التمكين في القرآن
قدرةٌ تأتي بعد الابتلاء وتُسأل عن الأمانة
يقف يوسف عليه السلام بين يدي الملك، وقد خرج للتوّ من السجن، فيقول له الملك: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ (١٢:٥٤). ثم يطلب يوسف أن يُجعل على خزائن الأرض: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (١٢:٥٥). وبعد أن يتم ذلك يعلّق القرآن بما يردّ الفضل إلى صاحبه: ﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ ۚ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١٢:٥٦). وقد سبق في أول القصة وعدٌ بالجذر نفسه: ﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ (١٢:٢١). فالتمكين في هذه السورة وعدٌ في أولها، وتحقيقٌ في وسطها، وبينهما الجبّ والرقّ والفتنة والسجن.
حصر اللفظ: ثمانية عشر موضعًا، وثلاثةٌ منها ليوسف
يرد الجذر «م ك ن» في القرآن ثماني عشرة مرة، بحسب مدوّنة القرآن اللغوية[1]: أربع عشرة منها أفعال: ثلاثة عشر بصيغة «مكّن» («مكّنّاهم» و«مكّنّاكم» و«نمكّن» و«ليمكّننّ» وما يشبهها: ٦:٦ مرتين، ٧:١٠، ١٢:٢١، ١٢:٥٦، ١٨:٨٤، ١٨:٩٥، ٢٢:٤١، ٢٤:٥٥، ٢٨:٦، ٢٨:٥٧، ٤٦:٢٦ مرتين)، وموضعٌ واحد بصيغة «أمكن» في قوله: ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ (٨:٧١)؛ وأربعة مواضع جاءت فيها الصفة «مكين» (١٢:٥٤، ٢٣:١٣، ٧٧:٢١، ٨١:٢٠). فمن ثمانية عشر موضعًا ثلاثةٌ في سورة يوسف: «مكّنّا ليوسف» مرتين وصفة «مكين» مرة، أي سُدس الجذر كله، ومنها يُعلم أن القصة هي النموذج القرآني الأوسع لهذا المعنى.
الجذر اللغوي: من المكان إلى القدرة
أصل التمكين في اللغة جعلُ الشيء في مكان. وقد نبّه ابن عاشور في «التحرير والتنوير» عند قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (٧:١٠) إلى أنه «يطلق على الإقدار على التصرف، على سبيل الكناية»، ثم فصّل أن المراد في هذه الآية القدرةُ التي أودعها الله في الإنسان من العقل والتفكير، وأنه ليس القوة والحكم كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾ (١٨:٨٤)، ولا هو المعنى الحقيقي الحرفي، لأن الآية قالت «في الأرض» ولو أريد المكان حقيقةً لقالت «مكّنّاكم الأرض»[2]. فاللفظ إذن يتدرّج في الاستعمال: مكانٌ، ثم قدرةٌ على التصرف، ثم سلطانٌ وحكم.
وفي قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ (٤٦:٢٦) يفسّر ابن عاشور المعنى بأن ما أقدرهم الله عليه كان أعظم مما أقدر عليه المخاطبين، أي في آثارهم في الأرض. وبذلك يتبيّن أن القرآن يحاجّ قريشًا بما سبقهم من تمكين، فيذكّرهم أن من مُكِّن قبلهم بما هو أعظم لم تُغنِه القوة حين جحد.
ويظهر لهذا اللفظ ضدّ قرآني صريح في آية القصص: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (٢٨:٥-٦). فالتمكين يقابل الاستضعاف، لا الضعف الذاتي، أي أن الحال الذي يُبدَّل هو حالُ من أُخضع وقُهر. وهذا يلقي ضوءًا على قصة يوسف: فقد كان مستضعفًا في الجبّ، مملوكًا في بيت العزيز، مسجونًا في السجن، قبل أن يُمكَّن.
نماذج التمكين في القرآن
يتتبع المتأمل في القرآن صورًا متعددة للتمكين، لكلٍّ منها دلالة.
فهناك التمكين الدنيوي الممنوح للأمم السابقة، وفيه تنبيه على أنه لا يدوم: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ﴾ (٦:٦). فالتمكين لا يمنع الهلاك إذا انتفت شروطه.
وهناك تمكين ذي القرنين: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ (١٨:٨٤). وحين عرض عليه القوم خرجًا مقابل بناء السدّ قال: ﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ (١٨:٩٥)، فردّ فضل القدرة إلى ربه، وطلب منهم عونًا بالجهد لا بالمال.
وهناك تمكينٌ لمقام الملَك الكريم: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ (٨١:٢٠)، فصفة «مكين» تدلّ على رفعة المنزلة وثباتها عند صاحب الأمر.
وهناك التمكين الموعود به المؤمنون الصالحون: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (٢٤:٥٥). وهذه الآية تجمع لفظين متجاورين، «الاستخلاف» و«التمكين»، ويظهر من سياقها أن الأول إقامةٌ في الأرض خلفًا لمن سبق، والثاني تثبيتٌ لدينٍ ارتضاه الله، وأن ثمرة ذلك أمنٌ بعد خوف وعبادةٌ خالصة. وهذا فهمٌ مستنبطٌ من سياق الآية لا نصٌّ في الفرق بين اللفظين.
التمكين المشروط: سنن لا تُحابي
يُظهر القرآن أن التمكين ليس ضمانًا دائمًا، بل خاضعٌ لسنن. ففي سورة الأعراف ذكّر الله الناسَ بنعمة التمكين، ثم عاتبهم: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ (٧:١٠). وقد لاحظ ابن عاشور أن مجيء هذه الآية عقب قوله: ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ (٧:٤) «إيماءٌ إلى أن إهمال شكر النعمة يعرّض صاحبها لزوالها»[2]. فالتمكين اختبارٌ للشكر كما أن الابتلاء اختبارٌ للصبر.
وفي سورة الأحقاف: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ (٤٦:٢٦). فامتلاك الأدوات لا يغني عن سلامة الغاية.
ومن الصور التي تحذّر من استدراج التمكين قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً﴾ (٦:٤٤). والآية في أقوام نسوا ما ذُكّروا به، وليست في كل ذي نعمة، لكنها تدلّ على أن اتساع الأبواب قد يكون ابتلاءً لا مكافأةً إذا اقترن بنسيان الذكر.
وفي المقابل، قد يكون التمكين في الأمن والرزق حجّةً على من يتعلل بالخوف من اتباع الهدى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا﴾ (٢٨:٥٧)، أي أن الأمن الذي يتمتعون به منحةٌ من الله لا من أصنامهم.
مِن الجبّ إلى الخزائن: مراحل التمكين اليوسفي
ما يميّز تمكين يوسف في القرآن أنه جاء متأخرًا ومتدرجًا، وفي كل مرحلة منه كان أمام اختبار. ففي مصر مُكِّن له مكانةً في بيت العزيز، فاختُبر بالفتنة. وفي السجن مُكِّن له في قلوب أهله حتى قالوا: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١٢:٣٦)، فاختُبر بالطول والنسيان. ثم مُكِّن له في الأرض كلها فاختُبر بالسلطة والنظر في أمر إخوته.
وهذا الاطراد يقدّم درسًا في فهم التمكين: ليس هبةً مفاجئة، بل ثمرة صلاحية تُختبر مرارًا. وتظهر الصلاحية في القصة بصفتين ذكرهما الملك ثم يوسف: «أمين» و«حفيظ عليم». وهذا يوافق ما ورد في قصة موسى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ (٢٨:٢٦). فالقوة والأمانة، أو الحفظ والعلم، هما ركنا الكفاءة في التصور القرآني للسلطة.
هل طلب يوسف الولاية؟ ما قاله المفسرون
يتوقف أهل التفسير عند قول يوسف: ﴿اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾، لأن ظاهره طلبُ ولاية، وقد صحّ النهي عن طلبها. فيقول الزمخشري في «الكشاف» إن يوسف «وصف نفسه بالأمانة والكفاية اللتين هما طلبة الملوك ممن يولونه، وإنما قال ذلك ليتوصل إلى إمضاء أحكام الله تعالى وإقامة الحق وبسط العدل»، وأنه فعله «لعلمه أن أحدًا غيره لا يقوم مقامه في ذلك، فطلب التولية ابتغاء وجه الله لا لحب الملك والدنيا»[3]. أما الطبري فيرجّح في معنى «حفيظ عليم» أنه «حافظ لما استودعتني، عالم بما أوليتني»، لأن ذلك جاء عقيب مسألته الملك استكفاءه خزائن الأرض، فكان إعلامه بخبرته أنسب[4].
ويأخذ البيضاوي من الآية «جواز طلب التولية وإظهار أنه مستعدٌّ لها»، وجواز التولّي من يد الكافر «إذا علم أنه لا سبيل إلى إقامة الحق وسياسة الخلق إلا بالاستظهار به»[5]. وأوسع من ذلك كله كلام ابن عاشور، فهو يقرّر أن «هذه الآية أصل لوجوب عرض المرء نفسه لولاية عمل من أمور الأمة إذا علم أنه لا يصلح له غيره، لأن ذلك من النصح للأمة، وخاصة إذا لم يكن ممن يُتَّهم على إيثار منفعة نفسه على مصلحة الأمة». ثم يجيب عن الاعتراض بحديث عبد الرحمن بن سمرة: «يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة…»، بأن عبد الرحمن «لم يكن منفردًا بالفضل من بين أمثاله ولا راجحًا على جميعهم»[6]. وينقل عن المازري قوله إن من كان أهلًا للقضاء يجب عليه السعي في طلبه «إن علم أنه إن لم يَلِه ضاعت الحقوق». ويضيف ابن عاشور تشبيهًا نقله عن ابن عطية: أن مقام يوسف هذا يشبه مقام أبي بكر رضي الله عنه في دخوله الخلافة.
ويتّسق هذا مع حديث أبي ذر الذي طلب الإمارة، فضرب النبي ﷺ على منكبه وقال: «يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزيٌ وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدّى الذي عليه فيها»[7]. فالحديث يبيّن وجه التمكين الصحيح: ليس شرفًا يُتباهى به، بل أمانةٌ ثقيلة، والفرق بين من يُنهى ومن يُؤذن له هو فرق الأهلية وتعيّن الحاجة.
تمكينٌ بعد ابتلاء: ما حدّث به خبّاب
وفي السنة نموذجٌ يوازي ما جرى ليوسف في بنيته. فقد شكا خبّاب بن الأرتّ رضي الله عنه إلى النبي ﷺ ما يلقونه من أذى المشركين، وهو متوسّد بردةً له في ظل الكعبة، فذكر لهم ﷺ ما كان يُصنع بمن قبلهم من المؤمنين، ثم قال: «والله ليُتمّنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون»[8]. فوعدُ التمكين جاء في ساعة الاستضعاف، وقُرن بنهيٍ عن الاستعجال، وهذا عين ما علّمه القرآن في قصة يوسف: التمكين يأتي في وقته بعد الابتلاء، لا قبله.
كيف قرأ يوسف تمكينه؟
لم تُغيّر المناصب نظرة يوسف إلى نفسه. ففي أول مواقفه بعد التمكين ظهرت صفات القائد: كفاءة في التدبير (خطة السنين السبع، ١٢:٤٧)، وكرمٌ في الضيافة (قال لإخوته: ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ﴾، ١٢:٥٩)، وعفوٌ عند المقدرة (﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾، ١٢:٩٢). فالتمكين ظهر في سلوكه صفةً لا مجرد منصب.
ولم يستعمل سلطانه للانتقام من إخوته، وإن كان يستطيع. وقد دبّر في أمر أخيه ما دبّر (١٢:٧٦) بإذن من الله، لكنه لم يتخذ ذلك سبيلًا للثأر، بل ساق الأمر إلى لمّ الشمل. وعندما قال في آخر القصة: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ (١٢:١٠١) لم يتوقف عند الملك، بل أتبعه بالدعاء: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾. فكان تمكينه في الدنيا مقدمةً لسؤال حسن الخاتمة.
صفات المُمَكَّن كما ترسمها الآيات
إذا جُمعت الخيوط السابقة ظهر لنا مَن يستحق التمكين في الميزان القرآني، وهي صفاتٌ يمكن أن يلتمسها المرء في نفسه. فهو أمينٌ على ما استُؤمن عليه، حفيظٌ لا يضيّع، عليمٌ بوجوه التدبير، محسنٌ في مواضعه الصغيرة قبل الكبيرة، شاكرٌ لا ينسى مصدر القدرة، يقيم بها الصلاة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر (٢٢:٤١)، ويردّ الفضل إلى ربه كما فعل ذو القرنين، ويعفو عند المقدرة كما فعل يوسف. ومن فقد هذه الصفات وهو في موضع القدرة فقد اقترب مما حذّرت منه آية الأحقاف.
البُعد التطبيقي المعاصر
يعيش كثيرون اليوم انتظار «التمكين»: في وظيفة أو مشروع أو مكانة. ويقع بعضهم في أحد خطأين: استعجال التمكين بطرق غير مشروعة، أو الاستسلام لأنه لم يأتِ بعد. والنموذج اليوسفي، بما أيّده حديث خبّاب، يقول: أحسِن في موضعك ولو كان بئرًا أو سجنًا؛ فإن المكانة تُبنى بإتقان الصغير قبل أن تُعطى الكبير، فقد كان يوسف في بيت العزيز أمينًا، وفي السجن محسنًا، فكان ذلك مؤهلًا لما بعده.
وفي جانب القيادة: على من نال تمكينًا أن يسأل نفسه الأسئلة التي علّمها القرآن: لماذا أنا هنا؟ هل حفظت ما استُؤمنت عليه؟ هل أقمت به ما أُمرت بإقامته؟ هل شكرتُ، أم نسيتُ ما ذُكّرت به؟
وليس كل تمكين منصبًا أو سلطانًا. فقد يُمكَّن العبد في قلب أهله بالبرّ، أو في علمه بالتحصيل، أو في حرفته بالإتقان، أو في دينه بالثبات. وقد رأينا في سورة يوسف أن تمكينه في قلوب أهل السجن سبق تمكينه في الأرض. فمن لم يجد منصبًا فلا يظنّ أنه محروم من التمكين، فرُبّ مكينٍ في بيته أو في حيّه أو في تلاميذه يعظم أثره أكثر ممن شغل المناصب. والمعيار في القرآن هو الإحسان: ﴿وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
خاتمة
التمكين في سورة يوسف خاتمة رحلة، لا بداية قفزة. وهو في القرآن منّةٌ من الله يؤتيها من يشاء، لكنها منّة ذات شروط وتبعات: أمانة وحفظ وعلم وشكر وإقامة للحق. ومن فهم ذلك لم يتعجّل ما لم يحن وقته، ولم يتكبّر بما أُعطي، وعلم أن الذي رفع يوسف من الجبّ إلى الخزائن قادرٌ على أن يرفع من يشاء بعد الابتلاء. وحسبنا الله ونعم الوكيل.
الهوامش
- أرقام ورود الجذر «م ك ن» وصيغه مأخوذة من مدوّنة القرآن اللغوية (corpus.quran.com): ١٨ موضعًا، منها ١٤ فعلًا، و٤ مواضع لصفة «مكين». [2]: ابن عاشور، «التحرير والتنوير»، تفسير الآية (٧:١٠) من سورة الأعراف، وفيه الكلام على معنى التمكين وعلى (٤٦:٢٦) و(١٨:٨٤)، والتنبيه على صلة الآية بقوله (٧:٤). [3]: الزمخشري، «الكشاف»، تفسير (١٢:٥٥). [4]: الطبري، «جامع البيان»، تفسير (١٢:٥٥). [5]: البيضاوي، «أنوار التنزيل وأسرار التأويل»، تفسير (١٢:٥٥). [6]: ابن عاشور، «التحرير والتنوير»، تفسير (١٢:٥٥)، ونقله عن المازري وابن عطية؛ وحديث عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه «لا تسأل الإمارة» رواه البخاري (٧١٤٦، ٦٦٢٢) ومسلم (١٦٥٢). [7]: رواه مسلم (١٨٢٥) من حديث أبي ذر رضي الله عنه. [8]: رواه البخاري (٣٦١٢، وانظر ٣٨٥٢ و٦٩٤٣) من حديث خبّاب بن الأرتّ رضي الله عنه.↩
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.