التقوى في القرآن
اتّخاذ وقايةٍ لا مجرّد خوف
يذكر القرآن في سورة النحل نعمةً حسّية بسيطة: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ (١٦:٨١). قمصانٌ تقي الجسد من لهيب الشمس، ودروعٌ تقيه من طعنة الرمح. الفعل الذي يصف كلتا الحمايتين واحد: "تَقِي" — من الجذر نفسه الذي ستُشتقّ منه، بعد آياتٍ قليلة في السورة نفسها، أعظم كلمةٍ في القاموس القرآنيّ الأخلاقي: التقوى. فما دلالة هذا الاختيار؟ ولماذا وصف القرآن أعلى درجات الصلة بالله بالكلمة نفسها التي وصف بها قميصًا يقي من الحرّ ودرعًا يقي من الطعن؟
حصر اللفظ والإحصاء
يرد جذر «و ق ي» في القرآن الكريم مئتين وثمانٍ وخمسين مرة، موزَّعةً على ثماني صيغ[1]. الصيغة الأولى هي الفعل المجرّد «وقى» بمعنى «حمى وصان» حماية حسّية مباشرة، ويرد ستَّ عشرة مرة (كالآية التي افتُتح بها هذا المقال)، إلى جانب اسم الفاعل «واقٍ» بمعنى «حامٍ ومدافع»، ويرد ثلاث مرات، دائمًا في سياق النفي: ﴿مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ (١٣:٣٤، ١٣:٣٧، ٤٠:٢١) — لا حامي لهم من عذاب الله. هذا الحقل الأول، تسعة عشر موضعًا، هو المعنى الحسّي المباشر للجذر: حماية جسدٍ من أذًى خارجيّ.
أما الحقل الثاني، وهو محور هذا المقال، فيضمّ الصيغ التي نُقِل فيها المعنى نفسه إلى الحماية المعنوية: الفعل المزيد «اتّقى» (على وزن افتعل)، ويرد مئة وستًّا وستّين مرة وهو الأكثر ورودًا؛ واسم الفاعل «مُتَّقِين» ويرد تسعًا وأربعين مرة؛ والمصدر «تقوى» ويرد سبع عشرة مرة؛ واسم التفضيل «أتقى» ويرد مرتين؛ والصفة «تقيّ» وترد في مواضع منها ١٩:١٣ و١٩:١٨ و١٩:٦٣. مجموع هذا الحقل المعنويّ يبلغ نحو مئتين وثمانٍ وثلاثين موضعًا، وهو الشاهد اللفظيّ المباشر لمفهوم «التقوى» بمعناه القرآنيّ. ويبقى موضعٌ واحدٌ خارج الحقلين معًا، هو «تُقاة» في قوله تعالى ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ (٣:٢٨)، وهو مصطلحٌ فقهيّ خاصّ بمداراة الخصم عند الإكراه (التُّقية)، له بابه المستقلّ في الفقه، ولا يدخل في محور هذا المقال.
الجذر اللغويّ: من الدرع إلى القلب
يذكر ابن فارس في «مقاييس اللغة» أن أصل الواو والقاف والياء «يدلّ على دفع شيءٍ عن شيء بشيء»[2]. وهذا التعريف نفسه ينطبق حرفيًّا على كلٍّ من قميص النحل ودرعها، وعلى التقوى في المعنى الاصطلاحيّ سواءً بسواء: ثمة دائمًا طرفٌ يُخشى منه، وطرفٌ يُراد وقايته، وحاجزٌ يُوضَع بينهما. فحين حوّل القرآن الفعل من صيغته المجرّدة «وقى» (حمى شيءٌ شيئًا) إلى صيغته المزيدة «اتّقى» (على وزن افتعل، وهو وزنٌ يفيد غالبًا أن الفاعل يُحدِث الفعل لنفسه)، انتقل المعنى من حمايةٍ يمنحها طرفٌ خارجيّ (القميص، الدرع) إلى وقايةٍ يصنعها الإنسان لنفسه بيديه: أن يتّخذ من طاعته وامتثاله حاجزًا بينه وبين ما يُخشى، تمامًا كما يتّخذ من قميصه حاجزًا بينه وبين الحرّ.
التقوى ليست الخوف، ولا حتى الخشية
ولتوضيح ما تختصّ به التقوى دون أخواتها من ألفاظ الوجل، يفيد استحضار حدَّي المقارنة اللذين اختارهما العربُ أنفسهم. يقول ابن فارس في مادة «خوف»: إن الخاء والواو والفاء «أصلٌ واحدٌ يدلّ على الذُّعر والفزع»[^أ] — فالخوف انفعالٌ يعتري القلب فجأةً أمام ما يُرهِب، حالةٌ تحدث للمرء لا فعلٌ يصنعه. وأما الخشية، فيفرّق الراغب الأصفهانيّ في «المفردات في غريب القرآن» بينها وبين الخوف بأنها «خوفٌ يشوبه تعظيم»، وأنها غالبًا ما تكون «عن علمٍ بما يُخشى منه»[^ب]، ولذلك خصّ القرآن بها العلماء دون غيرهم: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٣٥:٢٨). فالخشية أرقى من الخوف لأنها مقرونةٌ بمعرفةٍ، لكنها تبقى — ككل أخواتها — حالةً تسكن القلب. أما التقوى فخطوةٌ أبعد: هي ما يفعله القلب بعد أن يخشى، حين يترجم تلك الخشية إلى وقايةٍ عمليةٍ متّخذة. فمن خشي ولم يتّقِ، اكتفى بانفعالٍ باطن؛ ومن اتّقى، حوّل خشيته إلى درعٍ يُلبَس وسلوكٍ يُمارَس. وهذا هو الفارق الدقيق الذي يُغفَل حين تُترجَم التقوى إلى مجرّد "الخوف من الله": فالتقوى ثمرة الخشية، لا مرادفها.
البنية المركزية: اتّخاذ الوقاية لا مجرّد الخوف
هذا الفارق الصرفيّ الدقيق يحلّ إشكالًا شائعًا في ترجمة كلمة "تقوى" إلى "خوف الله"، وهي ترجمةٌ قاصرة تُغفل الفعل الإيجابيّ الكامن في الكلمة. فالخوف شعورٌ يعتري القلب، أما الاتّقاء ففعلٌ يقوم به الجوارح: أن تُقدِم قدمًا وتؤخّر أخرى، كما وصف عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حين سأل أُبيّ بن كعب عن معنى التقوى، فردّ عليه أُبيّ بسؤال: "أما سلكتَ طريقًا ذا شوك؟" فقال عمر: بلى. قال: "فما عملت؟" قال عمر: "شمّرتُ واجتهدتُ." قال أُبيّ: "فذلك التقوى"[3]. فالتقوى، في هذا التمثيل المأثور عن الصحابة، ليست جمود الخوف، بل يقظة السالك في طريقٍ محفوفٍ بما يؤذيه، يتحرّى بكل خطوةٍ موضع قدمه. وهذا بعينه هو معنى «اتّخاذ الوقاية»: فعلٌ إراديّ متكرّر، لا حالة انفعالٍ عابرة.
نموذجٌ يؤكّد الاستعارة: لباس التقوى
ومما يرسّخ هذه الاستعارة المركزية أن القرآن نفسه يستعيدها صراحةً في سورةٍ أخرى غير التي افتُتح بها المقال؛ ففي سورة الأعراف، بعد أن يذكر الله نعمة اللباس الذي يواري السوءة ويكون ريشًا، يختم بقوله: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ﴾ (٧:٢٦). فالقرآن لا يكتفي بأن يستعمل الجذر اللغويّ نفسه لوصف الحماية الحسّية والمعنوية، بل يذهب أبعد من ذلك فيصف التقوى صراحةً بأنها "لباس" — أي درعٌ وقميصٌ يُرتدى، تمامًا كسرابيل النحل. وبهذا يغلق القرآن الدائرة التي فتحها في سورة النحل: القميص يقي الجسد، والتقوى قميصٌ يقي القلب، وهذا الثاني خيرٌ من الأول لأن وقايته أبقى وأشمل.
نموذجٌ آخر: موضع التقوى من الإنسان
وإذا كانت التقوى لباسًا يُرتدى، فأين يكون موضعها من الجسد؟ يجيب القرآن في سياق الحديث عن مناسك الحجّ: ﴿ذَٰلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (٢٢:٣٢). فالتقوى ليست هيئةً ظاهرة يُحكَم بها على مظهر الإنسان، بل حالةٌ تسكن القلب أولًا، ثم تظهر آثارها في تعظيم الشعائر وسائر الأعمال. وهذا يوافق ما جاء في الحديث النبويّ، حين أشار النبي ﷺ إلى صدره ثلاث مرّات وهو يقول: "التقوى هاهنا، التقوى هاهنا، التقوى هاهنا"[4]. فموضع التقوى الأصليّ هو القلب، لا الجوارح وحدها، وإن كانت الجوارح هي التي تُظهر أثرها.
حين يغيب الرقيب: خبر بائعة اللبن وابنتها
وإذا كان موضع التقوى القلب لا الجوارح، فإن أصدق اختبارٍ لها هو الخلوة، حين يغيب عن المرء كل رقيبٍ بشريّ. ومن أشهر ما تناقلته كتب التاريخ والأدب في تصوير هذا المعنى، وإن لم يثبت بإسنادٍ متّصل، خبر عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين طاف ليلًا يتفقّد أحوال الرعية، فسمع امرأةً تأمر ابنتها أن تمزج اللبن بالماء لتُكثِره في البيع، فأجابت الفتاة: "أوَ ما علمتِ بنهي أمير المؤمنين عن الغشّ؟" فقالت الأمّ: "وأين عمر منّا الآن؟" فردّت الفتاة: "إن كان عمر لا يرانا، فإنّ ربّ عمر يرانا." هذا الجواب، على اختلاف العلماء في تصحيح سنده، صار مضربَ مثلٍ لأن جوهر التقوى ليس أن يستقيم المرء أمام الناس، بل أن يستوي عنده الحضور والغياب لأن الرقيب الحقيقيّ لا يغيب أبدًا. وهو بعينه ما صاغه ابن القيّم تعريفًا جامعًا للتقوى منقولًا عن طلق بن حبيب، حين قال: هي "أن تعمل بطاعة الله على نورٍ من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نورٍ من الله، تخشى عقاب الله"[^ج] — فليست التقوى إذن مرهونةً بحضور الناس، بل بنورٍ من العلم بالله يصحب المرء في خلوته كما يصحبه في علانيته.
نموذجٌ ثالث: خير الزاد
وفي سياق الحديث عن سفر الحجّ، حين كان بعض الحجّاج يخرجون بلا زادٍ ماديّ اتّكالًا على الناس، نزلت الآية: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ﴾ (٢:١٩٧). فالتقوى هنا زادٌ يُتّخذ لسفرٍ، تمامًا كما يُتّخذ الطعام والماء زادًا لسفر الدنيا؛ إلا أن هذا الزاد يقي صاحبه في سفرٍ أطول من رحلة الحجّ: سفر العمر كله إلى الآخرة. وفي هذا امتدادٌ آخر للاستعارة المركزية: فكما تُتّخذ الوقاية الحسّية (القميص، الزاد) استعدادًا لمشقّةٍ متوقَّعة، تُتّخذ التقوى استعدادًا لما هو آتٍ لا محالة.
نموذجٌ رابع: ميزان التفاضل الوحيد
وتبلغ هذه الاستعارة أثرها الاجتماعيّ الأعمق في آيةٍ واحدة تنسف كل معايير التفاضل التي عرفتها الجاهلية من نسبٍ ومالٍ ولون: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٤٩:١٣). فبعد أن يُقرّر القرآن أن أصل البشر واحد، يجعل معيار الكرامة عند الله واحدًا أيضًا: من أحسن اتّخاذ الوقاية، لا من ورث نسبًا أو ثروة. وهذا يحوّل التقوى من فضيلةٍ فردية إلى معيارٍ اجتماعيّ عابرٍ لكل التمايزات الموروثة.
نموذجٌ خامس: شرط القبول
وتبلغ التقوى مكانةً أخرى حين يجعلها القرآن شرطًا في قبول العمل، لا في مجرّد أدائه. ففي قصة ابنَي آدم، حين قرّب كلٌّ منهما قربانًا، تقبّل الله من أحدهما دون الآخر، وجاء التعليل صريحًا على لسان المقبول قربانه: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٥:٢٧). لم يكن الفارق بين القربانين في حجمهما أو نوعهما، بل في حال قلب مُقدِّمهما: هل قدّمه متّخذًا الوقاية أساسًا لعمله، أم قدّمه خاليًا من ذلك الأساس؟ وهذا يضع التقوى في موضعٍ أسبق من العمل نفسه: فهي ليست ثمرةً تُجنى بعد العمل، بل شرطٌ يُنظَر إليه القلب قبل أن يُنظَر إلى العمل ذاته.
الشاهد النبويّ
روى الترمذي، من حديث أبي ذرٍّ ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما، أن النبيّ ﷺ قال: "اتّقِ اللهَ حيثما كنتَ، وأتبِعِ السيّئةَ الحسنةَ تَمْحُها، وخالِقِ الناسَ بخُلُقٍ حَسَنٍ"[5]. ثلاث وصايا متتابعة تلخّص التقوى العملية: مراقبةٌ لا تنقطع بتبدّل المكان، وتدارُكٌ فوريّ للخطأ بالحسنة الماحية، وحُسن خُلُقٍ في المعاملة يترجم الوقاية الباطنة إلى أثرٍ ظاهر بين الناس. فالتقوى في هذا الحديث ليست عزلةً عن الناس، بل هيئةٌ تصحب المرء في كل مكانٍ وتُصلِح خطأه وتُحسِّن خُلُقه.
قراءةٌ مقاصديّة
يلحظ عددٌ من العلماء أن القرآن قرن التقوى بأكثر التكاليف الشرعية عمومًا، لا بعبادةٍ بعينها؛ فالصيام شُرِع "لعلّكم تتّقون" (٢:١٨٣)، والقصاص فيه حياةٌ "لعلّكم تتّقون" (٢:١٧٩)، والحجّ فيه تعظيم شعائر "من تقوى القلوب" (٢٢:٣٢)، حتى القرآن نفسه أُنزِل "هدًى للمتّقين" (٢:٢). ويرون في هذا التكرار إشارةً إلى أن التقوى ليست غاية العبادات المتفرّقة كلّ على حدة، بل الغاية الجامعة التي تُقاس بها جدوى كل عبادة: فإن لم تُثمر العبادة وقايةً حقيقية للقلب، فقد أدّاها صاحبها بلا الروح التي شُرِعت من أجلها. وهذا يفسّر أيضًا لماذا اختار القرآن وصف الكتاب نفسه بأنه "هدًى للمتّقين": فالتقوى ليست ثمرة الهداية وحدها، بل شرطٌ في القابلية لها؛ فمن اتّخذ الوقاية أصلًا، ازداد بالقرآن هدًى.
ومما يُعمِّق هذه القراءة ما ذكره الحافظ ابن رجب الحنبليّ في شرحه لحديث "اتّقِ الله حيثما كنت" ضمن كتابه «جامع العلوم والحكم»؛ إذ لاحظ أن وصية النبيّ ﷺ الثالثة في الحديث — "وخالِق الناس بخُلُقٍ حَسَنٍ" — إنما هي من خصال التقوى نفسها لا وصيةٌ منفصلةٌ عنها، وأن "الجمعَ بين القيام بحقوق الله وحقوق عباده عزيزٌ جدًّا، لا يقوى عليه إلا الكُمَّل من الأنبياء والصدّيقين"[^د]. فالتقوى بهذا لا تكتمل بوقاية العلاقة مع الله وحدها، بل تمتدّ لتشمل وقاية العلاقة مع الناس أيضًا؛ من اتّقى الله في خلوته ثم أساء خُلُقه مع الناس، لم يكتمل له من التقوى إلا نصفها.
ثلاث حلقات لا حلقة واحدة
وإذا أراد المرء أن يرى التقوى مُتجسِّدةً لا مجرّد معنًى مجرَّد، فإن القرآن نفسه يرسم للمتّقين صورةً مركَّبةً من صفاتٍ متضافرة، لا صفةٍ واحدة. ففي مطلع سورة البقرة، بعد أن يصف الكتاب بأنه "هدًى للمتّقين"، يُبادر إلى تعريفهم: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٢:٣)؛ فأول ما يُذكر من صفاتهم غيبٌ يُصدَّق، وصلاةٌ تُقام، ومالٌ يُنفَق — علاقةٌ بالمجهول، وعلاقةٌ بالخالق، وعلاقةٌ بالمخلوق، ثلاثتها معًا لا واحدةً منها بمعزلٍ عن أخواتها. ثم تأتي سورة آل عمران فتزيد الصورة تفصيلًا: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ (٣:١٣٤)، فتضيف إلى الصورة إنفاقًا لا يتوقّف بتبدّل الحال، وغيظًا يُكظَم لا يُطلَق، وعفوًا يُمنَح لا انتقامًا يُؤخَذ. وتختم الآية التالية الصورة بأصعب صفاتها: من إذا "فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ" (٣:١٣٥) — فالمتّقي ليس معصومًا من الزلل، بل هو من إذا زلّ، سارع إلى ترميم الوقاية التي تصدّعت لا إلى الاستسلام لانهيارها. هذه الصفات مجتمعةً — تصديقٌ، وعبادةٌ، وإنفاقٌ، وكظمٌ، وعفوٌ، وأوبةٌ — هي الوجه العمليّ لكل ما ناقشه هذا المقال من استعارة الوقاية: فكما لا يكتمل الدرع بلوحٍ واحد، لا تكتمل التقوى بخصلةٍ واحدة.
البُعد التطبيقي المعاصر
يخلط كثيرون بين التقوى والتشدّد أو الانعزال، فيتصوّرون المتّقي إنسانًا مثقلًا بالممنوعات، منكفئًا عن الحياة. لكن الاستعارة المركزية التي كشفها هذا المقال تقترح صورةً مغايرة: التقوى ليست جدارًا يُحبَس خلفه الإنسان، بل قميصًا يرتديه ليتحرّك بحرّيةٍ أكبر لا أقلّ؛ فكما أن سرابيل الحرّ والبأس لم تمنع الإنسان من العمل بل مكّنته منه في ظروفٍ كانت ستمنعه لولاها، فإن التقوى تُمكِّن صاحبها من مواجهة إغراءات الحياة ومخاطرها بثباتٍ لا بانكماش. ومن اتّخذ التقوى وقايةً حقيقية، لا شعارًا يُردَّد، وجد كما وعد القرآن: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٦٥:٢) — مخرجًا من ضيق الحياة، لا مجرّد نجاةً من عقاب الآخرة وحدها.
خاتمة
من قميصٍ يقي من الحرّ، إلى درعٍ يقي من الطعن، إلى لباسٍ للقلب يقي من غضب الله، يستعمل القرآن الجذر اللغويّ نفسه بثباتٍ عجيب ليقول شيئًا واحدًا لا يتغيّر: أن التقوى ليست خوفًا يُقعِد صاحبه، ولا خشيةً تسكن قلبه فحسب، بل وقايةٌ يتّخذها الإنسان بفعله وإرادته، ثمرةً لعلمه بربّه، تصحبه في خلوته كما تصحبه في علانيته، وتكتمل بصفاتٍ متضافرة لا بخصلةٍ واحدة، كما يتّخذ قميصه في يوم الحرّ.
والله أعلم، وهو الموفَّق، لا ربَّ سواه.
الهوامش
- إحصاء ورود جذر «و ق ي» بصيغه الثماني موثَّق عبر معجم القرآن الإلكتروني corpus.quran.com. [2]: ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، مادة «وقي». [3]: أثرٌ مشهور عن أُبيّ بن كعب في تفسير التقوى لعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، أورده جمعٌ من المفسّرين عند تفسير أول سورة البقرة، منهم ابن كثير في تفسيره. [4]: رواه مسلم في صحيحه، رقم ٢٥٦٤، عن أبي هريرة رضي الله عنه. [5]: رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، عن أبي ذرٍّ ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما. [^أ]: ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، مادة «خوف». [^ب]: الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، مادة «خشي». [^ج]: تعريفٌ منسوبٌ إلى طلق بن حبيب التابعيّ، نقله ابن القيّم في «مدارج السالكين» واستحسنه جمعٌ من العلماء لجمعه بين الفعل الإيجابيّ والباعث القلبيّ. [^د]: ابن رجب الحنبلي، جامع العلوم والحكم، شرح الحديث الثامن عشر.↩
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.