فلسفة التهجير في القرآن الكريم
الحلقة السادسة — قِراءَةٌ بِنيَويَّةٌ في خَمسَةِ نَماذِجَ قُرآنيَّةٍ تَكشِفُ ثَوابتَ السُّلطَةِ المُتَجَبِّرَةِ وَفِقهَ النَّجاةِ مِنها
## الافتِتاحُ: لِماذا أَفرَدَ القُرآنُ لِلتَّهجير هذا الحَيِّز؟
القُرآنُ في المَقامِ الأَوَّل مَنهَجٌ إِصلاحيٌّ يُعَرِّفُ الإنسانَ بِغايَةِ وُجودِه ووِجهَةِ حَرَكَتِه في الحَياة، وَيَستَخرِجُ لَه آلِيَّاتِ تَطويرِ هذِه الحَياة، وَالأسبابَ الَّتي قَد تُؤَدِّي إلى انهِيارِها. يَعرِضُ في قُرآنِه المَكِّيِّ مُقَوِّماتِ بِناءِ الشَّخصيَّاتِ الفَرديَّة، وَفي بِداياتِ التَّنَزُّلاتِ المَدَنيَّةِ مَنهَجيَّةَ إقامَةِ الأُمَّةِ وَالدَّولَةِ وَالمُجتَمَع، وَفي الثُّلُثِ الأَوسَطِ مِنَ القُرآنِ نَجِدُ الحَديثَ المُكَثَّفَ عَنِ الحَضارَةِ بِصُوَرٍ مُباشِرَةٍ وَغَيرِ مُباشِرَة، عَلى مُستَوى العَرضِ القَصَصيِّ لِتَجاربِ السَّابِقين، وَأَدَواتِ البَقاءِ والانهِيار، وَأَسبابِ الصُّمودِ والسُّقوط.
وَمِن أَهَمِّ اللَّقَطاتِ الحَضاريَّةِ الَّتي يَستَوقِفُنا فيها القُرآنُ الكَريم، لَقطَةُ التَّهجيرِ القَسريِّ لِلمُصلِحين، الَّتي عَرَضَها بِصُوَرٍ مُختَلِفَةٍ وَفي أَزمِنَةٍ مُتَنوِّعَة، وَكَأَنَّ القُرآنَ يَقولُ لِلقارِئِ: «انظُر، هذِه ليسَت حادِثَةً عابِرَة، بَل نَمَطٌ بَشَرِيٌّ ثابِت. سَتَراهُ يَتَكَرَّرُ في كُلِّ عَصرٍ بِأَدَواتٍ جَديدَة، وَلَكنَّ بِنيَتَه النَّفسيَّةَ والسُّلطَويَّةَ واحِدَة.»
وَلَمَّا كانَ التَّهجيرُ ظاهِرَةً مُعاصِرَةً تَتَكَرَّرُ في حَواضِرِ المُسلِمين في الغَرب، وَتَتَجَدَّدُ في أَدَواتِها كَأَنَّها لَم تَكُن قَبلَ ذلِك، آنَ لَنا أَن نُعيدَ قِراءَةَ نَماذِجِ القُرآنِ لِنَعرِفَ مَوقِعَنا مِن خَريطَةِ السُّنَنِ الإلهيَّةِ، وَلِنُحَدِّدَ كَيفَ نَتَصَرَّفُ ضِمنَ المَنطِقِ القُرآنيِّ لا ضِمنَ رُدودِ الفِعلِ العَشوائيَّة.
## أَوَّلاً: تَعريفُ التَّهجيرِ في الميزانِ القُرآني
«التَّهجير» في لُغَتِنا المُعاصِرَةِ يَعني التَّخَلُّصَ مِن شَخصٍ ما أَو مِن مَجموعَةٍ أَو فِئَةٍ مِن النَّاسِ بِآلِيَّاتٍ تَختَلِفُ بِاختِلافِ المَواقِف، لَكِنَّها تَتَّحِدُ في الغايَةِ والمُراد: إِخراجُ المُخالِفِ مِن مَوقِعِه، أَو إِسكاتُ صَوتٍ مُزعِجٍ، أَو تَحييدُ تَأثيرٍ يَخشاهُ المُتَجَبِّرُ.
والقُرآنُ الكَريمُ يَستَخدِمُ لِهذِه الظاهِرَةِ مُفرَداتٍ مُحَدَّدَةٍ: «الإِخراج»، «الاستِفزاز»، «التَّنفير»، «المَكر بِالإخراج». وَكُلٌّ مِن هذِه الأَلفاظِ يَحمِلُ بُعداً نَفسيّاً وَآلِيَّةً سُلطَويَّةً تَختَلِفُ عَن سابِقَتِها وَتالِيَتِها. فَالإِخراجُ مُباشَرَة، والاستِفزازُ تَدريجيٌّ يَستَخدِمُ الضَّغطَ النَّفسيَّ، والتَّنفيرُ يَعتَمِدُ عَلى تَنفيرِ المُجتَمَعِ نَفسِه مِنَ المُستَهدَف، والمَكرُ بِالإِخراجِ تَوَرُّعٌ خَفِيٌّ يَلبَسُ ثَوبَ القانون.
وَالقُرآنُ، حينَ يَستَعرِضُ هذِه الأَنماطَ، لا يَفعَلُ ذلِك مِن بابِ التَّوثيقِ التَّاريخيِّ فَحَسب، بَل لِيَستَخرِجَ مِنها قَوانينَ ثابِتَةً تَحكُمُ سُلوكَ السُّلطَةِ المُتَجَبِّرَةِ عَبرَ العُصور، فَيَعرِفَ المُؤمِنُ مَوقِعَه في خَريطَةِ الأَحداث، وَيَستَعِدَّ لِما هُوَ آتٍ بِغَير اضطِرابٍ ولا انكِسار.
## ثانياً: خَمسَةُ نَماذِجَ قُرآنيَّةٍ لِلإِخراج
النَّموذَجُ الأَوَّل: شُعَيبٌ وَقَومُه
في سُورَةِ الأَعرافِ، آيَة ٨٨، يَقولُ الحَقُّ سُبحانَه:
﴿قالَ المَلَأُ الَّذينَ استَكبَروا مِن قَومِهِ لَنُخرِجَنَّكَ يا شُعَيبُ وَالَّذينَ آمَنوا مَعَكَ مِن قَريَتِنا أَو لَتَعودُنَّ في مِلَّتِنا قالَ أَوَلَو كُنَّا كارِهين﴾
النُّقطَةُ المَفصَليَّةُ هُنا أَنَّ الإِخراجَ مَشروطٌ بِشَرطٍ ضِمنيٍّ: العَودَةُ إلى مِلَّةِ القَوم. أَيِ القُبولُ بِالقَوالِبِ السُّلوكيَّةِ الَّتي يَفرِضُها المُجتَمَعُ السَّائِد، حَتَّى لَو كانَت تُخالِفُ المَبدَأَ والوَحي. فَالخِيارُ المَطروحُ ثُنائيُّ القُطب: إِمَّا الخُروجُ مِنَ الأَرض، وَإِمَّا الخُروجُ مِنَ المَبدَأ. وَكَأَنَّ الإِقامَةَ في الدِّيار مَشروطَةٌ بِالذَّوَبانِ في ثَقافَتِها.
وَهَذِه أَوَّلُ قاعِدَةٍ قُرآنيَّةٍ في فَلسَفَةِ التَّهجير: التَّهجيرُ ليسَ هَدَفاً في نَفسِه، بَل أَداةٌ لِلإِكراهِ النَّفسيِّ على التَّخَلِّي عَنِ الهُويَّة. وَجَوابُ شُعَيبٍ كَشَفَ ضَعفَ هذا المَنطِقِ بِسُؤالٍ بَسيط: «أَوَلَو كُنَّا كارِهين؟» أَي: هَل تُريدوننا أَن نَعودَ كارِهين، وَنَنخَرِطَ بِأَجسادِنا في مِلَّةٍ نَأباها بِأَفئِدَتِنا؟ هذا تَناقُضٌ في صَميمِ المَنطِق.
النَّموذَجُ الثَّاني: لُوطٌ وَأَهلُه
في سُورَةِ النَّمل، آيَة ٥٦، يَقولُ الحَقُّ:
﴿فَما كانَ جَوابَ قَومِهِ إِلَّا أَن قالوا أَخرِجوا آلَ لوطٍ مِن قَريَتِكُم إِنَّهُم أُناسٌ يَتَطَهَّرون﴾
التَّعليلُ هُنا فَريدٌ في نوعِه: «إِنَّهُم أُناسٌ يَتَطَهَّرون». لاحِظ كَيفَ صارَ التَّطَهُّرُ — وَهُوَ فَضيلَةٌ في كُلِّ نَسَقٍ أَخلاقي — تُهمَةً تُستوجِبُ الإِخراج. هذا انقِلابٌ كامِلٌ في القِيَم، حَيثُ يُصبِحُ مَن يُحافِظُ عَلى نَقاءِ سُلوكِه عُنصُراً غَريباً يُنَفِّر مَن حَولَه.
وَالقاعِدَةُ الثَّانيَةُ المُستَخلَصَةُ: حينَ يَنحَطُّ المُجتَمَعُ، تَتَحَوَّلُ الفَضيلَةُ إلى تُهمَة، وَيُعامَلُ المُحافِظُ عَلى ذاتِه كَأَنَّه يَسُبُّ الآخَرين بِمُجَرَّدِ وُجودِه فيهم. فَالتَّهجيرُ في هذِه الحالَةِ ليسَ بِسَبَبِ فِعلٍ ارتَكَبَه المُهَجَّر، بَل بِسَبَبِ وَزنِ حُضورِه الَّذي يُذَكِّرُ المُجتَمَعَ بِما فَقَدَه.
النَّموذَجُ الثَّالِث: مُحَمَّدٌ ﷺ وَمَكرُ قُرَيش
في سُورَةِ الأَنفال، آيَة ٣٠:
﴿وَإِذ يَمكُرُ بِكَ الَّذينَ كَفَروا لِيُثبِتوكَ أَو يَقتُلوكَ أَو يُخرِجوكَ وَيَمكُرونَ وَيَمكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيرُ الماكِرين﴾
ثَلاثَةُ خَياراتٍ مَطروحَة: التَّقييد، أَو القَتل، أَو الإِخراج. والإِخراجُ هُنا في رُتبَةِ القَتلِ في الخُطورَة. وَالقاعِدَةُ المُستَخرَجَةُ: حينَ تَعجَزُ السُّلطَةُ المُتَجَبِّرَةُ عَن تَقييدِ المُصلِح أَو تَصفِيَتِه، تَلجَأُ إلى إِخراجِه، لِأَنَّ غِيابَه عَنِ المَيدانِ يُحقِّقُ مُرادَها بِغَير تَكلِفَةِ المُواجَهَة المُباشِرَة.
وَالمَكرُ هُنا — أَيِ التَّخطيطُ الخَفيُّ بِإِخراجِ المُصلِح — لا يَنجَحُ في النِّهايَة، لِأَنَّ هُناكَ مَكراً إلَهيّاً يَفوقُه. فَالهِجرَةُ النَّبَويَّةُ مِن مَكَّةَ إلى المَدينَةِ لَم تَكُن انكِساراً لِلرَّسولِ ﷺ، بَل نَقطَةَ التَّحَوُّلِ الكُبرى الَّتي قامَت بِها الدَّولَةُ الإسلاميَّةُ الأُولى. فَالإِخراجُ الَّذي ظَنَّ المُتَجَبِّرونَ أَنَّه نَهايَة، صَيَّرَهُ اللهُ بِدايَة.
النَّموذَجُ الرَّابِع: فِرعَونُ وَمَنطِقُ المُتَجَبِّر
في سُورَةِ الأَعراف، آيَة ١٢٣، حينَ آمَنَ السَّحَرَةُ بِمُوسى، استَشاطَ فِرعَونُ غَضَباً:
﴿قالَ فِرعَونُ آمَنتُم بِهِ قَبلَ أَن آذَنَ لَكُم إِنَّ هذا لَمَكرٌ مَكَرتُموهُ في المَدينَةِ لِتُخرِجوا مِنها أَهلَها فَسَوفَ تَعلَمون لَأُقَطِّعَنَّ أَيدِيَكُم وَأَرجُلَكُم مِن خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُم أَجمَعين﴾
النَّصُّ هُنا يَكشِفُ شَيئاً فَلسَفِيّاً عَميقاً: المُتَجَبِّرُ يَتَّهِمُ غَيرَه بِما يَفعَلُه هُوَ نَفسُه. فِرعَونُ يُهَدِّدُ بِالإِخراجِ مِن جِهَة، وَيَتَّهِمُ المُؤمِنين بِأَنَّهُم يُريدونَ إِخراجَ أَهلِ المَدينَةِ مِنها. والحَقيقَةُ أَنَّ أَهلَ المَدينَةِ هَؤلاءِ هُمُ المِصريُّونَ الأَصلِيُّون الَّذينَ استَعبَدَهُمُ النِّظامُ الفِرعَونيُّ، ثُمَّ صارَ يَتَّهِمُ المُصلِحينَ بِأَنَّهُم يُريدونَ إِخراجَهُم. يَلبَسُ ثَوبَ المَظلومِ وَهُوَ في حَقيقَتِه الظَّالِم.
ثُمَّ يَنتَقِلُ فِرعَونُ مُباشَرَةً إلى التَّهديدِ بِالتَّقطيعِ والصَّلب، فَيَكشِفُ ما خَلفَ النِّقابِ القانوني: قَسوَةٌ مُجَرَّدَةٌ تَعتَمِدُ على القُدرَةِ الجَسَديَّةِ على إِيقاعِ الأَلَم.
وَالقاعِدَةُ الرَّابِعَة: مَنطِقُ المُتَجَبِّرِ في كُلِّ عَصرٍ ثَلاثُ مَراحِل:
أَولاً، يَبدَأُ بِالقَلبِ القانوني: يَرسُمُ نَفسَه ضَحيَّة، وَيَرسُمُ المُصلِحَ مُجرِماً.
ثانياً، يُهَدِّدُ بِأَدَواتِ القُوَّةِ الجَسَديَّةِ والقَضائيَّة.
ثالِثاً، يَستَخدِمُ هذا التَّهديدَ كَوَسيلَةِ ضَغطٍ نَفسيٍّ على البَقيَّةِ لِيَنالَ خُضوعَهم.
النَّموذَجُ الخامِس: مُحَمَّدٌ ﷺ في الإسراءِ — مُحاوَلَةُ الاستِفزاز
في سُورَةِ الإِسراءِ، آيَة ٧٦ — وَهُوَ الَّذي أَفرَدنا له حَلَقَتَنا الخامِسَة في سِلسِلَةِ القُرآنِ وَالحَضارَة — يَقولُ الحَقُّ:
﴿وَإِن كادوا لَيَستَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرضِ لِيُخرِجوكَ مِنها وَإِذاً لا يَلبَثونَ خِلافَكَ إِلَّا قَليلاً﴾
اللَّفظُ هُنا «يَستَفِزُّونَكَ»، وَهُوَ تَدريجٌ نَفسِيٌّ مَدروسٌ يَفوقُ الإِخراجَ المُباشِر. الاستِفزازُ يَعني الضَّغطَ المُمَنهَجَ، إِنشاءَ بيئَةٍ خانِقَةٍ، حَتَّى يَخرُجَ المُستَهدَفُ بِنَفسِه، فَلا يَبدو الإِخراجُ قَسريّاً.
والقاعِدَةُ الخامِسَةُ، وَهِيَ الأَخطَر: التَّهجيرُ المُمَنهَجُ في العَصرِ الحَديثِ يَأخُذُ صورَةَ الاستِفزاز، لا الإِخراج المُباشِر. تُضَيَّقُ على المُسلِمِ حَياتُه، وَيُحاطُ بِالخَوفِ، وَتَتَكَدَّس عَلَيه التَّعقيداتُ القانونيَّةُ، حَتَّى يَخرُجَ مِن دارِ الإقامَةِ بِنَفسِه، فَتَكونَ الهِجرَةُ عَكسِيَّةً، وَيَسلَمُ المُسلِم نَفسُه القَفصَ الَّذي رُسِمَ لَه.
وَلَكِنَّ التَّعقيبَ الإلَهيَّ في الآيَة: «وَإِذاً لا يَلبَثونَ خِلافَكَ إِلَّا قَليلاً». أَي: لَو خَرَجتَ، فَلَن يَلبَثوا بَعدَكَ طَويلاً. كَأَنَّ القُرآنَ يَكشِفُ أَنَّ المُصلِحَ هُوَ صِمَامُ بَقاءِ المُجتَمَع، فَإِذا اقتُلِعَ، ضاعَ المُجتَمَعُ نَفسُه.
## ثالثاً: الجامِعُ بَينَ النَّماذِج — قَوانينُ الإِخراجِ السَّبعَة
حينَ نَتَأَمَّلُ النَّماذِجَ الخَمسَةَ مَعاً، نَستَخرِجُ سَبعَ قَوانينَ ثابِتَة:
أَولاً، الإِخراجُ أَداةٌ لِلإِكراهِ على التَّخَلِّي عَنِ الهُويَّة، لا غايَةً في نَفسِه. الهَدَفُ ليسَ التَّخَلُّصَ مِنَ الجَسَد، بَل تَفكيكَ المَبدَأ.
ثانياً، حينَ يَنحَطُّ المُجتَمَع، تَنقَلِبُ الفَضيلَةُ تُهمَة. مَن يُصَلِّي يُتَّهَمُ بِالتَّطَرُّف، وَمَن يَنشُرُ خَيراً يُتَّهَمُ بِالخِيانَة.
ثالثاً، التَّجَبُّرُ يَتَجَمَّعُ في «المَلَأ المُستَكبِر»، لا في الجَماهير. القُرآنُ في كُلِّ النَّماذِجِ يَنسُبُ المُؤامَرَةَ إلى «المَلَأ» — أَي النُّخبَةِ المُتَنَفِّذَة — لا إلى عامَّةِ النَّاس.
رابِعاً، المُتَجَبِّرُ يَتَّهِمُ غَيرَه بِما يَفعَلُه هُوَ. مَن يُمارِسُ الإِخراجَ يَدَّعي أَنَّ المُستَهدَفَ يُريدُ الإِخراج. وَهذا انقِلابٌ ذِهنيٌّ كامِلٌ في صياغَةِ السَّرديَّة.
خامِساً، التَّعَنُّتُ بِالشُّروطِ التَّعجيزيَّةِ تَكتيكٌ مَعروف. الشَّرطُ المُستَحيلُ يُطرَحُ لِيُرفَض، فَيَتَّخَذَ الرَّفضُ ذَريعَةً لِلإِخراج.
سادِساً، الاستِفزازُ النَّفسيُّ يَفوقُ الإِخراجَ المُباشِرَ في خُبثِه. هُوَ يَصنَعُ هِجرَةً تَبدو طَوعيَّة، فَيَتَخَلَّصُ المُتَجَبِّرُ مِنَ المَسؤوليَّة.
سابِعاً، اقتِلاعُ المُصلِحِ يَعني انهيارَ المُجتَمَع نَفسِه. التَّعقيبُ القُرآنيُّ في الإسراء: «وَإِذاً لا يَلبَثونَ خِلافَكَ إِلَّا قَليلاً» يَنطَبِقُ على كُلِّ مُجتَمَعٍ يَطرُدُ مُصلِحيه.
## رابعاً: التَّشخيصُ النَّفسيُّ لِلسُّلطَةِ المُتَجَبِّرَة
في تَأَمُّلِنا لِنَموذَجِ فِرعَونَ تَحديداً، وَهُوَ الأَنموذَجُ الأَكثَرُ وُضوحاً في القُرآن، نَستَطيعُ أَن نَستَخرِجَ بِنيَةً نَفسيَّةً مُتَكَرِّرَةً تَحكُمُ كُلَّ سُلطَةٍ مُتَجَبِّرَةٍ في التَّاريخ. هذِه البِنيَةُ تَتَكَوَّنُ مِن خَمسَةِ مَلامِح:
المَلمَحُ الأَوَّلُ — الشُّعورُ بِالعَظَمَةِ المُفرِطَة: المُتَجَبِّرُ يَعتَقِدُ أَنَّ تَأثيرَه في الواقِعِ يَفوقُ الواقِعَ نَفسَه. فِرعَونُ كانَ يَقول: «أَنا رَبُّكُمُ الأَعلى». وَفِرعَونُ كُلِّ عَصرٍ يَقولُها بِأَلفاظٍ مُختَلِفَة، لَكِنَّ المَعنى واحِد.
المَلمَحُ الثَّاني — إِثباتُ الذَّاتِ بِالتَّحَكُّمِ في الآخَر: المُتَجَبِّرُ لا يُحِسُّ بِوُجودِه إلَّا حينَ يَتَحَكَّمُ في وُجودِ سواه. حُرِّيَّةُ الآخَرينَ تَهديدٌ لِكَينونَتِه، فَيَحتاجُ دائِماً إلى أَن يَرى الآخَرَ مَقهوراً.
المَلمَحُ الثَّالِث — استِشعارُ القُوَّةِ أَمامَ المَحبوسين: تَأَمَّل تَهديدَ فِرعَونَ لِلسَّحَرَةِ بِالتَّقطيعِ وَالصَّلبِ. كانوا تَحتَ يَدِه، وَأَطلَقَ تَهديداتِه. القَوِيُّ يَتَحَدَّى الأَقوياء، وَالمُتَجَبِّرُ يَتَحَدَّى الضُّعَفاء.
المَلمَحُ الرَّابِع — إِلصاقُ التُّهَمِ لِتَشريعِ القَهر: لا بُدَّ مِن تَهمَةٍ يُسَوَّقُ بِها القَهر. «إِنَّ هذا لَمَكرٌ مَكَرتُموهُ في المَدينَة». التُّهمَةُ هِيَ المَعبَرُ بَينَ القَهرِ وَالشَّرعِيَّةِ القانونيَّة.
المَلمَحُ الخامِس — ادِّعاءُ احتِكارِ الصَّوابِ والهِدايَة: المُتَجَبِّرُ يَعتَقِدُ — أَو يَتَظاهَرُ بِالاعتِقاد — أَنَّه وَحدَه يَملِكُ مَفاتيحَ الصَّوابِ. القُرآنُ يَنقُلُ عَن فِرعَونَ قَولَه: «وَما أَهديكُم إِلَّا سَبيلَ الرَّشاد». فَالهِدايَةُ، حَسَبَ مَنطِقِه، حِكرٌ عَلَيه، وَكُلُّ مَن خالَفَه فَهُوَ ضالٌّ مُضِلّ.
## خامساً: مُؤَشِّراتُ الانفِلاتِ مِن قَبضَةِ المُتَجَبِّر
ثَمَّةَ مُلاحَظَةٌ قُرآنيَّةٌ دَقيقَةٌ يَجِبُ أَن تُسجَّل: حينَ يَبدَأُ المُتَجَبِّرُ بِفُقدانِ قَبضَتِه، تَظهَرُ على كَلامِه عَلاماتٌ مُحَدَّدَة، تَكشِفُ ضَعفَه قَبلَ سُقوطِه.
تَأَمَّل صَيحَةَ فِرعَونَ يومَ آمَنَ السَّحَرَة: «آمَنتُم بِهِ قَبلَ أَن آذَنَ لَكُم». هذا ليسَ كَلامَ المُسَيطِر، بَل صَرخَةُ مَن انفَلَتَ الأَمرُ مِن يَدِه. ثُمَّ تَأَمَّل خِطابَه الإعلاميَّ بَعدَ أَن خَرَجَ بَنو إِسرائيلَ مِنَ المَيدان: «إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرذِمَةٌ قَليلون، وَإِنَّهُم لَنا لَغائِظون، وَإِنَّا لَجَميعٌ حاذِرون». في كَلِمَتَين، يَدَّعي قِلَّةَ المُهاجِرينَ وَيَعتَرِفُ بِأَنَّهُم يُغيظونَه، وَيُعَدِّدُ في ذِكرِ حَيطَتِه وَيَقَظَتِه. كَلامُ مَن يَخشى، لا كَلامُ مَن يَستَكين.
هذِه مُؤَشِّراتٌ ثابِتَة:
أَوَّلاً، اللُّجوءُ إلى التَّعبيرِ الإعلامي بَعدَ فُقدانِ القَبضَةِ المَيدانيَّة. حينَ تَفلِتُ الأُمورُ، تَتَكَثَّفُ التَّصريحاتُ النَّاريَّةُ، وَتَكثُرُ ادِّعاءاتُ الانتِصار.
ثانياً، التَّناقُضُ بَينَ ادِّعاءِ الضَّآلَةِ والاهتِمامِ المُفرِط. «شِرذِمَةٌ قَليلون» وَ«إِنَّا لَجَميعٌ حاذِرون». لِماذا الحَذَرُ مِنَ الشِّرذِمَةِ القَليلَة؟ التَّناقُضُ يَكشِفُ ضَعفَ المَوقِف.
ثالثاً، انتِقالُ السُّلوكِ مِنَ المَنهَجِ المَدروسِ إلى الفِعلِ العَشوائيِّ. المُطارَداتُ في الشَّوارِع، الاعتِقالاتُ بِغَير تَمييز، تَوصيفاتُ النَّاسِ بِأَوصافٍ غَير لائِقَة — كُلُّها مُؤَشِّراتُ هَمَجيَّةٍ في التَّصَرُّفِ عِندَ مَن لا يُدرِكُ آلِيَّاتِ التَّعامُلِ الحَقيقيِّ مَعَ الواقِع.
رابِعاً، انتِقالُ الخِطابِ مِن لُغَةِ القانونِ إلى لُغَةِ التَّجريحِ الشَّخصي. الخَلطُ بَينَ التَّوصيفِ الإداريِّ والتَّوصيفِ الإهانيِّ يَكشِفُ أَنَّ صاحِبَ القَرارِ يَتَكَلَّمُ مِن مَوقِعِ المُهان، لا مِن مَوقِعِ المُهيب.
## سادساً: قَوانينُ النَّجاةِ — كَيفَ يَتَصَرَّفُ المُؤمِنُ في زَمَنِ الإِخراج؟
لا تَنتَهي قِراءَتُنا القُرآنيَّةُ عِندَ التَّشخيصِ. القُرآنُ كِتابُ هِدايَةٍ، يُقَدِّمُ المَنهَجَ بِجانِبِ التَّحليل. وَمِن مَجموعِ النَّماذِجِ الخَمسَةِ، نَستَخرِجُ ثَلاثَ قَوانينَ لِلنَّجاة:
القانونُ الأَوَّل — لا تَنخَرِطُ في لُعبَةِ الذُّعرِ: في كُلِّ النَّماذِج، نَجَد المُصلِحينَ يُجيبونَ بِسَكينَة. شُعَيبٌ يَسأَلُ سُؤالاً ذِهنيّاً: «أَوَلَو كُنَّا كارِهين؟». السَّحَرَةُ يَردُّونَ على فِرعَون: «فاقضِ ما أَنتَ قاضٍ». المَوقِفُ الإيمانيُّ هُوَ التَّوازُنُ، لا الاهتِزاز. وَالتَّوازُنُ مَصدَرُه يَقينٌ عَميق: «إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهدين» (الشُّعَراء ٦٢).
القانونُ الثَّاني — اِبنِ مُؤَسَّسَتَكَ قَبلَ أَن تُحتاجَ إِلَيها: قَولُ الحَقِّ سُبحانَه لِبَني إِسرائيلَ في مِصر: ﴿وَأَوحَينا إِلى موسى وَأَخيهِ أَن تَبَوَّآ لِقَومِكُما بِمِصرَ بُيوتاً وَاجعَلوا بُيوتَكُم قِبلَةً وَأَقيموا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ المُؤمِنين﴾ (يونس ٨٧). هذِه آيَةٌ مَفصَليَّةٌ في فِقهِ المُهَجَّر. الأَمرُ بِبِناءِ بَنيَةٍ مُؤَسَّسيَّةٍ قَبلَ النَّجاةِ مِنَ القَهر. بُيوتٌ تَكونُ قِبلَةً، أَي مَراكِزَ إِشعاعٍ تُلَمُّ حَولَها الجَماعَة، وَتَستَبقي شَعائِرَ الدِّينِ، وَتُحَوِّلُ المُهَجَّرَ مِن فَردٍ خائِفٍ إلى أُمَّةٍ مُنَظَّمَة.
القانونُ الثَّالِث — اِعلَم أَنَّ المَكرَ الإِلَهيَّ يَفوقُ المَكرَ البَشَري: ﴿وَيَمكُرونَ وَيَمكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيرُ الماكِرين﴾ (الأنفال ٣٠). الإِخراجُ الَّذي خَطَّطَتْه قُرَيشٌ لِلنَّبيِّ ﷺ صارَ هِجرَةً تَأَسَّسَ بِها أَوَّلُ دَولَةٍ إِسلاميَّة. الإِخراجُ الَّذي عاناهُ موسى صارَ خُروجاً اختَطَفَ بَني إِسرائيلَ مِنَ العُبوديَّةِ إلى الحُرِّيَّة. ما يَظُنُّه المُتَجَبِّرُ نَهايَةً، قَد يَكونُ — بِالوَزنِ الإلَهي — بِدايَة.
## سابعاً: تَطبيقٌ في فِقهِ الجالِيَّاتِ المُعاصِرَة
حينَ نَحمِلُ هذِه القَوانينَ القُرآنيَّةَ ونَطبِّقُها على واقِعِ المُسلِمين في الغَرب اليَوم، نَجِدُ تَطابُقاً مُذهِلاً في البِنيَةِ، وَإِن اختَلَفَت الأَدَوات.
اليَومَ يُستَخدَمُ التَّضييقُ القانوني، حَيثُ يُحاطُ المُهاجِرُ بِشَبَكَةٍ مِنَ التَّعقيداتِ الإِداريَّةِ تَجعَلُ بَقاءَه عِبئاً لا يُحتَمَل. وَيُستَخدَمُ الخِطابُ الإعلاميُّ الَّذي يُصَوِّرُ الجالِيَّاتِ المُسلِمَةَ تَهديداً، تَمهيداً لِتَقَبُّلِ التَّضييقِ عَلَيها. وَيُستَخدَمُ الاستِفزازُ النَّفسيُّ، حَيثُ تَخلُقُ بيئَةٌ مِنَ الخَوفِ تَجعَلُ المُسلِمَ نَفسَه يُفَكِّرُ في الرَّحيل.
كُلُّ هذِه آلِيَّاتٌ نَعرِفُها مِنَ القُرآن. لَيسَ شَيءٌ مِنها جَديداً تَحتَ الشَّمس. فِرعَونُ المُعاصِرُ يَستَخدِمُ نَفسَ المَنطِق، وَلَكِن بِأَدَواتٍ تُلائِمُ عَصرَه.
وَالواجِبُ عَلَى الجالِيَةِ المُسلِمَةِ ثَلاثَةُ أَمور:
أَوَّلاً، التَّوازُنُ النَّفسي: لا انخِراطٌ في الذُّعرِ، وَلا نَومٌ عَنِ التَّحَدِّيات.
ثانياً، البِناءُ المُؤَسَّسي: المَساجِدُ، المَدارِسُ، المَراكِزُ، الجَمعِيَّاتُ القانونيَّة، الكَوادِرُ المُحَتَّرِفَة. أَن تَبني بَيتَكَ قِبلَةً قَبلَ أَن تَحتاجَه قِبلَة.
ثالثاً، الثِّقَةُ بِالقَوانينِ الإلَهيَّة: مَن يَطرُدُ المُصلِحين، يَطرُدُ بَقاءَه. القاعِدَةُ القُرآنيَّةُ ثابِتَة: «وَإِذاً لا يَلبَثونَ خِلافَكَ إِلَّا قَليلاً».
## ثامناً: مِيراثُ المُهاجِرين
في خاتِمَةِ هذا التَّأَمُّل، نُسَجِّلُ مُلاحَظَةً تاريخيَّةً يَستَنيرُ بِها كُلُّ مَن وَجَدَ نَفسَه مَدفوعاً إلى التَّفكيرِ في الإِخراج:
الحَضارَةُ الإنسانيَّةُ، في أَنبَلِ نَماذِجِها، صَنَعَها المُهاجِرون. أَنبياءُ اللَّهِ كُلُّهُم تَقريباً كانوا مُهَجَّرين: إِبراهيمُ خَرَجَ مِنَ العِراق، موسى خَرَجَ مِن مِصر، مُحَمَّدٌ ﷺ خَرَجَ مِن مَكَّةَ إلى المَدينَة. وَالحَواضِرُ الَّتي بَنَوها لَم تَكُن في أَوطانِهم الأَصليَّة، بَل في أَرضِ الهِجرَة.
وَإِن نَظَرنا إلى الحَضارَةِ الأَمريكيَّةِ نَفسِها، نَجِدُ أَنَّها بِالأَساسِ حَضارَةُ مُهاجِرين. مَن هُمُ الأَمريكيُّونَ في السِّياقِ السِّياسيِّ وَالعُرفيِّ وَالدُّستوريِّ إِلَّا أُناسٌ حَصَلوا على الجِنسيَّةِ عَبرَ القَنَواتِ المَشروعَة؟ القادَةُ الكِبارُ تَأتي مِن أُسَرٍ مُهاجِرَة، مِن أَلمانيا، مِنَ اسكُتلَندَة، مِن إِيرلَندَة، مِن إِيطاليا، مِن أَفريقيا. وَالمُحتَلُّونَ الأَوائِلُ لِلأَراضي الأَمريكيَّةِ لَم يَكونوا أَمريكيِّينَ في الأَصل، بَل كانوا مُهاجِرين عَلى السُّكَّانِ الأَصليِّينَ مِنَ الهُنودِ الحُمر.
الجَنسيَّةُ هُنا — وَفي كُلِّ بَلَدٍ مُؤَسَّسٍ على قاعِدَةِ القانونِ — حَقٌّ مَكسوبٌ بِالاستِحقاقِ، لا بِالعِرقِ. وَالأَسماءُ اللَّامِعَةُ في كُلِّ المَجالاتِ — العِلميَّةِ، الطِّبِّيَّة، التِّقنيَّة، الفَنِّيَّة، الفُقَهيَّة — جُلُّها إِن لَم يَكُن كُلُّها مِنَ المُهاجِرينَ الحاصِلينَ عَلى الجِنسيَّةِ، وَالَّذينَ لَو أُفرِغَت مِنهُمُ البِلادُ لَهَوَت عَلى أَرضِها دونَ قِيامٍ مُتَجَدِّد.
فَلا يَستَوحِشَنَّ المُسلِمُ مِن وَصفِ «المُهاجِر». إِنَّه وَصفُ النَّبِيِّ ﷺ، وَوَصفُ كُلِّ أَنبياءِ اللَّه، وَوَصفُ مَن صَنَعَ الحَضاراتِ. الإِخراجُ — إِن جاءَ — لا يَكونُ نَهايَةً لِلمُهَجَّر، بَل قَد يَكونُ بِدايَةَ مَرحَلَتِه الكُبرى.
## خاتِمَة: مِنَ الهَلَعِ إلى الفِقه
هذِه الحَلَقَةُ السَّادِسَةُ مِن سِلسِلَةِ «القُرآنِ وَالحَضارَة» لَم تَكتُب لِتُهَدِّئَ النُّفوسَ في أَزمَةٍ آنيَّة. كُتِبَت لِتَنقُلَ القارِئَ مِن مَوقِعِ التَّفاعُلِ العاطِفيِّ إلى مَوقِعِ التَّأَمُّلِ الفِقهيِّ. كُتِبَت لِيَعرِفَ المُسلِمُ في الغُربَةِ أَنَّ ما يُحاصِرُه ليسَ غَريباً، وَأَنَّ الحَلَّ لَيسَ في الذُّعر، بَل في الفَهم.
القُرآنُ يَملِكُ خَريطَةَ هذا الزَّمَن. لَيسَ لِأَنَّه نَزَلَ فيه، بَل لِأَنَّ هذا الزَّمَنَ يَتَكَرَّرُ. نَفسُ المَلَأ المُستَكبِر، نَفسُ الاستِفزاز، نَفسُ التُّهَمِ المُلصَقَة، نَفسُ الادِّعاءاتِ الإِعلاميَّة. تَختَلِفُ الأَسماء، وَيَبقى النَّمَط.
وَإِذا فَهِمَ المُسلِمُ النَّمَط، فَقَد فَهِمَ مَوقِعَه. وَإِذا فَهِمَ مَوقِعَه، فَقَد فَهِمَ واجِبَه. والواجِبُ — في كُلِّ زَمَنٍ — أَن يَتَوازَنَ نَفسيّاً، وَيَبنيَ مُؤَسَّسِيّاً، وَيَثِقَ إِلَهيّاً.
وَأَخيراً، حَتَّى الإِخراجُ — لَو وَقَعَ — يَحتاجُ إلى مَنهَجيَّةٍ وَلَيسَ إلى عَشوائيَّة. وَالعَشوائيَّةُ في الإِخراج، وَالمُطارَداتُ في الطُّرُقات، وَالتَّوصيفاتُ غَيرُ اللَّائِقَة، كُلُّها مُؤَشِّراتُ هَمَجِيَّةٍ في التَّصَرُّفِ عِندَ مَن لا يُدرِكُ آلِيَّاتِ التَّعامُلِ الحَقيقيِّ مَعَ الواقِع. وَالقُرآنُ يُبَشِّرُ المُؤمِنينَ، في كُلِّ نَموذَجٍ مِن هذِه النَّماذِجِ الخَمسَة، بِأَنَّ المُتَجَبِّرَ مَهما طالَ، فَإِنَّ نِهايَتَه مَوصولَةٌ بِسُنَنِ اللَّهِ في الأَرض.
﴿وَلَا تَحسَبَنَّ اللَّهَ غافِلاً عَمَّا يَعمَلُ الظَّالِمون إِنَّما يُؤَخِّرُهُم لِيَومٍ تَشخَصُ فِيهِ الأَبصار﴾ (إبراهيم ٤٢)
— د. أحمد أبو سيف، رئيس أكاديمية الأئمة الأمريكية* *مايو 2026