أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
سلسلة · الحلقة 9
المفاهيم الإيمانية
المفاهيم الإيمانية

الشكر في القرآن

ظهورٌ لا كتمان

د. أحمد أبو سيف٢٧ يونيو ٢٠٢٦7 دقائق قراءة

يقوم النبيّ ﷺ الليل حتى تتورّم قدماه، فتقول له عائشة رضي الله عنها: أتصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟ فيجيب بسؤالٍ لا يحتاج جوابًا: «أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا؟»[1]. هذا المشهد — قدمان متورّمتان من طول القيام، لرجلٍ غُفر له ذنبه أصلًا فلم يعد بحاجةٍ ظاهرة إلى مزيدٍ من العمل — يهدم فهمًا شائعًا للشكر بوصفه شعورًا داخليًّا هادئًا بالامتنان. الشكر، كما جسّده النبيّ ﷺ في تلك الليلة، لم يكن شعورًا يُكتَفى به في القلب، بل فعلًا يُتعِب القدمين حتى تتورّما.

هذا بالضبط ما يكشفه الجذر اللغويّ لكلمة «الشكر»: أنه إظهارٌ لا كتمان.

حصر اللفظ والإحصاء

يرد جذر «ش ك ر» في القرآن الكريم خمسًا وسبعين مرة[3]، في ست صيغ: ستٌّ وأربعون مرة فعلًا ثلاثيًّا «شَكَرَ» (وأغلبها بصيغة «تشكرون» في ختام آياتٍ تعدّد نعمًا)، ومرةً واحدة اسم «شُكْر» (٣٤:١٣)، وعشر مراتٍ صفة مبالغة «شَكور»، ومرتين اسم «شُكُور»، وأربع عشرة مرة اسم فاعلٍ «شاكِر»، ومرتين اسم مفعولٍ «مَشْكُور».

اللافت في هذا التوزيع أن صفة المبالغة «شَكور» — وهي التي يُظنّ للوهلة الأولى أنها تخصّ العباد الشاكرين وحدهم — ترد في عدة مواضع صفةً لله نفسه: «إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ» (٣٥:٣٠، ٣٥:٣٤، ٤٢:٢٣)، و«وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ» (٦٤:١٧). فالله يوصَف بالكلمة نفسها التي تصف عبده الشاكر — وهذه ملاحظةٌ تستحقّ وقفةً مركزية.

الجذر اللغوي: ظهورٌ يقابله كتمان

في أصل اللغة، يدور «شكر» حول الظهور والانكشاف، لا حول الشعور الباطن. يقال: شَكِرَت الدابّةُ إذا ظهر عليها من السِّمَن أكثر ممّا تستحقّه من مقدار عَلَفها — أي أن أثر الطعام القليل ظهر عليها ظهورًا زائدًا عن حجمه الحقيقي. وقيل أيضًا إن «شَكَرَ» مقلوبٌ عن «كَشَرَ» بمعنى الكَشْف والإظهار، وضدّه على هذا القول «الكُفر»، وهو نسيان النعمة وسترها وكتمانها. وقيل إن أصله من «عينٍ شَكْرى» أي ممتلئة، فالشكر امتلاءٌ ظاهرٌ بذكر المُنعِم لا يُكتَم في الصدر[2].

هذه الأصول الثلاثة، على اختلافها، تلتقي عند معنًى واحد: الشكر ليس إحساسًا خفيًّا، بل أثرًا ظاهرًا — سِمَنٌ يُرى، أو كشفٌ يُعلَن، أو امتلاءٌ يفيض. وهذا يفسّر تمامًا لماذا كان شكر النبيّ ﷺ فعلًا يُتعِب الجسد لا شعورًا يُكتفى به في القلب: فالشكر الحقيقي، بحكم أصله اللغويّ، لا بدّ أن يظهر أثره على الجوارح، تمامًا كما يظهر السِّمَن على الدابّة الشكور.

البنية المركزية: حركةٌ من اتّجاهين

خلافًا لمعظم الفضائل التي يتّجه فيها الفعل من العبد إلى الله وحده، يرسم القرآن للشكر حركةً في اتجاهين متقابلين. فمن جهة، يُطلَب من العبد أن يشكر ربّه: «وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ» (٢:١٥٢). ومن جهةٍ أخرى، يصف القرآن الله نفسه بأنه «شَكور» — أي أنه يستجيب لشكر عبده بمزيدٍ من العطاء: «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ» (١٤:٧). بل يذهب القرآن أبعد من ذلك، فيصف سعي العبد الصالح بأنه «مَشْكُور» — اسم مفعولٍ يجعل الله هو الفاعل الذي يشكر سعي عبده: «فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا» (١٧:١٩، وكذلك ٧٦:٢٢).

هذه البنية المزدوجة — عبدٌ يشكر ربّه، وربٌّ يشكر سعي عبده — نادرةٌ بين المفاهيم القرآنية، إذ إن أغلب الفضائل توصَف بها العبادُ وحدهم دون أن يوصَف بها الله بالمعنى نفسه. لكن الشكر يكسر هذا النمط، ليصير حوارًا متبادلًا لا فعلًا أحاديّ الاتجاه: كلّما ظهر شكر العبد ظاهرًا في عمله، قابله الله بمزيدٍ من العطاء الذي يستحقّ شكرًا جديدًا، في حلقةٍ متصاعدة لا تنقطع.

نموذجٌ متكرّر: «لعلّكم تشكرون»

تتكرّر في القرآن عبارة «لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» أكثر من خمس عشرة مرة، تُختَتم بها آياتٌ تُعدّد نعمًا محسوسة: الفُلك التي تجري بأمره (١٦:١٤، ٣٠:٤٦، ٤٥:١٢)، والسمع والأبصار والأفئدة (١٦:٧٨، ٢٣:٧٨، ٣٢:٩، ٦٧:٢٣)، والليل والنهار، والماء العذب. هذا التكرار يكشف أن الشكر، في تصوّر القرآن، ليس ردّة فعلٍ عارضة، بل هو الغاية المقصودة أصلًا من خلق هذه النعم وتسخيرها؛ فكأن كل نعمةٍ محسوسة تحمل في طيّها سؤالًا ضمنيًّا موجّهًا لمن ينتفع بها: هل ستُظهر أثرها عليك ظهورًا يكافئ حجمها؟

ومن أدقّ صور هذا النموذج ما ورد على لسان سليمان عليه السلام حين رأى عرش بلقيس مستقرًّا أمامه: «هَٰذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ» (٢٧:٤٠). فحتى النبيّ الذي أُوتي مُلكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعده لم يعتبر النعمة استحقاقًا مضمونًا، بل اختبارًا مفتوح النتيجة يتوقّف جوابه على فعله هو، لا على مقامه. وفي موضعٍ آخر يأمر الله آل داود مباشرةً بأن يترجموا الشكر عملًا لا قولًا: «اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا» (٣٤:١٣) — فالأمر لم يأتِ بصيغة «اذكروا» أو «احمَدوا»، بل بصيغة «اعملوا»، مؤكّدًا مرّةً أخرى أن الشكر القرآنيّ فعلٌ لا مجرّد قول.

نموذجٌ قرآنيّ: الشكر لنفسه لا لله

يوضّح القرآن، في موضعين متطابقين تقريبًا، أن ثمرة الشكر تعود على العبد نفسه لا على الله المستغني عن شكر خلقه: «وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ» (٢٧:٤٠)، ويتكرّر المعنى نفسه في وصية لقمان لابنه: «وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ» (٣١:١٢). فالشكر، مثل التزكية التي مرّت في مقالٍ سابق من هذه السلسلة، عملٌ عائدُ نفعِه على صاحبه أولًا، لا هديّةً يحتاجها الله. وهذا يزيل عن الشكر أي ظنٍّ بأنه صفقةٌ يُطلَب فيها العبد بشيءٍ يفيد ربّه، ليصير بدل ذلك مرآةً يرى فيها العبد نفسه ونعمة ربّه عليه معًا.

الشاهد النبويّ

المشهد الذي افتُتح به هذا المقال — قيام النبيّ ﷺ حتى تورّمت قدماه — رواه المغيرة بن شعبة، وهو حديثٌ متّفقٌ عليه في الصحيحين (البخاري رقم ٤٥٧٣)[1]. وتكمن دقّة هذا الشاهد في أن جوابه ﷺ استعمل اللفظ القرآنيّ نفسه الذي وُصف به نوح عليه السلام: «إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا» (١٧:٣). فالنبيّ ﷺ لم يخترع تعبيرًا جديدًا، بل استحضر الصفة القرآنية ذاتها التي وُصف بها أشكر الأنبياء، مبيّنًا أن الشكر لا يتوقّف عند حدّ المغفرة المضمونة، بل يستمرّ ما دام العبد قادرًا على العمل.

قراءةٌ مقاصديّة

يُلاحَظ من تكرار «شاكرًا» في مقابل «كفورًا» — كما في «إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا» (٧٦:٣) — أن القرآن يقدّم الشكر بوصفه الخيار الأول المتاح أمام كل إنسانٍ هُدي إلى الطريق، لا فضيلةً إضافية تُطلَب من الصالحين وحدهم. وقد لاحَظ كثيرٌ من أهل التفسير أن الجذر الواحد الذي يعطي «الكفر» بمعنى الجحود والإنكار يعطي أيضًا «كفران النعمة» بمعنى جحودها وسترها — أي أن الكفر بالله وكفران النعمة وجهان لعملةٍ واحدة: كتمان الحقّ الظاهر، سواء أكان حقَّ الألوهية أم حقَّ الإحسان. وهذا يمنح الشكر بُعدًا عقديًّا لا أخلاقيًّا فقط: من يشكر النعمة الصغيرة يتدرّب على الإقرار بالحقّ الظاهر، فيكون أقرب إلى الإقرار بالحقّ الأكبر.

وتلتقي هذه الملاحظة مع ما مرّ في المقال السابق من هذه السلسلة عن الصبر: فاللفظان يجتمعان أربع مراتٍ بصيغةٍ واحدة حرفيًّا: «إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ» (١٤:٥، ٣١:٣١، ٣٤:١٩، ٤٢:٣٣). فالصبر والشكر، كما بيّن حديث النبيّ ﷺ عن عجب أمر المؤمن، ليسا فضيلتين تُختاران بالتناوب بحسب الحال، بل استجابتان متكاملتان للحالتين الوحيدتين اللتين يمرّ بهما كل إنسان: نعمةٌ تستدعي إظهارًا، أو محنةٌ تستدعي حبسًا للنفس عن الجزع. من أتقن أحدهما دون الآخر لم يكتمل له بعد وصف «صبّارٍ شكور» الذي وعده القرآن بآياتٍ بيّنة.

البُعد التطبيقي المعاصر

يخلط كثيرون اليوم بين الشكر وبين مجرّد الشعور الإيجابيّ العابر — أن يشعر المرء بالرضا لحظةً ثم ينسى. وتنتشر اليوم ممارساتٌ نفسية حديثة تدعو إلى «تدوين الامتنان» (gratitude journaling)، وهي ممارسةٌ مفيدة، لكنها تبقى في حدود التوثيق الذهني ما لم تتحوّل — كما يعلّم الجذر اللغويّ نفسه — إلى أثرٍ ظاهرٍ يتجاوز الصفحة المكتوبة: كلمةٍ تُقال لصاحب الفضل، أو مالٍ يُنفَق، أو عملٍ يوظّف النعمة فيما خُلقت له. الفارق بين «الشعور بالامتنان» و«الشكر» القرآنيّ هو الفارق نفسه بين شعورٍ يُكتَم وأثرٍ يظهر. لكن الأصل اللغويّ يذكّر بأن الشكر الحقيقي يحتاج أثرًا ظاهرًا يمكن رؤيته: كلمة شكرٍ صريحة تُقال لا تُضمَر، أو عملٌ يوظِّف النعمة في وجهها الصحيح، أو مالٌ يُنفَق ممّا رُزِق. فمن يشعر بالامتنان قلبيًّا لكنه لا يُترجم شعوره إلى كلمةٍ أو فعلٍ يُظهِر النعمة، لم يبلغ بعد المعنى الكامل الذي يحمله اللفظ القرآنيّ. ومشهد النبيّ ﷺ يذكّر بأن الشكر لا يتوقّف عند بلوغ مقامٍ رفيع أو نجاةٍ من خطر، بل يستمرّ فعلًا متجدّدًا ما دامت النعمة قائمة، إذ لا حدّ أعلى يُكتفى بعده بالسكون.

خاتمة

من دابّةٍ يظهر عليها السِّمَن أكثر ممّا تستحقّه من عَلَفها، إلى قدمين تورّمتا من طول القيام لعبدٍ غُفر له ذنبه أصلًا، يرسم القرآن للشكر معنًى واحدًا لا يتغيّر: أثرٌ ظاهرٌ يفيض من امتلاءٍ باطن، لا شعورٌ يُكتَم في الصدر. ومن شكر، فإنما يشكر لنفسه. والله تعالى أعلم، وهو وليّ التوفيق.


الهوامش

  1. رواه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، رقم ٤٥٧٣، ومسلم في صحيحه، عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، متّفقٌ عليه. [2]: ابن منظور، لسان العرب، مادة «ش ك ر»، في ذكر أصول الكلمة الثلاثة: الدابّة الشكور، والقلب من «كَشَرَ»، والعين الشَّكْرى الممتلئة. [3]: جميع أرقام ورود جذر «ش ك ر» وصيغه الستّ مأخوذة من مدوّنة القرآن اللغوية (corpus.quran.com): ٤٦ «شَكَرَ» (ثلاثي)، ١ «شُكْر»، ١٠ «شَكور»، ٢ «شُكُور»، ١٤ «شاكِر»، ٢ «مَشْكُور».
شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ