مقاصد القرآن الكبرى والغاية من التفسير المقاصدي
بقلم: د. أحمد محمد علي أبو سيف، رئيس أكاديمية الأئمة بأمريكا (American Imams Academy).
إذا كان التفسير المقاصدي يقرأ الآية في ضوء غاياتها، فلا بدّ أن نتبيّن أوّلاً المقاصد الكبرى التي أُنزِل القرآن كلُّه لأجلها؛ فهي البوصلة التي تُوجِّه فهم الجزئيات. وقد صرّح القرآن بمقصده الأعظم في غير موضع:
﴿الر ۚ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم: ١]
فالغاية الجامعة هي إخراج الناس من ظلمات الجهل والشرك والظلم والرذيلة إلى نور العلم والتوحيد والعدل والفضيلة. وتأمّل أنّ القرآن جعل الضلال «ظلمات» بالجمع، والهدى «نور» بالإفراد؛ لأنّ طرق الباطل كثيرةٌ متشعّبة، وطريق الحقّ واحدٌ مستقيم. وتحت هذه الغاية الكبرى تندرج مقاصدُ كبرى متشعّبة، حصر ابن عاشور جُلَّها في إصلاح الأفراد والجماعات والعمران — وهو من أشهر التصنيفات لا التصنيف الوحيد — وأمكن تفصيلها فيما يأتي.
أبرز المقاصد الكبرى
الأول: تصحيح الاعتقاد وإقرار التوحيد، فهو أسُّ كلّ إصلاح؛ إذ يبدأ القرآن ببناء التصوّر الصحيح عن الله والكون والإنسان والمصير، فلا تَصلح الأعمالُ على فساد التصوّر. ولذلك كانت السور المكّية تُعنى أوّلاً بترسيخ التوحيد قبل تفصيل الأحكام.
الثاني: تزكية النفس وتهذيب الأخلاق، فالقرآن يُربّي القلب ويُطهّره، كما قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٩-١٠]، وجعل التزكية من أعظم وظائف الرسالة. الثالث: إقامة العدل وحفظ الحقوق بين الناس، فهو ميزان قيام المجتمعات، وقد جعله الله غاية إرسال الرسل وإنزال الكتب: ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥].
الرابع: بناء العمران وإصلاح الاجتماع الإنساني على الخير والتعاون، فالقرآن يدعو إلى عمارة الأرض بالنافع وحفظ الكلّيّات الخمس التي بها قِوام الحياة. الخامس: الرحمة والتيسير ورفع الحرج، فما جاء حكمٌ إلّا ومن ورائه رحمةٌ ومصلحة، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وكلُّ هذه المقاصد تخدم الغاية الجامعة: الهداية إلى الصراط المستقيم.
الغاية من التفسير المقاصدي
إذا تبيّنت المقاصد الكبرى، ظهرت الغاية من قراءة القرآن على أساسها، وهي ثلاثٌ متضافرة. أولاها: تحويل النصّ من خبرٍ يُتلى إلى هدايةٍ تُقصد وتُعاش؛ فلا يبقى القرآن معلوماتٍ تُحفظ في الذاكرة، بل يصير منهج حياةٍ يَحكم السلوك والقرار. وثانيتها: ربط الجزئيات بالكلّيات، فلا يُفهم حكمٌ مفردٌ بمعزلٍ عن مقاصد القرآن الجامعة، فيُؤمَن بذلك من الشذوذ في الفهم والتناقض في التطبيق.
وثالثتها: حفظ الأمّة من آفتين متقابلتين تتجاذبانها على الدوام: الجمودِ الذي يقف عند الحرف فيُفرِّغ الدين من روحه ويُحوّله إلى طقوسٍ بلا أثر، والانحلالِ الذي يتذرّع بالمقاصد ليتفلّت من الأحكام ويُذيب الثوابت. فالتفسير المقاصدي صراطٌ بين غُلوّين، يَجمع بين تعظيم النصّ وفهم غايته.
مثالٌ تطبيقيّ
تأمّل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠]. حتى قال ابن مسعودٍ رضي الله عنه إنها أجمعُ آيةٍ في القرآن للخير والشرّ. القراءة المقاصدية ترى فيها تلخيصاً لمقاصد القرآن في إصلاح الاجتماع: عدلٌ يَضبط الحقوق فلا يُظلَم أحد، وإحسانٌ يتجاوز العدل إلى الفضل فيُذيب الضغائن، وصلةٌ تَبني الأرحام، ثم نهيٌ عن ثلاثٍ تَهدم المجتمع: الفحشاء في الأخلاق، والمنكر في الأفعال، والبغي في العلاقات. فتتحوّل الآية من أمرٍ يُتلى إلى برنامجٍ متكاملٍ لبناء الفرد والأسرة والمجتمع.
يتلوه المقال الخامس: «أعلام التفسير المقاصدي ورجالاته»
| خلاصةٌ للحياة اجعل لنفسك «بوصلةً مقاصديّة»: كلّما قرأت آيةً فاسأل إلى أيّ المقاصد الكبرى تعود — أإلى تصحيح اعتقادٍ، أم تزكية نفسٍ، أم إقامة عدلٍ، أم رحمةٍ وتيسير؟ فهذا الربط يمنحك وحدةً في الفهم، ويجعل كلّ آيةٍ تُضيء جزءاً من الصورة الكبرى للهداية. | |---|
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.