أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
سلسلة · الحلقة 16
المفاهيم الإيمانية
المفاهيم الإيمانية

الإحسان في القرآن

ما فوق الحقّ

د. أحمد أبو سيف٤ يوليو ٢٠٢٦7 دقائق قراءة

سأل جبريل عليه السلام النبيَّ ﷺ، في صورة رجلٍ لا يُعرَف، عن الإسلام فأجابه، ثم عن الإيمان فأجابه، ثم سأله عن أعلى المراتب الثلاث: "فأخبرني عن الإحسان"، فقال ﷺ: "أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ"[1]. لم يُجِب النبيّ ﷺ عن الإحسان بذكر فعلٍ إضافيّ يُفعَل، بل بحالة استحضارٍ تُصاحب كل فعل. وهذا وحده يكشف أن الإحسان في ميزان الوحي ليس بندًا يُضاف إلى قائمة الواجبات، بل نوعيةٌ ترتفع بها الأفعال كلها فوق حدّها الأدنى.

حصر اللفظ والإحصاء

يرد جذر «ح س ن» في القرآن الكريم أربعًا وتسعين ومئة مرة، في اثنتي عشرة صيغة. غير أن هذا العدد الكبير يتوزّع على حقلين دلاليَّين متمايزَين: حقل «الحُسن» بوصفه جمالًا أو خيرًا في الشيء أو الجزاء — ويشمل «حَسُنَ» (٣ مرات)، و«أحسن» بمعنى الأفضل والأجمل (٣٦ مرة)، و«حُسْن» (١٣ مرة)، و«حَسَن» (٢١ مرة)، و«حَسَنات» (٣ مرات)، و«حُسْنى» (١٧ مرة)، و«حَسَنة» (٢٨ مرة) — وهذه كلها تصف صفة الجمال أو الخير في شيءٍ قائم، لا فعل الإحسان بمعناه الفاعليّ. أما الحقل الذي يعنينا هنا تحديدًا فهو صيغ الفعل الرباعيّ «أحسن»، الذي يدلّ على الفعل الإرادي المتعدّي: إحداث الحُسن في فعلٍ يقوم به الفاعل تجاه غيره. ويشمل هذا الحقل: إحدى وعشرين مرة فعل «أحسَنَ»، واثنتي عشرة مرة اسم «إحسان»، وتسعًا وثلاثين مرة اسم فاعلٍ «مُحسِن/مُحسِنون/مُحسِنات» — أي اثنان وسبعون موضعًا هي الشاهد اللفظي المباشر لمفهوم «الإحسان» بوصفه فعلًا فاعليًّا، من أصل مئة وأربعٍ وتسعين موضعًا لعموم الجذر.

الجذر اللغويّ: من الوصف إلى الفعل

في أصل اللغة، «حَسُنَ» فعلٌ لازم يصف قيام الحُسن في الشيء نفسه: حَسُنَ الوجهُ، حَسُنَ الخُلُق. أما «أحسَنَ» فهمزته همزة التعدية التي تحوّل الفعل اللازم إلى متعدٍّ: من حَسُنَ الشيءُ في ذاته، إلى أحسَنَ الفاعلُ الفعلَ، أي جعله حَسَنًا بفعله هو. هذا الانتقال الصرفيّ الدقيق — من الوصف الساكن إلى الفعل المتعدّي — هو مفتاح فهم الفارق بين «الحَسَن» (الشيء الجميل في ذاته) و«الإحسان» (الفعل الذي يُحسِن به الفاعل إلى غيره أو في عمله)، وهو الفارق الذي يجعل هذا المقال يعنى بالحقل الثاني دون الأول.

البنية المركزية: ما فوق الحقّ الواجب

يُعرّف القرآن الإحسان تعريفًا ضمنيًّا حين يقرنه بالعدل في آيةٍ واحدة تُعدّ من أجمع آيات القرآن: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ﴾ (١٦:٩٠). وقد سبق في مقالٍ من هذه السلسلة تفصيل الفارق بين القسط والعدل بوصفهما ميزانَين ظاهرًا وباطنًا؛ والإحسان هنا يضيف طبقةً ثالثة فوقهما كليهما: فالعدل، في تعريف أكثر العلماء له، هو المقابلة بالمثل — أن تُعطي كلّ ذي حقٍّ حقّه لا أكثر ولا أقل؛ أما الإحسان فهو التفضّل بما يزيد على الحقّ الواجب، أن تُعطي أكثر ممّا يجب عليك أو تأخذ أقلّ ممّا يحقّ لك. فإذا كان العدل هو الحدّ الأدنى الذي لا يجوز النزول عنه، فإن الإحسان هو الأفق الذي لا حدّ أعلى له. ولهذا يجيء الإحسان في القرآن دائمًا مقترنًا بموضعٍ يتجاوز فيه الفاعل ما كان يكفيه أن يفعله لو اكتفى بالعدل وحده.

نموذجٌ متكرّر: الإحسان عقب حقّ الله مباشرة

من أعجب ما يكشفه تتبّع اللفظ أن أمر الإحسان إلى الوالدين يتكرّر في القرآن خمس مرات بصيغةٍ شبه حرفية، وفي الموضع نفسه دائمًا: عقب الأمر بتوحيد الله مباشرة، بلا فاصل: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (٤:٣٦، وبالصيغة نفسها تقريبًا ٢:٨٣، ٦:١٥١، ١٧:٢٣، ٤٦:١٥). لم يقل القرآن "ثم بالوالدين إحسانًا" بفاصلٍ زمنيّ أو رتبيّ، بل عطف الإحسان إلى الوالدين على حقّ الله بواو العطف المباشرة، وكأنه يمنح هذا الحقّ الإنسانيّ المكانة الثانية عقب حقّ الخالق دون واسطة. وهذا التكرار الحرفيّ خمس مرات في خمس سورٍ مختلفة ليس مصادفةً أسلوبية، بل تأكيدٌ متعمَّد على أن الإحسان إلى الوالدين ليس بابًا فرعيًّا من أبواب البِرّ، بل الامتداد المباشر لتوحيد الله في ميدان العلاقات الإنسانية.

نموذجٌ آخر: شرط الإسلام الصحيح

يربط القرآن الإحسان بصحّة الاستسلام لله في ثلاثة مواضع بصيغةٍ متقاربة: ﴿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ (٢:١١٢، وبالمعنى نفسه ٤:١٢٥، ٣١:٢٢). فالآية لا تكتفي بشرط "أسلم وجهه لله"، بل تُلحِق به قيدًا: "وهو محسن" — وكأن الاستسلام المجرّد، الخالي من الإحسان في الأداء، لا يبلغ كماله المطلوب. هذا يوافق تمامًا ما جاء في حديث جبريل: فالإسلام أركانٌ تُؤدَّى، والإيمان عقائد تُصدَّق، أما الإحسان فهو الروح التي تسري في أداء الأركان وتصديق العقائد معًا، فتجعل العبادة استحضارًا لا مجرّد تكرارٍ.

نموذجٌ ثالث: سنّةٌ تتكرّر عبر الأنبياء

يختم القرآن في سورة الصافّات خمس قصصٍ نبوية متتالية — نوحًا وإبراهيم وموسى وهارون وإلياس — باللازمة نفسها حرفيًّا: ﴿إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣٧:٨٠، ١٠٥، ١١٠، ١٢١، ١٣١). خمس قصصٍ مختلفة تمامًا في تفاصيلها — طوفانٌ، وذبحٌ، وفلقُ بحر — يجمعها ختامٌ واحدٌ لا يتغيّر: أن جزاء الإحسان سنّةٌ إلهية ثابتة عبر الأنبياء جميعًا، لا معاملةٌ خاصة بنبيٍّ بعينه. وفي هذا إشارةٌ إلى أن الإحسان ليس مقامًا يخصّ صفوة الصفوة، بل معيارًا ثابتًا يُجازى به كل من بلغه، من نبيٍّ إلى آخر الناس مقامًا.

نموذجٌ رابع: هل جزاء الإحسان إلا الإحسان

وفي سورة الرحمن، بعد سلسلة النِّعَم المتتالية التي عدّدتها السورة، تأتي آيةٌ قصيرة تلخّص منطق الجزاء كله: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ (٥٥:٦٠). والسياق الذي وردت فيه هذه الآية سياق أخرويّ: جزاء من أحسن في الدنيا جنّةٌ يُحسَن إليه فيها. لكن العلماء لم يقفوا عند هذا المعنى وحده، بل استخرجوا منها قاعدةً أخلاقية عامة صالحةً لكل تعامل إنسانيّ: أن من أحسن إليك يستحقّ منك إحسانًا لا مجرّد مقابلةٍ بالمثل. وهذا يضيف طبقةً إلى البنية المركزية التي أسّسها هذا المقال: فإذا كان الإحسان في جوهره تفضّلًا بما يزيد على الواجب، فإن مقابلته بالإحسان تفضّلٌ آخر يزيد على الواجب أيضًا؛ فلا يكتفي المحسَن إليه بأن يشكر شكرًا يوازي ما ناله، بل يزيد عليه، فتستمرّ حركة التفضّل بلا توقّفٍ عند حدّ المعادلة.

الشاهد النبويّ

حديث جبريل الذي افتُتح به هذا المقال، رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأخرجه مسلم في صحيحه (رقم ٨)[1]. ويُضيف شارحو الحديث أن الإحسان فيه درجتان: الأولى استحضار رؤية القلب لله فيزداد بها إخلاص العمل وإتقانه، والثانية استحضار علم الله باطّلاعه على العبد فيبعثه ذلك على المراقبة والحياء منه. وكلتا الدرجتين تصبّان في المعنى نفسه الذي كشفه التحليل اللغويّ: أن الإحسان ليس فعلًا إضافيًّا يُفعَل، بل نوعيةً تعلو بها الأفعال القائمة أصلًا فوق حدّها الأدنى.

قراءةٌ مقاصديّة

يذهب عددٌ من العلماء، عند تناول آية ١٦:٩٠، إلى أن ترتيب الفضائل الثلاث فيها — العدل ثم الإحسان ثم إيتاء ذي القربى — ترتيبٌ تصاعديّ مقصود: العدل حدٌّ أدنى واجب لا يُعذَر تاركه، والإحسان تفضّلٌ يُثاب فاعله ولا يُعاقَب تاركه، وإيتاء ذي القربى — وهو صلة الرحم بالمعروف دون مقابل — أرفع الثلاث لأنه عطاءٌ لا ينتظر جزاءً ولا حتى ثناءً. وعلى هذا الترتيب، يكون الإحسان بابًا وسيطًا بين ما يُلزَم به كل مكلَّف وبين أعلى مراتب التفضّل، وهو ما يفسّر كثرة وروده في سياقاتٍ متنوّعة: إحسانٌ إلى الوالدين، وإلى ذوي القربى واليتامى والمساكين (٤:٣٦)، وإلى من أساء إليك («وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ»، ٣:١٣٤)، وحتى في أدقّ التفاصيل الإجرائية كالطلاق («فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ»، ٢:٢٢٩). فالإحسان، في المنظومة القرآنية، ليس ميدانًا واحدًا بل معيارُ أداءٍ يُطبَّق على كل ميدانٍ يُتصوَّر فيه حدٌّ أدنى واجب وأفقٌ أعلى ممكن.

البُعد التطبيقي المعاصر

يخلط كثيرون اليوم بين "أداء الواجب" و"الإحسان فيه"، فيظنّون أن الوفاء بالحدّ الأدنى من مسؤولياتهم — نحو والدَيهم، أو عملهم، أو من تحت رعايتهم — كافٍ لإبراء الذمّة. لكن الآيات الخمس التي تقرن الإحسان بالوالدين مباشرةً عقب توحيد الله تذكّر بأن ثمة فارقًا حقيقيًّا بين من يزور والدَيه بحكم الواجب الاجتماعي وبين من يُحسِن إليهما بما يفوق ما يُطلَب منه؛ الأول عادلٌ في حدود الإلزام، والثاني محسنٌ في أفقٍ لا سقف له. وفي بيئة العمل، يصلح تعريف الإحسان بأنه "ما فوق الحقّ" معيارًا عمليًّا للتمييز بين موظّفٍ يؤدّي المطلوب منه حرفيًّا وبين آخر يُحسِن أداءه بما يتجاوز نصّ الوصف الوظيفي. وحديث جبريل يضيف بُعدًا لا يُغني عنه الأداء الظاهر وحده: أن يُستحضَر في كل عملٍ — واجبًا كان أو تفضّلًا — أن الله يراه، فتلك هي الروح التي تجعل الإحسان إحسانًا لا مجرّد إتقانٍ فنّيّ بلا استحضارٍ قلبيّ.

وفي العلاقات الإنسانية اليومية، تقدّم آية "هل جزاء الإحسان إلا الإحسان" ميزانًا مختلفًا عن ميزان "رَدِّ الجميل" الشائع، الذي يكتفي غالبًا بمعادلة الفعل بمثله. فمن أسدى إليك معروفًا، يكفي في منطق العدل أن تردّ له معروفًا يوازيه؛ لكن منطق الإحسان يدعو إلى الزيادة عليه، لا الاكتفاء بموازنته. وهذا يفسّر لماذا لا يُذكَر الإحسان في القرآن إلا في سياقاتٍ يُتوقَّع فيها أن يكتفي الفاعل بالحدّ الأدنى: العافون عن الناس، بدل الاقتصاص منهم بالمِثل؛ والمُمسِك بمعروفٍ أو المُسرِّح بإحسان، بدل الطلاق بأقلّ الحقوق الممكنة؛ ووالدان أدّى لهما الابن حقوقهما الأساسية، فيُطلَب منه أن يزيد عليها.

خاتمة

من سؤال جبريل عن أعلى المراتب الثلاث، إلى آيةٍ تتكرّر خمس مرات تُلحِق الوالدين بحقّ الله مباشرة، إلى لازمةٍ واحدة تختم بها خمس قصصٍ نبوية مختلفة، يرسم القرآن للإحسان معنًى واحدًا لا يتغيّر: أداءٌ يتجاوز الحدّ الواجب، بقلبٍ يستحضر أن من يُحسَن إليه الفعل يراه قبل أن يراه أحدٌ سواه. والله تعالى أعلم، وهو وليّ التوفيق.


الهوامش

  1. رواه مسلم في صحيحه، رقم ٨، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، في حديث جبريل المشهور.
شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ