أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
سلسلة · الحلقة 1
النداءات الإيمانية
التفسير المقاصدي

الإبحارُ في الزهراوين

من بناءِ البقرة إلى صيانةِ آل عمران

د. أحمد أبو سيفيونيو ٢٠٢٦8 دقائق قراءة

من بناءِ البقرة إلى صيانةِ آل عمران — الحلقةُ الافتتاحيّةُ من سلسلة «النداءات الإيمانية». بقلم: د. أحمد محمد علي أبو سيف، رئيس أكاديمية الأئمة بأمريكا (American Imams Academy).

عَتبةُ الدخول

يومَ يقومُ الناسُ لربِّ العالمين، وتُنسى الأنسابُ فلا يَسألُ أحدٌ عن أب، وتنقطعُ الوسائلُ فلا شفيعَ إلا مَن أذِنَ له الرحمن — تُقبِلُ على العبدِ سورتان من كتاب الله، كأنّهما غمامتان تُظلّانِه من حرِّ الموقف، أو فِرقانِ من طيرٍ صوافَّ باسطاتٍ أجنحتَها فوق رأسه، تُحاجّانِ عنه وتَذُبّانِ عن مقامه. هما البقرةُ وآلُ عمران؛ «الزهراوان». فيا للعجب! أتُراه ﷺ يَقرِنُ بينهما هذا القِران، ويَعِدُ لصاحبهما بهذه الشفاعة، عبثًا أو محضَ جوارٍ في سطور المصحف؟ كلَّا وربِّي؛ بل بينهما نَسَبٌ في المعنى قبل أن يكون بينهما جوارٌ في السطور، وذاك النَّسَبُ هو وِجهتُنا في هذه الرحلة.

تأمّلْهما تَجِدْهما سورتين متآخيتين: أطولَ ما في القرآن وأجمعَه؛ فالأولى تَغرِسُ وتَبني، والثانيةُ تَحرُسُ وتَحمي. البقرةُ تَرفعُ بنيانَ الأمة لبنةً لبنة، وآلُ عمران تقفُ على ثَغرِه عينًا لا تنام. بناءٌ وحارسُه، وأساسٌ وسِياجُه؛ ومن هذا السرِّ الجامع نُبحر.

وما تلك الظُّلّةُ يومَ القيامة إلا ثمرةُ صُحبةٍ في الدنيا: مَن آنسَ الزهراوين تلاوةً وتدبّرًا وعملًا، آنستاه يومَ لا أنيسَ ولا ظِلَّ إلا ظِلُّه. فليست القراءةُ التي ندعوك إليها ترفًا معرفيًّا يُزجّى به الوقت، بل عَقدُ مودّةٍ مع سورتين تُحاجّان عنك حين تَخرَسُ الحُجَج، وتُظلّانك حين يَشتدُّ الوهج. فتعالَ نعقِدْ هذا العقدَ من أوّله.

لماذا نُبحر مع النداءات الإيمانية؟

ولِمَ نختارُ من بين أبواب السورتين بابَ النداء دون سواه؟ لأنّ النداءَ بوصفِ الإيمان ليس خطابًا عابرًا، بل هو همسةُ حبٍّ وأمانةُ تكليفٍ في آن؛ يناديك ربُّك بأعزِّ ما فيك لِيُلقيَ إليك أثقلَ ما تحمل. وقد وعى السلفُ سرَّ هذا النداء، حتى قال عبدُ الله بنُ مسعودٍ رضي الله عنه: «إذا سمعتَ اللهَ يقول: يا أيها الذين آمنوا، فأرْعِها سمعَك؛ فإنه إمّا خيرٌ تُؤمر به، أو شرٌّ تُنهى عنه».

فإذا كان المؤمنُ هو المخاطَبَ أصالةً في القرآن — وما سواه من الكونِ والخلقِ عواملُ تُعينه وأدواتٌ بين يديه — فالنداءاتُ الإيمانيةُ هي مفاصلُ السورة وأعمدتُها التي يقومُ عليها سقفُها؛ فمن أمسك بها فقد قبض على روح السورة كلِّها.

وقد يُقال: أفلا يقتضي البحثُ استقصاءَ آيِ السورة جميعًا؟ بلى، لكنّه عندنا استقصاءٌ لنوعٍ بعينه لا انتقاءٌ متكلَّف: نتتبّعُ النداءات الإيمانية كلَّها — أحدَ عشرَ في البقرة، وسبعةً في آل عمران — لا نَدَعُ منها واحدًا، ثم نقرأُ كلَّ نداءٍ في ضوءِ سياقه؛ فلا تغيبُ سائرُ الآيات، بل تنتظمُ حول النداءِ انتظامَ الجندِ حول رايتِه. وليس هذا مسلكًا مُبتدَعًا، بل هو امتدادُ علمِ المناسبات الذي عُني به البقاعيُّ في «نظم الدرر» وابنُ عاشور في «التحرير والتنوير».

الزهراوان: بناءٌ وحارسُه

نزلت البقرةُ والعهدُ المدنيُّ في فجره، والمجتمعُ الوليدُ يَستوي على سُوقِه؛ فكانت سورةَ التأسيس: عقيدةً تُغرَس، وعبادةً تُقام، ومعاملةً تُضبَط، ومالًا يُطهَّر، وقضاءً يُنصَف. ثم تلَتْها آلُ عمران والجراحُ لمّا تَبرَأ من أُحُد؛ فجاءت سورةَ الحراسةِ والترميم، تُضمِّدُ ما دَمِيَ وتَسُدُّ ما انفرج. فالبقرةُ هندسةُ البناء، وآلُ عمران عَسَسُه الساهر.

وأصدقُ شاهدٍ على هذا النَّسَبِ صِيغةُ النداء نفسِها: فنداءاتُ البقرة يَغلبُ عليها الأمرُ الباني — «افعلوا» — لأنّ التأسيسَ لا يقومُ إلا بإقدام؛ ونداءاتُ آل عمران يَغلبُ عليها النهيُ الحارس — «لا تفعلوا» — لأنّ الصيانةَ حِفظٌ ومَنعٌ ودَفع. فالبناءُ يحتاجُ يدًا تَغرِس، والحراسةُ تحتاجُ عينًا تَرقُب.

سُنّةُ البناءِ ثمّ الحراسة

وليست هذه الثنائيةُ حِلْيةً لسورتين اثنتين، بل هي ناموسٌ يجري في كلِّ شيء. فالنفسُ تُزكَّى ثم تُصانُ من الانتكاس، والبيتُ يُعمَّرُ ثم يُحرَسُ من الوَهَن، والأمةُ تُبنى ثم تُحمى من الاختراق، والحضارةُ تُشادُ ثم تُصانُ من السقوط. ما من مجدٍ رُفِعَ إلا وحفظُه أشقُّ من رفعه؛ فالإقامةُ نصفُ العمل، وحراسةُ ما أُقيمَ نصفُه الباقي. وإنما جاءت الزهراوان تصويرًا لهذا الناموس في كتاب الله: يدٌ تَغرِس، ثم عينٌ تَسهَر.

البقرة: إيقاعُ البناء

أصغِ إلى تتابعِ نداءاتِ البقرة، تَسمعْ إيقاعَ عمّالٍ يَرفعون صَرحًا: تقديسُ المرجعيةِ أولًا، ثم مددٌ من الصبرِ والصلاة، فطيّباتٌ تُستباح، فعدلٌ يُقامُ بالقصاص، فنفسٌ تُهذَّبُ بالصيام، فصدرٌ يتّسعُ للدخولِ في السِّلمِ كافّة، فيدٌ تُبسَطُ بالإنفاقِ بلا منٍّ ولا أذى، من طيّبِ الكسب، متبرّئةً من الربا، مُوثِّقةً حقوقَها بالكتابة. لبناتٌ يَشُدُّ بعضُها أزْرَ بعضٍ حتى يستويَ البنيانُ قائمًا. وقد بسطتُ في مقالٍ سابق («عَتبةُ السِّلْم») كيف تدورُ البقرةُ كلُّها على قطبِ ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨]: شطرٌ يَغرِسُ الأركانَ بلسانِ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾، وشطرٌ يأخذُ بالقلبِ حتى يَحمِلَها طائعًا. فالبناءُ والصيانةُ حاضران في البقرةِ ذاتِها، ثم يتّسعان في الزهراوين معًا؛ فتَغلبُ الإقامةُ على البقرة، والحراسةُ على آل عمران.

آل عمران: إيقاعُ الحراسة

فإذا عَبَرتَ إلى آل عمران تبدّل الإيقاعُ من همّةِ البنّاءِ إلى يقظةِ الحارس؛ فكأنّ نداءاتِها السبعةَ عيونٌ ساهرةٌ على أبواب البناء: احذَرِ الطاعةَ العمياءَ لمن يبغي ردَّك عن دينك [آل عمران: ١٠٠]، والزَمِ التقوى إلى آخِرِ نَفَسٍ تلفِظُه [آل عمران: ١٠٢]، واحرُسْ صفَّك ممّن يتسلّلُ إلى بطانتك [آل عمران: ١١٨]، وطهِّرْ مالَك من دَرَنِ الربا [آل عمران: ١٣٠]، واثبُتْ فلا تُطِعِ الكافرين ساعةَ ضَعفِك [آل عمران: ١٤٩]، ولا يُصِبْك داءُ «لو» إذا فُجِعْتَ [آل عمران: ١٥٦]، ثم رابِطْ واصبِرْ على الثَّغرِ لا تَبرَحْه [آل عمران: ٢٠٠]. حرّاسٌ على السُّور، لا بنّاؤون يبتدئون البناءَ من جديد.

وتنتظمُ هذه الحراسةُ على مَسلكين تُسمّيهما السورةُ باسمِهما صريحًا: عدوٌّ من خارجٍ يَرمي بالشبهة — وهم أهلُ الكتاب —، وعدوٌّ من داخلٍ يَنخُرُ بالفتنة — وهم المنافقون. وفي أُحُدٍ تجلّى المسلكان في مشهدٍ واحد: مشركون يزحفون من السَّفح، ومنافقون يَنسحبون من القلب، ورُماةٌ يُخْلون الثَّغرَ طمعًا في غنيمة؛ فما نزلت آلُ عمران إلا لِتُداويَ ما كشفه ذلك اليوم. وبينهما يقفُ نداءُ البطانةِ [آل عمران: ١١٨] كالبرزخ؛ إذ ما نَفَذَ عدوٌّ من خارجٍ قطُّ إلا من ثَغرةٍ فُتِحَت له من داخل. تلك — لَعَمْري — أدقُّ آياتِ الحرب: أن يُؤتى الحصنُ من بابِه لا من سُورِه.

الاستنباطُ الحيّ: لماذا يعنيك هذا اليوم؟

ولا تَحسَبْ هذا كلامًا في أمّةٍ غابرةٍ طَواها الزمن؛ فأنت أنت هذه الأمّةُ في صورتها الصغرى. تَبني نفسَك بالإيمانِ والعبادةِ والخُلُقِ والكسبِ الحلال، ثم يُطلَبُ منك أن تَحرُسَ ما بَنَيت: من شبهةٍ تُزلزِلُ يقينَك، وفتنةٍ تُفسِدُ قلبَك، وصحبةٍ تُخذِّلُ عزمَك، وطمعٍ يُدنِّسُ مالَك، وجَزَعٍ يَهدُّك عند المصيبة. فما نفعُ بناءٍ لا حارسَ له؟ وما جدوى حِراسةٍ على غير بناء؟ إنّ القرآن يُعلّمك الإيقاعين معًا: يدًا تَبني، وعينًا تَرعى.

وكم من مؤمنٍ أتقنَ البناءَ وأهملَ الحراسة، فانهارَ صَرحُه من حيث لا يحتسب: قلبٌ عامرٌ بالطاعةِ تسلّلت إليه شبهةٌ عابرةٌ فأوهنته، وبيتٌ قائمٌ على تقوى دبّت فيه بطانةُ سوءٍ ففرّقته، وعزمٌ صادقٌ فَتَّ في عَضُدِه جَزَعٌ عند أوّل مصيبة. فاجعلْ لكلِّ ما بَنَيتَ حارسًا، وعلى كلِّ عامرٍ فيك عينًا لا تنام؛ فحفظُ الموجود أشرفُ من كسبِ المفقود.

خاتمة

وليست الغايةُ أن يُقال: البقرةُ أوامرُ خالصةٌ وآلُ عمران نواهٍ خالصة — فكم في البقرةِ من نهيٍ زاجر، وكم في آل عمران من أمرٍ جامع — وإنما الأدقُّ والأنصفُ أنّ الغالبَ على البقرةِ إيقاعُ التأسيس، والغالبَ على آل عمران إيقاعُ الحراسة؛ فهو مفتاحٌ يَفتحُ لا سُورٌ يَحصُر. وعلى بركةِ هذا المفتاح نَطرُقُ في الحلقةِ القادمة أوّلَ الأبواب [آل عمران: ١٠٠]، ثم نُتبعُه بابًا بابًا إلى السابع، نستجلي في كلٍّ منها تكليفَه وكيفيةَ تطبيقه، ومقصدَه الأبعد، ولفتتَه التي لم تُطرَق، وأثرَه في حياتنا؛ لنقرأ الزهراوين لا حروفًا تُتلى فحسب، بل خارطةً نَبني بها ونَحرُسُ عليها.

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ