أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
القرآن والحضارة

موقعنا من الإعراب؟

من «غُلبت الروم» إلى وحدة الصف: سؤال الموقع والمرجعية والأخوّة

د. أحمد أبو سيف•٣ أبريل ٢٠٢٦•7 دقائق قراءة
المناسبة: خلاصة خطبة جمعة أُلقيت في AIA Masjid بتاريخ 3 أبريل 2026مالمصدر: تفريغ خطبة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله ﷺ. وبعد:

فالعنوان سؤالٌ مأخوذ من لغة النحو: ما محلُّنا من الإعراب؟ ويكفي أن تسمعه حتى تدرك مرادَه: أين نحن؟

قد يبدو في الكلام تكرار، لكن القرآن نفسه كرّر على الأسماع الأمر بالتوحيد لأهميته، وكرّر معه، تأكيدًا وتأصيلًا، شأنَ صناعة الأمة: دلالتها ومعناها وأثرها. ومن هنا هذا السؤال.

نأتي متأخرين

أرى، مرةً بعد مرة، أننا مجتمعٌ مسلم في بلاد الغرب نأتي متأخرين. إن جئنا فليس لنا سبقٌ في صناعة الحدث، ولا ملاحقةٌ لاستدراك خطأ، ولا استراتيجية محددة نصوغ بها الواقع بقدر ما نملك.

فإن قلتَ: وما الذي نملك؟ فأجيبك: إحصائية واحدة تخبرك بعدد المسلمين في هذا البلد ونسبة انتشار الإسلام فيه وعدد المنتمين إليه نفسيًّا أو انتماءً حقيقيًّا. وما يخرج من أموال الزكوات والتبرعات مؤشرٌ على حجم الثروات المسلمة هنا. كل ذلك يعطيك انطباعًا عن قوة الكيان المسلم في بلاد الغرب. ويبقى السؤال نفسه: أين نحن؟ وما موقعنا من الإعراب؟

حين يُتَّهم المسلم في انتمائه

ويبقى سؤالٌ ملحٌّ على ذاكرتي: متى نحسن التصرف أمام كلمات نُتَّهم بها؟ أولها أنك تنتمي إلى الإسلام أكثر مما تنتمي إلى أمريكا. وهذا اتهامٌ يُوجَّه إليك، وصاحبه لا يدرك أن انتماءك إلى الإسلام يفرض عليك فرضًا إلزاميًّا الانتماءَ إلى الأرض التي تعيش عليها، بل إلى الأرض كلها، فتعدّها جزءًا من المسؤولية التي تشغل عقلك وقلبك. ذلك دينٌ يفرض عليّ منذ البداية أني خليفة لله في الأرض، وأني أمدّ يدي بالتعاون مع كل من كان هدفه الإصلاح وإحداث تغيير جاد جذري في هذه الحياة.

سورة الروم: عقلٌ يتجاوز جبال مكة

تنزل آيات على النبي ﷺ في بداية العهد المكي، يحدّثه ربه فيها بقوله: ﴿الم﴾ [الروم: 1]. وحين أسمع هذه الصدارة أنتبه إلى أن القضية خطيرة، فإذا بالسورة تفتتح بحروف مقطعة، وأقف أمامها فأجتهد في نطقها نطقًا صحيحًا وكأني أتعثر عند الدخول لأنتبه إلى خطوي بعد ذلك. ثم أجدني أمام هذا الخبر:

﴿غُلِبَتِ الرُّومُ ۝ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ۝ فِي بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ۝ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم: 2-5]

تأمّل من يتلقّى هذا الكلام: نفرٌ قليل حول محمد بن عبد الله ﷺ، غاية أمانيهم في ذلك الوقت أن يُحسنوا إقناع مثل أبي جهل والوليد، فهؤلاء تصوراتهم عن الحياة تقف عند سقف إسلامهم: إن أسلموا فقد استرحنا. هذا ما أتصوره من عقلية ناس نشؤوا بين الأغنام والماشية ووسط الجبال، لا يكاد أحدهم يرى ما وراءها. ثم يأتي الإسلام ليحدّثهم عن الروم! ما الروم؟ ما هذا المصطلح الجديد على مسامع جلّ الناس، إن لم يكن كلهم؟

وكأن ربّ العزة يصنع عندهم معادلات جديدة في صياغة هذا العقل الإنساني، ينقله من التفكير الفردي إلى التفكير الجمعي. فهناك من يشاركك بطرف من خيط: أهل الكتاب. وهؤلاء أنفسهم سيقول القرآن عنهم بعد حين: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: 17]، وسيقول: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: 73]. ولكي تحصر المعادلة في ذهنك: أن تستقبل هذا الكلام، وأن ترفض هذا الكلام، وهم الأشخاص أنفسهم. لكن ربي يعلّمني متى أجتمع ومتى أفترق، متى أتحد ومتى أبتعد، وكيف يكون تقدير الموقف على قدر المقام.

مثلُ ذلك أن تغضب على ولدك لأنه أفسد وتنكّر للثوابت واعتدى، فتغضب عليه إلى حد أن تطرده من البيت. ثم يأتيك هاتف بعد حين: ولدك في المشفى، وقد تعرّض لحادث. هذا الذي كنت تحقد عليه بالأمس، فما ردّ فعلك اليوم؟ تلهث وراءه، وتجتمع معه في الأصل ولو من بعيد، فكيف إذا كان بينكما رحم؟ فإذا طاب وتعافى ووقف على قدميه عدتَ تقول: بيني وبينك فراق. لقد أنكرتَ عليه صنيعه، لكنك لم تنكر عليه أصل الصلة التي ينبغي أن تبقى.

فالروم تصنع عندي العقل الذي يتجاوز آفاق مكة وحدودها وجبالها وأوديتها إلى ما وراءها. ثم يعلّمني ربي بلفظ ﴿بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: 4] أن الزمن جزء من العلاج، وأن الغايات لا تتحقق فور طلبها، وإنما لا بد لها من صبر وجهد وقول وطاقة.

أين مرجعيتنا؟

وأتساءل: أين مرجعيتنا؟ أين مرجعيتنا الشرعية؟

فإن قال أحدهم: الأزهر الشريف، قلت: نعم، وما أدراك ما الأزهر الشريف! لكنها ليست مرجعية كلية يعتدّ بها بعضهم ولا يعتد بها آخرون. فمن الناس من يرفض الرجوع إليه لأنه أشعري المذهب في العقيدة عندهم، ومنهم من يرى الصوفية لا يصلحون لإمامة الدين ولا الدنيا، فيرجعون خطوات إلى الوراء. أين المرجعية التي تجمع المسلمين في أمريكا وأوروبا وفي أي مكان من أرض الإسلام؟ ليس لأهل السنة مرجعية جامعة. فما دورك أنت؟

وحدة الصف في سورة الروم

يقول ربنا وهو يعلم علمنا: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم﴾ [الروم: 8]. وأنا هنا أمام مسألة الوحدة، وأختصر. قال سبحانه في السورة نفسها:

﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ۝ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ۝ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: 30-32]

أفهم أن المشركين هم الذين يشركون بالله، غير أن ربي يضع لي هنا تعريفًا آخر للشرك ووصفًا لأتباعه: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الروم: 32]، أي أحزابًا، كلٌّ منهم ينظر إلى نفسه أنه صاحب النجاة الأوحد، وأنه صاحب الجنة وغيره صاحب النار. هذا هو المنطق المقلوب، وهو مقلوب بالنظر إلى ما تضمنته السورة.

فالسورة نفسها تعرض التنوع آيةً من آيات الله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ﴾ [الروم: 20]، والتراب في ذاته متنوع في مادته وبيئاته، منه الأحمر ومنه الأسمر. ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21]، وقد لا تحسنون صناعة المودة لما في أصل التركيب من اختلافات: أنا لست مثلها، وهي ليست نسخة مني، فجاء المدد من السماء. ثم يرينا نماذج الاختلاف: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [الروم: 22]، ﴿مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ﴾ [الروم: 23]، ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الروم: 24].

هذا التنوع الحاصل في الكون يمثّل التنوع الحاصل بيننا. فمتى يستوعب بعضنا بعضًا؟ ومتى نلتئم؟ ومتى نشعر بالألفة بيننا أفرادَ مجتمعٍ يصلي في مسجد، أو ينتمي إلى مذهب، أو يريد أن يحيي سنّة؟

الأخوّة فرض لا خيار

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والعاقبة للمتقين. وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين، وأن محمدًا عبده ورسوله ﷺ.

عباد الله، إن الله تبارك وتعالى فرض علينا أخوّة، وليست مسألة اختيارية: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء: 92]. ليس لك خيار في هذا. وللأزمات أحوالها التي تفرضها علينا، وبعد أن تنقشع نعود إلى مواطن النقاش والاختلاف.

وإنّ ما يقال من سبّ لصحابة النبي ﷺ واتهامٍ لأم المؤمنين رضي الله عنها هو المِعْوَل الذي تنهدم به صمّامات الأخوّة كلها. وهناك من يعلم ذلك، ومن لا يريد جمعًا ولا وحدة. فإن غابت عن أذهاننا هذه المفاهيم ضيّعنا ديننا. ولا أقول: ضِعنا، فنحن لا شيء، وإنما الدين هو الذي يأمرك أن تحفظ البلد، وأن تصون دماء الناس وأحوالهم.

اللهم إنا نسألك أن تحفظ دماء المسلمين الموحدين في كل موطن من مواطن الأرض، وأن تقيل عثراتنا، وأن تثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه. تولَّنا والطف بنا واعفُ عنا وتجاوز عن سيئاتنا. آمين يا رب العالمين.

كلمة عن المسجد

وقبل أن أختم: لا تنسوا مسجدكم هذا، فله نفقاتٌ من الكهرباء والماء وغيرهما. وأنا أعلم ظروف الناس وأنا واحد منكم، أعاني مما تعانون، ونسأل الله السلامة. فمن جاد فإنما يجود على نفسه، ومن تصدّق لبيت الله فإنما يعمّر جزءًا من هذه المعمورة. سلّم الله الخطوة، وبارك السعي، ورضي عن الجهد، وتقبّل الله منا.

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ