أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
سلسلة · الحلقة 3
المفاهيم الإيمانية
المفاهيم الإيمانية

الاستقامة في القرآن

قيامٌ لا يعرف الجلوس

د. أحمد أبو سيف٢١ يونيو ٢٠٢٦7 دقائق قراءة

رأى أبو بكر رضي الله عنه شعرات بيضاء في لحية النبيّ ﷺ ولمّا يزل في ريعان الدعوة، فقال متعجّباً: "يا رسول الله، قد شِبْتَ!" فأجابه ﷺ بجوابٍ لم يُشِر فيه إلى كِبَرِ سنٍّ ولا إلى نصَبِ سفر، بل إلى آياتٍ بعينها: "شيّبتني هودٌ وأخواتها"[1]. فأيّ آيةٍ في سورة هود تلك التي بلغت من الثقل أن ترسم الشيب في وجه من لا ينطق عن الهوى؟ الجوابُ عند أكثر من فسّر هذا الحديث آيةٌ واحدة: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا﴾ [هود: 112]. أمرٌ واحد، من خمس كلمات، أثقل على النبيّ ﷺ من عشرين عاماً من التبليغ والتكذيب والحصار: "استقم".

دائرةٌ داخل دائرة

جذر "ق و م" من أوسع جذور القرآن وروداً، إذ يتكرّر نحو ستّمئةٍ وستّين مرّة؛ لكنّ أكثر هذا العدد بعيدٌ عن موضوعنا، فثلاثمئةٌ وثلاثٌ وثمانون منه للفظ "قوم" بمعنى الأمّة أو الجماعة، لا صلة له بالاستقامة الخُلقيّة. الدائرة التي يبحث فيها هذا المقال أضيق وأدقّ: الفعل "اسْتَقَامَ" على وزن الطلب والتكلّف (استفعل)، ويرد عشر مرّات في تسعة مواضع[2]؛ واسمُ الفاعل "مُسْتَقِيم"، ويرد سبعاً وثلاثين مرّة، أغلبها في التركيب الثابت "الصراط المستقيم" الذي يتكرّر كلازمةٍ عبر السور؛ والصفة "قَيِّم" (خمس مرّات، كـ"الدين القيّم")؛ والاسم "أَقْوَم" (أربع مرّات، بمعنى الأصوب والأثبت). هذه الدائرة وحدها هي شاهدنا اللفظيّ المباشر. أمّا "إقامة الصلاة" و"يوم القيامة" و"القيّوم"، فمشتقّاتٌ من الجذر نفسه لكنّها صيغٌ أخرى بمعانٍ متمايزة؛ سنعود إليها بوصفها صلةً موضوعيّة مضيئة لا شاهداً لفظيّاً مباشراً على الاستقامة بعينها.

من وقوف الجسد إلى وقوف القلب

الأصل في "ق و م": الانتصاب والوقوف، ضدّ السقوط والانبطاح والقعود؛ يقال "قام الرجل" إذا انتصب واقفاً بعد أن كان جالساً أو راقداً. وصيغة "استفعل" في "استقام" تحمل معنى الطلب والتكلّف: أن يسعى المرء لتحصيل تلك الاستقامة لنفسه ويحافظ عليها، لا أن تكون حالةً تعرض له عفواً. فـ"استقام الطريق" إذا لم يعوجّ، و"استقام الرجل على الأمر" إذا لزمه ولم يحِد عنه يمنةً ولا يسرة. ومن هنا كانت "الاستقامة" في الإنسان أشبه بوقوفٍ داخليٍّ للقلب يقابل وقوف الجسد الظاهر: كما ينتصب الجسدُ فلا ينحني، ينتصب القلبُ على الحقّ فلا يميل.

قيامٌ واحد، ثلاث مسارح

هذا المعنى الأصليّ — الوقوف المنتصب — هو الذي يجمع، من طريق الصلة الموضوعيّة لا الشاهد اللفظيّ المباشر، ثلاثة مسارح مختلفة في القرآن كلّها من الجذر نفسه. المسرح الأول قيامُ الجسد في الصلاة: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238]، و"إقامة الصلاة" التي تتكرّر عشرات المرّات شرطاً للفلاح. والمسرح الثاني قيامُ الخلق يوم القيامة: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطفّفين: 6]، حين ينتصب كلُّ إنسانٍ وحيداً بلا سندٍ ولا نسب. والمسرح الثالث قيامُ القلب على الاستقامة في الحياة اليوميّة، وهو موضوع هذا المقال. فكأنّ القرآن يرسم صورةً واحدةً للوقوف بثلاث درجات: وقوفٌ جسديٌّ يوميٌّ (الصلاة)، ووقوفٌ قلبيٌّ ممتدٌّ (الاستقامة)، ووقوفٌ نهائيٌّ لا محيد عنه (القيامة)؛ والاستقامة هي الجسر الذي يصل الوقوف الأول بالوقوف الثالث، فمن اعتاد أن يقف لله في صلاته اليوميّة كان أقدر على أن يقف له في أمر حياته كلّها، وأثبتَ حين يقف بين يديه وحيداً يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون. ومن الصلة الموضوعيّة اللافتة أيضاً أنّ صفة "قَيِّم" — القريبة اشتقاقاً من الاستقامة — وُصف بها الدينُ نفسه في الموضع عينه من سورة الروم الذي حمل آيةَ الفطرة وآيةَ الحنيفيّة معاً [الروم: 30]: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾، وتكرّرت في الآية 43 من السورة نفسها. فكأنّ سورةً واحدة تجمع، في مواضع متجاورة، ثلاثةً من مفاهيم هذه السلسلة: حنيفيّةٌ هي الميل المستمرّ، وفطرةٌ هي الأصل السليم الذي عليه ذلك الميل، ودينٌ قيّمٌ هو غاية الاستقامة التي يبلغها من صدق في ميله.

أمرٌ يثقل، وثباتٌ يُثاب

الآية التي شيّبت النبيّ ﷺ [هود: 112] ليست وحيدةً في حمل هذا الثقل. ففي فصّلت يتكرّر الأمر بصيغةٍ أوسع: ﴿إِنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فصّلت: 6]، وكأنّ الاستغفار ذُكر بعد الاستقامة اعترافاً بأنّ الاستقامة الكاملة بلا تقصيرٍ متعذّرة، فالاستقامة ملازمةٌ للاستغفار لا نقيضةٌ له. وفي الموضع نفسه من السورة تأتي آيةُ الثواب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ [فصّلت: 30]، وتتكرّر بمعناها في الأحقاف: 13. ولافتٌ في هذه الآية ذاتها أنّ القول وحده — "ربّنا الله" — لم يُثمر تنزّل الملائكة، بل جاء الثوابُ معلَّقاً بـ"ثمّ استقاموا"؛ فالدعوى الأولى شرطٌ لازمٌ لكنّه غير كافٍ، والاستقامةُ اللاحقةُ هي التي تُصدِّق الدعوى. وفي موضعٍ آخر يُترك الأمر لاختيار الإنسان بلا إكراه: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: 28]، فتُقرَّر الاستقامة هبةً معروضة لا قدراً مفروضاً.

وثمّة موضعٌ يوسّع دائرة الاستقامة إلى ما هو أبعد من العبادة الفرديّة، ليشملَ الوفاءَ بالعهود بين الأمم: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: 7]، في سياق الحديث عن معاهدات المسلمين مع بعض المشركين. ففي هذه الآية بالذات ترد صيغة "استقام" مرّتين في جملةٍ واحدة، مرّةً للطرف الآخر ومرّةً للمسلمين أنفسهم، وكأنّ القرآن يقرّر أنّ الاستقامة ليست فضيلةً دينيّةً محضة تُمارَس في العزلة، بل خُلُقٌ يمتدّ إلى الوفاء بالعقد والكلمة حتى مع المخالف في الدين، ما دام هو مستقيماً في وفائه. فمن ظنّ أنّ الاستقامة تنحصر في الصلاة والصيام وحظوظ الفرد الخاصّة، فاتته هذه الآية التي تجعل صدق المعاملة الاجتماعيّة والسياسيّة من صميم الاستقامة لا هامشاً عليها.

كلمةٌ جامعة وخوفٌ من اللسان

سأل سفيانُ بن عبدالله الثقفيّ رضي الله عنه النبيّ ﷺ: "يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك"، فكان الجواب: "قُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ"، أخرجه مسلم[3]. لم يطلب سفيان اختصاراً في الكلام، بل طلب جوهر الدين كلِّه في كلمةٍ واحدة يستغني بها عن سؤال غير النبيّ ﷺ بعده؛ فجاء الجواب في شطرَين لا ثالث لهما: تصديقٌ بالقلب، ولزومٌ بالعمل. ولمّا سأله سفيانُ في تتمّة الحديث: "فما أخوفُ ما تخاف عليّ؟" أخذ النبيُّ ﷺ بلسان نفسه وقال: "هذا"[3]؛ فربط بين استقامة الجوارح كلِّها واستقامة اللسان بعينه، إذ هو أكثرها زلَلاً وأخفاها عن الرقابة.

القلبُ ملِكٌ والجوارحُ جنود

في شرحه لحديث "آمنت بالله ثم استقم"، بيّن ابن رجب الحنبليّ أنّ أصل الاستقامة استقامة القلب على التوحيد؛ قال: "متى استقام القلب على معرفة الله وعلى خشيته وإجلاله ومحبته والتوكّل عليه، استقامت الجوارح كلّها على طاعته؛ فإنّ القلب هو ملِك الأعضاء، وهي جنوده"[4]. فالاستقامة عنده ليست فعلاً منعزلاً يُضاف إلى غيره، بل نتيجةٌ حتميّة لاستقامةٍ سابقة في القلب؛ فإن استقام الملِك أطاعته جنوده، وإن مال انحرفت وراءه. وزاد أنّ أعظم ما يُراعى استقامتُه بعد القلب اللسانُ، لأنّه ترجمانُ القلب والمعبِّر عنه — وهذا بعينه ما بيّنه الحديث حين خصّ اللسان بالذكر دون سائر الجوارح. ومن زاويةٍ أخرى يُلاحَظ في نظم آية فصّلت أنّ الاستقامة جاءت معطوفةً على القول بـ"ثمّ" لا بالواو، وهو حرفٌ يفيد التراخي والمهلة؛ فكأنّ الاستقامة عمليّةٌ ممتدّة في الزمن تلي الإيمان ولا تنقطع، لا حَدَثاً يقع مرّةً واحدة ثم يُطوى.

لماذا تُثقِل الاستقامة أكثر من الإيمان؟

يتساءل كثيرون: لماذا كانت "استقم" أثقل على النبيّ ﷺ من "آمن"، مع أنّ الإيمان هو الأصل؟ والجواب أنّ الدعوى تُقال مرّةً وتُختبَر كلّ لحظة؛ فالإيمانُ إقرارٌ يُنطَق في لحظة، والاستقامةُ التزامٌ يُطلَب تجديدُه في كلّ قرار: في المعاملة حين لا يراقب أحد، وفي الكلمة حين يسهل السكوت أو المجاملة، وفي المال حين يتاح الحرام بلا رقيب ظاهر. وهذا ما يفسّر لماذا يسهل على كثيرين أن يُعلنوا إيمانهم بصوتٍ عالٍ في مناسبةٍ واحدة، بينما يصعب عليهم أن يستقيموا في تفصيلٍ يوميٍّ صغير لا يراه أحد. والاستقامة، كما رسمها الحديث بربطها باللسان تحديداً، تبدأ من أكثر الجوارح ابتذالاً في نظر الناس وأخطرها عند الله: كلمةٌ تُقال في غيبة، وعدٌ يُخلَف بلا حرج، مزحةٌ تحمل كذباً يسيراً؛ فمن ظنّ أنّ الاستقامة اختبارٌ في الكبائر وحدها فاته أنّها تبدأ من حيث لا يُحاسِبه أحدٌ سوى نفسه.

وفي البُعد الاجتماعيّ الذي كشفته آية التوبة، صورةٌ معاصرةٌ لا تقلّ إلحاحاً: كثيرٌ ممّن يحرصون على استقامة العبادة الفرديّة يتساهلون في الوفاء بالعقد التجاريّ، أو صدق الوعد المهنيّ، أو الأمانة في تعاملٍ مع من يخالفهم في الدين أو الرأي، وكأنّ الاستقامة عندهم دائرةٌ ضيّقة لا تتجاوز جدران المسجد. والقرآن، إذ يأمر بالاستقامة مع من عاهدهم المسلمون من غير أهل ملّتهم، يقطع الطريق على هذا التصوّر المبتور: فالاستقامة خُلُقٌ واحد لا يتجزّأ، يُختبَر في المحراب كما يُختبَر في عقد البيع، وفي الوعد الذي لا يراقبه إلا الله ومن قُطع له.

خاتمة

من وقوف الجسد في الصلاة، إلى وقوف القلب في الاستقامة، إلى وقوف الخلق يوم القيامة، يرسم القرآن صورةً واحدةً للثبات بثلاث درجات. وما شيّب النبيَّ ﷺ لم يكن حَدَثاً بل أمراً ممتدّاً لا ينتهي: "استقم" — لا "قد استقمتَ" ولا "سوف تستقيم" — أمرٌ حاضرٌ متجدّدٌ في كلّ لحظة، لمن آمن بالله ثم شاء أن يستقيم. وحسبنا الله ونعم الوكيل.


الهوامش

  1. أخرجه الترمذي في سننه، رقم ٣٢٩٧، عن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه، وقال: حديثٌ حسنٌ غريب؛ وصحّحه الألبانيّ.
  2. إحصاءٌ للفعل "اسْتَقَامَ" (صيغة استفعل من جذر ق و م) في القرآن الكريم (المعجم القرآني، corpus.quran.com): عشر مرّات في تسعة مواضع — التوبة ٧ (مرّتان في الآية نفسها)، يونس ٨٩، هود ١١٢، فصّلت ٦، فصّلت ٣٠، الشورى ١٥، الأحقاف ١٣، الجنّ ١٦، التكوير ٢٨.
  3. أخرجه مسلم في صحيحه، رقم ٣٨، عن سفيان بن عبدالله الثقفيّ رضي الله عنه.
  4. ابن رجب الحنبليّ، جامع العلوم والحكم، شرح الحديث الحادي والعشرين.
شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ