أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
سلسلة · الحلقة 33
المفاهيم الإيمانية
المفاهيم الإيمانية

الرجاء في القرآن

روحُ الله ونفيُ اليأس

د. أحمد أبو سيف•٧ أكتوبر ٢٠٢٦•11 دقائق قراءة

بعد أن فقد يعقوب عليه السلام يوسف، ثم فقد أخاه، وابيضّت عيناه من الحزن، لم يقل لبنيه: اجلسوا وانتظروا، ولم يقل: قد انتهى كل شيء. قال لهم: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (١٢:٨٧). في هذه الآية يجتمع الرجاء في أصفى صوره: حركةٌ (اذهبوا فتحسسوا)، ونهيٌ عن اليأس، وتعليلٌ يربط اليأس بالكفر.

ملاحظة منهجيّة: الرجاء بلفظه وبمعناه

ينبغي ابتداءً أن نبيّن أن لفظ «الرجاء» نفسه، أي الجذر «ر ج و»، لا يظهر في سورة يوسف. وإنما يظهر المفهوم فيها بنقيضه اللفظي: اليأس والاستيئاس، وبمفرداتٍ تحمل معناه: «روح الله». ولذلك فالمقال يقرأ المفهوم في هذه السورة بالمعنى، ويقابله بما ورد بلفظ الرجاء في سائر القرآن. وهذا مسلكٌ مشروع في دراسة المفاهيم ما دام الباحث يصرّح به.

الدلالة اللغوية

«الرجاء» في اللغة توقّع حصول الخير المحبوب في المستقبل، مع وجود سبب يدعو إليه. وقد فرّق العلماء بينه وبين «التمني» بأن التمني طلبُ ما لا سبب له، أما الرجاء فمقرونٌ بالعمل والسعي. و«الروح» بفتح الراء: الراحة والفرج والرحمة، من الريح والنسيم، كأن الفرج نسيمٌ يخفف الشدة. فـ«روح الله» تفريجه ورحمته. و«اليأس» انقطاع الأمل، و«القنوط» أشدّ منه، وهو اليأس الذي يظهر أثره على صاحبه.

الرجاء في القرآن: شرط العمل

تكشف مواضع الجذر في القرآن عن اقتران الرجاء بالعمل في أغلب سياقاته، لا بالتمني المجرد. ففي سورة الكهف: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (١٨:١١٠). وفي البقرة وصف الله الراجين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ (٢:٢١٨)، أي أن الراجين هم المؤمنون المهاجرون المجاهدون، لا القاعدون. وفي الأحزاب: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ (٣٣:٢١). وفي الإسراء جاء الرجاء مقرونًا بالخوف: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ (١٧:٥٧).

وهذه المواضع تُرسّخ أن الرجاء في القرآن لا يُنفصل عن العمل والخوف. فمن رجا ولم يعمل فهو متمنٍّ مغرور، ومن خاف ولم يرجُ فهو قانط. وهذا التوازن هو ما يُعرف عند أهل السلوك بالجمع بين الخوف والرجاء، كجناحي الطائر.

نموذج يعقوب: رجاءٌ لا يزيل الحزن

ما يلفت في قصة يعقوب أن رجاءه لم ينفِ حزنه. فقد قال: ﴿يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (١٢:٨٤)، ثم قال بعدها بقليل: «ولا تيأسوا من روح الله». فالحزن والرجاء يجتمعان في القلب. وليس الرجاء أن يزول الألم، بل أن يبقى الألم ولا يُغلق باب الفرج. وقد عبّر يعقوب من قبل عن مقام الصبر: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١٢:٨٦). فالشكوى إلى الله لا تنافي الرجاء، بل هي من أخصّ صوره.

وتلاحظ الصلة بين الرجاء والعمل في وصية يعقوب نفسها: «اذهبوا فتحسسوا»، أي ابحثوا وتتبعوا. لم يترك الأمر للقدر مع القعود، بل جمع بين التوكل والسعي. وفي ذلك تصحيح لفهم الرجاء عند من يظنه انتظارًا سلبيًا.

اليأس والقنوط: النقيض والخطر

يجعل القرآن اليأس من روح الله وصفًا للكافرين: «إلا القوم الكافرون» (١٢:٨٧)، ويجعل القنوط من رحمته وصفًا للضالين: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ (١٥:٥٦). وهذا يدل على أن اليأس ليس مجرد شعور عابر، بل إذا استقرّ واعتُقد دلّ على خلل في معرفة الله. فمن أيقن أن الله قادر رحيم، لم يستقر اليأس في قلبه. أما اللحظات العابرة من الضيق فقد مرّ بها الرسل أنفسهم: ﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ (١٢:١١٠)، وهي من آخر آيات السورة، وتُبيّن أن النصر يأتي بعد أشد لحظات الضيق.

وفي دعوة المسرفين: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ (٣٩:٥٣). فالرجاء هنا يشمل المذنبين، وهو باب التوبة المفتوح.

الشاهد النبويّ

يقول النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه: «أنا عند ظنّ عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني»[1]. وقال ﷺ قبل وفاته بثلاثة أيام: «لا يموتنّ أحدُكم إلا وهو يُحسن الظنّ بالله عز وجل»[2]. فحسن الظن بالله ركن الرجاء. وقد اشترط العلماء في حسن الظن أن يكون مقرونًا بالعمل، وإلا صار غرورًا، وهو معنى مأثور عن السلف في التحذير ممن يتعلّل بحسن الظن وهو لا يعمل.

قراءةٌ مقاصدية

يحفظ الرجاء النفسَ من الانهيار، ويحفظ المجتمع من العجز. فهو من المقاصد النفسية للدين: أن يبقى الإنسان قادرًا على النهوض مهما اشتدت المحنة. والرجاء الذي في القرآن يتجه إلى مصدر مضمون هو الله، لا إلى الأسباب وحدها. ولذلك قد يفقد الإنسان الأسباب ويبقى رجاؤه، كما فقد يعقوب ولديه ولم يفقد رجاءه.

ويظهر في السورة أن الرجاء مرتبط بالعلم بالله: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١٢:٨٦). فعلم يعقوب بالله هو مصدر رجائه. وكلما زادت معرفة العبد بربه، زاد رجاؤه فيه.

ميزان الجناحين: الخوف والرجاء معًا

يصف القرآن عباد الله الصالحين بالجمع بين الحالين: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ (٣٢:١٦)، ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ (٢١:٩٠)، ويأمر: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ (٧:٥٦). وقد ورد في الحديث ما يوازن بين الأمرين: «لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد»[3]. فالمقصود ألّا يطغى أحد الجانبين: فيصير الرجاء أمنًا من مكر الله، أو يصير الخوف قنوطًا من رحمته. وقد نبّه القرآن إلى الخطأين معًا: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٧:٩٩)، و﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (١٢:٨٧).

وقد اختلف أهل السلوك: أيهما يُغلَّب في الحياة وأيهما عند الموت؟ والمشهور أن يُغلَّب الخوف في زمن الصحة حتى يردع عن المعصية، ويُغلَّب الرجاء عند الاحتضار حسنًا للظن بالله. وهذا اجتهاد في الترتيب وليس نصًّا قاطعًا، وفي حديث جابر السابق ما يؤيد الجزء الأخير.

مدرسة الصبر في بيت يعقوب

يختصر يعقوب في السورة مدرسة كاملة في الصبر المقترن بالرجاء. ففي أول المحنة قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾ (١٢:١٨). وبعد فقد الأخ الثاني قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (١٢:٨٣). ولاحظ كيف انتقل من العبارة الأولى التي لم يرد فيها رجاء صريح إلى الثانية التي دخلها «عسى». فالرجاء يشتد مع اشتداد المحنة، لا يخبو. وهذا ما يجعل الرجاء قرين الصبر الجميل، وهو الصبر الذي لا شكوى فيه إلى الخلق.

البُعد التطبيقي المعاصر

تكثر في هذا العصر مظاهر اليأس: بطالة، وأمراض نفسية، وحروب، وانهيار أحلام. وقد يقول الإنسان: لا فائدة. والمنهج القرآني لا يطلب منه إنكار الواقع، بل يطلب منه ألّا يغلق الباب. ويمكن تلخيص الدرس في ثلاث حركات من وصية يعقوب: تحسَّس (ابحث وتحرّك)، ولا تيأس (لا تُغلق باب الرجاء)، واشكُ بثّك إلى الله (اجعل لحزنك وجهة). ومن أراد أن يعين غيره على الرجاء، فليعن بالعمل مع الكلمة، كما فعل يعقوب حين أرسل بنيه ولم يكتفِ بالتهدئة.

وفي التربية: تعليم الأطفال أن الفشل ليس نهاية، وأن لله روحًا بعد كل شدة. وفي الدعوة: أن يكون الخطاب مُدخِلًا للناس إلى باب التوبة لا مُغلقًا لها، فإن الله يفتح ما يغلقه الخطاب القاسي.

ثمرات الرجاء في السلوك

للرجاء الصادق ثمرات ظاهرة في سلوك المؤمن. فهو يدفع إلى المثابرة: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (٣:١٣٩). ويدفع إلى التوبة بعد الزلة، فلا يبقى المذنب أسير ذنبه. ويدفع إلى الإحسان إلى الناس لأن من رجا رحمة الله رحم خلقه. ويدفع إلى الدعاء، إذ لا يدعو إلا من يرجو الإجابة. وفي المقابل، فاليأس يقطع هذه الثمرات كلها: يوقف المرء عن العمل، ويحبسه في الذنب، ويمنعه من الدعاء.

ومن الملاحظ أن يعقوب، بعد أن يئس بنوه أو كادوا من العثور على يوسف، لم يتخلّ عن دوره الأبوي في توجيههم. وهذا يعلّم أن القائد في الأسرة أو الجماعة هو من يحفظ الرجاء حيًّا في الأوقات الصعبة، وأن واجبه ألّا ينقل إلى من حوله يأسه إن غلبه، بل يشكو إلى الله وحده، كما قال: «إنما أشكو بثي وحزني إلى الله».

خاتمة

وصيّة يعقوب لبنيه، «ولا تيأسوا من روح الله»، من أقصر ما قيل في الرجاء وأعمقه: حركةٌ بلا قنوط، وحزنٌ بلا إغلاق، وعلمٌ بالله يُبقي الباب مفتوحًا. وقد صدّقت خاتمة السورة وصيّته، فجاء الفرج من حيث لم يحتسب. ومن وقف عند باب مغلق فليتذكّر أن يعقوب لم يجلس عنده، بل أرسل بنيه يتحسّسون، وبقي قلبه معلّقًا بروح الله.


الهوامش

  1. رواه مسلم (٢٦٧٥) بلفظ «إذا ذكرني»، ورواه البخاري (٧٤٠٥) بلفظ «حين يذكرني»، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [2]: رواه مسلم (٢٨٧٧) من حديث جابر رضي الله عنه. [3]: رواه مسلم (٢٧٥٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.↩
شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ