الشكر في الإسلام منهج حياة
من مائدة عيد الشكر إلى مائدة الصلاة: كيف يكون الشكر أدبًا مع المُنعِم لا لفظًا يُقال
المناسبة: خلاصة خطبة جمعة أُلقيت بتاريخ 25 نوفمبر 2016مالمصدر: تفريغ خطبة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله ﷺ، بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة، فجزاه الله عنا وعن أمة الإسلام خير الجزاء. أما بعد:
الناس هذه الأيام في حالة من المعنويات المرتفعة. فعيد الشكر في الغرب، أو في أمريكا، يرتبط بمفهومين أساسيين: الاجتماع على الطعام وعودة الأسر بعضها إلى بعض والالتفاف حول مائدة، ثم بُعد يرتبط ارتباطًا مباشرًا بالمشتريات، أي «الجمعة السوداء». وما ينبغي أن ينفصل المنبر عما يعيشه الناس، فنتحدث اليوم عن مسألتين: ما دلالة الشكر عند المسلمين؟ وهل ننتظر العام كله لنشكر الله، أم نقف بين يديه في كل صلاة فنقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 2-7]؟
حمدٌ في كل ركعة
في كل صلاة وفي كل ركعة نُقرّ بالحمد، وهو مفهوم أعمّ من الشكر: حمدٌ تامّ لله رب العالمين. ومن فضل الله علينا أن «الحمد لله» تتردد على ألسنتنا ليل نهار: كيف حالك؟ الحمد لله. طيبين؟ الحمد لله. حتى صارت كلمة يعرفها كل من عرف هذه الثقافة. فالحمد والشكر عندنا مرتبطان بأعمال اليوم والليلة، لا ينفصلان عن حياتنا.
فنحن نقرّ بأن الله هو الذي خلقنا، ولم نأتِ من صدفة، ولا من طبيعة فعلت فعلها ثم انصرفت عن أمرها؛ لنا خالق قدّر وهدى، وهو مسبّب الأسباب، جمع الأزواج فأنتج منها الذرية. ثم نوقن بأن لا حياة لنا لحظة بعد لحظة إلا بمدد منه، وأن الحياة حين تنتهي فبأمره. هو الذي يقضي فينا ويدبّر لنا، ويعطينا ما شاء ويمنع عنا ما شاء.
نحن نؤمن بذلك، لكن السؤال يبقى: هل نعيش الحمد لفظًا فقط، أم ينبغي أن نعيشه واقعًا حيًّا؟
مراحل الشكر
كيف يكون الشكر؟ يقول أهل العلم إن الشكر يتجزأ باعتبار الأعمال والأوقات، فلكل مرحلة من مراحل العبد نوع من الشكر. هناك مرحلة يبلغ فيها العبد غاية مراده ويعرف حقيقة الدنيا وأصلها وما ينتج منها ومتقلباتها، فيقول: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ﴾ [الأحقاف: 15].[1] وهناك مرحلة أخرى يسعى فيها العبد كادحًا إلى تحصيل ما يريد وإنجاز ما يبتغي، فيكون الحمد فيها حمدًا جزئيًّا: كلما عبر مرحلة حمد الله على ما أنتجه، ثم انتقل إلى التي بعدها، كالذي يجمع الأشياء فيحمد الله كلما توفّر بين يديه شيء. فهذه أنواع من الحمد تتمايز بتمايز الأوقات والأعمار.
أولى حيثيات الشكر: معرفة من تتعامل معه
لنتخيل عبدًا مَنَّ الله عليه برزق حلال طيب، فرأى مالًا أكثر يأتي لفلان من صفقات مشبوهة، أو من مصدر دخل ليس حلالًا صافيًا، فقال: دعنا نجرّب، دعنا نجازف هذه المرة. فإذا هو يخسر كل شيء. ما الذي دعاك إلى تجاوز حماية الله لك؟ أتدري حين تضع لطفلك الصغير سريرًا بأسوار، فيريد أن يتجاوزها ليحصل على أشياء ليست في حيّزه الضيق، فإذا هو يقع على رأسه؟ أهذه نجاته أم هلاكه؟ إذا جعل الله لك سياقًا من الحلال الطيب تعيش فيه مطمئنًا راضيًا، تدخل بيتك فتجد ابتسامة على الوجوه، وتنام آخر النهار وضميرك مرتاح، وتنظر إلى من حولك فإذا الوجود في ذاته سعيد بك وأنت سعيد به، فأنت في حالة من الاستقرار؛ لكن النفس تطمح، والعين تتطلع، والفؤاد قد ينفتح على ما عند الآخرين. كيف نحصل على ما لا نملك ثمنه؟ فنفتح على أنفسنا أبوابًا، فإذا ربُّ العالمين يريك عاقبة أمرك. فكيف يكون الشكر في هذه الحال؟ أن تدوم على ما أنعم الله به عليك.
وانظروا إلى إنسان آخر يسّر الله له سبل طلب العلم، فهو متميز نابغ بين رفاقه، يحقق الدرجات العليا في كل مرحلة، ووفّقه الله إلى ما لم يوفق إليه غيره، وحياته مستقرة مستقيمة؛ لكنه يقارب الخمر في ليلة، أو يتطلع إلى ما هو حرام، فإذا الله يذهب بخلايا عقله من حيث لا يدري، وينقلب الأمر على صاحبه. فكيف يكون الشكر في هذه الحال؟ أن تتعرف إلى نعمة الله عليك فتلتزم الأدب معه. وهذه أولى حيثيات الشكر: أن تعرف مع من تتعامل، حتى إذا قلت «الحمد لله» أو «شكرًا» أو «أنا ممنون» عرفت من تخاطب، فلا تتجرأ على اجتياز الحدود التي رسمها لك المنعِم. نحن نتأدّب مع عطايا البشر فلا نتجاوز حدودنا، فلماذا نتجرأ على الله؟
سفينة تمضي هادئة
وانظروا إلى رجل بيته مستقر، وامرأته تحفظ عليه حماه، وأولاده يتربون بين يديه، والحياة مطمئنة بإذن الله. تقابلنا مشكلات الحياة، نتعثر أحيانًا، نحتاج إلى بعض المال فنقترض من هنا وهناك، وتقع مشكلة في البيت: الولد فعل، والبنت قالت، والزوجة غاضبة. هذه أمور طبيعية، لكن المركب تسير في وسط هذا التموّج الهادئ. غير أن صاحبنا يتطلع إلى مركب أخرى، ويعجبه الأمر ويزدان في رأسه، فيقفز من مركبه محاولًا أن يضع إحدى قدميه في هذا الجانب والأخرى في ذلك، فإذا هما تتباعدان، فإما أن يقع غريقًا وإما أن يبقى في ناحية دون أخرى وأموره لا تستقر بعد ذلك، ما دام لم يسلك الطريق الحلال الطيب الذي شرعه الله.
كلٌّ منا يتطلع، فنحن بشر وفي نفوسنا شهوات؛ لكن العاقل من يضبط حركته بما يضمن له سلامة سيره. العاقل من ينظر إلى الأفق ليعلم أين يوصله السبيل الذي يسلكه. فإن كنت سأصل إلى غنى قريب من وسيلة محرَّمة، فماذا عن ولدي الذي سينبت لحمه من مطعم حرام؟ أيكون مؤمنًا يومًا ما؟ أيحلّ القرآن في قلبه؟
وهذا مثال آخر في منتهى البساطة: امرأة لا ترضى بواقعها ولا تعيش حياتها، تريد المزيد وتعترض على كل شيء، على خصال الرجل وعلى البيت الضيق وعلى المال القليل. وقد أكرمها الله برجل شهم له رجولته، يخاف عليها ويبذل جهده كله في إسعادها، ويقدّم لها كل سبل الحب والودّ، ولا ترضى. وأكرمها الله بعيال الأصل فيهم أن يتربّوا في هذا المحضن العائلي، فتتابع تمرّدها على حياتها، فإذا هي تهلك في نفسها، ويضيع عيالها، ويتشتت زوجها. وإذا حياة كانت مستقرة بإذن الله تتبدل إلى غير ما كان متوقعًا، ولا ندري إلى أين المصير.
كل نعمة من الله
عباد الله، نحن أمام حياة أنعم الله بها علينا، وليس لنا مصدر آخر يكسبنا ما نحن فيه إلا الله، ولا قوة ذاتية لنا: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53]. لا نقاش في هذا. فلا تظنّ أنك تستطيع فعل شيء من ذاتك، فاحترم وتأدّب مع إله خلق فيك وأودعك قدرة وعطاء وهذه الأسرار الإنسانية التي ليست إلا من عند خالق الإنسان.
ونحن مأمورون بالشكر آناء الليل وأطراف النهار، وليس هناك مستثنى من هذه القاعدة، حتى الأنبياء والمرسلون. أثنى الله على إبراهيم عليه السلام فقال: ﴿شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ﴾ [النحل: 121]، وعلى نوح عليه السلام فقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: 3]. وهكذا الأنبياء والمرسلون، حالهم مع الله حال المتعرِّف على النعمة الباذل جهده لشكر إلهه وخالقه. فكونوا على هذا الطريق من الشكر آناء الليل وأطراف النهار.
خطوة عملية: بيت الله في كل يوم
إن الله أعطاكم نعمة وأعطاكم إمكانات لشكره: أن تردوا بيته مرة في يومك، مرة واحدة في صلاة العشاء، فتشكروا الله على ما أعطاكم من النعمة بأن تأتوا بيته مرة واحدة في اليوم. ولو أتيتَ المسجد مرة في اليوم، فلعل الله أن يزيدك رغبة في أن تأتي بعد ذلك تباعًا طوعًا راغبًا، ويمنحك مزيدًا من فضله.
لقد أنعم الله علينا ببيوت وزوجات وعيال. فتعرّفوا على نعم الله التي أعطاكموها واشكروه سبحانه، واستقيموا في حياتكم، وانظروا في مكاسبكم ومطاعمكم، فإن ربّ العالمين يزكّي ويبارك من كان على طريقه. وعقابه أليم، فتجنبوا مواطن غضب الملك سبحانه. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية: سنّة التدافع
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أريد أن أعلّق على ما تداولته صفحات فيسبوك من أن حرائق شبّت هي عقاب من الله أحرق به على قومٍ بيوتهم وأماكنهم وأهليهم. أرجو أن نفكر بشيء من العقلانية.
ثم إن مسألة أن يبعث الله عقابًا على قوم، كانت قبل مجيء النبي محمد ﷺ. فلما جاء ﷺ تعلمنا من حياته ومن منهج القرآن أن هناك ما يسمى بـ«سنّة التدافع». اقرأ قول الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: 40]. أي إن ناسًا يدفعون هذه الناحية وآخرين يدفعون تلك، ناس مع الباطل وناس مع الحق يتدافعون فيما بينهم. فالحفاظ على المساجد إذن مسؤولية بشرية في المقام الأول، برقابة الله وإشرافه، لكننا إن فرّطنا في المساجد فقد تُهدم، وإن تنازلنا عن حقوقنا لن يحفظها الله بين أيدينا.
فإن راجعتني قلت لك: ما الذي آلت إليه الأمور في غزوة أُحد، ورسول الله ﷺ بين الناس؟ هل انتصر المسلمون إلى ختام المعركة؟ لا. لماذا؟ لأن بعضهم لم يؤدّ الواجب الذي عليه على أتمّ وجه. فلما حصل التقصير في جند حتى وإن كانوا حول محمد بن عبد الله ﷺ، لحقتهم سنّة كونية. أكان هيّنًا على الله ألّا يصل واحد منهم إلى جبهة النبي ﷺ فيسيل الدم منها؟ لكن رب العالمين يعلمنا أن الأسباب أسباب، وأن عليكم أن تنصروا دينكم بما استطعتم، فإذا بلغ الجهد منكم ونفدت الطاقة واتُّبعت الأسباب على أتمّ الوجوه، جاء المدد من عند الله، ولو كان هذا المدد ملائكة تتنزل من فوق سبع سماوات: ينصر الله من ينصره.[2]
وفي غزوة الخندق، والنبي ﷺ يحفر ويجتهد ويتعب، وليس هناك مال ولا طعام، وهناك برد وفصول تتقلب على الناس، فلما بلغوا الأسباب وبذلوا ما استطاعوا وفعلوا كل ما في وسعهم، ولم يبق إلا أن يأتي من عند الله أمر يستنقذهم، جاء من عند الله؛ لكن بعد أن بذل الناس ما استطاعوا. أما نحن فقاعدون نأكل، والحمد لله مبسوطون على الآخر، ومنتظرون أن نفرح ونصفّق ونقول: المكان الفلاني يحترق. فما الذي نفعله؟ ركعة أو ركعتان في جوف الليل تدعو الله فيهما أن ينصر دينه، هذا عمل. أن تتفكر في قضية وتعيش معها وتجتهد في التفكير في حلولها، هذا عمل. أن تبذل ما تستطيع لخدمة أناس أو لإحياء أناس، هذا عمل. أما أن نبقى نردد شعارات فهذا ليس تجاوبًا مع أناس تعلموا العلم وعرفوا مبادئه وأسسه ونتائجه. ينبغي أن نفكر بطرائق مختلفة، ونحن ندفع الثمن أولًا وأخيرًا. ونسأل الله العافية والسلامة يا رب العالمين.
الجمعة السوداء وفخّ الأسعار
أما النقطة الأخيرة، وقد أطلت عليكم، فهي ما بقي من «الجمعة السوداء» والتخفيضات والأسعار، والناس يأتون أحيانًا بالكاد ليصلوا الجمعة ثم يعودون ليلحقوا ما بقي. هناك ما يمكن أن يسمى «مافيا الأسعار». فإن لم تكن تحتاج إلى شيء فعلًا فلا تبتلع هذا الطُّعم؛ فاليوم وغدًا مظنّة تبذير يقع فيه كثير من نسائنا وبناتنا ومنّا نحن أيضًا، ثم نندم عليه بعد ذلك. تضرب بطاقة الائتمان وتأخذ الأكياس وتخرج فرحًا بها، ثم تعود إلى البيت وترمي الأشياء في كل ناحية، ثم في آخر الشهر تجد نفسك تضرب كفًّا بكفّ. كل واحد يعرف في أي شيء يضرب نفسه في آخر الشهر.
نسأل الله أن يرزقنا التعقل، وأن يمنّ علينا بنعمة العافية، وأن يرينا ما بين أيدينا من الخير ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا ما بين أيدينا من الشر ويرزقنا اجتنابه. اللهم سلِّمنا وسلِّم لنا وبنا، واحفظ علينا عافية قلوبنا وأمِّن نفوسنا. اللهم إنا نسألك إيمانًا تمتلئ به حياتنا وعافية تتمتع بها أبداننا يا أرحم الراحمين. اللهم يسّر لنا سبل الطاعات واحفظنا على بيتك ما حيينا. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلّ اللهم على نبينا محمد.
--- [1]: توثيق المحرر: لفظ الدعاء ورد في الأحقاف: 15 وفي النمل: 19؛ واعتُمد موضع الأحقاف لأن سياقه ذكر بلوغ الأربعين والمنتهى. [2]: توثيق المحرر: نطق الخطيب بمعنى «ينصر الله من ينصره» ولم يتلُ الآية ولم يسمِّ السورة؛ ومعناها في قوله تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ﴾ [الحج: 40].
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.