أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
القرآن والحضارة

فلسفة الإصلاح في القرآن

من «الملأ» وفرعون إلى سورتي الفجر والبلد: الفساد يبدأ من حرمان الفقير، والإصلاح من الوعي وإعداد الأبناء

د. أحمد أبو سيف•٧ نوفمبر ٢٠٢٥•6 دقائق قراءة
المناسبة: خلاصة خطبة جمعة أُلقيت في AIA Masjid بتاريخ 7 نوفمبر 2025مالمصدر: تفريغ خطبة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

الحمد لله الذي بيده مقاليد السماوات والأرض وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ونبيه ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سلك سبيله إلى يوم الدين. أما بعد:

فقد حيّا الله هذه الوجوه المتوضئة الساعية إلى رضوانه، وكتب خطانا إلى بيوته خطًا إلى الجنة، وجعل ذلك كله في موازين الحسنات.

من هم الملأ؟

كلمة «الملأ» عند الناس جموع الخلق، أما في القرآن فلها دلالة خاصة جدًّا: هم الصفوة والنخبة، من في قمة القمة، تتوزع أماكنهم بين سدّة الحكم وخزائن الملك ومواطن القرار.

فرعون لما استشعر نداءً يسيرًا من موسى عليه السلام كانت ردة فعله أكبر من اللازم، منفعلةً إلى حدٍّ غير منضبط. قال الله: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ ۝ إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ۝ اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ﴾ [النازعات: 15-17]. ولاحظ اللفظ: «اذهب» لا «انطلق». وبينهما فرق في تصوير المشهد؛ فموسى ذاهبٌ على قدميه. ومع ذلك أزعج هذا التصرف البسيط فرعون.

والملأ يستحوذون على مفاصل الدولة فلا يخرج شيء من تحت أيديهم، فهم أصحاب القرار الأوحد، لا الأول فحسب، وهناك فارق كبير بين الوصفين. ولذلك تُعبّر الجملة القرآنية عن حال ذلك الرجل: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: 38]. العلم محتكَر عليه وحده، وليس لأحد أن يفتح عقله فيتساءل، أو ينظر في مآلات الأمور. ومن صفات الملأ كذلك التحكم في مقادير الناس وأقواتهم، يمنحونها ويحبسونها في الوقت الذي يناسبهم.

ما الذي يفسد المجتمع؟

ماذا يحدث حين يجوع المحتاجون؟ الناس يعملون ويقتاتون من رواتبهم، فإذا تأخر الراتب أيامًا اشتد الضيق، فكيف إذا تأخر شهرًا؟ هنا قد يتحول الجوع إلى كسر زجاج السيارات وسرقتها وانتهاك حرمة البيوت، وتبدأ مرحلة من حرب العصابات والاختلاس. هذه كارثة بكل ما تحمل الكلمة من معنى.

فالله سبحانه لما رتّب الفساد على أمرٍ، رتّبه على هذا: ﴿كَلَّا ۖ بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ۝ وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ ۝ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا ۝ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ۝ كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ [الفجر: 17-21]. وقد يسأل سائل: ما صلة هذا بيوم القيامة؟ لماذا جاءت «دُكَّتِ الأرض» عقب حرمان الفقراء؟ إن اختيار الألفاظ في القرآن مناسب للسياق، وحرمان الفقراء من أقواتهم المعتادة يترتب عليه دكٌّ للأرض؛ لأن الفساد ينتشر أسرع مما يتخيل الناس، فإذا انهار الخلق انحلّت الروابط بين الناس وضاع المجتمع.

ثم تأتي سورة البلد التي تلي الفجر، فيحدثنا ربنا عن العقبة: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ۝ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ۝ فَكُّ رَقَبَةٍ ۝ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ۝ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ۝ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ۝ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: 11-17]. ولا أحصر الآيات في النظر إلى الآخرة، فالدنيا مقدمةٌ لها. وهذه الآيات تقول إن أحدنا لا يبلغ مرحلة الإيمان إلا إذا أحسّ بالمحتاجين حوله، وعاش حالهم، ومدّ إليهم يده؛ أطفالٌ يبكون من الجوع والظمأ، وعيالٌ لا تجد ما تأكل.

وفي سورة الماعون: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ۝ فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ۝ وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الماعون: 1-3]. ولم يقل: ولا يُطعم، بل قال: ولا يَحُضّ. فعندنا في الأمر مرحلتان: جريمةٌ في ألّا تعطي الفقير، وجريمةٌ توازيها أن تعلم بمحتاجٍ ولا تتصل بفلان وتقول له: أدرك فلانًا فإنه محتاج. قد لا أكون دفعت، لكني حضضتُ غيري على الدفع.

بين الغفلة والوعي

وقد كنّا نعتب على أنفسنا أننا لم ندخل المعترك السياسي منذ عشرات السنين في هذه البلاد، ونلوم بعضنا، ونعاتب أنفسنا أنه ليس لنا من المسلمين في مواقع الحكم والتمثيل، صغيرها وكبيرها، العدد الكافي. نحن مستريحون كما نحب، ليست لدينا همّة لأن الغاية لم تتصوّر عندنا بعد. وفي هذا حديثٌ يطول عن موارد المسلمين وما يمكنهم أن يصنعوه إذا فكّروا بوعيٍ أوسع وعمقٍ أكثر وإحاطةٍ بالأمور. ومن يعيش على أرض هذا البلد فالوعي بمجريات أموره فريضةٌ عليه، والغدُ الأفضل مطلوبٌ، والمستقبل قريب، واليقظة مطلوبة.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

أعدّوا أبناءكم لقيادة الغد

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ونبيه ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد:

فأعدّوا أبناءكم ليكونوا قادة المستقبل. لا تغلقوا عليهم الأبواب، ولا تحجروا عليهم المسارات، ولا توقفوهم عند حدود العمل التقليدي الذي صار للذكاء الاصطناعي فيه بديلٌ في كل أحواله. فالعمالة اليدوية اليوم لم تعد بتلك القيمة التي كانت بالأمس، والذكاء الاصطناعي أقعد الناس عن مواقعهم بمجرد وجوده. فإن لم نُطلق أبناءنا حتى ينفتحوا على الدنيا بقوا بجوارنا جالسين ننفق عليهم ونطعمهم، حتى إذا بلغوا حدًّا خرجوا عن أيدينا وانطلقوا إلى الحرام من حيث لا ندري، ونعوذ بالله من ذلك.

وأوصي نفسي وإخواني بأن المستقبل إن كان لدين الله فلا بد له من عمّال، وأن من يتخلى عن المسؤولية بقدرها لا يستحق نصر الله بقدرها. فاعملوا على ذلك، وأعدّوا أبناءكم لغدٍ أفضل لدين رب العالمين.

لماذا نتأخر؟

والصورة المقيتة التي كانت تُصدَّر للعالم تسقط الآن عن وجوه أصحابها، والناس يبدون وعيًا وإنصاتًا لصوت الحقيقة والصراحة والوضوح أكثر من ذي قبل. وليس هناك سبب يجعلنا ضعفاء بأي شكل: فالحياة واحدة والموت لا يأتي مرتين، والجنة تنتظر على عتبة موت كل واحد منا. فإن صدقنا في ذلك فهو غاية وهدف، وما دونه نفاقٌ مقيت: نأتي المساجد لنصلي ثم نخرج منها لفعل المعصية. وأعدّ من أكبر المعاصي التي نمارسها التخلي عن الحق وعدم الوقوف بصلابة أمام كل باطل.

واسمعوا قول الله في سورة الفجر: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ۝ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ۝ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ۝ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ ۝ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ ۝ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ ۝ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ۝ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ۝ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: 6-14]. يحدثك عن سلطانٍ لا يجترئ عليه أحد، ثم لا يصبّ عليهم إلا «سَوْطَ» عذاب. فإذا كان هذا السوط وحده، فما ظنك بالعذاب كله؟ إن ربك لبالمرصاد.

فأين المشكلة؟ ولماذا هذا التخلف عندنا؟ لأن الواحد منا أغلق عقله على قضية ضئيلة جدًّا، نظر من خلالها إلى نفسه وذاته، ولم يلتفت إلى من حوله: ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ۝ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر: 15-16]. حدود نظري ما دخل لي اليوم وما أنفقت اليوم، مشغولٌ بحالي، وذلك مصيبة جلّ المسلمين في العالم. كلٌّ مشغول بموارده الشخصية، وما جاءه من رزق، وما أضجره من كلمة، وما تأثّر به. كلٌّ منا نصّب نفسه إلهًا بين يدي رب العالمين يريد أن يقتنص حقه من الله ويقول: أعطني فأنا الوحيد الذي أستحق. سبحان العلي القدير.

اللهم ردّ المسلمين إلى دينهم ردًّا جميلًا. اللهم هيّئ لأهلنا في فلسطين أمر رشد، وعزًّا وسلطانًا ومنعة، يا رب العالمين، اللهم غلّبهم ولا تُغلِّبْ عليهم، ومكّن لهم ولا تمكّن منهم. اللهم ثبّتهم وأعنهم واربط على قلوبهم. اللهم لطفًا بأهلنا في السودان، اللهم احقن دماءهم، وكن على كل ظالم جبار متعدٍّ برحمتك ولطفك. اللهم اجعل أولادنا قادةً ورُوّادًا لهذا البلد، حافظين دينهم، حاملين لواء إسلامهم. اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ