أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
الإمامة والقيادة

التفكير الجمعي وبناء الجيل

من الانفعال اللحظي إلى التفكير الجمعي: أين موقعنا من همّ الأمة ومستقبل أجيالنا؟

د. أحمد أبو سيف•١٩ ديسمبر ٢٠٢٥•6 دقائق قراءة
المناسبة: خلاصة خطبة جمعة أُلقيت في AlIman بتاريخ 19 ديسمبر 2025مالمصدر: تفريغ خطبة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
تنبيه المحرر: هذه المادة ملخَّصٌ لما ثبت من المحاضرة وليست تفريغًا حرفيًّا لها؛ ولم يُضَف إليها شرحٌ لم يرد فيها.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم ﷺ.

افتتح الخطيب خطبته بملاحظة في أسلوب الخطاب القرآني: أن الخطابات التي يتوجه فيها التكليف الشرعي إلى الفرد أكثرها لشخص النبي ﷺ. فتقرأ خطابًا فرديًّا: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: 2]، وخطابًا فرديًّا: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: 1]، وخطابًا فرديًّا: ﴿اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ…﴾ [الأحزاب: 1].

فلماذا يخاطب الله النبيَّ بشخصه، ويخاطبنا بمصطلح الأمة؟ لأن النبي ﷺ هو النموذج الأول المطبِّق لهذا التشريع، وعنه تتفرع كيفية تطبيق الأمة لما كُلِّف به. ومن هنا يبدأ الفارق الكبير بين مجتمع الجاهلية، حيث ينعزل كل فرد نفسيًّا عمّن حوله إلا في عصبيات مقيتة، وبين الإسلام الذي جمع الناس على كلمة.

انفعال اللحظة وسؤال الموقع

يسأل الخطيب نفسه قبل أن يسألنا: هل نحن مهتمون حقًّا بالإسلام وقضاياه، مشغولون بما يجري للأمة؟ أم تمرّ بعضُ الأخبار على أسماعنا، وتقع على أعيننا مقاطع قصيرة فنتأثر، ثم ننصرف إلى عاداتنا؟

ونرى ذلك حتى في المساجد: يأتي الناس إلى بيوت الله فيبكون في الصلاة ويتأثرون، فإذا خرجوا وجدتَ أحدهم مشغولًا بشأنه، وربما نازع غيره على أمر يسير. أين ذهب الدعاء وأين ذهبت الدموع؟ يسمّون ذلك «الانفعال اللحظي»: تتأثر لحظةً ثم تعود إلى سيرتك الأولى، وبنية الذهن المشغول بالأمة غير موجودة.

ويؤكد أنه لا يلقي خطابًا سياسيًّا، وإنما يخاطب عقله وذاته ووجدانه: أين أنا؟ أين موقعي على خريطة التفكير الجمعي، ذلك التفكير الذي جعلنا الإسلام عليه؟

مسجدٌ يجمع الأجساد ويفرّق الوجدان

يدعونا الخطيب إلى تخيّل ردّ فعلنا ونحن مجتمعون في بيت الله: هل نجتمع في المسجد بأجسادنا وننعزل بوجداننا؟ هل يُنكِر بعضنا على بعض إن وضع يده هنا أو أسدلها؟ إن أحدنا إذا فعل شيئًا أنكره الآخر، ثم نتحدث عن أمة واحدة. ويقول إنه يفهم تغيّر الثقافات والبيئات واختلاف الروايات، لكنه يتحدث عن الأصل في تشكيل العقل المسلم الذي يتحرك على الأرض اليوم.

وإن لم نغيّر هذا النمط من التفكير فإننا نعود إلى الوراء، إلى جاهلية أهل مكة.

وحولنا من يتهم المسلمين بأنهم لا يصلحون لهذا المجتمع، وكل يزايد على صاحبه في هذه التهمة. فنسأل بحكمة: أين أدوارنا؟ ماذا نفعل لو تصورنا أننا أمام خطة كبرى لتمكين الإسلام من قلوب المسلمين؟ هل لدينا خطة على مستوى أمريكا؟ على مستوى نيويورك؟ على مستوى مجموعة من المساجد؟ وهل لدينا خطة تؤمّن أبناءنا في تعليمهم العالي، وتحفظ مستقبلهم؟ يجيب الخطيب: لا.

إعادة بناء الدماغ تستوجب بذلًا

إعادة صياغة هذا البناء الذهني تستوجب من كل واحد منا أن يبذل شيئًا. هناك بذل نفسي: تحمّل الصدمات المتوالية على الجسد المسلم والعقل المسلم والوجدان المسلم، وهي صدمات كثيرة تحتاج نفسًا قوية. ولذلك جاء نداء الله لرسوله ﷺ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: 2]، وعلّله بقوله: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: 6]. فهمنا العلاقة: قوةُ النفس تُصنع في الليل.

ثم يقول له ربه: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر: 2]: تحرّكْ. وهذا نوع آخر من التحدي، هو التحدي المالي.

الإنفاق: لغة السورتين

يقول الخطيب إن أخطر الآيات التي تحدثت عن الإنفاق، حسب رأيه الشخصي والله أعلم، جاءت في سورة الحديد: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا…﴾ [الحديد: 10][1]. ويلفت إلى نبرة السؤال: لماذا هذه النبرة؟ فعبارة سورة البقرة ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ…﴾ [البقرة: 261] لغتها ناعمة تستميل القلب وتحثه، أما هناك فيسألك: لماذا لم تؤدِّ ما عليك من واجب؟ إنه إنفاق لبناء مستقبل الأمة.

والناس لا يعون ذلك، فيتعاملون مع الإنفاق بقدر المطلوب فقط. وكم من المنتسبين إلى الإسلام لا يؤدون زكاة أموالهم! وكم ممن يؤدون الزكاة لا يخرجون شيئًا غيرها! ويقول إنه لا يستقلّ رقمًا بعينه، أعوذ بالله، فربما كان ذلك كلَّ ما يملك صاحبه، لكنه يبحث وراء العقلية التي أعطت وسألت ذلك السؤال.

إنفاقٌ يبني جيلًا

يريد الخطيب أن نعيد بناء التفكير الجمعي، وأن نفكر معًا، وأن يكون لنا مستقبل حقيقي على أرض الواقع. وليس هذا عمله اليوم تحديدًا، وإنما عمله أن يوقِد هذه الفكرة في الرؤوس، حتى لو كانت على سبيل التوريث لأبنائنا: أن نحدّثهم عن التعاون بينهم كأبناء فصل دراسي أو فريق عمل مشترك ينجزون شيئًا.

وما طُلب من أهل الإسلام الإنفاق إلا للحفاظ على كيان الدين، وكيان الدين في بلادنا هو الحفاظ على الأجيال التالية التي تحمل هوية الإسلام.

ويعيّرنا بعضهم بأننا نعيش في بلاد الكفر، ولا يدركون أن أبناء كثيرين منا هنا أحسن حالًا وأرفع قدمًا مع الإسلام من أبنائنا هناك.

خاتمة: لا نبتلى بنسيان أهل الحاجة

وانتهت الخطبة بدعاء يسأل فيه الخطيب ربَّه ألّا ينسينا غزة وما فيها، وألّا يبتلينا بنسيان أهل الحاجة من أهل الإسلام، وأن يعزّ دينه في الأرض كلها، وأن ييسّر لنا الأسباب ويهيّئ لنا صالحين يبتغون رضاه في الدنيا والآخرة.

--- [1]: توثيق المحرر: لم ينطق الخطيب إلا بمطلع الآية؛ وتمام الجملة: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: 10]؛ والذي ورد في التفريغ مطلعها فحسب.

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ