سُنَنُ الحَضارَة في القُرآن — سِتَّةُ قَوانينَ تَحكُم صُعودَ الأُمَم وَسُقوطَها
الحلقة الرابعة — وَقفَةٌ جامِعَةٌ بَعد الكَهف ويوسُف وسُليمان
افتِتاحٌ: وَقفَةُ المُسافِر بَين ثَلاثَةِ مَدَائِن
ثَلاثُ سُوَرٍ مَشَيناها كَأنّها ثَلاثُ مَدائِن: مَدينةُ الكَهف، حَيث رَأَيناأَركانَ الحَضارَةِ ناطِقَةً في صَخرِها وَكَلبِها وَفِتيَتِها. ثُمَّ مَدينةُ يوسُفَ، حَيث تَتَبَّعنا فَردًا واحِدًا كَيف صَعِدَ مِن قَعرِ البِئر إلى ذُروَةِ المُلك، فَنَهَضَ بِأُمَّةٍ نَهَضَ. ثُمَّ مَدينةُ سُليمانَ وَسَبَأ، حَيث أَبصَرنا الجَماعَةَ المُنَظَّمَةَ كَيف تَسوسُ مَلَكوتَها، وَكَيف تَنفَرِطُ — حِين تُهمَلُ السُّدودُ — في سَيلٍ هادِر.
ثَلاثُ مَدائِن، وَالعَينُ تَطوفُ، وَالقَلبُ يَستَزيد. وَلكِنّ القُرآنَ لا يَدَع قُرّاءَه عِندَ حَدِّ القَصَص؛ فَهو لَيسَ كِتابَ حِكاياتٍ تُروى لِلتَّسلِية، بَل كِتابُ قَوانينَ تُكشَفُ لِلْعِبرَة. لِذلك يَأتي بَعد ذِكرِ يوسُف وَإِخوَتِه قَولُه تَعالى: ﴿لَقَد كانَ في قَصَصِهِم عِبرَةٌ لِأُولي الأَلباب﴾ — فَلا قَصَّ بِلا عِبرَة، وَلا عِبرَةَ إلَّا لِأَهلِ اللُّبّ.
في هذه الحَلَقَة نَتَوَقَّفُ عِندَ مُفتَرَقِ المَدائِنِ الثَّلاث، وَنَنظُرُ ما خَلفَ جُدرانِها مِن نِظامٍ ثابِت. فَالحَجَرُ يَتَكَلَّمُ لِمَن أَنصَتَ، وَالقَوانينُ تَنكَشِفُ لِمَن دَقَّقَ. هذه وَقفَةٌ تَأَمُّليَّةٌ تَجمَعُ المَتَفَرِّقَ، وَتَستَخلِصُ مِن ثَلاثِ تَجارِبَ صياغَةً قانونيَّةً: سُنَنُ اللهِ الَّتي بِها تَرتَفِعُ الأُمَمُ وَبِنَقضِها تَهوي.
وَلَن نَزعُمَ أَنَّنا نَختِمُ السِّلسلَة، فَالقُرآنُ بَحرٌ لَن يَنفَدَ بِعَشرِ حَلَقاتٍ وَلا بِمائَة؛ لكِنَّ القارِئَ بَعدَ ثَلاثٍ يَستَحِقُّ مَنزِلًا يَستَريحُ فيه عَقلُه، وَيَنتَظِمُ ما حَصَّل، وَيَستَجمِعُ النَّفَسَ لِما يَأتي. فَهذا مَنزِلُ السِّلسلَةِ الرَّابِع، وَفيه نَعرِضُ سِتَّ سُنَنٍ إلهيَّة؛ كُلُّ سُنَّةٍ مَأخوذَةٌ مِن آيَةٍ مُحكَمَة، مُؤَيَّدَةٌ بِما رَأَيناهُ في الحَلَقاتِ الثَّلاثِ السَّابِقَة. وَستَجِدُ أَنَّ السُّنَنَ السِّتَّ لا تَعمَلُ فُرادى كَكَواكِبَ مُتَناثِرَة، بَل تَتَشابَكُ كَخُيوطٍ في نَسيجٍ واحِد — يُمزِّقُ النَّسيجَ مَن أَخَلَّ بِخَيطٍ مِنه.
في هذه الحَلَقَة — خَمسُ أَفكار
١. السُّنَنُ لَيسَت أَحداثًا تَطرَأ، بَل قَوانينُ تَجري: تُجاري المُؤمِنَ كَما تُجاري الكافِر، وَتَلحَقُ السَّاكِنَ في الشَّرقِ كَما تَلحَقُ المُهاجِرَ في الغَرب — ﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبديلًا﴾.٢. سِتَّةٌ بِأَسمائِها: الاستِخلاف، التَّغييرُ الذَّاتي، الابتِلاء، المُداوَلَة، التَّدافُع، إصلاحُ الأَرض. سِتٌّ هي مَحاوِرُ القَدَر الحَضاري.٣. السُّنَنُ تَتَكامَلُ لا تَتَزاحَم: تَنطَبِقُ سُنَّةُ الاستِخلافِ على المُؤمِنِ المُجَدِّ، فَتَتَوَكَّأُ عَلَيها سُنَّةُ الابتِلاء، فَتَأتي مِن خَلفِهما سُنَّةُ المُداوَلَة. نَسيجٌ واحِدٌ بِخُيوطٍ ثَلاث.٤. السُّنَنُ تَحكُمُ المُؤمِنَ كَما تَحكُمُ غَيرَه: مَن ظَنَّ أَنَّ الإيمانَ يَكسِرُ القانونَ غُلِب، وَمَن فَهِمَ أَنَّ الإيمانَ يَمنَحُ آلاتِ التَّعامُلِ مَعَ القانونِ غَلَب.٥. مِفتاحُ السُّنَن كَلِمَتانِ: ﴿فَاعتَبِروا يا أُولي الأَبصار﴾ — العَيشُ مَع السُّنَنِ ليس تَلَقّيًا سَلبيًّا، بَل اعتِبارًا فاعِلًا، وَاعتِزامًا ماضيًا.
أوَّلًا: السُّنَنُ السِّتُّ — قِراءَةٌ في كِتابِ القَدَر
السُّنَّةُ الأُولى: الاستِخلاف — مُفتاحُ التَّمكين
﴿وَعَدَ اللهُ الَّذينَ آمَنوا مِنكُم وَعَمِلوا الصَّالِحاتِ لَيَستَخلِفَنَّهُم في الأَرضِ كَما استَخلَفَ الَّذينَ مِن قَبلِهِم وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُم دينَهُمُ الَّذي ارتَضى لَهُم وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِن بَعدِ خَوفِهِم أَمنًا﴾ (النور ٥٥).
تَأَمَّل بِنيَةَ الآيَة، فَهي عَقدٌ مُبرَمٌ بَين السَّماءِ وَالأَرض: شَرطانِ في صَدرِها، وَجَزاءٌ ثُلاثيٌّ في عَجُزِها. أمّا الشَّرطان فَإيمانٌ ثُمَّ عَمَلٌ صالِح؛ إيمانٌ في القَلب، وَعَمَلٌ في الجَوارِح. وَأمّا الجَزاءُ فَاستِخلافٌ في الأَرضِ، وَتَمكينٌ لِلدِّين، وَأَمنٌ يَنشُرُ السَّكينَةَ في الجَوانِح. وَالنَّفيُ المُؤَكَّدُ في «لَيَستَخلِفَنَّ» و«لَيُمَكِّنَنَّ» و«لَيُبَدِّلَنَّ» — بِلامِهِ وَنونِه — يَجعَلُ الجَزاءَ مَحتومًا حَتمَ القانون، لا مُجَرَّدَ وَعدٍ يُرجى وَيُخشى تَخَلُّفُه.
كَيف تَكَشَّفَت هذه السُّنَّةُ في السُّوَر؟ في الكَهف: لَمّا آمَنَ الفِتيَة فِعلًا وَهَجَروا قَومَهم قَولًا، استَخلَفَهُم اللهُ في كَهفِهِم سِنينَ، فَكانَ المُلكُ ضَيِّقًا في صَخرَة، لكِنَّه عَلى الحَقيقَةِ مُلكٌ. وَفي يوسُف: لَمّا اجتَمَعَ إيمانُه بِعَمَلِه، خَرَجَ مِن السِّجن إلى عَرشِ مِصر — وَالاستِخلافُ لا يُؤجَّل عَن أَهلِه إذا تَوَفَّر شَرطُه.
التَّطبيقُ في وَاقِعِ الجالِيَة: الجاليَةُ المُسلِمَةُ في الغَرب تَرى وَعدَ الاستِخلافِ يَتَنَزَّلُ كُلَّ يَوم، لَكِنَّها لا تُبصِر؛ مَسجِدٌ يُؤَسَّس مِن دولاراتٍ مُتَواضِعَة، فَيَصيرُ مَركَزًا لِلأَجيال. مَدرَسَةٌ تَبدَأُ بِعَشَرَةِ طُلَّاب، فَتَتَحَوَّلُ إلى أَكاديميَّة. مُؤَلِّفٌ يَكتُبُ في بَيتِه، فَيُصبِحُ مَرجِعًا لِلأُمَّة. الاستِخلافُ في الغَربِ ليس حُلمًا مُؤَجَّلًا، بَل وَعدٌ يَتَحَقَّقُ يَومًا بَعد يَوم لِمَن يَستَوفي شَرطَيهِ.
السُّنَّةُ الثَّانِيَة: التَّغييرُ الذَّاتي — مِن الدَّاخِلِ يُفتَحُ البابُ
﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَومٍ حَتَّى يُغَيِّروا ما بِأَنفُسِهِم﴾ (الرعد ١١).
هذه آيَةٌ تَكَلَّمَ بِها المُتَكَلِّمونَ وَخَطَبَ بِها الخُطَباء، حَتَّى صارَ لَفظُها أَشهَرَ مِن مَعناها. وَلَو وَقَفنا عِندَ بِنائِها لَوَجَدنا فيها حَصرَين: أوّلًا، نَفيٌ مُؤَكَّد «لا يُغَيِّر»؛ لا يُغَيِّر اللهُ ما بِقَوم، إلَّا بِشَرطٍ واحِدٍ مُعَلَّق. وَثانيًا، شَرطٌ مَخصوصٌ «حَتَّى يُغَيِّروا ما بِأَنفُسِهِم»؛ لَيسَ ما حَولَهم، وَلا ما يَنتَظِرونَه مِن غَيرِهم، بَل ما بِأَنفُسِهِم. الأَنا أوَّلًا، ثُمَّ يَأتي ما بَعدها.
وَلَطيفُ التَّعبيرِ: «ما بِأَنفُسِهِم» لا «أَنفُسَهم» — أيّ ما يَتَّصِفُ بِه قَلبُهم وَنِيَّتُهم وَأَهدافُهم، لا تَغييرَ ذواتِهم. الإِنسانُ يَبقى إِنسانًا، لكنّ ما داخِلَه يَتَبَدَّل. وَالمَوسوعِيُّ ابنُ خَلدون أَشارَ إلى هذا في «المُقَدِّمَة» حِين قَرَّرَ أنّ الدُّوَلَ لا تَنحَدِرُ بِأَسبابٍ خارِجيَّة وَحدَها، بَل بِما يَدِبُّ فيها مِن أَدواءٍ داخِليَّة.
كَيف رَأَيناها؟ في يوسُف: لَمّا تَغيَّر يوسُفُ في البِئرِ صَبرًا، وَفي السِّجنِ حِكمَةً، وَفي القَصرِ عَفوًا، تَغَيَّرَ ما حَولَه فَأَصبَحَ عَلى خَزائِنِ الأَرض. وَفي سَبَأ: لَمّا أَعرَضوا — وَالإِعراضُ تَغييرٌ سَلبيٌّ لِما بِأَنفُسِهم — أَتاهُم سَيلُ العَرِم. مُعادَلَةٌ بِكَلِمَتَين: تَغيَّروا فَتَغَيَّرَ ما حَولَهم.
التَّطبيقُ المُعاصِر: المَسجِدُ الَّذي يَشكو مِن قِلَّة الحُضور دونَ أَن يَسأَلَ نَفسَه: «بِأَيِّ خَطابٍ نُحاوِرُ النَّاس؟»، يَنتَظِرُ مَطَرًا لَن يَهطُل. الجاليَةُ الَّتي تَشكو مِن صورَتِها الإِعلاميَّة دونَ أَن تَستَثمِرَ في إِعلامٍ بِلُغَة المُستَقبَل، تَستَنزِفُ نَفسَها في مَعرَكَةٍ لَن تَكسَبَها. التَّغييرُ يَبدَأُ مِن الدَّاخِلِ دائِمًا — مَن أَدارَ ظَهرَه لِهذه القاعِدَة، أَدارَت لَه السَّماءُ ظَهرَها.
السُّنَّةُ الثَّالِثَة: الابتِلاء — لا تَمكينَ بِلا اختِبار
﴿وَلَنَبلُوَنَّكُم بِشَيءٍ مِنَ الخَوفِ وَالجوعِ وَنَقصٍ مِنَ الأَموالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرين﴾ (البقرة ١٥٥).
تَأمَّل دِقَّةَ القَسَمِ المَحذوف: «لَنَبلُوَنَّكُم» — لامُ التَّوكيدِ، وَنونُ التَّأكيدِ الثَّقيلَة. الابتِلاءُ ليس احتِمالًا، بَل وَعدٌ مَكتوب. ثُمَّ لاحِظ التَّبعيضَ في «شَيءٍ مِن»: لَن نُبتَلى بِكُلِّ الخَوفِ، وَلا بِكُلِّ الجوع، وَلا بِكُلِّ نَقصٍ في الأَموال؛ بَل بِشَيءٍ مِن ذلك — رَحمَةٌ في عَينِ الابتِلاء. ثُمَّ ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرين﴾ — البِشارَةُ لا لِمَن سَلِمَ مِن الابتِلاء، بَل لِمَن صَبَر. السَّلامَةُ مُحالٌ في هذه الدُّنيا، وَالصَّبرُ مُمكِنٌ في كُلِّ حال.
كَيف رَأَيناها؟ في الكَهف: ابتُلِيَ الفِتيَةُ بِالخَوفِ مِن قَومِهِم وَبِفِراقِ بُيوتِهم، فَآواهُم اللهُ في كَهفِه. وَفي يوسُف: ابتُلِيَ بِالبِئر، ثُمَّ بِالسِّجن، ثُمَّ بِالقَصر — فَالنَّعمَةُ ابتِلاءٌ كَالنِّقمَة. وَفي سَبَأ: لَمّا أَعَدَّ اللهُ لَهم النَّعيمَ ابتَلاهُم بِهِ فَفَشِلوا.
التَّطبيقُ: الجاليَةُ في الغَرب تَعيشُ في ابتِلاءَين مَعًا: ابتِلاءِ نَعمَةٍ (الحُريَّة، التَّعليم، الفُرَص) وَابتِلاءِ شِدَّةٍ (التَّمييز، الذَّوَبان، الضَّغط الإِعلامي). الأَوَّلُ يَكشِفُ شُكرَ القَلب، وَالثَّاني يَكشِفُ صَبرَه. مَن نَجَحَ في الاثنَين فَهو المُمَكَّن.
السُّنَّةُ الرَّابِعَة: المُداوَلَة — التَّاريخُ دَوَلاتٌ لا قَدَرٌ مُغلَق
﴿وَتِلكَ الأَيَّامُ نُداوِلُها بَينَ النَّاس﴾ (آل عمران ١٤٠).
كَلِمَةُ «نُداوِلُها» مُشتَقَّةٌ مِن «دَوَل» — وَالدَّولَةُ ما تَناوَبَ عَلَيها الأَطرافُ تَناوُبًا. وَالأَيَّامُ في الآيَةِ ليست أَيَّامًا في تَقويمٍ، بَل حالات نَصرٍ وَهَزيمَة، رَخاءٍ وَشِدَّة، إقبالٍ وَإِدبار. ﴿وَتِلكَ﴾ تَأتي بِالإِشارَةِ البَعيدَة، تَقول: تِلكَ هي عادَتي مَع البَشَر، لا تَتَوَهَّموا غَيرَها.
وَالتَّاريخُ — مِن أَوَّلِ ما خُلِقَ آدَم — يُصَدِّقُ هذه السُّنَّة: حَضارَةٌ تَعلو حِينًا، وَتَخفُتُ حِينًا، ثُمَّ تَأتي حَضارَةٌ أُخرى تَأخُذُ المِشعَل. هكذا تَوَالى عَلى راياتِ الأَرضِ الفارِسُ وَالرُّومانيُّ وَالعَرَبيُّ وَالعُثمانيُّ وَالأُورُوبّيُّ. وَهكذا سَتَدورُ الدائِرَةُ مَرَّةً بَعدَ مَرَّة، فَلَيس ثَمَّةَ نِظامٌ كَوني يَضمَنُ لِجِهَةٍ مِن الجِهاتِ الخُلودَ في القِمَّة.
كَيف رَأَيناها؟ في سَبَأ: حَضارَةٌ في الذُّروَة، ثُمَّ سَيلٌ يَجرِفُ الجَنَّتَين. مُداوَلَةٌ مُعَجَّلَة. وَفي يوسُف: مِن البِئرِ إلى القَصر، وَمِن قَصرٍ يَخدُمُه إلى قَصرٍ يَحكُمُه. المُداوَلَةُ تَجري في حَياةِ الفَردِ كَما تَجري في حَياةِ الأُمَم.
التَّطبيقُ: المُسلِمونَ اليَومَ في حالَةِ «إِدبارٍ نِسبيّ» مِن الزَّمَنِ الحَضاري. هذا لا يَعني الانهِيارَ النَّاجِزَ، وَلا التَّأبيدَ الأَبَدي. السُّنَّةُ تَقول: «دَوَلٌ تُداوَل». مَن فَهِم، استَعَدَّ لِلدَّولَةِ القادِمَة بِبَذلِ ما يَنبَغي. وَالغَدُ لِمَن يَستَعِدُّ لَه، لا لِمَن يَنتَظِرُه.
السُّنَّةُ الخامِسَة: التَّدافُع — لَولاهُ لَفَسَدَت الأَرض
﴿وَلَولا دَفعُ اللهِ النَّاسَ بَعضَهُم بِبَعضٍ لَفَسَدَتِ الأَرضُ﴾ (البقرة ٢٥١).
تَأمَّل التَّقديمَ في «دَفعُ اللهِ»: الإِسنادُ إلى الله أَوَّلًا، ثُمَّ تَأتي الأَداةُ في «النَّاسَ بَعضَهُم بِبَعض». فَالحَقُّ سُبحانَه هو الَّذي يُدير لُعبَةَ التَّدافُع، وَالنَّاسُ آلاتٌ في يَدِه. وَالتَّدافُعُ ليس شَرًّا مَحضًا — كَما يَتَوَهَّمُ مَن يَكرَهُ الخِلاف. بَل لَولاهُ لَفَسَدَتِ الأَرض. هكذا قالَ القُرآنُ بِلا تَلطيف.
التَّدافُعُ سُنَّةٌ أَخلاقيَّةٌ وَاجتِماعيَّةٌ وَسياسيَّةٌ في آنٍ واحِد: - أخلاقيًّا: يَدفَعُ الخَيرُ الشَّرَّ، فَيَكتَسِبُ الإِنسانُ بِالتَّدافُعِ صَفاءَه. - اجتِماعيًّا: يَدفَعُ المُؤَسِّسُ الفَوضى، فَتَنشَأُ المُؤَسَّسات. - سياسيًّا: يَدفَعُ العَدلُ الظُّلمَ، فَتَنتَظِمُ المُجتَمَعات.
كَيف رَأَيناها؟ في يوسُف: دَفَعَ نُورُه ظَلامَ السِّجن، وَدَفَعَ عِلمُه جَهلَ مِصرَ بِمُستَقبَلِها. وَفي سُليمان: تَدافَعَ مَعَ بِلقيسَ تَدافُعَ هِدايَةٍ لا تَدافُعَ غَنيمَة.
التَّطبيقُ: المُسلِمُ في الغَربِ مَدعوٌّ إلى التَّدافُع لا الانعِزال. تَدافُعٌ بِالعِلم، بِالعَمَل، بِالإِعلام، بِالمُؤَسَّسات. مَن انعَزَل، أَنكَر سُنَّةً مِن سُنَنِ الله. وَالمَيدانُ لا يُترَكُ فارِغًا؛ إذا تَركَهُ أَهلُ الحَقّ، مَلأَه أَهلُ الباطِل.
السُّنَّةُ السَّادِسَة: إصلاحُ الأَرض — لا نَجاةَ بِلا مُصلِحين
﴿فَلَولا كانَ مِنَ القُرونِ مِن قَبلِكُم أُولو بَقِيَّةٍ يَنهَونَ عَنِ الفَسادِ في الأَرضِ إلَّا قَليلًا مِمَّن أَنجَينا مِنهُم﴾ (هود ١١٦).
في هذه الآيَةِ سِرٌّ خَطير. لاحِظ التَّعبير: ﴿أُولو بَقِيَّة﴾ — لَيس «أُولو الإيمان» وَلا «أُولو الصَّلاح»، بَل أُولو بَقِيَّة؛ أي أَصحابُ بَقاءٍ مِن العَقل، وَفَضلَةٍ مِن الفَهم، وَنَصيبٍ مِن الفَضائِل تَجعَلُهم يَتَجاوَزونَ النَّاسَ بِالنَّهي عَنِ المُنكَر. لَيسَت العِبرَةُ بِكَثرَة الصَّالِحين، بَل بِوُجودِ «المُصلِحين» — وَفَرقٌ بَينَهُما عَظيم: - الصَّالِحُ: يَستَقيمُ في نَفسِه. - المُصلِحُ: يَنشُرُ الاستِقامَةَ في غَيرِه.
يَكفي وُجودُ الصَّالِحينَ لِنَجاةِ الفَردِ في الآخِرَة. لَكِن لا يَكفي إلَّا وُجودُ المُصلِحينَ لِنَجاةِ المُجتَمَعِ في الدُّنيا.
كَيف رَأَيناها؟ قَومُ لوط: كَثُرَ فيهم الفُسَّاقُ وَقَلَّ المُصلِحون. النَّتيجَة: ﴿فَجَعَلنا عالِيَها سافِلَها﴾. وَقَومُ يونُس: استِثناءٌ نادِرٌ — آمَنوا فَنَجَوا. الإِصلاحُ هنا جاءَ شامِلًا فَجاءَت النَّجاةُ شامِلَة.
التَّطبيقُ: كُلُّ جاليَةٍ في الغَربِ فيها صالِحون، لكنّ الَّذي يَحفَظُها مِن السَّيلِ السَّبَئي ليس الصَّالِحون، بَل المُصلِحون: مَن يُؤَسِّسُ مَدرَسَة، مَن يُحَكِّمُ دَعوَة، مَن يُديرُ وَقفًا، مَن يَكتُبُ لِلجيلِ التَّالي، مَن يَخرُجُ مِن بَيتِه لِيُصلِحَ ما في غَيرِه. الصَّلاحُ الفَرديُّ لا يُنقِذُ الجَماعَةَ وَحدَه؛ لا بُدَّ أَن يَتَكَلَّمَ، أَن يَبني، أَن يَخرُجَ مِن خَلَوتِه.
ثانِيًا: كَيفَ تَتَشابَكُ السُّنَنُ؟
السُّنَنُ السِّتُّ لا تَعمَلُ مُنفَرِدَة، بَل تَتَشابَكُ كَأَنَّها أَوتارٌ في عودٍ واحِد، إذا اختَلَّ وَتَرٌ اختَلَّ النَّغَم. أنظُر إلى الجَدوَلِ تَفهَم:
| السُّنَّة | تَنتَقِلُ عَبرَ | |---------|-----------------| | الاستِخلاف | الإيمانُ + العَمَلُ الصَّالِح | | التَّغييرُ الذَّاتي | الإيمانُ + العَزمُ | | الابتِلاء | الصَّبرُ + الاستِجابَة | | المُداوَلَة | الزَّمَنُ + التَّحَوُّل | | التَّدافُع | المَيدانُ + المُبادَرَة | | إِصلاحُ الأَرض | المُصلِحُ + الجَماعَة |
أَتَرى كَيفَ تَتَلاحَمُ الخُيوط؟ المُؤمِنُ يَعمَلُ الصَّالِحاتِ فَيُستَخلَف، لكنّ الاستِخلافَ لا يَأتي إلَّا بَعدَ تَغييرِ ما بِنَفسِه. وَتَغييرُ النَّفسِ يَستَلزِمُ ابتِلاءً يَكشِفُ المَعدِنَ. وَالابتِلاءُ يَجري في زَمَنٍ يُداوَل. وَالمُؤمِنُ يُدافِعُ في زَمَنِه عَن دينِه وَأَهلِه، لِأَنَّ التَّدافُعَ سُنَّةُ الحَياة. وَأَخيرًا — وَهو القِمَّةُ — لا يَنفَعُ كُلُّ ذلك إلَّا إذا تَحَوَّلَ الصَّالِحُ إلى مُصلِح، فَتَكتَمِلُ السُّنَّةُ.
سِتٌّ كَأَصابِعَ في يَدٍ واحِدَة، لا تُقبِضُ اليَدُ إلَّا بِها مُجتَمِعَة.
ثالِثًا: السُّنَنُ تَحكُمُ الجَميع — لا اسثِثناءَ بِإيمان
مِن أَخطَرِ الأَوهامِ في عَقلِ المُسلِمِ المُعاصِر: اعتِقادُه أنّ الإيمانَ يُلغي القانونَ. كَأَنَّه يَقول: «أَنا مُؤمِن، فَالسُّنَنُ لا تَجري عَلَيّ». وَهذا ضِدُّ المَنطِقِ القُرآنيِّ نَفسِه. اِنظُر إلى الآيَة الكَريمَة: ﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبديلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحويلًا﴾ (فاطر ٤٣). نَفيٌ بَعدَ نَفي. نُونانِ ثَقيلَتانِ في «لَن تَجِد». السُّنَّةُ لا تُبَدَّلُ بِشَيء، وَلا تُحَوَّلُ عَن جِهَتِها — لا بِإيمانٍ، وَلا بِنَسَبٍ، وَلا بِانتِماء.
الإيمانُ لا يَكسِرُ القانون، لكنّه يَمنَحُ آلاتِ التَّعامُلِ مَعَه. المُؤمِنُ يُبتَلى كَغَيرِه، لكنّه يَصبِر. يَسقُطُ في المُداوَلَة كَغَيرِه، لكنّه يَنهَضُ. يُدافِعُ كَغَيرِه، لكنّه يَدفَعُ بِالَّتي هي أَحسَن. وَهذا الفَرقُ بَينَ الذي يَفهَم السُّنَنَ فَيَركَبُ الموجَة، وَالذي يَجهَلُها فَتَطحَنُه.
﴿فَهَل يَنظُرونَ إلَّا سُنَّةَ الأَوَّلينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبديلًا﴾ (فاطر ٤٣) — تَأمَّل تَكرارَ الآيَتَين، فَالقُرآنُ لا يُكَرِّرُ عَبثًا. التَّكرارُ هُنا تَنبيهٌ خَطير: لا تَتَوَهَّم. السُّنَنُ تَجري وَلَو ادَّعَيتَ خِلافًا.
السُّنَنُ تُؤَكِّدُ ما تَعَلَّمناه في الحَلَقاتِ الثَّلاث: الحَضارَةُ في القُرآنِ مَنظومَةٌ شامِلَة، لا قَصَصٌ مُتَفَرِّقَة. كُلُّ آيَةٍ مَوضِعُها مَقصود. كُلُّ سورَةٍ تُلَوِّنُ جانِبًا. كُلُّ تَكرارٍ يُشير. وَالقارِئُ الَّذي يَفتَحُ القُرآنَ بِعَينِ الباحِثِ الحَضاري، يَجِدُ كَنزًا لا يَنفَد.
خُطوَةٌ عَمَلِيَّةٌ بَعدَ هذه الحَلَقَة
السُّنَّةُ بِلا تَطبيقٍ كَلامٌ يَزُولُ، وَالتَّطبيقُ بِلا انتِظامٍ هَواءٌ يَتَناثَر. فَلِكَي تَنفَعَك هذه القِراءَة، اختَر سُنَّةً واحِدَةً مِن السِّتّ، وَطَبِّقها على نَفسِك في الأُسبوعِ القادِم:
١. لَو اختَرتَ سُنَّةَ الاستِخلاف: ما الشَّرطُ الَّذي يَنقُصُني — الإيمانُ أَم العَمَلُ الصَّالِح؟ اِبدَأ بِسَدِّ الفَجوَة.
٢. لَو اختَرتَ سُنَّةَ التَّغييرِ الذَّاتي: ما العادَةُ الواحِدَةُ الَّتي إذا غَيَّرتُها، تَغَيَّرَ ما بَعدَها كُلُّه؟ اِبدَأ بِها.
٣. لَو اختَرتَ سُنَّةَ الابتِلاء: ما المِحنَةُ الَّتي أَنا فيها الآن، وَهَل أَتَعامَلُ مَعَها بِالصَّبرِ أَم بِالشَّكوى؟ اقلِب البَوصَلَة.
٤. لَو اختَرتَ سُنَّةَ المُداوَلَة: هَل أَنا مُستَعِدٌّ لِلدَّولَةِ القادِمَة بِإِعدادٍ، أَم مُنتَظِرٌ لَها بِأَمنِيَة؟ اِبدَأ الإعداد.
٥. لَو اختَرتَ سُنَّةَ التَّدافُع: ما المَيدانُ الَّذي انسَحَبتُ مِنه، وَأَستَطيعُ أَن أَعودَ إِليه؟ عُد بِخُطوَةٍ واحِدَة.
٦. لَو اختَرتَ سُنَّةَ الإِصلاح: مَن المُحتاجُ مِن حَولي إلى يَدِ مُصلِحٍ لا مُجَرَّدِ صالِح؟ اِمدُد إِليه يَدَك.
اكتُب اختِيارَك. ثُمَّ ضَع لَه خُطوَةً مَحدودَةً قابِلَةً لِلقِياسِ في أَسبوع. عُد إِليها بَعدَ سَنَة، فَإِنَّ صَدوقَ المُحاسَبَةِ وَحدَه هو سَبيلُ الانتِقالِ مِن المَعرِفَةِ إلى التَّمَكُّن.
مَكانُ هذه الحَلَقَةِ في السِّلسلَة
| الحَلَقَة | العُنوان | الحالَة | |---------|----------|--------| | الأُولى | القُرآن وَالتَّأصيلُ الحَضاري — أَركانُ الحَضارَةِ في سورَةِ الكَهف | مَنشورَة | | الثَّانيَة | سورَةُ يوسُفَ وَمَنحَنى الصُّعودِ الحَضاري | مَنشورَة | | الثَّالِثَة | جَناحُ الهُدهُدِ وَسَيلُ العَرِم — سُنَّةُ الصُّعودِ وَالسُّقوط | مَنشورَة | | الرَّابِعَة (هذه) | سُنَنُ الحَضارَة في القُرآن — وَقفَةٌ جامِعَة | مَنشورَة | | الخامِسَة | الإِسراءُ قَبلَ المِعراج — السُّورَةُ الدُّستوريَّة وَنَموذَجُ الدَّولَةِ المَدَنيَّة | مَنشورَة | | السَّادِسَة | فَلسَفَةُ التَّهجيرِ في القُرآن الكَريم | قادِمَة |
إِشاراتٌ وَمَراجِع
- ابن كَثير، *تَفسير القُرآن العَظيم*، عِندَ تَفسيرِ آياتِ السُّنَنِ المَذكورَة.
- ابن خَلدون، *المُقَدِّمَة*، الفُصول الأُولى في «طِباع العُمران» وَ«طَور الدَّولَة».
- مالك بن نَبي، *شُروط النَّهضَة*، الفَصل في «مُعادَلَة الحَضارَة».
- سَيِّد قُطب، *في ظِلال القُرآن*، تَفسير آياتِ السُّنَن.
- الرَّاغِب الأَصفَهاني، *المُفرَدات في غَريب القُرآن*، مادَّة «سَنَّ».
- محمد الغَزالي، *كَيف نَفهَم الإسلام*، الباب الخاصُّ بِسُنَنِ اللهِ في الكَون.
- علي عزَّت بيغوفيتش، *الإسلامُ بَين الشَّرقِ والغَرب*، فُصولُ النَّموذَجِ الحَضاري.
هذه الحَلَقَة الرَّابِعَة مِن سِلسلَة «القُرآن والحَضارَة». السِّلسلَة مَفتوحَةٌ تَستَمِر. الحَلَقاتُ القادِمَة تَنتَظِر، وَالنَّصُّ القُرآنيُّ — كَما عَهِدناه — كَنزٌ لا يَنضَب.