الاستعصام في القرآن
أن تطلب العصمة وتبذل أسبابها
في قصرٍ مغلق الأبواب، وفتًى غريبٌ بلا نصير، وسيدةٌ صاحبة جاهٍ وجمالٍ وسلطان، تُغلق الأبواب وتقول: «هيتَ لك». ولا شاهد إلا الله. ثم تمضي الأيام، وتضيق المرأة بامتناعه، فتجمع النسوة وتعرض عليهنّ فتاها، وتقول ما كانت تكتمه: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ (١٢:٣٢). كلمةٌ واحدة تختصر ليالي الثبات الطويلة، وشهادةٌ جاءت من خصمه قبل أن تأتي من أحبابه. ولم تقل «امتنع» ولا «ابتعد»، بل قالت «استعصم»، أي طلب لنفسه ما يعصمه وبذل في ذلك جهده. وهي صيغةٌ لم تأتِ في القرآن إلا في هذا الموضع. وقد قال الزمخشري فيها: «الاستعصام: بناء مبالغة يدل على الامتناع البليغ والتحفظ الشديد، كأنه في عصمة وهو يجتهد في الاستزادة منها»[1].
ثلاث عشرة مرة في خمس صيغ
يرد جذر «ع ص م» في القرآن ثلاث عشرة مرة[2]: الفعل «يعصم» ثلاث مرات، منها ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (٥:٦٧)، و﴿سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ (١١:٤٣). و«اعتصم» خمس مرات، منها ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ (٣:١٠٣). و«استعصم» مرة واحدة في موضع يوسف. و«عاصم» ثلاث مرات، منها ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ﴾ (١١:٤٣). و«عِصَم» مرة واحدة في ٦٠:١٠.
وفي هذا الإحصاء ملاحظةٌ لا تظهر لمن يقرأ الكلمة وحدها: ليس في القرآن لفظ «العصمة». ما فيه أفعالٌ وصفات: الله «يعصم»، والعبد «يعتصم» أو «يستعصم»، ولا «عاصم» إلا الله. فكأن القرآن يأبى أن تكون العصمة صفةً تُنسب إلى المخلوق استقلالًا؛ هي فعلٌ يقع من الله على عبدٍ بذل ما في وسعه، وهذا ما يجمعه مشهد يوسف.
من الإمساك إلى طلب الإمساك
يقول الراغب الأصفهاني: «العَصْمُ: الإمساكُ، والاعْتِصَامُ: الاستمساك». ثم يقول في «استعصم»: «واسْتَعْصَمَ: استمسك، كأنّه طلب ما يَعْتَصِمُ به من ركوب الفاحشة… أي: تحرّى ما يَعْصِمُهُ»[3]. فالفرق بين «اعتصم» و«استعصم» فرقٌ في الطلب: الأول يتمسك بما بين يديه، والثاني يفتّش عمّا يعصمه ويسعى إليه سعي من لا يأمن على نفسه.
وقال ابن عاشور: «واستعصم: مبالغة في عصم نفسه… فالمعنى: أنه امتنع امتناع معصوم»[4]. وأقرب المأثور إلى لفظ الآية ما رواه الطبري عن ابن عباس: «فامتنع»، وبه قال ابن كثير[5]. وروى الطبري عن قتادة: «فاستعصى»، وهذه من جذرٍ آخر هو «ع ص ي»، وقد تقترب من الامتناع، لكنها لا تحمل ما في «استعصم» من طلب الحفظ والتحرّي لما يصون.
ومن أجمل ما قاله الراغب: «العاصم والمعصوم يتلازمان، فأيّهما حصل حصل معه الآخر». فلا عاصمٌ إلا لمعصوم، ولا معصومٌ إلا بعاصم؛ وهذا أصل الباب كله.
المشهد على ترتيبه
لم تنزل كلمة «فاستعصم» فجأةً في الآية الثانية والثلاثين، بل هي ثمرة سلسلة. بدأت بالمعاذة بالله حين راودته: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ (١٢:٢٣). ثلاث حجج في نَفَسٍ واحد: أنا في حمى الله، وقد أحسن إليّ من آواني، والظلم لا فلاح فيه. ثم جاء الهمّ والبرهان، ثم الاستباق إلى الباب: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾ (١٢:٢٥)، ثم اعترافها، ثم دعاؤه.
وأشدّ ما أشكل على الناس قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ (١٢:٢٤). ولا نبسط الخلاف هنا، لكن ننقل ما قال الكبار. قال الطبري: «ومعنى الهمّ بالشيء في كلام العرب: حديث المرء نفسه بمواقعته، ما لم يواقع»، وجعل البرهان «آيةً من آيات الله، زجرته عن ركوب ما همّ به». وقال الزمخشري: «المراد أنّ نفسه مالت إلى المخالطة ونازعت إليها عن شهوة الشباب… وهو يكسر ما به ويردّه بالنظر في برهان الله»، ثم قال: «ولو كان همه كهمها عن عزيمة، لما مدحه الله بأنه من عباده المخلصين». وذهب ابن عاشور أبعد: «يظهر أن يوسف عليه السّلام لم يخالطه همّ بامرأة العزيز لأن الله عصمه من الهمّ بالمعصية بما أراه من البرهان»[6].
وعلى اختلافهم في معنى الهمّ، اتفقوا على أن يوسف بقي في حِمى العصمة، وأن البرهان من الله، وأن الآية ختمت بقوله: ﴿كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾. فالصرف فعل الله، ثم تأتي «فاستعصم» لتسمّي ما كان من العبد. وهنا يتجلّى لنا التوازن: لو كانت العصمة وحدها لبطل معنى الابتلاء، ولو كان الجهد وحده لخذله ضعف النفس.
قميصٌ مقدودٌ من دُبُر
ولم يكن الاستباق إلى الباب مشهدًا عابرًا، فقد سجّله القرآن بتفاصيله: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ (١٢:٢٥). هو يجري إلى الخلاص، وهي تجري خلفه تشدّه، فيتمزّق القميص من الخلف. ثم يأتي الحكم من أهلها لا من أهله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (١٢:٢٦-٢٧). فكان أبلغ دليلٍ على استعصامه قطعةَ قماشٍ ممزّقة من الخلف: ثوبٌ يقول إن صاحبه كان مُدبِرًا عن المعصية، وإن الذي كان مُقبِلًا هو الطالب. وكأن القرآن يريد أن يعلّمنا أن الاستعصام يُرى أثره على الجسد والثوب والطريق، لا في المقال وحده. ومن هذا كله قال العزيز: ﴿إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ، يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ (١٢:٢٨-٢٩).
ويلفت النظر أن القرآن لم يجعل النجاة بيد يوسف وحده، ولا بيد الشاهد وحده؛ فجاءت الأسباب متتابعة: معاذةٌ في القلب، وفرارٌ بالقدمين، وشاهدٌ من أهلها، وقميصٌ يتكلّم. وهكذا يصنع الله بمن استعصم: يفتح له أبواب البراءة من حيث لا يحتسب.
وعيدٌ يُسمَع فيزيد الثبات
وبعد الاعتراف رفعت المرأة صوتها أمام النسوة: ﴿وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ﴾ (١٢:٣٢). قال ابن عاشور: «وقد قالت ذلك بمسمع منه إرهابًا له». وفي كتابة «وليكونًا» بالألف نونُ التوكيد الخفيفة كُتبت ألفًا على حكم الوقف، كما نبّه الزمخشري[4]؛ فالوعيد مؤكَّدٌ مرتين، بالثقيلة في «ليسجنن» وبالخفيفة في «وليكونا». أي أن الضغط لم يكن عابرًا، بل ترغيبٌ يتبعه ترهيب، وإلحاحٌ يليه تهديد.
وهنا يظهر أن الاستعصام ليس لحظةً تمرّ، بل موقفٌ يُمتحَن مع كل إلحاح ثم مع كل وعيد. وقد رسم ابن كثير هذه الصورة فقال: «وذلك أن يوسف، عليه السلام، عصمه الله عصمةً عظيمة، وحماه فامتنع منها أشد الامتناع، واختار السجن على ذلك، وهذا في غاية مقامات الكمال: أنه مع شبابه وجماله وكماله تدعوه سيدته، وهي امرأة عزيز مصر، وهي مع هذا في غاية الجمال والمال والرياسة، ويمتنع من ذلك، ويختار السجن على ذلك، خوفًا من الله ورجاء ثوابه»[5].
ودعاء يُلقي به العبد حِمله على ربه
فماذا قال يوسف حين سمع الوعيد؟ لم يتحدّ، ولم يتباهَ بقوته، بل رفع يديه: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (١٢:٣٣). ما أصدقها من كلمات! فقد جمع في آيةٍ واحدة بين احتياطٍ عملي («السجن أحب إليّ») وافتقارٍ تامٍّ إلى الله («وإلا تصرف عني»). لم يثق بنفسه، وهو الذي ثبت أمام أعتى الإغراء، بل قال: إن لم تصرف عني، فأنا أميل. وهنا حقيقة الاستعصام: ليس ثقةً بالنفس، بل معرفةٌ بضعفها وقد التجأت إلى القوي. وبعده: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾ (١٢:٣٤).
وهذا ما بيّنه النبي ﷺ فيما رواه أبو سعيد الخدري: «ما استُخلف خليفةٌ إلا له بطانتان: بطانةٌ تأمره بالخير وتحضّه عليه، وبطانةٌ تأمره بالشر وتحضّه عليه، والمعصومُ مَن عصم الله»[7]. فالمعصوم مَن عصمه الله، لا من اعتصم بنفسه. ولذلك يقوم الاستعصام على ثلاثة: نفسٌ تأمر بالسوء، وعبدٌ يطلب، وربٌّ يعصم.
«إلا ما رحم ربي»: حين يعترف الثابت بضعفه
وإذا أردنا أن نعرف كيف نظر يوسف نفسه إلى ثباته، فلنسمع قوله بعد أن ظهرت براءته وخرج من السجن عزيزًا: ﴿ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ، وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (١٢:٥٢-٥٣). انظر إلى هذا الرجل الذي ثبت حيث يسقط الرجال: لم يقل «أنا الذي ثبتُّ»، بل قال: «وما أبرّئ نفسي». ثم ردّ الفضل كله إلى مصدره: «إلا ما رحم ربي».
وبين هذه العبارة وعبارة نوح عليه السلام صلةٌ لطيفة: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ﴾ (١١:٤٣). في الموضعين استثناءٌ بالرحمة: فالعاصم الحقيقي هو الله، والمعصوم من رحمه. ولذلك فإن أعلى درجات الاستعصام هي التي يعتقد صاحبها أن ثباته منّةٌ لا استحقاق. فمن رأى ثباته من نفسه وقف على حافة السقوط، ومن رآه من رحمة ربه ازداد افتقارًا فازداد حفظًا.
الملاجئ الزائفة
ومن لطائف الجذر أن القرآن يعرض الاعتصام بالله في مقابل اعتصاماتٍ أخرى لا تنفع. فابن نوح عليه السلام قال: ﴿سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾، فأجابه أبوه: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ﴾ (١١:٤٣). ظنّ الجبلَ عاصمًا، والجبل لا يعصم من أمر الله. وكم من الناس يجعل لنفسه جبلًا يأوي إليه: مالًا، أو جاهًا، أو علاقاتٍ، أو ظنًّا بأن «مثلي لا يقع في هذا»! والقرآن يحذّر من هذه الجبال كلها: ﴿مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ (٤٠:٣٣).
وفي الجهة المقابلة امرأة أخرى تعرّضت لمشهد قريب، فبدأت بما بدأ به يوسف: الالتجاء إلى الله. قالت مريم عليها السلام للروح الذي تمثّل لها بشرًا: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾ (١٩:١٨). فكان أول أسلحة الثابتين في القرآن الاستعاذة، قبل أي حجةٍ أو حيلة.
رجلٌ يقول: «إني أخاف الله»
ومن السبعة الذين يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه، كما ثبت في الصحيحين: «ورجلٌ دعته امرأةٌ ذات منصبٍ وجمال، فقال: إني أخاف الله»[8]. دواعي الفتنة كاملة: منصبٌ وجمال وخلوة، وجوابه كلمةٌ تخرج من قلبٍ يخاف: «إني أخاف الله». وهي كلمة يوسف نفسها بصيغة أخرى.
وفي قصة أصحاب الغار صورةٌ بشرية ثانية تنبض بالحياة. قال ثانيهم إنه أحبّ ابنة عمٍّ له كأشدّ ما يحب الرجال النساء، فطلبها لنفسها فامتنعت، حتى أصابتها سنةٌ من سني القحط فجاءته، فأعطاها مئةً وعشرين دينارًا على أن تخلّي بينه وبين نفسها، فلما قعد بين رجليها قالت: «اتقِ الله ولا تفضّ الخاتم إلا بحقه»[9]. فقام وتركها. وهكذا قد يأتي الصارف من الطرف الآخر، كلمةٌ واحدة تسقط في قلبٍ فيه رصيدٌ من الإيمان فتُحييه. فمن لا رصيد له لا تنفعه الموعظة حين تأتي، ومن عمّر قلبه وجد الكلمة كأنها كانت تنتظره.
الاستعفاف: أخٌ للاستعصام في البناء
وفي القرآن صيغة أخرى على الوزن نفسه تخدم المعنى نفسه: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ (٢٤:٣٣)، وقوله ﴿وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ﴾ (٢٤:٦٠). والسين والتاء في «استعفف» كالسين والتاء في «استعصم»: طلبٌ وسعيٌ لتحصيل العفّة، لا مجرد حال تأتي من تلقاء نفسها. فالقرآن يعلّمنا أن الطهر يُطلب كما يُطلب الرزق، وأن للثبات صناعةً لها أسبابها.
ومن هذه الأسباب ما جاءت به السنة: قال النبي ﷺ: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغضّ للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وِجاء»[10]. ففيه تيسير المباح لمن قدر، وترويض النفس بالصوم لمن عجز، وغضّ البصر أول الطريق. وفي القرآن: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ (٢٤:٣٠)، وقد قدّم غضّ البصر على حفظ الفرج؛ فالحفظ يبدأ من النظرة، ومن لم يحفظ العين صعب عليه حفظ ما بعدها. ويقول: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ (١٧:٣٢)، والنهي عن القرب أبلغ من النهي عن الفعل، لأنه يسدّ الطريق قبل أن يبدأ.
«المُخلَصين» وسرّ الحفظ
ختمت الآية الرابعة والعشرون بقوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾. وقد قُرئت بفتح اللام وكسرها، وكلتاهما تُثري المعنى: فبالفتح يكون الله هو الذي اصطفاه واستخلصه، وبالكسر يكون هو الذي أخلص دينه لله. فجمع القرآن بين إخلاص العبد واصطفاء الرب في كلمةٍ واحدة. ومن هنا نفهم أن الثبات عند الفتنة لا يبدأ عند الباب المغلق، بل قبل ذلك بكثير، في الخلوات التي بنى فيها العبد صلته بربه. ولذلك كان أول ما نطق به يوسف حين راودته: «معاذ الله»، لأنه رجع إلى ما استقرّ في قلبه من قبل.
خمسة أركان
من تأمل المشهد والأحاديث تبيّنت خمسة أركان: تعظيم الله في القلب لحظة الدعوة («معاذ الله»)، وقطع السبب بدل المساومة معه («واستبقا الباب»)، والافتقار إلى الله مع الأخذ بالسبب («وإلا تصرف عني كيدهن»)، وقبول الثمن الدنيوي برضا («السجن أحب إليّ»)، ثم الاستمرار، فمن ثبت مرةً قد يُطلب منه الثبات مرات: رُودد يوسف ثم هُدِّد ثم سُجن، ولم يتبدّل.
ويقابله الاستعصام المدّعى: صاحبه يتلكّأ عند الأبواب، ويفاخر بقوّته، ويمشي إلى مواطن الشبهة ثم يزعم أنه محصَّن. وفي القرآن ما يدفع هذا الغرور: ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ (٤:٢٨).
حين يشهد الخصوم
لم يبقَ استعصام يوسف سرًّا. فبعد سنين جمع الملك النسوة: ﴿مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ ۚ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ﴾، ثم قالت امرأة العزيز: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (١٢:٥١). فالثبات الذي كان في الخفاء صار شهادةً علنية على لسان من كانت خصمًا. ولا يعني هذا أن نفعل الخير لتُرفع سمعتنا، بل أن نطمئن إلى أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.
من استعصام الفرد إلى اعتصام الجماعة
ثم ينتقل القرآن من استعصام الفرد في فتنته إلى اعتصام الأمة في أمرها العام: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (٣:١٠٣)، ﴿وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (٣:١٠١). فالجذر الواحد يحفظ الفرد من الزلل، ويحفظ الجماعة من التفرق، والذي يحمي الاثنين واحد: التمسك بالله وبوحيه.
الفتنة اليوم: البنية واحدة
تتبدّل صور الفتنة في هذا العصر، لكنّ بنيتها تبقى: دعوةٌ في الخلوة، وإغراءٌ بمنفعة، وتهديدٌ إن امتنع. قد تكون في مكان عمل يتسلّط فيه صاحب النفوذ، أو في فضاءٍ رقمي بلا أبواب. ويعلّمنا القرآن منهجًا: ابدأ بذكر الله والمعاذة به ساعة الفتنة، وخذ بالأسباب الحسّية فقم واخرج واحذف واحجب، ثم ادعُ الله أن يصرف عنك، وكن مستعدًّا لتحمّل ثمن الثبات. وللمربّين: علّموا الناشئة أن الاستعصام ليس انغلاقًا ولا عقدة، بل قوةٌ وتدبير، فقد كان يوسف في موضع قوة الفتنة فاختار الطاعة، ولا ينافي ذلك أن يعترف العبد بضعفه أمام ربه.
خاتمة
كلمةٌ واحدة، «فاستعصم»، اختصرت مشهد الثبات كله: معاذةٌ بالله، وبرهانٌ منه، واستباقٌ إلى الباب، وسجنٌ أحبّ من المعصية، ودعاءٌ بالصرف. وفي التمييز بين العصمة التي هي فعل الله والاستعصام الذي هو فعل العبد درسٌ لكل مسلم: اطلب العصمة، وابذل أسبابها، ولا تأمن على نفسك. ربّنا لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، واعصمنا بما عصمت به عبادك المخلصين: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (٢٢:٧٨).
الهوامش
- الزمخشري، «الكشاف»، تفسير يوسف ٣٢. [2]: بحسب مدوّنة القرآن اللغوية (corpus.quran.com) يرد جذر «ع ص م» ثلاث عشرة مرة: «يعصم» (٥:٦٧، ١١:٤٣، ٣٣:١٧)، و«اعتصم» (٣:١٠١، ٣:١٠٣، ٤:١٤٦، ٤:١٧٥، ٢٢:٧٨)، و«استعصم» (١٢:٣٢)، و«عاصم» (١٠:٢٧، ١١:٤٣، ٤٠:٣٣)، و«عِصَم» (٦٠:١٠). ولا يرد الاسم «عصمة» في القرآن. [3]: الراغب الأصفهاني، «المفردات في غريب القرآن»، مادة «عصم» (طبعة المكتبة الشاملة، ص٥٦٩-٥٧٠). [4]: ابن عاشور، «التحرير والتنوير»، تفسير يوسف ٣٢؛ والزمخشري، «الكشاف»، تفسير يوسف ٣٢. [5]: الطبري، «جامع البيان»، وابن كثير، «تفسير القرآن العظيم»، تفسير يوسف ٣٢. [6]: الطبري، «جامع البيان»؛ والزمخشري، «الكشاف»؛ وابن عاشور، «التحرير والتنوير»، تفسير يوسف ٢٤. [7]: رواه البخاري (٦٦١١) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. [8]: رواه مسلم (١٠٣١) واللفظ له، ورواه البخاري (٦٦٠، ١٤٢٣) بنحوه، عن أبي هريرة رضي الله عنه. [9]: رواه البخاري (٢٢١٥) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في حديث أصحاب الغار؛ وفي (٢٢٧٢) ذكر المئة والعشرين دينارًا بألفاظ متقاربة. [10]: رواه البخاري (٥٠٦٦) ومسلم (١٤٠٠) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.↩
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.