الرحمة في القرآن
شِجنةٌ من الرحمن
عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبيّ ﷺ قال: «إِنَّ الرَّحِمَ شِجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَٰنِ، فَقَالَ اللَّهُ: مَنْ وَصَلَكِ وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ»[1]. و«الشِّجنة» في أصلها عروق الشجر المشتبكة المتداخلة التي لا يمكن فصل بعضها عن بعض دون أن يتأذّى الأصل نفسه. فرَحِمُ الأم التي يُولَد منها كل إنسانٍ إلى الدنيا — أول مكانٍ يعرفه، وأول دفءٍ يحتضنه — تحمل الاسم نفسه الذي يحمله أعظم أسماء الله: الرحمن. هذا ليس تشابهًا لفظيًّا عابرًا، بل — كما يقرّر الحديث نفسه — اشتباكٌ حقيقيّ: صلة الرَّحِم غصنٌ متعلّقٌ بذات الرحمن، فمن قطعها فقد قطع نفسه عن شيءٍ من رحمته.
هذا الاشتباك اللغويّ بين الرَّحِم (أحشاء الأم) والرَّحمن (اسم الله الأعظم) هو مفتاح فهم مفهوم الرحمة في القرآن كله.
حصر اللفظ والإحصاء
يرد جذر «ر ح م» في القرآن الكريم ثلاثًا وثلاثين وثلاثمائة مرة (٣٣٩)، في تسع صيغ: ثمانٍ وعشرون مرة فعلًا «رَحِمَ»، واثنتا عشرة مرة اسم «أرحام» (بمعنى الأرحام الجسدية)، وأربع مرات اسم تفضيل «أرحم»، ومرّةً واحدة اسم «رُحْم»، وسبعٌ وخمسون مرة اسم «الرحمن» — وهو الاسم الوحيد تقريبًا الذي يُستعمَل في القرآن بديلًا مباشرًا عن لفظ الجلالة «الله» نفسه («قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ»، ١٧:١١٠) — ومئة وأربع عشرة مرة اسم «رحمة»، ومئة وستّ عشرة مرة صفة «رحيم»، ومرّةً واحدة «مَرحمة»، وستّ مرات اسم فاعلٍ «راحمين». فمجموع صيغتَي «رحمة» و«رحيم» وحدهما يبلغ مئتين وثلاثين موضعًا — أي أكثر من ثلثي الجذر كله — وهو ما يجعل هذا الجذر من أكثر الجذور الأخلاقية والعقدية ورودًا في القرآن على الإطلاق.
الجذر اللغوي: أحشاءٌ ورحمةٌ من أصلٍ واحد
اللافت أن الجذر نفسه الذي يعطي «الرحمة» و«الرحمن» يعطي أيضًا «الأرحام» — أي الأعضاء الجسدية التي يُخلَق فيها الجنين: «هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ» (٣:٦)، و«اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَىٰ وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ» (١٣:٨). فالربط بين الرحمة والرَّحِم ليس ابتكارًا تفسيريًّا متأخرًا، بل حقيقةٌ لغوية أصيلة أكّدها النبيّ ﷺ في الحديث المتقدّم: صلة القرابة تحمل اسمها من اسم الله الرحمن لأنها — في جوهرها — أثرٌ من آثار رحمته المتفرّعة عنه، لا صفة اجتماعية مستقلّة عن الدين.
البنية المركزية: دائرةٌ تتّسع من الرَّحِم إلى ما وسع كل شيء
يرسم القرآن للرحمة دائرةً متتالية الاتّساع، تبدأ من أضيق نطاقٍ وتنتهي عند أوسعه. أول الدوائر أرحام الأمّهات، حيث تبدأ حياة كل إنسان محفوفةً برعايةٍ لا يملك لنفسه فيها شيئًا. والدائرة الثانية صلة القرابة («الرَّحِم») التي يحذّر القرآن من قطعها: «فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ» (٤٧:٢٢). والدائرة الثالثة رحمة الله بعباده عمومًا، التي وصفها القرآن بأنها التزامٌ ذاتيّ لا مِنّة عارضة: «كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ» (٦:٥٤) — فعل «كتب» هنا يوازي الإلزام القانونيّ الذي لا رجعة فيه، وكأن الله أوجب على نفسه الرحمة كما يُوجِب المُشرِّع قانونًا على غيره، تكريمًا لعباده لا حاجةً منه إليهم. وأوسع الدوائر جميعًا ما أقرّ به الله لنفسه في محاورةٍ مع الملائكة: «وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ» (٧:١٥٦) — فلا يبقى خارج هذه الدائرة الأخيرة أيّ موجود.
نموذجٌ قرآنيّ: الرحمة صفة الرسالة نفسها
لا يكتفي القرآن بوصف الله بالرحمة، بل يصف بها رسالة النبيّ ﷺ ذاتها في أوجز آيةٍ ممكنة: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ» (٢١:١٠٧). فالرحمة هنا ليست صفةً من صفات الرسول من بين صفاتٍ أخرى، بل هي علّة إرساله وغايته الجامعة، الشاملة لكل العالمين لا للمؤمنين وحدهم. وفي موضعٍ آخر، يصف القرآن القرآن نفسه بالرحمة: «وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ» (١٧:٨٢) — فالكتاب الذي يحمل الأحكام والحدود يوصَف في المقام الأول بأنه رحمة، لا مجرّد تشريع.
نموذجٌ آخر: أرحم الراحمين على لسان المكروبين
يلجأ أنبياءٌ ثلاثة، كلٌّ في أشدّ لحظات كربه، إلى الدعاء باسم «أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ» تحديدًا: يعقوب حين يفقد ولديه («وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ»، ٧:١٥١)، ويوسف حين يُطلَب حكمه في إخوته («وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ»، ١٢:٦٤)، وأيّوب حين يمسّه الضرّ («أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ»، ٢١:٨٣). فاسم التفضيل هنا لا يُستدعى في لحظة عافية، بل في لحظة اليأس من كل رحمةٍ بشرية ممكنة، حين يدرك الداعي أن لا راحم يفوق كل الراحمين إلا الله وحده. وهذا يوافق ما استُخلص من دائرة الرحمة المتّسعة: فحين تضيق دوائر الرحمة الأقرب — الأهل، الأقارب، الأصدقاء — يبقى للمكروب أن يلجأ إلى الدائرة التي لا تضيق أبدًا.
وفي موضعٍ آخر يقرن القرآن الرحمة بالزواج مباشرة، واصفًا إياها ركنًا من أركان السكن الزوجي إلى جانب المودّة: «وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً» (٣٠:٢١). فالمودّة ميلٌ طبيعيّ قد ينشأ من غير سبب، أما الرحمة فهي الاستمرار في العطاء والاحتمال حتى حين يخفت الميل الطبيعي أو تعتريه فتور، وهذا يفسّر لماذا يقرن القرآن اللفظين معًا لا يكتفي بأحدهما.
الشاهد النبويّ
يتّسق حديث «الرحم شِجنةٌ من الرحمن» مع مشهدٍ آخر رواه النبيّ ﷺ عن رحمة الله الواسعة يوم القيامة: أن الله قسّم الرحمة مئة جزء، فأنزل جزءًا واحدًا بين الخلائق يتراحمون به — حتى إن الفرس لترفع حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه — وأمسك عنده تسعةً وتسعين جزءًا يرحم بها عباده يوم القيامة[2]. وهذا الحديث يوضّح أن كل رحمةٍ يشهدها الإنسان في الدنيا — رحمة الأم، رحمة الأب، حتى رحمة الحيوان بصغاره — ما هي إلا جزءٌ واحدٌ من مئة من رحمةٍ إلهية أوسع بكثير، وهو ما يوافق تمامًا اتساع الدائرة الأخيرة التي رسمتها آية «رحمتي وسعت كل شيء».
مشهدٌ إضافيّ: جدارٌ باطنه رحمة
يرسم القرآن يوم القيامة مشهدًا يجسّد الرحمة تجسيدًا معماريًّا: سورٌ يُضرَب بين المؤمنين والمنافقين، «لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ» (٥٧:١٣). فالرحمة هنا ليست حالةً شعورية مجرّدة، بل مكانٌ يُدخَل إليه فعلًا، له باطنٌ يُحتمى فيه ممّن هو خارجه. هذا التجسيد يوازي ما مرّ في مقالٍ سابق من هذه السلسلة عن السكينة التي «تُنزَل»، فكلا المفهومين يصفهما القرآن بلغةٍ تكاد تكون حسّية، لا معنًى مجرّدًا يبقى حبيس الشعور.
قراءةٌ مقاصديّة
يُلاحَظ أن «الرحمن» هو الاسم الوحيد الذي يقترن بـ«الرحيم» في افتتاح كل سورةٍ من سور القرآن إلا واحدة، وهو اقترانٌ رأى فيه كثيرٌ من العلماء دلالةً على شمول الرحمة نوعين: رحمانيةً عامة تسع جميع الخلق مؤمنهم وكافرهم في الدنيا (كالرزق والهواء والشمس)، ورحيميةً خاصة تخصّ المؤمنين في الآخرة. وهذا التمييز، وإن اختُلف في تفصيله بين المفسّرين، متّسقٌ مع بنية الآيات نفسها: فحين توصَف رحمة الله بأنها «وسعت كل شيء» يكون ذلك في سياق الرحمانية العامة، بينما حين تُذكَر الرحمة شرطًا لدخول الجنة («فَسَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ»، ٤٥:٣٠) يكون ذلك من باب الرحيمية الخاصة.
البُعد التطبيقي المعاصر
يذكّر الربط اللغويّ بين الرَّحِم والرحمن بأن قطيعة الأقارب ليست مجرّد إخفاقٍ اجتماعيّ، بل — كما صرّح الحديث — انقطاعٌ عن أثرٍ من آثار رحمة الله نفسها. وفي عصرٍ تتباعد فيه الأسر جغرافيًّا وتتقطّع فيه صلات القربى بحجّة ضيق الوقت أو الخلافات القديمة، يصلح هذا الربط تذكيرًا بأن صلة الرحم ليست مجاملةً اجتماعية يمكن الاستغناء عنها، بل امتدادٌ حيّ لاسمٍ من أسماء الله. ومن يجد نفسه اليوم في موقف يعقوب أو أيوب — كربٌ لا يجد له من الخلق راحمًا — يذكّره القرآن بأن الدائرة الأخيرة من الرحمة، التي وسعت كل شيء، لا تُغلَق أبدًا مهما ضاقت الدوائر الأقرب. ومن جهةٍ أخرى، فإن اتساع الدائرة القرآنية للرحمة — من الرَّحِم إلى العالمين — يدعو من يمارس الرحمة في أضيق دوائرها (أسرته وأقاربه) إلى ألا يقف عندها، بل يمتدّ بها إلى الدوائر الأوسع التي رسمها القرآن للرسالة نفسها: رحمةً للعالمين لا لأهل بيتٍ بعينه. ووصف الرسالة والقرآن أنفسهما بالرحمة (لا بالحكمة أو العلم وحدهما) يذكّر من يحمل مسؤولية التعليم أو الدعوة أو القيادة بأن المعيار الأول لنجاح رسالته ليس دقّة معلوماتها فحسب، بل مقدار ما تحمله من رحمةٍ ظاهرة لمن توجَّه إليهم، مؤمنين كانوا أو غير مؤمنين — تمامًا كما لم تُقيَّد آية «رحمة للعالمين» بفئةٍ دون أخرى.
خاتمة
من رَحِمِ أمٍّ يُولَد منها كل إنسان، إلى رحمةٍ كتبها الله على نفسه، إلى رحمةٍ وسعت كل شيء، يرسم القرآن للرحمة دائرةً واحدة متّسعة لا دوائر منفصلة. ومن قطع أضيق هذه الدوائر — صلة رَحِمِه — فقد قطع نفسه، بنصّ الحديث، عن غصنٍ متعلّقٍ بأوسعها. والله تعالى أعلم، وهو وليّ التوفيق.
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.