أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
القرآن والحضارة

ما بعد الهجرة

الهجرة منعطفٌ في الطريق وليست محطة استراحة

د. أحمد أبو سيف•١٩ يونيو ٢٠٢٦•9 دقائق قراءة
المناسبة: خلاصة خطبة جمعة أُلقيت في AIA Masjid بتاريخ 19 يونيو 2026مالمصدر: تفريغ خطبة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

يتبادل المسلمون مع كل عامٍ هجريٍّ جديد عبارةً واحدة: «كل عامٍ وأنتم بخير». تجري على الألسنة وتتردد في القلوب، وفي القلوب معها شيءٌ من الأمل. غير أن سؤالًا آخر ينبغي أن يرافق التهنئة عند العقلاء: ما بعد الهجرة؟ ماذا يلي هذه الدعوات والتهاني؟

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيدنا محمدًا عبده ونبيه ورسوله ﷺ. أما بعد، فتعالوا نعُدْ بذاكرتنا إلى الوراء قليلًا. تاريخنا يلتصق بعضه ببعض، ومقام النبي ﷺ وحاله حاضران في ذاكرة أهل الإيمان حضورَ صلاة الفجر التي صلَّيناها هذا الصباح.

استراحة المحارب

كثيرون يظنون أن الهجرة كانت استراحةَ محاربٍ بلغ به الجهد في مكة مبلغه، فوصل أخيرًا إلى المدينة وتنفّس الصعداء. وهو ظنٌّ يشبه ظنَّنا نحن حين خرجنا من بلادنا، لسببٍ أو لآخر، ونزلنا هذه الأرض. قلنا: الحمد لله، وصلنا إلى أمريكا. حسبنا أننا بلغنا فراغًا نفسيًّا وطمأنينة ذهنية وراحة بدن، وأن هنا أرض الفرص والمتع. وليس كلامي عمّن ساء ظنُّه بالله، ولا عمّن أراد انحرافًا، وإنما عن المؤمنين الذين ظنوا أن الانتقال من وطنٍ إلى وطن مفتاحُ باب الراحة.

والصواب أن الهجرة كانت منعطفًا على الطريق. والمنعطف لا يعني أن الطريق انتهى، وإنما يعني أنك انتقلت من اتجاهٍ إلى آخر، من صعودٍ إلى هبوط.

سُلَّم التصعيد في مكة

لننظر إلى مكة نظرةً سريعة. لم يكد النبي ﷺ يدعو إلى الإصلاح حتى انتفض القائمون على الأمر، وهم الذين يقفون دائمًا في وجه كل إصلاح: أبو جهل وأبو لهب والوليد وعتبة ومن كان على شاكلتهم. هؤلاء هم الصفوة، أو «النخبة» كما يقولون اليوم، ورأوا أن هذا الرجل يهدد مقامهم ويغيّر معالم مجتمعهم، فلا بد من إسكاته.

وقد تدرّج الإسكات في مراحل. بدأ بمشهد مروّع لا يُنسى: امرأة تُقتل على يد أبي جهل قتلةً مهينة. ولم يكن ذلك غضبًا عابرًا ولا ردَّ فعل، وإنما رسالة تحذير للرجال قبل النساء: من يجرؤ على هذا الطريق فنساؤه وبناته وأخواته مهدَّدات بمثل هذا، فالسكوت أولى والسير بجوار الحائط أسلم. ثم مشهد آخر: خبّاب يُمدَّد ويوقَد تحته الجمر، فلا تنطفئ النار إلا بما يسيل من جسده. وهو عنوان آخر لترهيب بقية الناس. والرسالة واحدة: كل من تسوِّل له نفسه الخروج على النظام العام ورفع شارةٍ من شارات الإصلاح فهذا مصيره.

وانتقلوا بعدها إلى التشكيك في الرجل نفسه، فاتهموه بالسحر والشعوذة والكهانة. فلما لم تنفع التجارب جلسوا إلى المفاوضات: نعطيك المال والمنصب والمكانة والسيارات الفارهة، على أن تسكت فقط. فجاء جواب النبي ﷺ حاسمًا، فيما تذكره كتب السيرة: لو وضعوا الشمس في يمينه والقمر في يساره على أن يترك هذا الأمر ما تركه، حتى يُظهره الله أو يهلك دونه.[1]

فبدأت مرحلة الاضطهاد الجماعي، ثم حصار شِعب أبي طالب. وهذا التصعيد يدركه العقلاء: يُضحَّى بواحد، تُقتل امرأة، فيخاف الناس ويسكتون وتنتهي المسألة. لكن الإيمان شيء عجيب في النفوس: كلما ازدادت التحديات اتقد في الأعماق، وكلما اشتدت الضغوط ازداد أصحابه جرأة على خصومهم. وهو الإيمان نفسه الذي ذكّرنا بسحرة فرعون حين واجهوه بالمنطق ذاته: إنما تقتل الأبدان، والأرواح قد عرفت مكانها عند رب العزة.

ومرّت ثلاثة أعوام، وأقول أعوامًا ولا أقول سنين، لأنها امتلأت بالشظف المادي وبالعمق الإيماني والرسوخ اليقيني فيما عند الله. كان رسول الله ﷺ في مقدمة القوم يصيبه ما يصيبهم من الجوع والعطش. ثم خطا خطواته الأولى للخروج من هذا المجتمع حين طرق أبواب الطائف، وتعلمون ما جرى، حتى بلغ به المقام أن قال في دعائه، كما تروي السيرة: «إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي».[2] وذلك شعار أهل الإيمان في كل زمان.

المدينة: بناء لا راحة

ثم جاءت الهجرة. لم تكن استراحة مقاتلٍ بعد معركة طويلة، ولا انتصارَ رجلٍ بلغ هدفه وسكن انفعاله. كانت انتقالةَ عاقلٍ يدرك أن نوعًا من التحديات قد مضى وأن نوعًا آخر قد أقبل، وأن مرحلة انقضت وأخرى بدأت.

فإذا به ﷺ يبدأ ببناء مسجدٍ تلتئم فيه جراح الناس وتهدأ مشاعرهم، يلتقون فيه على «الله أكبر» وينفضّون على «السلام عليكم ورحمة الله». وكان حديثه إليهم بعد الصلاة مسكِّنًا للنفوس، جامعًا للشمل، لامًّا لما انفرط من المشاعر والأفكار. كان يجتهد في صناعة البيئة التي تصنع ذلك الجيل. ثم جاءت مرحلة المؤاخاة، وهي عهدٌ متجدد: لا تجمعنا الصلاة وحدها فننصرف بعدها، بل بيننا ميثاق صنعه لنا رسول الله، فلا ينفك المرء عن أخوّته لأخيه، يحفظها ولو ضحّى في سبيلها بما يملك.

ثم نظر ﷺ في استقرار المجتمع كله، فصنع ميثاق المدينة ودستورها، وجمع فيه أهل الإسلام واليهود وغيرهم. لكن المتربصين الأوائل لم يتركوا هذا الكيان الجديد يمدّ جذوره في الأرض ويُخرج ثمره، فأرادوا اجتثاثه بطريقة أخرى. فجاءت بدر وأُحُد والخندق، واعتداءاتٌ تحيط بالمجتمع المسلم من كل حدٍّ وجانب. وظهر عدو جديد باسم جديد، هو النفاق، لم يعرفه أهل مكة، فقد كانوا أهل جرأة، إما مؤمن وإما كافر والأمر عندهم واضح. وابتُلي النبي ﷺ ومن معه بيهود أعلنوا الحرب، وبمنافقين دُسّوا في وسط المجتمع ليشعلوا فتيل الفتنة الداخلية بين الحين والآخر. وبين الحين والآخر يقف النبي ﷺ ليقول عن دعوى الجاهلية: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ»،[3] ويجمع الناس ويرأب الصدع بما يستطيع.

وفي مرور سريع على هذا التاريخ تظهر حقيقة بسيطة: أنت أيها المسلم لست وحدك في هذه الأرض. حولك من لا يحب وجودك، ومن لا يعنيه وجودك. فأما من لا يعنيه وجودك وأنت عنده كغيرك فهو محلُّ دعوةٍ منك. وأما من لا يروق له وجودك أصلًا ويحاربك فاعلم أنك مطالَب بإحاطة نفسك بسياجٍ من الأمن والطمأنينة.

الغربة ليست إجازة

الذين هرعوا إلى أمريكا أو أوروبا أو الغرب بأشكاله، أو خرجوا من وطنٍ إلى وطن، فظنوا أنهم استقروا وألفوا الحياة ونعيمها، ألفوا الطريق المهيّأ لكل أنواع السيارات، وألفوا الإشارات التي لا يتجاوزها أحد، وألفوا الاستقرار والهدوء النفسي. وبعضهم غفل عن جيلٍ يخرج إلى الحياة وقد ابتلعته هذه البيئة وافترسته الانحرافات السلوكية التي تحيط به.

فما الذي نريده للحفاظ على مستقبل الإسلام في بلاد الغرب والشرق؟ نخاطب زوجًا مطالَبًا بحفظ بيته وكيانه من ألفه إلى يائه. ونخاطب والدًا مطالَبًا بالرعاية النفسية والعقلية لهذا الجيل الصاعد بين يديه. ونخاطب إمام المسجد أن يحترم ذاته ويحترم عقول من يجلسون أمامه، فيعطيهم من الخطاب ما يناسب المقال والمقام. ونخاطب رئيس المسجد أو المؤسسة الإسلامية: اتقِ الله، ولا تدّعِ أنك وحدك في الساحة، وافتح أبواب الحوار مع من حولك، وتعاونوا على البر والتقوى، فغاية وجودنا هنا ليست المكاسب الدنيوية باسم الدين، وإلا خسرنا الأولى والآخرة.

ومن نخاطب أيضًا؟ نخاطب أنفسنا قبل كل أحد. مررنا مؤخرًا بتجربة في غاية البساطة: خلافٌ على الشعار الذي يوضع على إعلان، هل نضع شعارنا أم شعاركم، أم نضع الاثنين، أم نحذف أحدهما. وهذا يعطيك مؤشرًا إلى أي مستوًى نحن. نحن متأخرون جدًّا، ما زلنا نعيش في الزمن القديم، ولم نتجاوز هذه الأزمات التي تمثل مرضًا نفسيًّا في نفوس الناس. وأقول للعقلاء في كل مرة: انظروا إلى الطريق السريع تجدوا سيارة تويوتا وأخرى هوندا جنبًا إلى جنب، لا يتشاجر أحدهما مع الآخر ليقول له اخرج من هنا فأنت تزاحمني. والبنوك الأمريكية متجاورة، تمرّ فتختار هذا المصرف أو ذاك. أما نحن فأقصى همّنا موضع اليدين عند «الله أكبر»: ترتفعان إلى هنا؟ فإن زادتا قليلًا قيل لك صلاتك ناقصة، وإن نزلتا أو علتا فخصام. نتشاجر على صيغة النداء للصلاة وعلى طريقة إقامتها، وكأن شأننا كله ينتهي عند أحكام الخلاء، لا نتجاوزها إلى الحديث عن السبق والجرأة على اقتحام هذه المجتمعات.

لم تكن هجرة النبي ﷺ انتقالًا إلى مجتمعٍ يعيش فيه المسلمون آمنين، لنقول: خلاص، استقررنا، فلنبنِ مساجد ونرفع رايات. كانت انتقالًا من مجاهدةٍ إلى مجاهدة. وأسألكم بالله: أكانت مجاهدة الصحابة وهم أفراد في مكة أشقَّ، أم مجاهدة النبي وأصحابه في المجتمع المدني وهو يتعامل مع العالم، وليس فيه أحد يريد بقاءه، بل الكل مجتمع على إزالته من الوجود؟ غير أن ثبات أهل الإيمان ثبّت الله به الإيمان والإسلام، وأورثنا الأرض من بعد من ذهبوا إلى ربهم. ونحن اليوم نعبّر عن الإسلام بعمائم على الرؤوس وثياب تعبّر عن الهوية وشعارات تُرفع وشعارات تُنشر. فأين أثرك في عيالك، وفي الجيل الذي يصعد إلى المستقبل حاملًا الراية نفسها؟

سورة النصر وما بعدها

عباد الله، خلاصة القول أننا لسنا في إجازة هنا، ولسنا في بقعة تريح النفوس والعقول، وإنما نحن في موضع يتطلب مزيدًا من الإيمان والعمل.

وقد كنت أحدّث إخوانكم مؤخرًا عن سورة النصر: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ۝ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ۝ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: 1-3]. فكّروا معي نصف دقيقة: ألا يليق بهذه السورة، وفيها هذا القدر من الطمأنينة والسكون والتسبيح والاستغفار، أن تكون آخر سور المصحف؟ غير أن رب العالمين أورد بعدها سورة المسد التي تتحدث عن أبي لهب، ليخبرنا أن المسيرة لم تنتهِ لمجرد مجيء نصر الله، وأن دخول الناس في الإسلام ليس المؤشر الأخير، وأن هناك من يتربص بك من أمثال أبي لهب. فاستمسك بالواحد الأحد، الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، وتعوّذ به من المخترِقين لك من الخارج: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ۝ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ ۝ وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ۝ وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ۝ وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: 1-5]. وتعوّذ به من المخترِقين لك من الداخل، أصحاب الوسوسة من الإنس والجن.[4]

نحن في طريقٍ لم ينتهِ بعد ولم يكتمل، فانظر أين الموقع الذي أودعك الله فيه، وتنبّه لمقامك فإنك مسؤول. وانظر إلى عاقبة أمرك إن فعلت وعاقبة أمرك إن قصّرت، فالحساب بيد من لا يغفل عنه شيء، لا في السر ولا في الجهر.

اللهم ردّنا والمسلمين إلى دينك مردًّا جميلًا، وفهِّمنا ما أُنيط بنا من مسؤولية. اللهم إنا نعوذ بك أن يكون الإسلام حجةً علينا بين يديك يوم القيامة. اللهم إنا أتينا بأبنائنا إلى هذه البلاد اختيارًا، فلا تجعلهم حجةً علينا يوم نلقاك، ولا تجعلهم سلاسل عذابٍ في أعناقنا، واجعلهم من الطائعين المقبلين على دينك، الحاملين لأمانة إسلامك.

--- [1]: توثيق المحرر: يُروى هذا القول في كتب السيرة في سياق مفاوضة قريش لعمّه أبي طالب، من رواية ابن إسحاق عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس، بلفظ: «يا عمّ، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يُظهره الله أو أهلك فيه ما تركته»؛ وقال الألباني في «السلسلة الضعيفة» (٩٠٩): «هذا إسناد ضعيف معضل»، وحسّن في «السلسلة الصحيحة» (٩٢) روايةً أخرى للقصة من حديث عقيل بن أبي طالب بلفظ مختلف. [2]: توثيق المحرر: يُروى في كتب السيرة من دعائه ﷺ عند عودته من الطائف؛ وقال الألباني في تخريج «فقه السيرة» (ص١٢٦) في رواية محمد بن كعب القرظي: «فالحديث ضعيف». ورواه الطبراني من حديث عبد الله بن جعفر، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد»: «رواه الطبراني، وفيه ابن إسحاق وهو مدلس ثقة، وبقية رجاله ثقات». [3]: توثيق المحرر: رواه البخاري ومسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، في قصة المهاجري والأنصاري. [4]: توثيق المحرر: إشارة إلى سورة الناس: ﴿مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ۝ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ۝ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: 4-6].

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ