أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
العودة إلى الخواطر
خاطرة · الفَجر

هندسة العلاقة بين الزوجين

الرضا بين الزوجين صنعةٌ داخلية، ووقفات مع مطلع سورة التحريم في بناء البيت وحفظه.

د. أحمد أبو سيف•٢٣ يونيو ٢٠٢٦•5 دقائق قراءة
الفيديو الأصلي للخاطرة
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 23 يونيو 2026م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، [مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب](https://www.youtube.com/watch?v=3tqgagscQxQ)

السلام النفسي بين الزوجين أمرٌ يصنعه الإنسان بإرادته، أو يهدمه بإرادته. وفي الآيات التي تُليت علينا في صلاة الفجر يخاطب ربُّ العالمين سبحانه وتعالى نبيَّه ﷺ فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، وهذا سؤال أول. ثم يأتي الثاني: ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾. فابتغاءُ مرضاة الزوجات مسألة نفسية عند النبي ﷺ، أي أنه يريد أن يُرضي أزواجه، والرضا شيء يصنعه الإنسان في داخله، فيرى في الجانب الآخر كل شيء جيدًا، أو يرى فيه كل شيء سيئًا.

القضية ذاتية في داخلك

ونحن نتكلم عن الطرفين في وقت واحد، فلا تقولي إنني متحيّز للرجال، وإن كنت قد أبدو كذلك. وموضع الشاهد أن القضية ذاتية في داخلك: ما الذي تريد أن تراه؟

عندنا في العربية مثل مضروب يقول: «عَيْنُ الرِّضَا عَنْ كُلِّ عَيْبٍ كَلِيلَةٌ، وَلَكِنَّ عَيْنَ السُّخْطِ تُبْدِي الْمَسَاوِيَا»[1]. تأمّل حالك حين تكون راجعًا إلى البيت ومزاجك رائق، فرحان لأنك نلت علاوة في العمل، أو ربحت في صفقة معيّنة، فتدخل البيت ومعنوياتك عالية جدًّا، فترى زوجتك ملاكًا هبط لتوّه من السماء، وتحدّثها من هذا المنطلق، والأولاد مسرورون وأنت راضٍ عنهم، بل راضٍ عن الكون كله. فإذا رجعتَ متضايقًا لأن أحدًا آذاك، أيًّا كان، لم تعد ترى الناس أصلًا؛ لا تحسن أن تراهم، وليس هذا بعيوبهم فحسب، بل صار كل ما يصدر عنهم مغضبًا لك، حتى لو أرادوا إرضاءك.

فالقضية داخلية في المقام الأول: ما الذي تريد أن تصنعه؟ هذا من ناحية المشاعر.

من ناحية العقل والمقاصد

فإذا انتقلنا إلى مرحلة العقل والمقاصد، فأنت قادر على معرفة عيوب من أمامك. والسؤال: هل ينبغي ألّا تكون فيهم عيوب؟ والجواب: إذا خلصتُ أنا من العيوب فسوف تخلص امرأتي من العيوب. وما دمتُ معيبًا بطبيعتي الإنسانية، في الخير وفي الشر، وفي الصواب وفي الخطأ، وفيما يجمّلني وفيما يسوؤني، فكذلك الطرف الآخر.

غير أن اختلاف الطبائع يؤدي إلى اختلاف محلّ النظر. فالرجل ينظر في نصفه الآخر إلى مواطن الجمال والتزيّن، وحسن الكلمة والتواضع في القول، واليد الصانعة لطعام ماهر، والعقلية الذكية التي تتعامل مع المواقف، وما إلى ذلك. والمرأة تنظر في شقّها الآخر إلى الرجولة والقوامة والقوة في المواقف، وإلى لينه معها بإرادته وهي تعلم أنه قادر على غير ذلك، وما إلى ذلك.

فصار عندنا، اختصارًا للقول، شقّان في المسألة: الشق الأول ما الذي تريده أنت، والشق الثاني ما الذي تصنعه أنت. فمن أراد لنفسه سعادة ابتغى مرضاة أزواجه. ثم يقول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.

ما الذي يستدعي المغفرة والرحمة؟

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. لماذا هنا غفور رحيم؟ ما الذي يستدعي مغفرةً ورحمة؟ إن قوله ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يقع لما يصدر فيما بينكم، ولا يُشترط أن يكون المخاطَب به رسول الله ﷺ وحده. فعندنا موقف حدث من الطرف الآخر؛ فقد كان من اثنتين من أمهاتنا رضي الله عنهن ما استدعى أن ينزل القرآن الكريم، حتى إن الله تعالى يقول: ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ…﴾[2].

تأمّل هذا المشهد: موقف يستدعي كل هذه التعبئة، أن يكون الله سبحانه وتعالى ظهيرًا للنبي محمد ﷺ، أو للزوج في مثل هذا الموقف؛ ليس الله وحده، بل جبريل، وصالح المؤمنين، والملائكة. كأننا ذاهبون إلى حرب! تخيّل هذا الحشد الذي يدفع الله تبارك وتعالى به عن نبيه ﷺ. وإن شئت فاسحب الكلام على مجتمع المسلمين والمسلمات: فأنت تتكلم عن زوج، عن موقف ولو بسيط، وربي سبحانه وتعالى يتحدث عن العلاقة بين الزوجين على أنها الحصن المتين الذي إذا صلح صلحت الأمة كلها، وإذا فسد فسدت الأمة كلها.

توزيع المهام: عقل الرجل وقلب المرأة

فما المطلوب؟ إن توزيع المهام هنا في السورة الكريمة، حسبما وصف رب العالمين سبحانه وتعالى، أنه يكلّم الرجل في عقله. وهذه عملية قلبية أم عقلية؟ إنه فنُّ إدارة المواقف: حدِّث المرأة في قلبها، وحدِّث الرجل في عقله. فالمرأة تُخاطَب في قلبها: ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾، أي إذا خرجت المشاعر عن إطارها المعهود وتجاوزت الحد، فسيكون هناك حشدٌ مضاد.

ثم انظر إلى أنماط الخطاب هنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾. ما دلالة هذه الوقاية؟ وهل هي وقاية عقلية أم نفسية؟ المطلوب من الرجل والمرأة، وهما في خندق واحد، أن يجتمع ذلك العقل الأتمّ وهذا القلب الأوعب، ليحيطا بهذا الكيان الأسري ويحفظا مستقبله. تلك منظومة الإسلام، وهي ترسم خطَّ سير الحياة الزوجية.

كفرٌ في سياق الزوجية

والعجيب في الموقف قولُ الله تعالى، والقرآن عجيب جدًّا جدًّا، سبحان الله! يقول ربنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، ثم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ…﴾. أترون أننا نسير في السياق نفسه، في حادثة بين رجل وامرأة، بين النبي ﷺ وإحدى زوجاته؟ نحن نرى أن الكلام كَبُر قليلًا من هنا.

فما وجه إدخال الكفار هنا؟ يرى الدكتور أحمد أن الكفر هنا لا يُشترط أن يكون المراد به كفرَ نعمة الله أو كفر الجحود بالله، وإنما هو كفرُ نعمة الله في وجود زوجية قائمة يريد أحد الطرفين هدمها، أو على الأقل لا يحترم وجودها. فكأنه نوعٌ من الكفر من نوع آخر: كفرٌ بما سدّ اللهُ تبارك وتعالى به هذا الثغر في مجتمع المسلمين وعالم الإسلام، أن أوجد أسرة متكاملة الأركان، لكن أحد الطرفين لا يعبأ بنعمة رب العالمين عليه في ذلك، فكأن ربنا سبحانه وتعالى يسميه كافرًا بالنعمة.[3]

توبة فردية وتوبة مجتمعية

والعجيب فيما يأتي أن يقول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ…﴾. ونحن حين نتكلم عن التوبة نجد نوعين: توبة فردية، وتوبة مجتمعية. التوبة الفردية هي ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ﴾، يتوبون من الأمور التي تحدث من الأفراد. لكنّ هنا توبةَ مجتمع، وكأن رب العالمين سبحانه وتعالى يحذّر من أن ينتشر الفشل الأسري الموجود في بيت واحد إلى بقية المجتمع.

الدعاء

إن الله تبارك وتعالى يريد لهذا البيت المبارك سياجًا يحميه. فاسألوا الله عز وجل أن يحفظ عليكم بيوتكم آمنةً مستقرة، وأن يريَكم من أزواجكم ما تسرّ به الأعين، وتطمئن له القلوب، وتهدأ به النفوس، وأن تمتلئ الأعين بالرضا عن شريك الحياة من كلا الطرفين، ولا تنصرف إلى آخر. اللهم آمين.

--- [1]: توثيق المحرر: «عين الرضا عن كل عيب كليلة…» بيت شعر سائر أورده المتحدث مثلًا عربيًّا، ويُنسب إلى عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر، ويُنسب كذلك إلى الإمام الشافعي. [2]: توثيق المحرر: الآيات من سورة التحريم: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ…﴾ و﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ (الآية ١)؛ والمتحدث ذكر الآية الرابعة مجملةً وانتهى عند «والملائكة»، وتمامها ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ﴾ (الآية ٤). وذكر ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ…﴾ (الآية ٦) و﴿لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ…﴾ (الآية ٧) و﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا…﴾ (الآية ٨). أما ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ…﴾ ففي سورة النساء (الآية ١٧). [3]: توثيق المحرر: هذا فهمٌ خاص بالمتحدث. والآية (التحريم: ٧) خطابٌ للكفار يوم القيامة كما قال ابن كثير: «يقال للكفرة يوم القيامة: لا تعتذروا فإنه لا يقبل منكم».

اسأل الشيخ