أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
التفسير المقاصدي

معرفة النفوس قبل التعريف بالنصوص

خريطةٌ للنفوس قبل المعترك: كيف عرّف الوحيُ النبيَّ ﷺ بأنماط الناس ليُحسِن تبليغَهم

د. أحمد أبو سيفيونيو ٢٠٢٦8 دقائق قراءة
معرفة النفوس قبل التعريف بالنصوص

كيف عرّف الوحيُ النبيَّ ﷺ بأنماط الناس في مستهلّ العهد المدنيّ ليُحسِن تبليغَهم دينَه وبناءَ مجتمعٍ صالح. بقلم: د. أحمد محمد علي أبو سيف، رئيس أكاديمية الأئمة بأمريكا (American Imams Academy).

في مستهلّ المعترك الدعويّ الذي كان النبيُّ ﷺ مقبلًا على خوضه — يوم نقله الله من دعوةٍ مطارَدةٍ في مكة إلى بناء أمّةٍ ودولةٍ في المدينة — جاء التعريفُ الإلهيّ له بأنماط الناس الذين سيلقاهم؛ فكان أوّلَ ما يتلقّاه في عهده الجديد خريطةٌ للنفوس لا للأرض. ولعلّ في هذا التقديم — تقديمِ معرفة القوم على ملاقاتهم — سرًّا بليغًا: فإنّ القائد الذي تُبسَط بين يديه خريطةُ الميدان قبل المعركة يدخلها على بصيرة، ومن جهل ميدانه خاضه أعمى. وهكذا أراد الله لنبيّه أن يعرف النفوس أوّلًا، قبل أن يعرّفها بنصوص دينه؛ فمعرفةُ القلوب مفتاحُ حسنِ تنزيل النصّ عليها. وهذه العلاقةُ بين فقه الطبائع وحسن البلاغ هي موضوعُ هذا المقال.

أوّلًا: التأصيل القرآنيّ — «وما أرسلنا من رسولٍ إلا بلسان قومه»

الأصلُ الذي تنبني عليه هذه الفكرة كلُّها قولُه تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]؛ فقد جعل الله موافقةَ المرسَل إليهم شرطًا في الإرسال نفسه، لا أمرًا زائدًا عليه. والمفسّرون على أنّ الغاية من «اللسان» هي البيانُ والإفهامُ باللغة التي ألِفها القومُ وفهموها؛ قال ابن كثير: إنّه من لطف الله بخلقه أن يُرسِل إليهم رسلًا منهم بلغتهم ليفهموا عنهم ما يريدون(١). حتى استنبط أهلُ الدعوة من الآية صراحةً أنّ معرفة لسان المدعوّين وخطابَهم بما يفهمون من آلات الدعوة المهمّة.

غير أنّ «اللسان» في الآية أوسعُ من المنطق اللفظيّ وحده؛ فإنّه لا يتوقّف على مفردات اللغة ونحوها، بل يتجاوزها إلى لغة القلوب والنفوس، ومألوفِ العُرف والثقافة المشتركة، ومداخلِ الطبائع التي بها يفهم القومُ وينفعلون. فاللغةُ النطقيّة ظاهرُ اللسان، وفقهُ النفوس باطنُه؛ ومن خاطب قومًا بألفاظهم وهو جاهلٌ بطبائعهم فقد نطق بنصف لسانهم. وعلى هذا يصير التعريفُ بأنماط الناس داخلًا في عموم «اللسان» الذي اشترطه الله في كلّ رسول، لا خارجًا عنه.

السياق والتوقيت

والثابتُ المحقَّق عند أهل التفسير وعلوم القرآن أنّ سورة البقرة مدنيّةٌ بلا خلاف، وأنّها من أوائل ما نزل بالمدينة بعد الهجرة، لا في الطريق إليها قبل دخولها. فلم تنزل دفعةً واحدة ولا وهو ﷺ راحلٌ من مكة، بل بعد استقراره، ونزلت منجَّمةً على سنين. غير أنّ مقدّماتها — ومنها الآيات التي تصنّف الناس — كانت من أوائل ما تنزّل في مستهلّ العهد المدنيّ. فالصواب أن نقول: عرّف الله نبيَّه بأنماط الناس على عتبة مرحلته الجديدة، حين شرع في بناء المجتمع.

وهذا التصنيفُ مصرَّحٌ به في أثر مجاهدٍ المشهور: أربعُ آياتٍ من أوّل السورة في المؤمنين، وآيتان بعدها في الكافرين، وثلاثَ عشرةَ آيةً بعدها في المنافقين(٢). فتأمّل: أطولُ المقاطع الثلاثة هو مقطع المنافقين؛ وما ذاك إلا لأنّ النفاق أخفى الأصناف وأخطرُها، وهو ظاهرةٌ مدنيّةٌ لم تعرفها مكة، إذ إنّما ينشأ النفاق حين تصير للدعوة قوّةٌ ودولةٌ تُغري ضعافَ النفوس بإظهار ما لا يُبطنون.

ولم يكن هذا التعريفُ ترفًا في البيان، بل كان من صميم أغراض السورة؛ فقد كان نزولها في أوّل عهدٍ بإقامة المجتمع المسلم واستقلاله بمدينته، فكان من أوائل مقاصدها تصفيةُ هذا المجتمع من العناصر المفسِدة التي تندسّ فيه. وتصفيةُ المجتمع تبدأ بمعرفة عناصره؛ فلا يُنقّى زرعٌ من دَخَنِه إلا بعد تمييز الزرع من الدَّخَن.

ثانيًا: لِمَ التعريفُ قبل المعترك؟

في تقديم التعريف على اللقاء حكمةٌ بالغةٌ تُدرَك بالنظر إلى طبيعة المهمّة. فالنبيُّ ﷺ مقبلٌ على مجتمعٍ مركّبٍ لم يعرفه من قبل: أنصارٌ مؤمنون، ويهودُ المدينة بمواقفهم، ومنافقون يُبطنون غيرَ ما يُظهرون. فلو دخل هذا الخليطَ بلا تعريفٍ سابق لاستقبل كلَّ وجهٍ بظاهره، ولاستنزف من وقته وجهده ما يستنزفه المرءُ حين يكتشف الطبائع بالتجرِبة المؤلمة واحدةً واحدة.

أمّا حين يسبق التعريفُ المعتركَ، فإنّ الداعية يدخل ميدانه وفي يده مفاتيحُ القلوب قبل أن يطرق أبوابها؛ يعرف أنّ المؤمن يُخاطَب بلغة اليقين والبناء، وأنّ الكافر المعانِد لا تنفع معه إطالةُ الجدل، وأنّ المنافق يُعامَل بالحذر واليقظة مع إقامة الحجّة الظاهرة. فالتعريفُ السابق يختصر على الداعية سنواتٍ من الخطأ والتجرِبة، ويهبه بصيرةً تغنيه عن كثير من العثرات.

ثمّ إنّ في التعريف السابق رحمةً بالداعية نفسه؛ فإنّ من يلقى الجحودَ والخذلانَ من غير توقّعٍ ينكسر وييأس، أمّا من علم سلفًا أنّ في الناس كافرًا سيُعرِض ومنافقًا سيخذل، فإنّه يستقبل ذلك بقلبٍ ثابتٍ لا يتزعزع، لأنّه كان في حسابه. فالعلمُ بأصناف الناس تحصينٌ للنفس قبل أن يكون تدبيرًا للموقف.

ثالثًا: ربحُ الداعية بفقه الطبائع

إذا تقرّر أنّ التعريف نعمةٌ ربّانيّة، فإنّ على الداعية أن يطلب هذا الفقه ويجتهد في تحصيله؛ إذ ليس كلُّ تعريفٍ ينزل وحيًا، بل أكثره يُكتسَب بالتأمّل والممارسة والنظر في كتاب الله. وربحُ الداعية بهذا الفقه يظهر في وجوه:

أوّلها حسنُ التنزيل؛ فإنّ الكلمة الواحدة تنفع في مقامٍ وتضرّ في آخر، والداعيةُ الذي يقرأ نمطَ مخاطَبه يُنزِّل كلَّ قولٍ منزلتَه: يُلين حيث ينفع اللين، ويشتدّ حيث لا يُجدي إلا الحزم، ويصمت حيث يكون الصمتُ أبلغَ من الكلام.

وثانيها اقتصادُ الجهد؛ فإنّ الطاقة الدعويّة محدودة، ومن بدّدها على من لا يُرجى منه خيرٌ ضيّعها عمّن ينتفع بها. وفقهُ الطبائع يدلّ الداعيةَ أين يضع جهده، فلا يُنفِق عمره في إقناع المعانِد بينما ينتظره قلبٌ مفتوحٌ لم يجد من يأخذ بيده.

وثالثها سلامةُ القلب من الفتنة؛ فإنّ من يجهل طبائع الناس قد يفتتن بظاهر المنافق المتزيّن، أو ييأس من باطن المؤمن المقصّر؛ أمّا من فقِه الأنماط فإنّه يزن الناس بميزانٍ عادلٍ لا يخدعه بريقٌ ولا يغرّه ظاهر.

رابعًا: شواهدُ من السيرة على أنّه واجبٌ لا فضيلة

وليس فقهُ النفوس في الدعوة بابًا من التزيّد والكمال المستحبّ، بل هو واجبٌ يتوقّف عليه نجاحُ التبليغ نفسه؛ وأصدقُ ما يشهد لذلك مواقفُ السيرة العمليّة التي تحوّل النظريّة إلى برهان.

مصعبٌ وفقهُ سادة القوم

حين بعث النبيُّ ﷺ مصعبَ بن عُمير سفيرًا أوّل إلى يثرب بعد بيعة العقبة الأولى، لم يكن نجاحه المنقطعُ النظير ثمرةَ صدقه وحسن تلاوته فحسب، بل ثمرةَ فقهه بنفوس القوم وطبائعهم. فقد كان ينزل على أسعد بن زرارة الذي يعرّفه على سادة المدينة ومواقعهم، وينبّهه إذا أقبل سيّدٌ يُرجى بإسلامه إسلامُ قبيلته. فقصد مصعبٌ الأسيادَ والقيادات قصدًا مدروسًا — لعلمه أنّ إسلام السيّد يجرّ قومه — حتى أسلم على يديه سعدُ بن معاذ وأُسيدُ بن حُضير، وهما سيّدا قومهما، فدخل بإسلامهما خلقٌ كثير(٣).

ولولا هذا الفقهُ بالنفوس لظلّت دعوته جهدًا فرديًّا متناثرًا؛ لكنّه لمّا عرف مداخلَ القوم ومفاتيحَ قبائلهم، نقل الإسلام إلى المدينة كلِّها في أشهرٍ معدودة، ومهّد لهجرة النبيّ ﷺ إلى أرضٍ صارت مهيّأةً لاستقباله. فكان فقهُ الطبائع هو الجِسرَ الذي عبرت عليه الدعوةُ من أفرادٍ إلى مجتمع.

النبيُّ ﷺ ومعرفةُ طرائق العرب في الخطاب

وأمّا النبيُّ ﷺ فقد كان أعرفَ الناس بأنماط العرب وطرائق استقبالهم للخطاب؛ ولو أنّه — وحاشاه — دخل عليهم جاهلًا بمسالك نفوسهم، لاستهجنوا قوله وضاعت الدعوةُ في أوّلها، إذ يحملون ذلك على قلّة خبرته بهم. لكنّه لمّا كان عالمًا بطبائعهم، خبيرًا بمواضع الإقناع منهم، انكشف استهجانُ المعانِدين على أنّه تكلّفٌ مصطنَع، وبطلت ادّعاءاتهم في أعين الكبير والصغير على حدٍّ سواء.

وهنا فائدةٌ دقيقةٌ تفوق مجرّد حسن المخاطبة: فإنّ العارف بالنفوس لا يُحسِن الخطابَ وحده، بل يُعرّي تصنُّعَ خصمه ويكشف زيفَ معارضته؛ لأنّه يعرف من أين يُؤتى المعانِد، فيسدّ عليه أبوابَ التحايل، فينفضح تكلّفه أمام الناس جميعًا. فمعرفةُ الطبائع سلاحٌ مزدوج: حُسنُ بناءٍ لمن أقبل، وكشفٌ لكيد من أدبر وعاند.

خامسًا: خسارةُ من حُرِم هذه البصيرة

وفي المقابل، فإنّ الداعية الذي يخوض معتركه بلا فقهٍ بالطبائع يتكبّد خساراتٍ فادحة. أوّلها أنّه يعامل الناس جميعًا بقالبٍ واحد، فيخاطب المعانِدَ بلين المؤمن، والمؤمنَ بحزم المعانِد، فيأتي أثره معكوسًا؛ ينفّر من أراد تأليفه، ويُجرّئ من أراد ردعه.

وثانيها أنّه يستنزف نفسه في المواضع الخطأ؛ يُفني عمره يحاور من أُغلِق قلبُه، ويهمل من لو مدّ إليه يدًا لأقبل. وكم من داعيةٍ أفنى سنواتٍ في معركةٍ خاسرةٍ مع معانِد، بينما ضاعت من حوله قلوبٌ كانت تنتظر كلمةً واحدة.

وثالثها — وهو أخطرها — أنّه ينكسر نفسيًّا حين يُصدَم بما لم يتوقّعه؛ فيحمل خذلانَ المنافق على أنّه فشلٌ منه، ويحمل عنادَ الكافر على أنّه قصورٌ في دعوته، فيدخل في دوّامةٍ من لوم الذات واليأس. والجاهل بالطبائع يحمل أوزار الناس على كاهله، والعالم بها يضع كلّ وزرٍ حيث ينبغي أن يكون.

سادسًا: أصلُ علم النفس في القرآن

ولعلّ أعجبَ ما في هذا الباب أنّ ما انتهى إليه علمُ النفس الحديث — من التمييز بين أنماط الشخصيّات وتصنيف الطبائع — له في القرآن أصلٌ سابقٌ وأعمق. فعلمُ النفس يصنّف الناس بحسب السلوك الظاهر وردود الأفعال؛ أمّا القرآن فيصنّفهم بحسب حقيقة القلب وعلاقته بالحقّ، وهو التصنيفُ الأعمق الذي تنبني عليه السلوكيّات كلُّها.

فحين يصف القرآنُ المنافق بأنّ في قلبه مرضًا يزيده الله مرضًا، وأنّه يتذبذب بين حالين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، فإنّه يصف بدقّةٍ ما يسمّيه المُحدَثون التناقضَ الداخليّ وازدواجَ الشخصيّة. وحين يتحدّث عن النفس الأمّارة واللوّامة والمطمئنّة، فإنّه يرسم مراتب النضج النفسيّ التي يتدرّج فيها الإنسان. وحين يبيّن صلاحية الإنسان للخير والشرّ معًا ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٨]، فإنّه يقرّر ازدواجية الإمكان التي يدور عليها علمُ النفس الأخلاقيّ كلُّه.

والفرقُ الجوهريّ أنّ علم النفس يصف ولا يعالج من جذر، بينما القرآن يصف ليعالج؛ فهو لا يصنّف الناس ليحبسهم في أنماطهم، بل ليفتح لكلّ نمطٍ بابَ التغيير والارتقاء. فالكافر قد يؤمن، والمنافق قد يتوب، والنفس الأمّارة قد تطمئنّ؛ والتصنيفُ القرآنيّ تشخيصٌ يستهدف الشفاء، لا حُكمٌ يؤبّد الداء.

خاتمة

ونعود إلى صورة البداية: القائدُ الذي تُبسَط له خريطةُ الميدان قبل المعركة. لقد أراد الله لنبيّه ﷺ، وهو على عتبة بناء أمّة، أن يدخل ميدانه على بصيرةٍ بالنفوس التي سيخالطها؛ فعرّفه بالمؤمن ليبنيَ به، وبالكافر ليحذره، وبالمنافق ليتّقيَ كيده. وما كان ذلك تعريفًا لشخصه ﷺ وحده، بل سُنّةً لكلّ داعيةٍ بعده: أن يطلب فقه الطبائع قبل أن يطرق القلوب، فيربح حسن التنزيل واقتصاد الجهد وسلامة النفس، وينجو من خسارات الجاهل الذي يعامل الناس بقالبٍ واحد. فمن قرأ خريطة النفوس أحسن السير في الميدان، ومن خاضه بلا خريطةٍ تاه وإن صدقت نيّته. تلك بصيرةٌ وهبها الله نبيَّه في أوّل الطريق: أن يعرف النفوس قبل أن يعرّفها بالنصوص، وتركها ميراثًا لكلّ من حمل بعده أمانة الكلمة.

الحاشية (١): قولُه تعالى «وما أرسلنا من رسولٍ إلا بلسان قومه ليبيّن لهم» [إبراهيم: ٤]، وانظر تفسيرها عند الطبريّ في «جامع البيان» وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم» والقرطبيّ في «الجامع لأحكام القرآن»، وكلامَ ابن عاشور في «التحرير والتنوير» في سعة دلالة «اللسان».الحاشية (٢): أثرُ مجاهدٍ في تقسيم مطلع سورة البقرة (أربعٌ في المؤمنين، وآيتان في الكافرين، وثلاث عشرة في المنافقين): ذكره الطبريُّ في «جامع البيان» في مقدّمة تفسير السورة، وأشار إليه ابنُ كثير وسيّد قطب في «الظلال» في مطلعها.الحاشية (٣): قصّةُ بعث مصعب بن عُمير سفيرًا إلى يثرب وإسلام سعد بن معاذ وأُسيد بن حُضير على يديه: أخرجها ابنُ هشام في «السيرة النبويّة»، وهي من مشاهير وقائع السيرة.
شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ