائحة ما جاءت إلا لتذكرنا بما علمنا إياه نبينا ﷺ منذ خمسة عشر قرنا، فإذا بنا نكتشفه اليوم كأنه علم جديد:
- أن يضع أحدنا يده على فمه إذا تثاءب
- أن لا ينفث العطاس في وجوه الآخرين
- أن لا تطيش يده في الصحفة، بل يأكل مما يليه
- أن لا يبصق في موارد المنافع للخلق
- أن لا يترك نوعا من الأذى في طرقات الناس
فهل صدرت لنا نشرات الصحة الوقائية شيئا أكثر مما ترك لنا محمد ﷺ؟ والله ما أظن ذلك. الجائحة كانت تذكيرا، لا تعليما جديدا. والمؤمن من يلتقط التذكير، فلا ينتظر التكرار.
خلاصة القول: اقتراب من الديانة، اقتراب من عافية القلوب والأبدان. ومزيد من الإقبال على الله، فإن فيه مزيدا من طمأنينة النفوس واستقرار القلوب والعقول.
اللهم إنا نسألك العافية ما حييتنا، ونسألك حسن العاقبة، ونسألك الستر في الدنيا والآخرة، والعفو والعافية في ديننا ودنيانا وآخرتنا. هيئ لنا من أمرنا رشدا، وبارك لنا فيما رزقتنا، وقنا عذاب النار.
هذا المقال منقول بتصرف من خطبة جمعة ألقاها الشيخ الدكتور أحمد أبو سيف بعد عام من بدء جائحة كورونا، تذكر بـ«أيام الله» التي تمر على البشرية فتكشف سننه الكبرى، وتستخلص منها ستة دروس للقلب المتدبر.
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.