أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
سلسلة · الحلقة 7
التفسير المقاصدي
التفسير المقاصدي

ثمرة مدارسة القرآن على أساس المقاصد

د. أحمد أبو سيفيونيو ٢٠٢٦4 دقائق قراءة

بقلم: د. أحمد محمد علي أبو سيف، رئيس أكاديمية الأئمة بأمريكا (American Imams Academy).

بعد التأصيل والتاريخ والمقاصد والأعلام والضوابط، يَحسُن أن نسأل سؤال المنتفِع: ماذا أجني من قراءة القرآن على أساس مقاصده؟ فالعلم الذي لا يُثمر عملاً ناقصٌ، والمنهج إنما يُقاس بثماره. وثمراتُ المدارسة المقاصدية كثيرةٌ، نُجمل أبرزها.

أولاً: حضور القلب في التلاوة

حين يقرأ المسلم الآية باحثاً عن مقصدها، تتحوّل التلاوة من مرورٍ سريعٍ على الحروف إلى حوارٍ حيٍّ مع المعنى؛ فيسأل نفسه عند كلّ آية: ماذا يريد الله منّي هنا؟ وهذا السؤال يَطرد الغفلة ويجلب الخشوع، فيصير القرآن خطاباً موجَّهاً إليه هو لا نصّاً يُتلى عنه. وهذا هو التدبّر الذي عاتب الله على تركه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]. فالبحث عن المقصد مفتاحٌ من مفاتيح هذه الأقفال.

ثانياً: فقه الواقع وحسن التنزيل

المعرفة بمقاصد القرآن تُكسِب صاحبها قدرةً على إنزال الآيات على الوقائع المستجدّة التي لم يَرِد فيها نصٌّ خاصّ؛ فمن فهم أنّ مقصد آيةٍ هو حفظ المال أو صون العِرض أو حماية الضعيف، استطاع أن يُعمِل هذا المقصد في نوازل عصره ومسائله المتجدّدة. فالمقاصد جسرٌ بين النصّ الثابت المحدود والواقع المتغيّر غير المحدود؛ وبها يبقى القرآن صالحاً لكلّ زمانٍ ومكان، لا حبيسَ لحظةٍ تاريخيّة.

ثالثاً: التحصين من الجمود والتحريف معاً

الفهم المقاصدي وقايةٌ مزدوجة من خطرين يتهدّدان الأمّة من جهتين. يَعصِم من الجمود الذي يقف عند ظاهر الحرف فيُفرِّغ الدين من روحه ويُحوّله إلى عاداتٍ بلا أثر، ويَعصِم في الوقت ذاته من التحريف الذي يَلوي أعناق النصوص باسم التطوّر والتنوير. فهو يجمع بين تعظيم النصّ والوقوف عند حدوده، وبين فهم غايته وروحه، فلا إفراطَ المتزمّت ولا تفريطَ المتفلّت.

رابعاً: وحدة التصوّر وربط الجزئيات

من يدرس القرآن بمقاصده يرى الآيات بناءً واحداً متماسكاً يخدم غاياتٍ جامعة، لا جُزُراً متفرّقةً ولا أحكاماً متناثرة. فينتظم في ذهنه تصوّرٌ كلّيّ للدين، تُضيء كلُّ آيةٍ فيه جانباً من الصورة الكبرى، فيقوى يقينه ويتماسك فهمه، ويَسلَم من التناقض الذي يقع فيه من يأخذ الآيات مفرّقةً بلا رابط.

خامساً: استثمار الآية في الحياة

تأمّل آيات المواريث مثلاً؛ فمن وقف عند الأرقام والأنصبة رآها حساباً جافّاً يُحفظ للامتحان، ومن نفذ إلى مقاصدها — من العدل، وصلة الأرحام، وحفظ المال في الأسرة، وحماية الضعيف كاليتيم والأنثى من الضياع — رآها حكمةً بالغةً تَبني الأسرة وتصون حقوقها وتمنع النزاع. وهكذا في كلّ باب: من قصص الأنبياء إلى أمثال القرآن، يَنتقل القارئ المقاصديّ من حفظ الآية إلى الانتفاع بها وتنزيلها على واقعه.

سادساً: تعظيم القرآن وتعميق محبّته

وثمرةٌ جامعةٌ تُتوّج ما سبق: أنّ من رأى حِكَم القرآن وغاياته البالغة ازداد تعظيماً لكلام الله ومحبّةً له وثقةً به؛ إذ يَنكشف له أنّ وراء كلّ أمرٍ ونهيٍ رحمةً ومصلحة، وأنّ هذا الكتاب لم يَأمر بشيءٍ إلّا لخير الإنسان، ولم يَنهَ عن شيءٍ إلّا لدفع ضررٍ عنه. فيقرؤه بقلبٍ مُحبٍّ معظِّمٍ، لا بعقلٍ متلقٍّ فحسب.

يتلوه المقال الثامن: «تطبيقٌ سلوكيّ: مقاصد القرآن في بناء سلوك الفرد»

| خلاصةٌ للحياة قبل أن تطوي المصحف بعد وِردك، قف عند آيةٍ واسأل سؤالاً واحداً: «ما الذي سأُغيّره في يومي بناءً على مقصد هذه الآية؟». فإن خرجتَ من كلّ مجلس تلاوةٍ بتغييرٍ صغيرٍ واحد، تراكمت هذه التغييرات حتى تَبنيَ حياةً يحكمها القرآن لا تزيّنها تلاوتُه فحسب. | |---|

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ