أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
سلسلة · الحلقة 2
التفسير المقاصدي
التفسير المقاصدي

التفسير المقاصدي وأخواته: تمييزٌ يرفع اللبس

د. أحمد أبو سيفيونيو ٢٠٢٦4 دقائق قراءة

بقلم: د. أحمد محمد علي أبو سيف، رئيس أكاديمية الأئمة بأمريكا (American Imams Academy).

أولاً: التفسير المقاصدي و«مقاصد القرآن»

«مقاصد القرآن» موضوعٌ ومادّة: هي الغايات الكبرى التي نزل القرآن لتحقيقها، كالهداية وإصلاح الاعتقاد وتزكية النفس. أمّا التفسير المقاصدي فمنهجٌ وعملية نظرٍ تستثمر تلك المقاصد في فهم الآيات الجزئية وتنزيلها على الواقع. فبينهما عمومٌ وخصوص: مقاصد القرآن هي «الخريطة» الكبرى للغايات، والتفسير المقاصدي هو «الرحلة» التي تَسلكها بهذه الخريطة في كلّ آية.

وبعبارةٍ أخرى: مقاصد القرآن نتيجةٌ يَستخلصها العلماء من استقراء القرآن كلّه، والتفسير المقاصدي عمليةٌ تُوظِّف هذه النتيجة في تفسير المفردات. فكلُّ تفسيرٍ مقاصديٍّ يستحضر مقاصد القرآن، وليس كلُّ حديثٍ عن مقاصد القرآن تفسيراً مقاصديّاً للآيات؛ إذ قد يَعرض العالِم المقاصد العامّة دراسةً نظريّةً دون أن يُفسِّر بها آيةً بعينها.

ثانياً: التفسير المقاصدي والتفسير الموضوعي

التفسير الموضوعي يجمع آيات الموضوع الواحد — كالصبر أو الإنفاق أو الماء — من سور القرآن المتفرّقة ليُكوِّن منها صورةً متكاملة عن ذلك الموضوع. والتفسير المقاصدي يبحث عن الغاية والحكمة من وراء النصّ. وقد يلتقيان كثيراً، فيُجمع آيات الموضوع ثم يُنظر في مقصدها الجامع؛ بل إنّ من أنفع طرق التفسير المقاصدي أن يَسبقه جمعٌ موضوعيّ.

لكنّ الزاوية في النهاية مختلفة: الموضوعي همُّه «الجمع والاستقصاء»، والمقاصدي همُّه «استنباط الغاية». الأول سؤاله: ماذا قال القرآن في هذا الموضوع؟ والثاني سؤاله: لماذا قاله، وما الذي يريده منّا من ورائه؟ فالموضوعيّ يُجيب عن «ماذا»، والمقاصديّ يُكمل بالإجابة عن «لماذا» و«إلى أين».

ثالثاً: التفسير المقاصدي وتفسير آيات الأحكام

تفسير آيات الأحكام (الاتجاه الفقهي) يَستنبط الحكم العملي من الآية: الوجوب والحرمة والصحّة والفساد والشروط والأركان. والتفسير المقاصدي يُبيّن حكمة الحكم وغايته والمصلحة التي شُرِع لأجلها. والفرق بينهما في أمرين: في السؤال، فالفقهيّ يسأل «ما الحكم؟» والمقاصديّ يسأل «لماذا هذا الحكم وإلى أيّ غايةٍ يقود؟»؛ وفي السَّعة، فالفقهيّ يقتصر على آيات الأحكام وهي قليلةٌ نسبيّاً، والمقاصديّ يشمل آيات العقائد والأخلاق والقصص والأمثال والكون، باحثاً في كلّ ذلك عن مقصده. فالمقاصديّ أوسع ميداناً وأعمق نظراً، وإن كان لا يُغني عن الفقهيّ بل يُكمّله.

رابعاً: التفسير المقاصدي والتأويل

التأويل المذموم يصرف اللفظ عن ظاهره إلى معنىً مرجوحٍ بلا دليلٍ معتبر، فيُسقِط على النصّ ما يريده القارئ مسبقاً ثم يَلتمس له ثوباً من الآيات. والتفسير المقاصدي على النقيض: يلتزم بظاهر اللفظ وسياقه أولاً، ثم ينظر في مقصده الموافق لذلك الظاهر، فلا يُصادم المعنى بل يَبني عليه.

فالفارق الجوهري هو الانضباط بالنصّ: المقاصديّ خادمٌ للّفظ يَستجلي غايته، والتأويليّ المنحرف متحكّمٌ في اللفظ يَطوّعه لغايته. ومن هنا كانت الضوابط — التي يفردها المقال السادس — صمّام أمانٍ يمنع انزلاق المقاصدي إلى تأويلٍ منحرفٍ يلبس لَبوسَ المقاصد؛ فإذا فُكَّ المقاصديُّ من ضوابطه أوشك أن ينقلب إلى تأويلٍ بالهوى.

خلاصةٌ تمييزية

التفسير المقاصدي إذن: منهجٌ في النظر يبحث عن غايات النصّ ومصالحه، يستحضر مقاصد القرآن بوصفها مادّته، ويتقاطع مع التفسير الموضوعي في الجمع ويزيد عليه استنباط الغاية، ويتجاوز الفقهيّ من السؤال عن الحكم إلى السؤال عن حكمته، ويفترق عن التأويل افتراقاً جوهريّاً بالتزامه ظاهر اللفظ وسياقه. وبهذه الحدود الأربعة يحفظ المنهج هُويّته فلا يتميّع في غيره، وينتفع به القارئ فلا يَضلّ به.

يتلوه المقال الثالث: «نشأة التفسير المقاصدي وتطوّره عبر القرون»

| خلاصةٌ للحياة قبل أن تَصِف فهماً بأنه «مقاصدي»، اعرضه على ميزانٍ من سؤالين: هل انطلق من المعنى الصحيح للّفظ؟ وهل يبحث عن غايةٍ شرعيّةٍ معتبرة لا عن هوى؟ فإن سلِم منهما فهو مقاصديٌّ منضبط، وإلّا فهو تأويلٌ يتسمّى باسم المقاصد. | |---|

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ