أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
القرآن والحضارة

فاسْتَمسِكْ بِالَّذي أُوحِيَ إِلَيكَ

حين يعلو خطاب العداء، يبقى السؤال الذي لا يسقط: عمّ ستُسألون؟

د. أحمد أبو سيف•١١ سبتمبر ٢٠٢٦•5 دقائق قراءة
المناسبة: خلاصة خطبة جمعة أُلقيت في AIA Masjid بتاريخ 11 سبتمبر 2026مالمصدر: تفريغ خطبة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوبتنبيه المحرر: هذه المادة ملخَّصٌ لما ثبت من المحاضرة وليست تفريغًا حرفيًّا لها؛ ولم يُضَف إليها شرحٌ لم يرد فيها.

﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ۝ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ۖ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: 43-44]. بهذه الآية بنى الخطيب خطبته: أمرٌ بالتمسك، ووعدٌ بالاستقامة، وتذكيرٌ بأن وراء كل ذلك سؤالًا قادمًا. فعمّ سيُسأل المسلم يوم يقف بين يدي ربه؟

موقع المسلم من هذه الأرض

وقد تكاثر الناس في إظهار عداوتهم للإسلام؛ ومن هنا بدأ الخطيب بتحرير موقع المسلم من هذه الأرض. فالمسلم الذي بذل فيها أيامه وسنواته وعقودًا من عمله، ودفع فيها ضرائبه، وانتفع منها بقدر ما انتفع ولا ينكر ذلك، جزءٌ من ترابها، ومصلحته قائمة في سلامتها. والتخلي عنها شعوريًّا خيانة لأصل التدين الذي يأمر بعمارة الأرض. وقد قال إن من أراد أن يتنصل من هذا الانتماء فذلك شأنه في فلسفة تُحترم، لكن الأمور تُقدَّر بمقاديرها: حتى من لم يكن مواطنًا، فإن الإسلام أولى أولوياته ومنتهى آماله، ولن يُسأل بين يدي الله عن شيء قبله.

وضرب لذلك مثلين من سيرة الأنبياء. فيوسف عليه السلام لما انتقل إلى مصر صار جزءًا منها، ولم يرجع إلى موطن أبيه يعقوب، بل جاء بيعقوب وأبنائه إلى الوطن الجديد. ونبينا ﷺ فتح الله له مكة التي قال لها يومًا إنها أحب بلاد الله إليه، ولولا أن أهله أخرجوه منها ما خرج[1]، ومع ذلك صارت المدينة وطنه الذي يحميه ويدفع الشر عن أهله. كِيدت له في المدينة وما حولها المكائد ونُصبت المصائد، ودُبِّر لقتله بصخرة تُلقى من فوق السطح، وبسمٍّ يوضع في الطعام،[3] فلم يتخذها محطة عابرة. ولما صارت مكة تحت سلطانه لم يختر أن يموت فيها ولا أن يُدفن بها. الشأن الداخلي هنا شأننا، وليس شأنًا خارجيًّا عنا.

سؤال لا يُعفى منه أحد

يرى الخطيب أن ما يخاف منه الناس، من فقر وعوز واعتقال وسجن وموت، أمورٌ في أقصاها بيد الملك سبحانه، وليست بيد أحد من الخلق. ولذلك فإن عجز المرء عن التعبير عن دينه أو الإدلاء برأيه، وانكماشه واختباءه، ليس له مسوِّغ عقدي، وصاحبه متَّهم في عقيدته. والآية صريحة: «وسوف تُسألون»، عن المنهج والصراط والرسالة والإسلام.

الزخرف: بهرجة الدنيا ومنطق المترَفين

والآية من سورة الزخرف، وهي كلمة تدل على زينة خارجية تلحق الأشياء إلى حين ثم تتساقط مع الزمن. وهي في المعنى بهرجة الدنيا: الحياة المريحة والفرش الوثيرة والسيارات الفخمة والبيوت الواسعة، وهو ما ينخدع به الناس حين ينتقلون إلى حياة جديدة. أما الحقيقة فهي الرسالة.

والسورة، كما قال، تخاطب النبي ﷺ مباشرة وتعرض عليه منطقين متجاورين. الأول منطق من يدفع القضية في ذاتها ويحاربها لأنها قضية. والثاني لسان يحتقر الأشخاص: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: 31]. أي إن هذا الرجل فقير غلبان، فلا يليق به أن يقوم معنا. وهي، كما قال، عقلية لا تنقطع ولا تكف عن تكرار الادعاءات الفارغة المضمون منذ ذلك الزمن.

وجواب القرآن يأتي في الآية التالية: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: 32]. وهو، في رأي الخطيب، يخاطب أهل الإسلام حين يكونون في حال افتقار أو حاجة بلسان المترفِّق. ثم تأتي الآيات: ﴿وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ۝ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ ۝ وَزُخْرُفًا ۚ وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: 33-35]. نحن لا نتعلق بالزخرف، فنحن أصحاب القيمة.

ثم تتجلى الصورة حين نرى فرعون ينادي في قومه: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ [الزخرف: 51]، يعد الناس بالغنى ويستند إلى الأنهار والملك. هو المنطق نفسه، فكانت النتيجة: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف: 54].

سورة ملهمة للدعاة

وفي الخطبة الثانية عاد إلى السورة نفسها فقال إنها ملهمة للدعاة، وإن الشيخ الخولي رحمه الله ألّف كتابًا سماه «تذكرة الدعاة» يذكر فيه هذه السورة[2]. ففيها حقائق نفسيات الخلق، والصراع على الدنيا، ومصداقية الانتماء إلى هذا الدين، وما يبني عليه كل طاغية أوهامه ليستخف بالناس، وعقليات تنكر الأشخاص والحقائق. وفيها منهجية الدعوة بالمنطق والواقع، كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: 81]. ودعا إلى إعادة قراءتها بهذا النمط، واستنباط الموقف من التدين منها.

كيف يكون الاستمساك

فما معنى أن نستمسك بالذي أُوحي إلينا؟ فصّل الخطيب ذلك في أمور عملية: أن تُمسك عليك عيالك ناجين من البأس الذي يعيش الناس فيه، وأن تستمسك بصلاتك فلا تنخرم مرة واحدة في يومك وليلتك، وأن تستمسك بصلابة بيتك وقوته فلا تترك فرصة للشيطان أن يخترقه ويدنِّسه ويلوث هدوءه، وأن تستمسك بحل المطعم وصدق الكلمة وسلامة الضمائر. وكرّر هذه الأخيرة ثلاثًا.

وقرن ذلك بالإنفاق: من تصدّق فهو له، ومن أمسك يده فلينظر على ما يمسكها وإلى أين مصيرها. ونحن حين ننفق لا نعطي الناس وإنما نمنح أنفسنا مزيدًا من الرصيد نلقى الله به، فمن حرص على سجلّه الائتماني في هذه الدنيا فليحرص على سجلّه بين يدي الله. ﴿وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ﴾ [محمد: 38].

ثبات ثم سؤال

لخّص الخطيب الموقف في وصية قصيرة: تمسّكوا بدينكم، ولا يفوتنَّكم الإسلام في لحظة من لحظات الحياة، ولا تغرنَّكم الدنيا فإنها زائلة بزوالنا أو بزوالها. والقبر ينتظر الناس، وحين نموت لن يلتفت إلينا الخلق، وسنكون محل سؤال الخالق.

وختم بدعاء: اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار، ثبّتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأجرنا من خزي الدنيا ومن عذاب الآخرة.

--- [1]: توثيق المحرر: جاء بنحوه في حديث عبد الله بن عدي بن الحمراء رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال لمكة: «وَاللهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللهِ إِلَى اللهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ». رواه الترمذي (٣٩٢٥) وقال: «حسن صحيح غريب»، وابن ماجه (٣١٠٨). وقد أورده الخطيب بمعناه لا بلفظه. [2]: توثيق المحرر: «تذكرة الدعاة» للبهي الخولي (مصر: دار الكتاب العربي، ١٩٥٢م، بحسب فهرس مكتبات جامعة نيويورك). ولم يقف المحرر على موضع حديثه فيه عن سورة الزخرف. [3]: توثيق المحرر: لم يُسمِّ الخطيب سياق الحادثتين؛ وخبر الشاة المسمومة في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه (البخاري ٢٦١٧، ومسلم ٢١٩٠)، وعند البخاري (٣١٦٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن ذلك كان لما فُتحت خيبر. أما خبر الصخرة فذكره ابن إسحاق في شأن بني النضير، وأن عمرو بن جحاش صعد ليلقيها على النبي ﷺ.

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ