أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
سلسلة · الحلقة 27
المفاهيم الإيمانية
المفاهيم الإيمانية

المراودة في القرآن

نزعٌ للإنسان عن نفسه

د. أحمد أبو سيف•٧ أكتوبر ٢٠٢٦•11 دقائق قراءة

غُلِّقت الأبواب، وقيلت الكلمة التي لا تُحتمل، ووقف فتىً غريبٌ في بيت سيّدته لا سندَ له إلا ما في صدره: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ (١٢:٢٣). المشهد من أكثر مشاهد القرآن شهرةً، لكنّ الذي يستوقف الدارسَ فيه ليس الحدثَ نفسه، بل الفعلَ الذي اختاره القرآن ليصفه. لم يقل: «طلبته» ولا «دعته» ولا «أغرته»، بل قال: «راودته عن نفسه». وهذه العبارة، بما فيها من دقّةٍ، تكاد تحتفظ بها السورة وحدها من بين سور القرآن.

حصر اللفظ والإحصاء

يرد جذر «ر و د» في القرآن الكريم ثمانيًا وأربعين ومئة مرة، لكنّ الغالبية العظمى منها — تسعًا وثلاثين ومئة — هي الفعل «أراد» بمعناه المعروف: القصد والإرادة[1]. وهذا فرعٌ مستقلٌّ لا شأن له بموضوعنا. أما الصيغة التي تعنينا، وهي الفعل من باب المفاعلة «راوَدَ»، فلا ترد إلا ثماني مرات: سبعٌ منها في سورة يوسف، وواحدةٌ في سورة القمر.

مواضع سورة يوسف السبعة هي: ﴿وَرَاوَدَتْهُ﴾ (٢٣)، و﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي﴾ (٢٦)، و﴿تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ﴾ (٣٠)، و﴿وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ (٣٢)، ثم موضعان في آيةٍ واحدة هي الحادية والخمسون: ﴿إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ﴾ و﴿أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ﴾، ثم موضعٌ أخير مختلف السياق في الآية الحادية والستين: ﴿قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾. وأما موضع القمر فهو قوله تعالى عن قوم لوط: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ (٥٤:٣٧).

وأوّل ما يلفت النظر في هذه المواضع الثمانية أنها جميعاً — دون استثناء — تقترن بحرف الجرّ «عن»: «عن نفسه»، «عن نفسي»، «عنه أباه»، «عن ضيفه». فالفعل لا يُذكر مجرّداً قطّ، ولا يتعدّى بغير هذا الحرف. وهذه ملاحظةٌ لا تُلتقط من قراءة سورة يوسف وحدها، إذ لا تظهر إلا بتتبّع اللفظ في المصحف كله.

الجذر اللغوي: مجيءٌ وذهابٌ في رفق

يذكر ابن فارس أن مادة «رود» أصلٌ واحد يدلّ على مجيءٍ وذهابٍ في رفق[2]. ومن هذا الأصل «الرائد»، وهو الذي يتردّد في طلب الكلأ ومواقع الماء، و«الرُّوَيد»، أي التمهّل واللين. فالمراودة بهذا الأصل ليست هجوماً ولا إكراهاً صريحاً، بل تردّدٌ حول الهدف، ودورانٌ حوله، ولينٌ في الطلب يخفي إصراراً، يشبه حركة الرائد الذي يذهب ويجيء حتى يظفر بما يريد.

وإلى هذا المعنى يشير الراغب الأصفهاني في «المفردات» حين يجعل المراودة منازعةً في الإرادة، بأن يريد المرء من غيره غير ما يريده ذلك الغير لنفسه، فيسعى بالرفق والإلحاح حتى يُحوِّل إرادته إلى جهته. وهذا ما يجعل «المراودة» أدقّ من «الإغراء» وأكثر مكراً من «الإكراه»: فهي لا تكسر الإرادة بل تحاول أن تُدوِّرها.

البنية المركزية: لماذا «عن نفسه» ولم يقل «على الفاحشة»؟

لو أراد القرآن مجرّد وصف الواقعة لقال: «طلبت منه الفاحشة»، لكنه اختار تعبيراً لا يصرّح بالفعل المطلوب أصلاً: «راودته عن نفسه». فما معنى «عن نفسه»؟

يدلّ حرف «عن» على المجاوزة والابتعاد: تُراوِد فلاناً «عن» كذا، أي تحاول أن تُبعده عنه. فالمراوِدة هنا لا تقول إنها تريد شيئاً من يوسف، بل إنها تريد أن تنزعه «عن نفسه» — أي من تلك النفس التي بين جنبيه، من مبدئه وأمانته وعهده مع ربه، ليكون شخصاً غير الذي هو. وهذا يفسّر لماذا تأتي الجملة بصيغة «عن نفسه» لا «من نفسه» ولا «على نفسه»: فالمطلوب ليس جسداً يُؤخذ، بل ذاتٌ يُراد اقتلاعها من موضعها.

وتؤكّد مواضع أخرى من السورة نفسها وخارجها أن هذه الدلالة ليست خاصّةً بالمشهد الغرامي. ففي الآية الحادية والستين يقول إخوة يوسف: «سنراود عنه أباه». هنا لا شأن للشهوة، لكنّ البنية واحدة: يريدون أن ينتزعوا من أبيهم ما يتمسّك به، أي بنيامين، ويحوّلوا إرادته عن موضعها بالرفق والإلحاح. وفي سورة القمر يستعمل القرآن الفعل نفسه لقوم لوط الذين «راودوه عن ضيفه»، أي طلبوا أن يُبعدوا الضيفَ عن حماية مضيفه. فالمراودة في المواضع الثمانية كلها: محاولةٌ لنزع أمرٍ عزيزٍ من يد صاحبه بوسائل اللين والإلحاح والتدبير.

ومن هنا يتّضح أن اللفظ نفسه محايدٌ أخلاقياً: فمراودة الإخوة لأبيهم لم يذمّها القرآن، بل هي في سياق المفاوضة المشروعة، بينما مراودة امرأة العزيز ومراودة قوم لوط ذُمّتا. الحكم الأخلاقي لا يأتي من الفعل بل مما يُراد «عنه» ومما يُراد «إليه».

نموذجٌ قرآنيّ: مراودةٌ تُعالَج في ثلاث دوائر

يتتبّع القرآن مراودة امرأة العزيز عبر ثلاث دوائر متّسعة، في كلٍّ منها يتّخذ الفعل وجهاً مختلفاً. الدائرة الأولى خاصّة: الغرفة المغلقة، حيث قيلت «هيت لك»، وفي هذه الدائرة وحدها يجتمع الإغراء والإغلاق والخلوة. والدائرة الثانية اجتماعيّة: مجلس النسوة، حيث يتحوّل الأمر إلى حديث المدينة: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ﴾ (١٢:٣٠). والدائرة الثالثة قضائيّة: حين يسأل الملك النسوة: ﴿مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ﴾ (١٢:٥١)، فتنطق امرأة العزيز بالاعتراف الذي يحسم القضية: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾.

وفي هذه الدوائر الثلاث يظهر فرقٌ لافت في صيغة الفعل. ففي الأولى جاء بصيغة الغائبة «وراودته»، وفي الثانية بصيغة المضارع المستمرّ «تراود»، وكأن الناس يصفون فعلاً ما زال جارياً، وفي الثالثة بصيغة المتكلّمة «أنا راودته»، حيث ينتقل الفعل من وصف الآخرين إلى إقرار صاحبته. فالمراودة التي بدأت سرّاً تُختَم علناً، وبلسان صاحبتها.

وفي مقابل هذا المسار، يرسم القرآن مسار المُراوَد في خمس لحظات متدرّجة: اعتصامٌ باللفظ (معاذ الله)، فاعتصامٌ بالحركة (واستبقا الباب)، فاعتصامٌ بالموقف (فاستعصم)، فتفضيلٌ للسجن (﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾، ١٢:٣٣)، فدعاءٌ بالصرف عن الكيد. وهذه اللحظات سيأتي تفصيل بعضها في مقالَي «الاستعصام» و«الكيد» من هذه السلسلة.

الشاهد النبويّ

يرد في الصحيحين حديث السبعة الذين يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه، وفيه: «وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ»[3]. وهذا الحديث يصوّر الموقف نفسه الذي عاشه يوسف، لكنه يضيف عنصراً لافتاً: أن المراوِدة «ذات منصب وجمال»، أي أن الضغط لا يأتي من ضعيفٍ يُرحَم بل من جهةٍ لها سلطةٌ وفتنة، وهو ما ينطبق على امرأة العزيز بالحرفية: صاحبة البيت وسيّدة الفتى.

وفي حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة في الغار، يقول ثانيهم إنه كانت له ابنة عمٍّ هي أحبّ الناس إليه، فطلبها لنفسها فامتنعت، حتى أصابتها سنةٌ من سنوات القحط فجاءته محتاجة، فأعطاها مبلغاً من الدنانير على أن تخلّي بينه وبين نفسها، فلما قدر عليها قالت له: اتّقِ الله، فتحرّج من الوقوع عليها وانصرف، وترك الذهب الذي أعطاها[4]. وهنا ينعكس الأمر: المراوِد رجل، والمُراوَدة امرأة محتاجة، والمنقذ كلمة «اتقِ الله». فالمراودة ليست حكراً على جنسٍ دون جنس، وأداة النجاة منها في الحديثين معاً واحدة: استحضار الله.

قراءةٌ مقاصديّة

يُلاحظ أن القرآن لا يعالج المراودة بحكمٍ فقهيّ مباشر في سورة يوسف، بل بقصّةٍ كاملة، وكأنه يعلّم أن العلم بالنهي لا يكفي في مواقف تتضافر فيها الخلوة والسلطة والإغراء، وإنما يحتاج الإنسان إلى بناءٍ داخليّ مسبق. فيوسف لم ينجُ لأنه حفظ حكماً، بل لأنه كان قد قال قبل أن تقع الواقعة: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾، أي أنه ربط الامتناع بمنّتين: منّة الله، ومنّة من أحسن إليه من البشر. ومن لطائف الآية أن الوفاء لمن أحسن إليك يصلح درعاً من دروع العفّة، وأن الاستحياء من فضل الناس قد يكون طريقاً إلى الاستحياء من فضل الله.

وفي قراءةٍ ثانية، تنبّه المفسّرون إلى أن القرآن ختم المشهد بتعليلٍ لافت: ﴿كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (١٢:٢٤). فالصرف هنا فعلٌ إلهيّ، لكن علّته صفةٌ في العبد: أنه من المخلَصين. فالتوفيق لا ينزل عشوائياً، بل على من سبق منه الإخلاص. وهذا يربط مفهوم المراودة بمفهوم الإخلاص الذي مرّ في هذه السلسلة: فالمُراوَد الذي خلصت نيّته من شوائب الدنيا أقدر على الصمود ممّن دخل الموقف وفي قلبه ثغرة.

البُعد التطبيقي المعاصر

اتّسعت اليوم صور المراودة وتنوّعت أدواتها حتى لم تعد حبيسة الغرفة المغلقة. فالإعلانات التي تُلحّ على الإنسان في كل شاشة، والضغوط الاجتماعية التي تدعوه إلى التخلّي عن مبدئه «ليكون مثل الجميع»، والعرض المالي الذي يأتيه في هيئة مجاملة، كلّها صور من «المراودة عن النفس»: لا تُكرِهه بل تُدَوِّر إرادته بالرفق والإلحاح حتى يصير شخصاً غير الذي كان. ومن عاش في بيئةٍ أقلّيّة يعرف هذا الضغط الهادئ: ألّا تُجبَر على شيء، لكنك تُراوَد كلّ يوم عن هويّتك.

وفي مقابل ذلك، يعلّمنا النموذج القرآنيّ ثلاث وقاياتٍ عمليّة. الأولى ألّا ينتظر الإنسان الموقف ليتخذ قراره، فيوسف قال «معاذ الله» قبل أن تتعقّد الأمور. والثانية أن يهرب بالحركة حين يعجز الكلام، فالقرآن يقول: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾، أي أن الفرار جزءٌ من الثبات لا نقيضٌ له. والثالثة أن يطلب العون، فبعد أن ثبت بالفعل لجأ بالدعاء: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾، أي أنه لم يعدّ نفسه معصوماً بقوّته الذاتية، بل خاف على نفسه حتى بعد انتصارها.

وأما من كان في موضع المُراوِد، فالدرس له أيضاً: أن يتذكّر قول القرآن عن امرأة العزيز بعد سنين: ﴿أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾. فمهما طال إخفاء المراودة، يأتي يومٌ «يحصحص» فيه الحق، والاعتراف الذي يأتي مبكّراً بإرادة صاحبه أخفّ من اعترافٍ يُنتزَع بعد الفضيحة.

خاتمة

حين اختار القرآن أن يصف ما جرى في تلك الغرفة بأنه «مراودةٌ عن النفس»، لم يصف فعلاً يُرتكَب بل صراعاً على ذاتٍ يُراد اقتلاعها من أصلها. ومن عرف أن أخطر ما يُطلَب منه في كل ضغطٍ ليس ما يفعل بل مَن يكون، علم أن أول الدفاع أن يعرف نفسه معرفةً تجعله لا يبيعها بشيء.


الهوامش

  1. أرقام ورود جذر «ر و د» مأخوذة من مدوّنة القرآن اللغوية (corpus.quran.com): ١٤٨ موضعاً في ثلاث صيغ: ثمانٍ منها فعل المفاعلة «راوَد»، و١٣٩ فعل «أراد» من باب الإفعال، وواحدٌ هو الاسم «رُوَيداً» (٨٦:١٧). مواضع «راوَد» الثمانية هي: ١٢:٢٣، ٢٦، ٣٠، ٣٢، ٥١ (مرتان)، ٦١، ثم ٥٤:٣٧. [2]: ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، مادة «رود». [3]: رواه مسلم (١٠٣١) واللفظ له، ورواه البخاري (٦٦٠، ١٤٢٣) بنحوه، عن أبي هريرة رضي الله عنه. [4]: رواه البخاري في صحيحه (٢٢١٥، ٢٢٧٢، ٣٤٦٥؛ والزيادة في قصة السنة المجدبة في ٢٢٧٢) ومسلم (٢٧٤٣)، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، في حديث أصحاب الغار؛ وألفاظ الروايات تتفاوت، والمذكور هنا خلاصة موضع الشاهد منها.↩
شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ