النفس الأمّارة بالسوء في القرآن
الذات التي تحتاج إلى رحمة
بعد أن ظهرت براءة يوسف وأقرّت النسوة وامرأة العزيز بالحقّ، وردت في القرآن عبارةٌ قصيرة صارت من أكثر ما يُستشهد به في باب تزكية النفس: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (١٢:٥٣). والعجيب أن هذه الصيغة، «أمّارة»، لا ترد في القرآن إلا في هذا الموضع الواحد، ومع ذلك صارت بسببه عنواناً لحالةٍ تعرفها كل نفس: أن يقع في داخلك صوتٌ يدفعك إلى ما تعلم أنه لا يصلح.
حصر اللفظ: صيغةٌ واحدة وسياقٌ فريد
وصف «أمّارة» بصيغة المبالغة (فعّالة) من الأمر، ورد مرة واحدة في القرآن في الآية المذكورة. وهذه الصيغة تدلّ على التكرار والاعتياد: ليست نفسًا تأمر مرةً بالسوء، بل نفسٌ من طبعها أن تُكثر الأمر به. وقد حكى القرآن الجذر نفسه في مواضع أخرى بمعنى الأمر والتدبير، لكن الصفة المخصوصة للنفس لا تأتي إلا هنا.
على أن المعنى لا ينحصر في هذه الآية. فالقرآن يصف تأثير النفس في السلوك بألفاظ أخرى متقاربة، منها «التسويل» في قوله تعالى على لسان يعقوب: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ (١٢:١٨، وتكرّر في ١٢:٨٣)، و«التطويع» في قصة ابني آدم: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ (٥:٣٠)، و«الوسوسة» في قوله: ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ (٥٠:١٦). فالنفس الأمّارة هي الاسم الجامع لما تفعله النفس حين تزيّن القبيح وتسهّله وتدفع إليه.
قبل التعريف: مسألةٌ في القائل
اختلف المفسرون في قائل هذه الآية: أهو يوسف عليه السلام، أم امرأة العزيز؟ فذهب جمعٌ من المحققين، منهم ابن تيمية وابن كثير، إلى أنه من قولها، لأن السياق متصلٌ بكلامها: ﴿ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ (١٢:٥٢)، فهي تعترف بأنها راودته وأنها لا تبرّئ نفسها. وذهب آخرون إلى أنه من قول يوسف تواضعًا وأدبًا مع ربه بعد أن ظهرت براءته[1].
والمهم لموضوعنا أن الدلالة المفهومية قائمة على أيّ القولين: فسواء كانت اعتراف امرأةٍ تنصف الحق من نفسها، أو تواضع نبيٍّ يأبى أن يمدح نفسه، فإن الآية تقرر حقيقةً عامة: أن النفس ما لم تُرحم تأمر بالسوء. وعلى القول الأول يكتسب المعنى بُعدًا آخر: أن من كانت أسيرة هذه النفس هي التي تقرّ أولًا بسلطانها عليها.
الدلالة اللغوية والاصطلاحية
«النفس» في العربية تُطلق على الذات كلّها، وعلى الروح، وعلى الجانب الباطن الذي تصدر عنه الإرادات. و«الأمر» طلب الفعل على جهة الاستعلاء. فالنفس الأمّارة هي النفس حين تتخذ موقع الآمر في الإنسان، فتصدر الأوامر وينفّذ الجسد والعقل. وليس الغريب أن للنفس ميولًا، بل الغريب أن تتحول من ميل إلى سلطة.
وقد صنّف علماء التزكية النفس بحسب ما ورد في القرآن إلى مراتب، أخذوها من ثلاثة أوصاف قرآنية: «الأمّارة بالسوء» (١٢:٥٣)، و«اللوّامة» في قوله تعالى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ (٧٥:٢)، و«المطمئنة» في قوله: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ (٨٩:٢٧-٢٨). وهذا التصنيف اجتهادٌ مأخوذ من ترتيب الأوصاف لا نصٌّ في أن هذه مراتب متعاقبة؛ فقد قال بعض العلماء إنها أحوالٌ تتعاقب على النفس الواحدة، وقال آخرون إنها صفاتٌ لنفوس مختلفة. وفي الحالين تبقى الفائدة المنهجية: أن النفس ليست قدرًا واحدًا، بل مجالًا للصراع والتحسين.
ما تدلّ عليه الآية في بنيتها
تأمّل بناء الآية: فيها تقريرٌ، ثم استثناء، ثم تعليل. التقرير: «إن النفس لأمّارة بالسوء» مؤكَّد بإنّ واللام. والاستثناء: «إلا ما رحم ربي». والتعليل: «إن ربي غفور رحيم». ومعنى الاستثناء أن الخروج من سلطان الأمّارة لا يكون بقوة الإنسان وحدها، بل برحمة ربه. وليس معناه أن الجهد لا قيمة له، بل أن الجهد وسيلةٌ تُعين، والنجاة فضل. وهذا ما يجعل الآية قريبة من دعاء النبي ﷺ: «يا حيّ يا قيّوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كلّه، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين»[2].
والأمر نفسه تراه في قوله تعالى عن الفلاح: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ (٩١:٧-١٠). فالنفس مخلوقةٌ مستعدة للأمرين، والفلاح منوطٌ بالتزكية، والخيبة بالتدسية. وهنا يظهر التوازن القرآني: النفس ليست شرًّا محضًا فتُحتقَر، ولا خيرًا محضًا فتُترك على سجيتها.
منهج القرآن في مقاومتها
تُظهر الآيات ثلاثة مداخل لعلاج الأمّارة. أولها المجاهدة بنهي النفس عن الهوى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾ (٧٩:٤٠-٤١). ثانيها الوقاية من الشحّ، وهو أصل من أصول الأمر بالسوء في المال: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٥٩:٩). ثالثها طلب الرحمة، وهو ما انتهت إليه آية يوسف نفسها.
ومن الشواهد النبوية على المجاهدة قوله ﷺ: «المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله»[3]. ومما يشيع على الألسنة «أعدى عدوّك نفسك التي بين جنبيك»، وليس هذا بحديثٍ يصحّ عن النبي ﷺ، فقد ضعّفه أهل الحديث، وإن كان معناه صحيحًا من حيث إن النفس إذا تُركت للهوى كانت أخطر على صاحبها من عدوٍّ خارجي.
ومن أدب النبي ﷺ في الخطبة أنه كان يعلّم أصحابه أن يستعيذوا بالله من شرور الأنفس، فيقول في خطبة الحاجة: «ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا»[4]. فمبدأ الاستعاذة من النفس نفسها مقررٌ في أول كل خطبة، لا في باب الزهد وحده.
قراءةٌ مقاصدية
المقصد من هذا المفهوم هو حفظ الإنسان من أخطر مصدرٍ للانحراف، وهو الذي يأتي من الداخل. فالشيطان مدخله الوسوسة، لكن الوسوسة لا تجد طريقًا إلا حيث تجد نفسًا تستجيب. وبهذا يجمع القرآن بين عدوّين: الشيطان من الخارج، والنفس من الداخل، ويجعل الحماية منهما واحدة: ذكر الله ورحمته.
وفي الآية مقصدٌ آخر ظاهر: التواضع وسدّ باب العُجب. فمن وعى أن نفسه أمّارة، لم يقل «أنا بخير»، ولم يأمن على نفسه الفتنة، وهذا ما يفسّر أن يوسف عليه السلام، وهو في ذروة براءته وعصمته، يقول (على القول الراجح عند من نسبه إليه): «وما أبرّئ نفسي». فالبراءة الحقيقية لا تكون بالمدح الذاتي، بل بالنسبة إلى فضل الله.
البُعد التطبيقي المعاصر
في زمنٍ تُبنى فيه التطبيقات على فهم نقاط ضعف النفس — الشهوة، والملل، والمقارنة، وحب الظهور — صار الأمر بالسوء أيسر وأسرع، وصار التسويل يأتي في هيئة إشعارٍ على الهاتف. والإنسان الذي يظن أن «نفسه طيبة» ولا يحتاج إلى حواجز يقع في أسر أول مغريات الشاشة. أما من وعى المفهوم القرآني فيبني لنفسه حواجز عملية: لا يكتفي بأن يقول «أنا لن أقع»، بل يبتعد عن مواطن السقوط، وقد قال يوسف في أشدّ لحظات الفتنة: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ (١٢:٣٣)، فلم يعتمد على قوّته وحدها، ويستعين بالدعاء، ويُنشئ لنفسه صحبةً صالحة وأوقاتًا مضبوطة.
وفي الأسرة والتربية: ينبغي ألا نربّي أبناءنا على أن النفس خيرٌ مطلق فتُترك لما تشتهي، ولا على أنها شرٌّ مطلق فيكرهوا ذواتهم. بل على ما رسمته آية الشمس: ذاتٌ مُلهَمة الفجور والتقوى، تحتاج إلى من يزكّيها ويربيها، لا إلى من يحتقرها ولا إلى من يمدحها بلا حساب.
ألفاظ متجاورة: التسويل والتطويع والوسوسة
لا تتطابق هذه الألفاظ الثلاثة، وإن اجتمعت على نسبة الفعل إلى النفس. فـ«التسويل» تزيينُ الشيء وتسهيله حتى يبدو هيّنًا مقبولًا، وهو ما قاله يعقوب لبنيه: «سوّلت لكم أنفسكم أمرًا»، أي زيّنت لكم ما فعلتم. و«التطويع» جعل الأمر طيّعًا منقادًا بعد استصعابه، وهو ما وقع لابن آدم الذي كان يتردد في قتل أخيه ثم «طوّعت له نفسه»، فكأن في الإنسان حاجزًا فطريًّا أمام القتل، والنفس الأمّارة تعمل على إزالته شيئًا فشيئًا. و«الوسوسة» حديثٌ خفي متكرر يلقى في القلب.
وفي هذا ترتيبٌ يفيد التربية: فالسقوط لا يقع دفعة واحدة، بل يبدأ بهمسٍ، ثم تزيين، ثم تسهيل، ثم فعل. ومن عرف هذا التدرج استطاع أن يقطع الطريق في أوله حيث تكون المقاومة أيسر.
المحاسبة والمراقبة: أدوات عملية
بنى علماء السلوك على هذا الباب قاعدتين عمليتين: المراقبة قبل العمل، والمحاسبة بعده. ويُروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا». وأساس ذلك في القرآن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ (٥٩:١٨). فأن تنظر النفس فيما قدّمت يعني أن يكون للإنسان جلسةٌ مع ذاته، يراجع فيها يومه، ويعزم على إصلاح ما فسد.
وتظهر النفس اللوّامة في هذا المقام صديقًا لا عدوًّا: فهي التي تؤنّب صاحبها بعد الخطأ، وتدفعه إلى التوبة. ولذلك أقسم الله بها في سورة القيامة. فالشعور بالندم بعد الذنب علامة حياة في القلب، والخطر أن يموت هذا الصوت فلا يبقى في الباطن إلا الأمر بالسوء.
بين اليأس من النفس والأمن من مكرها
يقع بعض الناس عند سماع «إن النفس لأمّارة بالسوء» في اليأس من إصلاح أنفسهم، فيقولون: هذه طبيعتي ولا أقدر على تغييرها. وهذا فهم مخالف لبقية الآية: «إلا ما رحم ربي»، ولآية الشمس: «قد أفلح من زكاها». ويقع آخرون في الأمن من نفوسهم، فيجلسون في مواطن الفتنة بدعوى الثقة بالنفس، وقد رأينا أن يوسف نفسه لم يأمن. والطريق الوسط أن يعمل المرء في إصلاح نفسه كأن النجاح بيده، ويدعو ربه كأن الفضل كله من عنده.
وفي بعض الأحيان تكون النفس الأمّارة مستترة في ثوب الطاعة: كعمل صالح يُراد به السمعة، أو غضب لله يخالطه حظ النفس. ولذلك أوصى العلماء بتفتيش النيات، وجعلوا الإخلاص أشق ما يجاهد فيه المرء نفسه.
خاتمة
آيةٌ واحدة في سورة يوسف جمعت التقرير والاستثناء والتعليل، فكانت من أقصر ما قيل في أمر النفس وأوسعه. إن في الإنسان آمرًا لا يسكت، وإنما ينجو منه من استعان برحمة ربه ودرّب نفسه على النهي عن الهوى. ومن تعلّم هذا لم ييأس من نفسه ولم يأمنها، وإنما سار بين الخوف والرجاء إلى أن تطمئن.
الهوامش
- ذكر الطبري الخلاف في قائل الآية ومال إلى أنه من قول امرأة العزيز، وبهذا قال ابن تيمية وابن كثير وجمع، وذهب آخرون إلى أنه من قول يوسف عليه السلام، ويُنظر في ذلك تفسير الطبري وابن كثير عند الآيتين (١٢:٥٢-٥٣). [2]: رواه الحاكم والبزار وغيرهما من حديث أنس رضي الله عنه، وحسّنه بعض أهل العلم. [3]: رواه الترمذي وأحمد وابن حبان من حديث فضالة بن عبيد رضي الله عنه، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. [4]: خطبة الحاجة رواها أبو داود والترمذي وابن ماجه والنسائي وأحمد من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، وهي مشهورة بصيغها.↩
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.