أعلام التفسير المقاصدي ورجالاته
بقلم: د. أحمد محمد علي أبو سيف، رئيس أكاديمية الأئمة بأمريكا (American Imams Academy).
أبو إسحاق الشاطبي (ت ٧٩٠هـ)
صاحب «الموافقات»، والمؤصِّل الأكبر لنظرية المقاصد. لم يكتب تفسيراً مقاصديّاً مستقلّاً، لكنّه وضع الأساس النظريّ الذي قام عليه هذا الاتجاه كلُّه؛ إذ رتّب المقاصد إلى ضروريّاتٍ وحاجيّاتٍ وتحسينيّات، وقرّر أنّ الشريعة وُضِعت لمصالح العباد في العاجل والآجل، وبيّن طرق الكشف عن مقاصد الشارع. فهو الأبُ المؤسِّس الذي يَصدُر عنه كلُّ من جاء بعده، ولا يكاد بحثٌ في المقاصد يخلو من النقل عنه والبناء عليه.
محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)
عَلَمُ المقاصد في العصر الحديث، وعالِمُ تونس وشيخُ جامع الزيتونة. أصّل العلم تأصيلاً منهجيّاً في كتابه «مقاصد الشريعة الإسلامية» الذي دعا فيه إلى جعل المقاصد علماً مستقلّاً، وطبّق العناية بمقاصد السور وأغراضها في تفسيره الكبير «التحرير والتنوير».
وإضافته الكبرى أنه نقل المقاصد من حقل أصول الفقه إلى ميدان التفسير تطبيقاً عمليّاً، وجعل لكلّ سورةٍ «غرضاً» جامعاً يُنتظم تحته كلامُها، فقرأ السورة وحدةً موضوعيّةً لا آياتٍ متناثرة. وبهذا يُعدّ ابن عاشور الجسرَ الأهمّ بين تأصيل الشاطبي وتطبيق المُحدَثين.
مدرسة المنار: محمد عبده ورشيد رضا
أبرز الشيخ محمد عبده (ت ١٣٢٣هـ/١٩٠٥م) وتلميذه محمد رشيد رضا (ت ١٣٥٤هـ/١٩٣٥م) في «تفسير المنار» البُعد الهدائيّ للقرآن، وأنّ المقصد منه إصلاح الإنسان وهدايته إلى سعادة الدارين، لا مجرّد استعراض المباحث اللغوية والبلاغية والخلافات الكلامية. وإضافتهما إحياءُ النظر في غايات القرآن الإصلاحية وربطُها بواقع الأمّة وأسئلة نهضتها، وإن نُوقش بعض اجتهاداتهما، فإنّ أثرهما في إحياء النظر المقاصديّ الحديث كبير.
علال الفاسي (ت ١٣٩٤هـ)
العلّامة المغربيّ صاحب «مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها»، وهو ثالث ثلاثةٍ في المقاصد بعد الشاطبي وابن عاشور. أضاف العنايةَ بـ«مكارم» الشريعة، أي بُعدها الأخلاقيّ والإنسانيّ الذي يتجاوز حفظ الضرورات إلى تكميل الفضائل، ووصلَ المقاصد بقضايا النهضة والإصلاح والحرّية في زمنه.
المُحدَثون والدرس المعاصر
ثم تتابع العلماء في تقعيد التفسير المقاصدي وتطبيقه وإفراده بالتأليف. فكتب أحمد الريسوني «نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي» محرِّراً للأصول مُجدِّداً للنظر، وأفرد وصفي عاشور أبو زيد «التفسير المقاصدي لسور القرآن الكريم» تطبيقاً موسَّعاً اتّخذ من «في ظلال القرآن» أنموذجاً، وتتبّع نور الدين قَرّاط حضور المنهج المقاصديّ عند مفسّري الغرب الإسلامي. وبجهود هؤلاء وغيرهم استقرّ التفسير المقاصدي اتجاهاً علميّاً له قواعده ومسائله ومجالسُه وبحوثُه.
والمقصود من هذا العرض ليس استقصاء الأسماء، بل بيان أنّ التفسير المقاصدي بناءٌ تعاوَنَ على رفعه أجيالٌ من العلماء: أصّله الأصوليون، وقعّده الشاطبي، ونقله ابن عاشور إلى التفسير، وأحياه المُحدَثون. فهو ثمرةُ جهدٍ تراكميٍّ لا اجتهادَ فردٍ معزول.
يتلوه المقال السادس: «أصول التفسير المقاصدي وضوابطه»
| خلاصةٌ للحياة لا يكفي أن نعرف الأعلام، بل أن نقرأ لهم. اختر هذا الشهر كتاباً واحداً من كتب هؤلاء يناسب مستواك — كرسالةٍ مختصرةٍ للريسوني أو مقدمات ابن عاشور — واقرأ منه صفحاتٍ بتأنٍّ. فمجالسةُ الكتاب الأصيل تبني الملَكة المقاصدية أكثر من عشرات المقالات عنه. | |---|
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.