الإيجابية في الإسلام حتمية واقع وضرورة مستقبل (٢)
من نوح إلى النبي ﷺ: لم يكن عظماء الأرض إلا خادمين لمجتمعاتهم
المناسبة: خلاصة خطبة جمعة (الخطبة الثانية) أُلقيت بتاريخ 4 نوفمبر 2016مالمصدر: تفريغ خطبة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
لم يكن في حياة نوح عليه السلام لحظة راحة واحدة، فضلًا عن ساعة أو يوم؛ لا ليلًا ولا نهارًا. ولم يترك وسيلة يقدّم بها خدمة للمجتمع الذي يعيش فيه، ليُنقذهم من النار، إلا استغلّها على أحسن وجه. هؤلاء أنبياء الله. فهل لنا قدوة في من هم أعظم منهم؟ وهل على الأرض أعظم منهم؟ وإذا كانوا بهذه العظمة التي قدّرها رب العالمين، فهل برزت عظمتهم إلا من خلال خدمتهم للناس، وكونهم مسخّرين لخدمة هؤلاء الأفراد والأوطان التي يعيشون فيها؟
رجل يسعى
ضرب الله لنا أمثلة في القرآن: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ﴾ [يس: 20]. رجل إيجابي يرى الصواب ويرى الخطأ ويميّز بين هذا وذاك، ويقدّم شهادته لله ولو لم تترتب عليها نتيجة، ويقول كلمة الحق في موضعها حتى لو قُتل بعدها. لا بأس: نحن في الحياة نؤدي دورًا، فإن أدّيناه على أكمل وجه فقد وفّينا، ومتنا أو قُتلنا أو حدث لنا ما حدث، فإنما ننتقل إلى رحمة رب العالمين، إلى دار خير من الدار، وحياة أفضل من هذه التي نعيشها.
الهدهد والذي عنده علم من الكتاب
وعجيب أن يضرب الله لك مثال الإيجابية بهدهد سليمان، حين علم بوجود قوم يعبدون غير الله، فانطلق سريعًا ولم ينتظر أن يأخذ الإذن من القائد الأعلى، ليستكشف الخبر، ثم عاد يقدّم التقرير ويتلقى التعليمات، ولم تفتر همّته حتى جاء بالخبر.[1]
ولعل المجتمع هناك كله كان إيجابيًا: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ﴾ [النمل: 39]، ثم ﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: 40]. كلٌّ منهم يريد أن يقول: أنا. وليس ليأخذ كما نفعل نحن، بل يقول: أنا أحقّ بها، أنا أؤدي هذا الدور، يتبرع بجهده وماله وعلمه ليخدم هذا المجتمع. توقفتُ أمام هذا النص: يأتي بعرش بلقيس، عرش ملكة مشيّد مزخرف، تخيّل القصر الرئاسي أو البيت الأبيض، كيف ينتقل في طرفة عين؟ وأي علم توصّل اليوم إلى مثل هذا؟ ظللت أقرأ في الموضوع فلم أجد أن الناس اكتشفوا شيئًا من ذلك، لكننا نصدّق رب العالمين، ولن نكون كالذين قالوا إنه سحر أو ضرب من الخيال. وعندما قال بعضهم إنها معجزة توقفتُ عند ذلك: المعجزة لو حدثت على يد سليمان نفسه، أما أن يفعلها واحد من أتباعه فلا أعتقد أنها معجزة، وإنما هي فعل واحد من المكلفين وليست فعل نبي أو رسول؛[6] فدلّ ذلك على أن هذا المجتمع بإيجابيته التامة تفوّق في كل ميادين العلم حتى بلغ منزلة لم نتعرف إلى أسرارها بعد في القرن الحادي والعشرين. قولوا ما شئتم عن الطاقة والقوى الكهرومغناطيسية وغيرها، لكن الواقع ينطق بأن الإيجابيين في المجتمع يستطيعون بلوغ السماء وما فوقها.
النبي ﷺ مواطنًا في مجتمعه
عباد الله، لم يتخلَّ النبي ﷺ يومًا عن أداء دوره في المجتمع مواطنًا يعيش فيه. تروي بعض الروايات حرب الفجار، وقد دارت بين قريش وجيران لها، وكان النبي ﷺ في نحو العشرين من عمره، ولم تكن الرسالة قد جاءته، لكنه شارك أعمامه وأعدّ لهم النبل يرمونه على عدوهم.[2] ومثل ذلك حِلف الفضول، اتفقوا فيه على نصرة المظلوم في مكانهم وردّ الحق إلى صاحبه.[3] ولم يتوانَ محمد بن عبد الله ﷺ في أن يشارك بيده وجهده وعلمه وعمله في كل ما يقتضيه الواقع وتطلبه حاجة المجتمع، ومن ذلك مشاركته الناس في أمر الحجر الأسود، وأمانات المشركين التي كانت عنده؛[7] أليست تلك مساهمة منه في المجتمع الذي يعيش فيه؟
وقالت أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها جملة في منتهى البساطة: «والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلَّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق».[4] انظر إلى ما تتحدث عنه: في بدء نزول الرسالة، أتتحدث عن المستقبل أم عن الماضي؟ عن تاريخه في خدمة هذا المجتمع أم عن المتوقع منه؟ كان يخدمهم وهم يعبدون الأصنام، وكان يخدمهم وهم يحاربونه ﷺ ويعتدون عليه في مواطن كثيرة، والشواهد على ذلك لا تُحصى.
لا بد أن نكون جزءًا من المجتمع
نحن نتحدث الآن عن حركة في المجتمع لا نقاش فيها: لا بد أن نكون جزءًا من المجتمع الذي نعيش فيه، وأن يرى الناس آثار تنمية تصدر عنكم، وأن تكونوا عونًا للناس بقدر ما تستطيعون. إذا جاءك إنسان في ورشتك فاخفض له الثمن لأنك مسلم. وحين تبيع أو تصدّر أو تقترض أو تفعل أي شيء، فقدّم نفسك مسلمًا بمنتهى الأخلاق والآداب واحترام من يعيشون حولك. أثبت وجودك بكل الوسائل التي تُتاح لك، واحمدوا الله أنها متاحة لكم، فإن حُرمناها يومًا فلن نبكي إلا على أخطائنا، إذا سُلبنا حقوقًا أنعم الله علينا بوجودها ثم تنكّرنا لها.
وفي يد أحدكم فسيلة
نحن أصحاب دين يقول: «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها».[5] القيامة قامت، ومع ذلك لا ننقض مبدأ الإيجابية في حياتنا. أرجوكم، كفانا هذه الكلمات التي ترددت على ألسنتنا: «خلّينا جنب الحيط ونعيش مستورين»، «احنا غلابة هنعمل إيه». جمل ورثناها فقتلتنا وقتلت من سبقنا، ويراد بها أن تقتل من يأتي بعدنا. ولتبقَ مكانتنا في أعين أبنائنا الذين ينظرون إلى حركتنا وإيجابيتنا أو تقاعسنا وتخاذلنا. والله إن ولدك قد يتبرأ من وجودك حين يرى أنك بجانبه إنسان ضعيف لا قدرة لك على المشاركة في شيء. نريد أن يفاخر بنا عيالنا حين يرون منا مشاركة وإيجابية وعملًا: تعلّم معه ما استطعت، وشارك معه آراءه، وحاوره، لئلا يشعر أنك أقلّ من أن يأخذ عنك فكرة.
أسأل الله أن يعيننا على أداء هذه الأمانة. ونسأل الله أن يأخذ بأيدينا إلى ما فيه خير، وأن يردّنا والمسلمين إلى دينه ردًّا جميلًا، وأن يجعلنا أداة خير وبرّ لهذا المجتمع الذي منّ علينا بالعيش فيه والتنعم بخيراته، وأن ينفعنا بما ذكرنا، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
--- [1]: توثيق المحرر: قصة الهدهد في سورة النمل (الآيات 20–28). ولم يتلُ الخطيب الآيات. [2]: توثيق المحرر: حرب الفجار من أخبار السيرة قبل البعثة؛ ذكرها الخطيب بصيغة «تروي بعض الروايات» دون عزو. وفي سنّه ﷺ حينها خلاف: نقل ابن كثير في «السيرة النبوية» عن ابن إسحاق: «هاجت حرب الفجار ورسول الله ﷺ ابن عشرين سنة»، وعن ابن هشام أنها هاجت لما بلغ ﷺ أربع عشرة سنة أو خمس عشرة سنة. وأورد ابن كثير قوله ﷺ: «كنت أُنَبِّل على أعمامي». [3]: توثيق المحرر: حلف الفضول من أخبار السيرة قبل البعثة؛ لم يعزه الخطيب. [4]: توثيق المحرر: من حديث بدء الوحي، متفق عليه من حديث عائشة رضي الله عنها (البخاري 3، ومسلم 160)، ولفظ البخاري: «كلا والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم…». ولفظ الخطيب مقارب مع اضطراب في التفريغ. [5]: توثيق المحرر: رواه أحمد (12902) من حديث أنس رضي الله عنه، والبخاري في «الأدب المفرد» (479) بلفظ: «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها»، وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (9). [6]: توثيق المحرر: هذا رأي الخطيب. وفي تعيين الذي عنده علم من الكتاب: نقل ابن كثير عن ابن عباس أنه «آصف كاتب سليمان»، ونقل أنه «كان صدّيقًا يعلم الاسم الأعظم»، وأنه دعا الله فجيء بالعرش؛ وقال ابن سعدي: «رجل عالم صالح عند سليمان يقال له: آصف بن برخيا»، وكان يعرف الاسم الأعظم. وذكر البيضاوي في تعيينه أقوالًا، منها أنه سليمان نفسه. [7]: توثيق المحرر: خبر الحجر الأسود قبل البعثة عند تجديد بناء الكعبة: اختلفت قريش في من يضعه، فحكّموا أول داخل عليهم فكان النبي ﷺ، فوضعه في ثوب وأخذت كل قبيلة بطرف منه ثم وضعه بيده؛ رواه أحمد (15504) والحاكم (1683)، وذكره الوادعي في «الصحيح المسند» (578). وأما الأمانات فقد روى البيهقي (12823) أن عليًّا رضي الله عنه أقام بمكة بعد الهجرة ثلاث ليال وأيامها حتى أدّى عن رسول الله ﷺ الودائع التي كانت عنده للناس، ثم لحق به؛ وقال الألباني في «إرواء الغليل» (5/384): «إسناده حسن».
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.