الفتوى في زمن التَّحوّل الرَّقميّ
من أَهليّة المُفتي إلى مَنظومة الإفتاء
تَطوير لبَحث محكَّم — مَجمع فقهاء الشَّريعة بأمريكا (AMJA)
مايو ٢٠٢٦
مَشروع نَشر متعدّد الطَّبقات
283
ثنائي اللغة
ملخَّص البحث
بحثٌ يُطوِّر ويُوسِّع بحثاً محكَّماً قُدِّم لمؤتمر الأَئمّة الخامس عشر لمَجمع فقهاء الشَّريعة بأمريكا (AMJA) عام 2018، ليُجيب على أَسئلة عَصرنا الجَديدة: كيف نَتعامل مع الإفتاء في عَصر الفيديو القَصير والذَّكاء الاصطناعيّ التَّوليديّ؟ يَتكوَّن البحث من عَشرة فصول في ثَلاثة أَقسام (التَّأصيل، التَّحوّل، المقترحات)، يَطرح فيها المؤلّف خَمسة مَفاهيم أَصيلة لم تَكن مَعهودة: تَعريف «الفوضى الرَّقميّة»، «المؤهّلات المركّبة للمُفتي المعاصر»، «المرتبة السابعة المعاصرة (المُجتهد الجَماعيّ المؤسّسيّ)»، «فقه المآلات الرَّقميّة»، ومدوّنة استخدام الذَّكاء الاصطناعيّ للمُفتي. ويَختم البحث بـ«خارطة طريق» بعَشر مَبادرات عمليّة قابلة للتَّنفيذ مرتَّبة على ثلاثة مدَيات: عاجل، متوسط، بعيد.
النص الكامل
⏱ 142 دقيقة قراءةبحثٌ أكاديميٌّ مُحكَّم، يُطوِّر ويُوسِّع بحثًا قُدِّم إلى مؤتمر الأئمّة الخامس عشر لمجمع فقهاء الشريعة بأمريكا (AMJA) عام ٢٠١٨م. من أهليّة المفتي إلى منظومة الإفتاء. إعداد: د. أحمد محمد أبو سيف، رئيس أكاديمية الأئمة الأمريكية، دكتوراه التفسير وعلوم القرآن — جامعة الأزهر. (مايو ٢٠٢٦م / ذو القعدة ١٤٤٧هـ).
مُستخلَص البحث
يعالج هذا البحثُ سؤالَ الإفتاء في الفضاء الرقميّ المفتوح، منتقلًا من سؤال «أهليّة المفتي» إلى سؤال «منظومة الإفتاء». يطرح المؤلّفُ خمسةَ مفاهيمَ مضافةً إلى التراث الأصوليّ: تعريفَ «الفوضى الرقميّة» بأركانها وأبعادها، و«المؤهّلات المركّبة للمفتي المعاصر»، و«المرتبة السابعة المعاصرة: المجتهد الجماعيّ المؤسّسيّ»، و«فقه المآلات الرقميّة»، ومدوّنةَ استخدام الذكاء الاصطناعيّ. ويعتمد منهجًا ثلاثيًّا يجمع الاستقراءَ التحليليّ، والمقابلاتِ شبهَ المهيكلة مع اثني عشر من الأئمّة والمفتين في الواقع الأمريكيّ، والمنهجَ المقارنَ بين المنظومات الإفتائيّة. ويخلُص إلى أنّ الذكاء الاصطناعيّ أداةٌ معزِّزةٌ للمفتي لا بديلٌ عنه، وأنّ معالجة فوضى الإفتاء الرقميّ تقتضي اجتهادًا جماعيًّا مؤسّسيًّا، ويُختَم بخارطةِ طريقٍ من عشر مبادراتٍ عمليّةٍ في ثلاثة مديات. والبحثُ امتدادٌ لمنهج التراث في استيعاب النوازل لا خروجٌ عليه.
الكلمات المفتاحية: الفتوى الرقميّة، أهليّة المفتي، الفوضى الرقميّة، المجتهد الجماعيّ المؤسّسيّ، فقه المآلات الرقميّة، الذكاء الاصطناعيّ، فقه الأقلّيّات، منظومة الإفتاء.
Abstract
This research addresses the question of issuing fatwa in the open digital sphere, shifting from the question of "the mufti's eligibility" to that of "the fatwa ecosystem." The author introduces five concepts added to the uṣūlī tradition: a definition of "digital chaos" with its pillars and dimensions; the "compound qualifications of the contemporary mufti"; the "seventh contemporary rank: the collective institutional mujtahid"; the "jurisprudence of digital consequences"; and a code of conduct for the use of artificial intelligence. It employs a triangulated method combining analytical induction, semi-structured interviews with twelve imams and muftis active in the American context, and a comparative review of fatwa ecosystems. It concludes that artificial intelligence is an augmenting tool for the mufti, not a substitute, and that addressing digital fatwa chaos requires collective institutional ijtihād; it ends with a practical roadmap of ten initiatives across three timelines.
Keywords: digital fatwa; eligibility of the mufti; digital chaos; collective institutional mujtahid; jurisprudence of digital consequences; artificial intelligence; fiqh of minorities; fatwa ecosystem.
مُقَدِّمَة المؤلِّف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمد لله رَبّ العالَمين، والصَّلاة والسَّلام عَلى نَبِيِّنا محمَّد، وعَلى آله وصَحبه أَجمَعين، ومَن تَبِعَهم بإِحسانٍ إلى يَوم الدّين. وبَعد:
لَحظة ٢٠٢٦ ـ ما الذي تَغَيَّر؟
في فبراير عام ٢٠١٨م، شارَكتُ في مؤتمر الأَئمَّة الخامس عَشَر لمَجمَع فُقَهاء الشَّريعة بأَمريكا (AMJA) في هيوستن ـ تكساس، ببَحثٍ عُنوانُه «الفَتوى بَين أَهليّة المُفتي وفَوضى الإفتاء». كان البَحث آنَذاك جَواباً عَن سؤالٍ يَفرِض نَفسَه بإلحاحٍ في زَمَنه: مَن لَه أن يُفتي في عَصر الفَضائيّات والمواقِع الإِلكترونيّة الأُولى؟ وقَد حُكِّمَ البَحث ونُشِر، وكان لحَظَتَه في زَمَنه، وبَلَغ مَقصِدَه يَومَئذٍ.
ثُمّ مَرَّت ثَماني سَنَواتٍ.
ولم تَكُن سَنَواتٍ عاديّة. في ٢٠١٩ ـ ٢٠٢٠م جاءَت جائحة كورونا، فدَفَعَت العالَم الإِسلاميّ ـ كَما دَفَعَت العالَم كُلَّه ـ إلى الفَضاء الرَّقميّ دَفعاً شَديداً. أُغلِقَت المَساجِد، وانتَقَلَت الخُطَب والدُّروس والفَتاوى إلى الشّاشات في أَيّامٍ مَعدودات. وما كانَ يَستَغرِق عَقداً مِن التَّحَوُّل الطَّبيعيّ، اختَصَرَتْه الجائِحَةُ في أَسابيع.
ثُمّ ـ في تِلكَ السَّنَوات ذاتها ـ انفَجَرَت منصَّات الفيديو القَصير: تيك توك، يوتيوب شورتس، إنستجرام ريلز. وأَصبَحَت الفَتوى ـ قَبل أَن نَلتَفِت ـ تَنزِل في ثَلاثين ثانية، بمؤثِّراتٍ سَمعيّة، تَحت ضَغط الانتِشار، يُلاحِقُها مَنطِق الخَوارزميّة لا مَنطِق الفِقه. وتَحَوَّل بَعض «المؤثِّرين الدّينيّين» مِن مَعروفي البَلَد إلى نُجوم عابرين للحُدود في أَشهُرٍ مَعدودات.
ثُمّ ـ في نوفمبر ٢٠٢٢م ـ ظَهَر ChatGPT. وفي شَهرٍ واحِدٍ فَقَط، تَجاوَز عَدَدُ مُستَخدِميه مئةَ مليون. وأَصبَح بإمكان أَيّ مُستَفتٍ أَن يَطرَح سؤالَه الشَّرعيّ عَلى آلَة، فتُجيبه في ثَوانٍ بنَصٍّ مَصقول رَصينٍ بصياغَته، فاسِد القَلب أَحياناً بمحتَواه. ولأَوَّل مَرَّةٍ في تاريخ هذه الأُمَّة، صارَ المُستَفتي يَجِد مُفتياً غَير بَشَريّ.
في وَجه هذه التَّحَوُّلات، أَدرَكتُ أنّ بَحث ٢٠١٨م ـ مَع وَفائِه بمَقصَده في حينه ـ لم يَعُد كافياً. التَّشخيص الذي قَدَّمتُه قَبل ثَماني سَنَوات كانَ لزَمَن الفَضائيّات والمَواقِع الإِلكترونيّة الكُبرى، لا لزَمَن الفيديوهات القَصيرة والذَّكاء التَّوليديّ. والمُقترَحات السِّتّ التي خَتَمتُ بها البَحث كانَت لمؤسَّسات الإفتاء التَّقليديّة، لا للمَنظومات الرَّقميّة المعقَّدة المتشابِكة.
مِن هُنا وُلِدَ هذا البَحث الجَديد. لَيس تَنقيحاً لبَحث ٢٠١٨م، بَل إِعادة نَظَرٍ في السؤال كُلِّه ـ بشكلٍ يُلائِم لَحظَتَنا الحاضِرة.
فَلسَفة هذا البَحث
يَنطَلِق هذا البَحث مِن قَناعةٍ مَنهَجيّة: أنّ التُّراث الأُصوليّ الذي وَرِثناه ـ في تَعريف الفَتوى، وشُروط المُفتي، ومَراتِب المُجتَهِدين، وآداب الإِفتاء ـ لا يَزال صالِحاً للاستِيعاب. لَيس الأَمر أنّ أَدَواتنا التُّراثيّة عاجِزة، بَل أنّها تَحتاج إلى إِعادة قِراءة لتُطَبَّق عَلى واقعٍ لم يَكُن في وُجوه الأَوَّلين.
ولكنّ الاستِيعاب يَحتاج إلى اجتِهاد. أي: تَطبيق هذه الأُصول عَلى نَوازِل لم يَخبُرها مَن أَنشَؤوها. والاجتِهاد المَطلوب اليَوم ـ أُحاجُّ في هذا البَحث ـ ليس اجتِهاداً فَرديّاً كَما عَهِدَ التُّراث، بَل اجتِهاداً جَماعيّاً مؤسَّسيّاً، يَستَوعِب تَعقيد المَسأَلة وسُرعتها وانتِشارَها.
ومِن هُنا، فإنّ الإِضافات في هذا البَحث ـ تَعريف «الفَوضى الرَّقميّة»، «المؤهِّلات المركَّبة للمُفتي المُعاصِر»، «المَرتَبة السّابِعة المُعاصِرة (المُجتَهِد الجَماعيّ المؤسَّسيّ)»، «فِقه المآلات الرَّقميّة»، ومدوَّنة استِخدام الذَّكاء الاصطناعيّ للمُفتي ـ ليست خُروجاً عَن التُّراث، بَل امتِداداً طَبيعيّاً لمَنهَجه المُتَدَرِّج في استِيعاب النَّوازِل.
جُمهور هذا البَحث
أَكتُبُ هذا البَحث وفي ذِهني أَربَعةُ أَصنافٍ مِن القُرّاء:
أَوَّلُهم وأَقرَبُهم: أَئمَّة المَساجِد والدُّعاة في الغَرب، الذين يَستَفتيهم النّاسُ يَوميّاً في نَوازِل لم يَعهَدها فِقهُنا المَوروث. هم جُمهوري الأَوَّل، وحالُهم هو الذي يَدفَعُني إلى الكِتابة.
ثانيهم: أَعضاءُ مَجامِع الإفتاء وهَيئاتها، الذين يُصدِرون الفَتاوى الجَماعيّة، ويُواجِهون تَحَدّي العَمَل المؤسَّسيّ في زَمَن انتِشار اللاّمؤسَّسيّة.
ثالثُهم: الباحِثون والأَكاديميّون في الفِقه والدّراسات الإِسلاميّة، الذين قَد يَجِدون في هذا البَحث مادّةً للنّقاش والتَّطوير ـ وأَرجو ذلك.
رابعُهم: المَكتَبات الجامِعيّة المتخصِّصة، التي تَحتاج إلى مَرجِعٍ يَضَع هذه القَضايا في سياقها المَنهَجيّ.
بِنية البَحث ـ خَريطةٌ للقارِئ
يَنتَظِم هذا البَحثُ في ثَلاثة أَقسامٍ مُتَنامية، يُغَذّي بَعضُها بَعضاً، ويَحمِل كُلٌّ مِنها وَظيفةً مُحَدَّدة في المَشروع الكُلّيّ:
القِسم الأَوَّل ـ التَّأصيل: ويَضُمّ ثَلاثة فُصول تَأسيسيّة، تُعيد قِراءة المَفاهيم الكُبرى للفَتوى والمُفتي والأَهليّة ومَراتِب الاجتِهاد ـ بصَوتٍ يَجمَع التُّراثيّ والمُعاصِر. هذا القِسم حامِل الأَثقال: مَن لم يَقرَأه لَن يَقتَنِع بمُقترَحات البَحث، ومَن قَرَأه سيَجِدها امتِداداً طَبيعيّاً لتُراثٍ عَريق.
القِسم الثّاني ـ التَّحَوُّل: ويَضُمّ أَربَعة فُصول تَشخيصيّة، تَفحَص ما تَغَيَّر في فَضاء الإِفتاء بَين ٢٠١٨ و٢٠٢٦ ـ مِن فَوضى الفَتوى الرَّقميّة، إلى أَخلاقيّات المنصّات، إلى ظُهور الذَّكاء الاصطناعيّ التَّوليديّ، إلى ما يَخُصّ الأَقَلّيّات المُسلِمة في الغَرب.
القِسم الثّالث ـ المُقترَحات: ويَضُمّ ثَلاثة فُصولٍ تَطبيقيّة، تَنتَقِل مِن المُفتي الفَرد إلى المَنظومة الإفتائيّة الجَماعيّة، ثُمّ تُقَيِّم مُقترَحات بَحث ٢٠١٨م السِّتّ وما تَحَقَّق مِنها بَعد ثَماني سَنَوات، ثُمّ تَختِم بخارِطة طَريقٍ عَمَليّةٍ تَتَضَمَّن عَشر مبادَرات قابِلة للتَّنفيذ، مُرَتَّبةً عَلى ثَلاثة مَدَيات: عاجِل، مُتَوَسِّط، بَعيد.
ويَختِم البَحثُ بخاتِمةٍ تَجمَع نَتائِجَه، وأَربَعةِ مَلاحِق: مَسرَد المُصطَلَحات، قائِمة المَراجِع الموسَّعة، مدوَّنة السُّلوك المُقترَحة للمُفتي الرَّقميّ، ودِراساتُ حالةٍ مِن الواقِع.
مَنهَج البَحث
اعتَمَدتُ في هذا البَحث عَلى ثَلاثة مَناهِج تَتَكامَل فيما بَينها:
أَوَّلُها: المَنهَج الاستِقرائيّ التَّحليليّ، عَبر مُراجَعة الفَتاوى الصادِرة عَن المنصّات الرَّقميّة وتَطبيقات الذَّكاء الاصطناعيّ، وتَحليل نَماذِجها وأَنماطها.
ثانيها: المُقابَلات شِبه المُهَيكَلة مَع اثنَي عَشَر مِن الأَئمَّة والمُفتين العامِلين في الواقِع الأَمريكيّ، يُمَثِّلون تَنَوُّعاً في الجِنسيّة والمَذهَب والخِبرة.
ثالثُها: المَنهَج المُقارَن، عَبر استِعراض المَنظومات الإِفتائيّة المؤسَّسيّة (AMJA، FCNA، AFA، المَجلِس الأُوربيّ، دار الإفتاء المِصريّة) واستِخلاص ما يَجمَعها وما يُفَرِّقها وشُروط نَجاحها.
ما يَدَّعيه هذا البَحث وما لا يَدَّعيه
لأَنّ الادِّعاء أَكبَر مِن الواقِع آفةُ الكِتابة المُعاصِرة، يَنبَغي أن أَكون صَريحاً مَع القارِئ في حُدود هذا البَحث:
هو لا يَدَّعي أنّه يُعيد هَندَسة وَظيفة العالِم الدّينيّ بإطلاق. هو يَنظُر في وَظيفةٍ مُحَدَّدة هي الإفتاء، في سياقٍ مُحَدَّد هو الفَضاء الرَّقميّ المَفتوح.
ولا يَدَّعي أنّه يَملِك الحَلّ الكامِل لكُلّ نَوازِل الإِفتاء الرَّقميّ. هو يَطرَح مَنهَجاً وتَوصيفاً، ويُقَدِّم مبادَرات قابِلة للنّقاش والتَّعديل.
ولا يَدَّعي أنّه يَنطِق باسم مَدرَسةٍ بعَينها أو جِهةٍ مُحَدَّدة. هو رَأيُ صاحِبه، يَتَحَمَّل أَوزارَه ويَنتَفِع بنُقادِه.
وما يَدَّعيه فِعلاً: أنّه فَحصٌ دَقيقٌ لتَغَيُّرات الفَضاء الإفتائيّ بَين عامَي ٢٠١٨ و٢٠٢٦م، واقتِراحُ مَنهَجٍ في إِصلاحها، وخارِطةُ طَريقٍ عَمَليّة. يُتاح للنِّقاش لا للتَّسليم.
شُكرٌ وتَقدير
لا يَسَعُني في خاتِمة هذه المُقَدِّمة إِلّا أن أُسَجِّل امتِناني لمَن أَعانَني عَلى هذا العَمَل:
لمَجمَع فُقَهاء الشَّريعة بأَمريكا (AMJA)، الذي استَضافَ البَحث الأَصليّ في ٢٠١٨م، وكان حِضنَه الأَوَّل، وعَلى رَأسهم أَعضاؤُه ومُحَكِّموه الكِرام.
لزُمَلائي العُلَماء والباحِثين الذين ناقَشتُ مَعَهم أَفكار هذا البَحث في مَجالِسَ كَثيرة، وأَهدَوني مُلاحَظاتٍ غَنيّة، وصَوَّبوا لي مَواضِع، وأَنبَهوني إلى زَوايا فاتَتني.
للأَئمَّة والمُفتين الاثنَي عَشَر الذين شارَكوني في المُقابَلات، وفَتَحوا لي ذِكرَياتِهم وخِبراتهم، وأَجابوا أَسئِلَتي بصَبرٍ وأَمانة. أَكثَرُهم رَغِبَ في عَدم ذِكر اسمه، فاسمحوا لي بشُكرٍ جامعٍ يَستَوعِبهم.
لأَهلي الكِرام، الذين تَحَمَّلوا انشِغالي بهذا البَحث عَلى مَدى شُهور ـ مِن غَير شَكوى. كَتَبتُ كَثيراً مِن هذه الصَّفَحات في أَوقاتٍ كانَت حَقَّهم.
ولأَئمَّة المَساجِد في أَمريكا الذين أَعلِّمُهم وأَتَعَلَّم مِنهم. كَثيرٌ مَمّا في هذا البَحث جاءَ مِن مُجالَسَتهم.
ولكُلّ مَن سيَقرَأ هذا البَحث بعَين النّاصِح، ويُرسِل مُلاحَظاته لتَحسين الطَّبَعات القادِمة. فإنّ هذا العَمَل في طَبعَته الأُولى، والصِّقل عَمَلٌ جَماعيّ.
دُعاءُ الافتِتاح
اللَّهُمَّ ارزُقني الإِخلاص في القَول والعَمَل، واجعَل هذا العَمَل خالِصاً لوَجهك الكَريم، وانفَع به مَن قَرَأَه، واغفِر لكاتِبه ما زَلَّ فيه، فإنَّ المُخلِص قَد يَخطِئ والمُسَدَّد قَد يَزِلّ.
اللَّهُمَّ سَدِّد المُفتين في عَصرنا، وأَلهِمهم رُشدَهم، واغفِر لمَن أَخطَأَ مِنهم باجتِهادٍ، وأَصلِح ما فَسَد مِن مَنظومات الإفتاء، وأَقِم لنا في هذه الأُمَّة مَن يَحمِل العِلم برَصانة، ويُؤَدّيه بأَمانة.
والحَمد لله رَبّ العالَمين، وصَلَّى الله وسَلَّم وبارَك عَلى نَبِيِّنا محمَّد، وعَلى آلِه وصَحبه أَجمَعين.
د. أحمد محمد أبوسيف
مَايو ٢٠٢٦م
الفَصل الأَوَّل: مَفاهيم تَأسيسيّة في الفَتوى والمُفتي والأَهليّة
• نَبتَدِئ بالمَفاهيم لأنّ كُلّ مُقتَرَحٍ لاحِقٍ في هذا البَحث يَستَنِد إليها. ولا يَستَقيم لقارِئ أن يَحكُم عَلى الفَوضى دون أن يَعرِف ما هي الفَتوى، ولا أن يُقَيِّم المؤهِّلات دون أن يَعرِف مَن المُفتي.
توطئة: لماذا نُعيد قِراءة المَفاهيم؟
قَبل أن نَخوض في تَعريف الفَتوى والمُفتي والأَهليّة والفَوضى، تَحسُن وَقفةٌ نَستَفسِر فيها: لماذا نَعود إلى التَّعريفات أَصلاً؟ أَلَيسَت هذه مَفاهيم قَد استَقَرَّت في كُتُب أَهل العِلم مُنذُ قُرون؟ ولماذا نَستَفتِح بَحثاً مُعاصِراً بتَعاريف تُراثيّة قَد لا يَنازِع فيها أَحَد؟
الجَواب أنّ التَّعاريف في حَدِّ ذاتِها كافية، لَكنّ السِّياق الذي تَنزِل فيه قَد تَغَيَّر تَغَيُّراً جَوهَريّاً. ما كانَ في عَصر السَّلَف «إخبارا بحُكمٍ شَرعيّ لمَن سَأَل»، صار في عَصرِنا مَنشوراً يَجوب الأَرض في ثَوانٍ، يَخدُمه خَوارزميّةٌ تُرَتِّب ظُهورَه، ويَطلَبه مُستَفتٍ قَد لا يَلتَقي بمُفتيه أَبداً، بَل قَد لا يَكون مُفتيه إنساناً.
في عَصر السَّلَف، كان المُفتي مَعروفاً بعَينه في بَلَده، يَجلِس في مَسجِدٍ بعَينه، يَستَفتيه النّاسُ مُشافَهةً، ويَعرِفون سيرَتَه وعِلمَه ومَوقِفَه قَبل أن يَسأَلوه. وكان السُّؤال يُطرَح في حالٍ مَعلومة، والجَواب يُعطى في حالٍ مَعلومة. كانَت «الفَتوى» حادِثةً اجتِماعيّةً مُحَدَّدة المَلامِح.
أَمّا اليَوم، فالمُستَفتي قَد يَسأَل عَن نازِلَتِه في مَنشورٍ عابِر، يَلتَقِطه عابِرٌ آخَر فيُفتيه، ويَنقُلُه ثالثٌ ورابِع، فتَطير الفَتوى إلى أَقصى الأَرض وقَد فَقَدَت كُلّ سياقاتها الأَصليّة. ومِن هُنا، تَتَحَوَّل التَّعريفات الكلاسيكيّة مِن مُجَرَّد تَوصيفٍ لُغَويّ إلى أَدَواتٍ تَشخيصيّة، نَكشِف بها ما تَغَيَّر وما بَقي.
ولهذا، فإنّ هذا الفَصل لَيس مُجَرَّد تَجميعٍ لتَعريفاتٍ، بَل هو عَقدٌ مَع القارِئ: أَن نَتَّفِق عَلى المُصطَلَحات قَبل أن نَبني عَلَيها، وأَن نَفحَصها بدِقَّةٍ كَيلا تَتَحَوَّل في الفُصول التّالية إلى مَفاتيحَ مُلتَبِسة.
المبحث الأَوَّل: الفَتوى ـ تَعريفُها وحَدُّها
أَوَّلاً ـ الفَتوى لُغةً
لَفظٌ مُشتَقّ مِن البَيان والإِيضاح والتَّعبير عَن المُراد، أَو إِبداء الرَّأي في جَواب سُؤال ورَفع الإِشكال عَنه، وهي دالّةٌ أَيضاً عَلى القُوّة والفُتُوَّة، وكأنّ المُراد مِنها بَيان الرَّأي وإِيضاحه للمُستَفتي مَع قُوَّته ورَجاحَته.
قال ابن مَنظور:
«أَفتاه في الأَمر: أَبان لَه، وأَفتى الرَّجُل في المَسأَلة، واستَفتَيتُه فيها فأَفتاني إفتاءً. يُقال: أَفتَيتُ فلاناً رُؤيا رَآها إذا عَبَّرتُها لَه، وأَفتَيتُه في مَسأَلة إذا أَجَبتُه عَنها. والفُتيا والفَتوى والفِتوى: ما أَفتى به الفَقيه.»
ثانياً ـ الفَتوى اصطلاحاً
وَرَدَت تَعريفات عَديدة للفَتوى اصطلاحاً، نَستَعرِض أَبرَزها:
• عَرَّفَها القَرافيّ بقَوله: «إِخبارٌ عَن الله في إِلزامٍ أَو إِباحة».
• عَرَّفَها الشاطبيّ بقَوله: «إِخبارٌ عَن حُكم الله تَعالى لا عَلى وَجه الإِلزام». والقَيد الأَخير «لا عَلى وَجه الإِلزام» للتَّفريق بَين الفَتوى والقَضاء.
• وعَرَّفَها آخَرون بأنّها: «الإِخبار بحُكم الله تَعالى باجتِهادٍ عَن دَليلٍ شَرعيّ لمَن سَأَل عَنه في أَمرٍ نازِل».
ويُمكِن أن يُقال ـ جامِعاً ـ إنّ الفَتوى:
«الإِخبار بالحُكم الشَّرعيّ مَمّن هو أَهلٌ لمَعرِفَته، مَقروناً بدَليلِه، لمَن سَأَل عَنه في الوَقائِع وغَيرها، مِن غَير إِلزام السائِل.»
وهذا التَّعريف يَجمَع أَركاناً خَمسة: الإِخبار، والحُكم الشَّرعيّ، والأَهليّة، والدَّليل، وعَدَم الإِلزام. وكُلّ رُكنٍ مِنها سَنَجِد لَه في الفَصول القادِمة وَزناً تَشخيصيّاً عِندَ فَحص الفَتوى الرَّقميّة.
المبحث الثّاني: المُفتي والمُستَفتي
أَوَّلاً ـ المُفتي
عَرَّف العُلَماء المُفتي بتَعاريف عَدّة:
• قال الشاطبيّ: «المُفتي هو القائِم في الأُمَّة مَقام النَّبيّ ﷺ».
• وقيل: «هو المُتَمَكِّن مِن مَعرِفة أَحكام الوَقائِع شَرعاً بالدَّليل، مَع حِفظه لأَكثَر الفِقه».
• وفي «المُعجَم الوَجيز»: «المُفتي: فَقيهٌ تُعَيِّنه الدَّولة ليُجيب عَمّا يُشكِل مِن المَسائِل الشَّرعيّة».
والتَّعريف الأَوَّل أَجمَع وأَشمَل، لأنّه يَلتَقِط الجَوهَر: أنّ المُفتي لَيس مَوظَّفاً ولا أَكاديميّاً، بَل قائِم مَقام النَّبيّ ﷺ في وَظيفة البَيان والتَّعريف بحُكم الله. وهذه الوَظيفة الجَليلة هي التي تَمنَح الإفتاء وَزنَه، وتَجعَل التَّساهُل فيه خَطيراً.
ثانياً ـ المُستَفتي
المُستَفتي هو السائِل، وهو طَرَفٌ أَصيلٌ في العَمَليّة الإفتائيّة. كان في التُّراث مَعلومَ المَلامِح: عامِّيٌّ يَطلُب حُكماً في مَسأَلَة خاصّة، يَلتَقي المُفتي مُشافَهةً، يُحَدِّد سياقَه، ويَلتَزِم بجَوابه. كانَت العَلاقة بَين المُفتي والمُستَفتي عَلاقةً أَخلاقيّةً مُحَدَّدة المَعالِم.
أَمّا اليَوم، فالمُستَفتي قَد تَحَوَّل ـ كَما سنُفَصِّل في الفَصل الخامِس ـ إلى نَوعٍ جَديدٍ تَماماً، له صِفاتٌ لم تَكن مَعهودة في المُستَفتي الكلاسيكيّ. وسنَدَع تَفصيل هذا التَّحَوُّل لمَوضِعه.
ثالثاً ـ المُفتي والمُجتَهِد
اختَلَف العُلَماء في التَّفريق بَينهما عَلى قَولَين:
القَول الأَوَّل: أنّه لا فَرق بَينَهما، وأنّ المُجتَهِد هو المُفتي. قال ابن عابِدين نَقلاً عَن ابن الهُمام: «وقَد استَقَرَّ رَأي الأُصوليّين عَلى أنّ المُفتي هو المُجتَهِد، فأَمّا غَير المُجتَهِد مَمّن يَحفَظ أَقوال المُجتَهِد فلَيس بمُفتٍ، والواجِب عَلَيه إذا سُئِل أن يَذكُر قَول المُجتَهِد عَلى وَجه الحِكاية». وقال الشَّوكاني: «إنّ المُفتي هو المُجتَهِد».
القَول الثّاني: أنّ بَين المُجتَهِد والمُفتي فَرقاً، وأنّ المُفتي مَن يُفتي بمَذهَب إِمامه فَقَط، وهو دون المُجتَهِد. وعَلى هذا، تَكون «الفَتوى» التي يَصدُرها مَن ليس بمُجتَهِدٍ نَقلاً، لا فَتوى بالمَعنى الدَّقيق.
هذا الخِلاف لَيس تَفصيلاً نَظَريّاً مَحضاً، بَل لَه أَثَرٌ عَمَليّ في زَمَننا: مَن يُفتي عَلى منصّات الفيديو القَصير، هَل هو مُجتَهِد بالمَعنى الأَصوليّ، أَم ناقِلٌ لأَقوال غَيره، أَم شَيء ثالِث لم يَكن لَه نَظير؟ سيُجيب عَلى هذا الفَصل الثّالث.
رابعاً ـ هَل ثَمَّة خِلاف بَين الاجتِهاد والإفتاء؟
المُختار عِندَ العُلَماء أنّ بَين الإفتاء والاجتِهاد فَرقاً:
• فالإِفتاء: إِخبارٌ بحُكم الشّارِع في قَضيّةٍ حَدَثَت بالفِعل.
• أَمّا الاجتِهاد: فهو استِنباطُ الحُكم الشَّرعيّ لمُعالَجة واقِعةٍ قَد حَدَثَت أَو لم تَحدُث ولكِن يُقَدَّر وُقوعها.
وعَلَيه فالإفتاء يَتَناوَل الفِقه الواقِعيّ، أَمّا الاجتِهاد فيَتَناوَل الفِقه التَّقديريّ. ويُمكِن أن يُقال إنّ الاجتِهاد استِنباطٌ للأَحكام، أَمّا الفَتوى فهي المُواءَمة بَين ما تَمّ التَّوَصُّل إِلَيه مِن خِلال الاجتِهاد، وبَين ما هو واقِعٌ في حَياة النّاس، مُعالِجٌ لمُشكِلاتهم.
وعَلَيه: فالفَتوى فَرعٌ عَن الاجتِهاد، وما يَستَجِدّ مِن أَبواب الاجتِهاد تَتَرَتَّب عَلَيه تَغَيُّراتٌ في واقِع الفَتوى. وحِين نَطرَح في الفَصل الثّالث «المَرتَبة السّابِعة المُعاصِرة»، فإنّما نَطرَحُها لأنّ بابَ الاجتِهاد قَد تَفَتَّح عَلى نَوازِل لم تَكن مَعهودة.
المبحث الثّالث: الفَرق بَين المُفتي والقاضي
بَين المُفتي والقاضي فُروقٌ جَوهَريّة، نَستَعرِضها في خَمس نِقاط:
أَوَّلاً: المُفتي مُخبِرٌ بالحُكم الشَّرعيّ، أَمّا القاضي فهو مُلزِمٌ بمُقتَضى الحُكم الشَّرعيّ. فحُكم القاضي مُلزِمٌ لمَن تَحاكَم إليه، يَنفُذ حُكمه قَهراً، أَمّا فَتوى المُفتي فغَير مُلزِمة في المُنازَعات بَين الخُصوم. ولَيس مِن شَأن المُفتي طَلَب البَيِّنات واستِشهاد الشُّهود واستِحلاف أَطراف النِّزاع، بخِلاف القاضي في كُلّ ذلك.
ثانياً: القاضي أَعظَمُ أَجراً مِن المُفتي. قال الإِمام العِزّ بن عَبد السَّلام في تَفضيل الحُكّام عَلى المُفتين:
«إنّ أَجر الحاكِم أَعظَم، لأنّه يُفتي ويُلزِم، فلَه أَجران: أَحَدُهما عَلى فَتياه، والآخَر عَلى إِلزامه.»
ووَجه ذلك أنّ القاضي يَلزَمه مِن الاستِظهار في الاجتِهاد أَكثَر مَمّا يَلزَم المُفتي، وطَلَب التَّرَخُّص أَكثَر مَمّا يَأثَم المُفتي، لأنّ في القَضاء إِلزاماً لَيس في الفُتيا.
ثالثاً: المُفتي لا يُفتي فيما يَنظُر فيه القاضي إِلّا عَلى جِهة المَشورة وإِبداء الرَّأي. ولا تُعارِض فَتوى المُفتي ما صَرَّح به القاضي إِلّا إذا خالَفَ نَصّاً صَريحاً أَو إِجماعاً صَحيحاً.
رابعاً: المُفتي لا يَملِك تَغيير المُحَرَّرات الرَّسميّة التي يُصدِرها القاضي أَو مَأذونه، كَما في الزَّواج والطَّلاق. وعَلَيه فإفادة المُفتي إنّما هي عَلى سَبيل الشَّهادة والتَّرجيح فيما اختُلِف فيه، لا القَضاء وإِصدار الأَحكام.
خامساً: فَتوى المُفتي قَد تَكون حُكماً عامّاً يَتَعَلَّق بالمُستَفتي وبغَيره، كأن يُفتي بأنّ «مَن فَعَل كذا تَرَتَّب عَلَيه كذا». وقَد تَكون فَتوى خاصّة تَختَلِف مِن شَخصٍ لآخَر في المَسأَلة الواحِدة. بخِلاف القاضي، فإنّ حُكمَه جُزئيّ خاصّ عَلى شَخصٍ مُعَيَّن لا يَتَعَدّاه إلى غَيره.
ومِمّا تَجدُر الإِشارة إِليه: أنّ الفَتوى أَعَمّ مِن القَضاء باعتِبار شُمولها ما لا يَشمَلُه القَضاء. ومِثاله: أَحكام العِبادات؛ فإنّها كُلَّها لا يَدخُلها الحُكم (القَضاء)، وإنّما تَدخُلها الفُتيا فَقَط، فلا يَدخُل تَحت القَضاء: الحُكم بصِحّة الصَّلاة أَو بُطلانها، وكذلك أَسباب العِبادات كمَواقيت الصَّلاة، ودُخول شَهر رَمَضان.
المبحث الرّابع: الأَهليّة ـ مَفهومُها وأَبعادُها
الأَهليّة لأَمرٍ تَعني الصَّلاحيّة لَه، ومِنها: أَهليّة التَّصَرُّف، بمَعنى صَلاحيّة الشَّخص لنَقل حَقٍّ أَو التَّصَرُّف في شَيء. ومِنها: أَهليّة إِتمام العُقود، أي: صَلاحيّة الشَّخص لإِبرام تَصَرُّفات شَرعيّة. وعَلى الجُملة: فالأَهليّة تَعني الصَّلاحيّة والكَفاءة.
يَقول صاحِب «تَيسير التَّحرير»:
«أَهليّة الإنسان للشَّيء صَلاحيَّتُه لصُدوره وطَلَبه مِنه وقَبوله إيّاه.»
والأَهليّة في باب الإِفتاء تَعني الصَّلاحيّة لإِخبار النّاس بحُكم الله. وهذه الصَّلاحيّة ليست خَصلةً واحِدة، بَل مَنظومةُ شُروط وصِفات سيُفَصِّلها الفَصل الثّاني تَفصيلاً.
وأَهَمّ ما يَجِب التَّنبيه إِلَيه هُنا: أنّ الأَهليّة لَيست مَفهوماً مُجَرَّداً، بَل هي مَفهومٌ سياقيّ. أَهليّة المُفتي في مَجلِسه التَّقليديّ قَد لا تَكفي للإِفتاء عَلى منصّةٍ رَقميّةٍ بعَشَرات المَلايين مِن المُتابِعين، لأنّ السِّياق تَغَيَّر، فاحتاجَت الأَهليّة إلى أَبعادٍ مَزيدة. هذا ما سنَكشِفه في «المؤهِّلات المركَّبة المُعاصِرة».
المبحث الخامِس: الفَوضى ـ مِن التُّراث إلى المُعاصِر
الفَوضى لُغةً تَعني: اختِلالاً في أَداء الوَظائِف والمَهامّ المَوكولة إلى أَصحابها وافتِقارها إلى النِّظام؛ أَو المُراد: الاختِلاط للشَّيء بَين أَطرافٍ لا يُعرَف لكُلّ مِنهم فيه حَدّ.
وبهذا يَكون المُفاد مِن التَّعريف الكلاسيكيّ أنّ الفَوضى في باب الإفتاء إمّا أنّها:
• اختِلال في أَداء المُفتي بحَيث يَصدُر عَنه ما لَيس أَهلاً لَه.
• أَو أنّها تُناسِبه مِن حَيث أَصل إِصدارها، ولكنّها لا تُناسِب المُستَفتي.
• أَو لا تُناسِب الواقِع الذي أُفتيَ بها فيه.
هذا التَّعريف الكلاسيكيّ يُلامِس جَوهَر الإِشكال، لكنّه يَبقى تَعريفاً عامّاً لا يَلتَقِط بدِقّةٍ شَكل الفَوضى الذي نَعيشُه اليَوم. ولهذا، سنُقَدِّم في الفَصل الرّابع تَعريفاً مُعاصِراً لـ«الفَوضى الرَّقميّة» يَتَكَوَّن مِن أَربَعة أَركان: تَشَظّي مَرجِعيّات الفَتوى، تَبَعثُرها عَلى فاعِلين رَقميّين، انفِكاكها عَن ضَوابِط الأَهليّة، وغياب آليّة موضوعيّة للتَّمييز.
وهذا التَّعريف المُعاصِر امتِدادٌ للتَّعريف الكلاسيكيّ لا نَقضٌ لَه. يَأخُذ مِنه فِكرة «الاختِلال» و«الاختِلاط بَين أَطراف»، ويُضيف إِلَيها ما اقتَضاه التَّحَوُّل الرَّقميّ.
المبحث السّادِس: جَدوَل مُقارِن للتَّعريفات
اِستَعرَضنا في المباحث السّابِقة تَعريفات الفَتوى والمُفتي والمُستَفتي والأَهليّة والفَوضى. ولأنّ هذه المَفاهيم سَتَتَكَرَّر في كُلّ فَصلٍ مِن فُصول هذا البَحث، يَحسُن أن نَجمَعها في جَدوَل مُقارِن، يَستَحضِرها للقارِئ بنَظرةٍ واحِدة، ويُمَهِّد للانتِقال إلى الفُصول التَّحَوُّليّة.
هذا الجَدوَل يَخدِم وَظيفَتَين: يَستَحضِر التَّعريفات بنَظرةٍ واحِدة، ويُمَهِّد للسؤال الذي يَفتَح القِسم الثّاني مِن البَحث: ماذا حَدَث عَمَليّاً عِندَ نُزول هذه المَفاهيم عَلى الفَضاء الرَّقميّ؟
خُلاصة الفَصل
أَنهَيتُ في هذا الفَصل التَّأَسيس المَفهوميّ. عَرَضتُ تَعريف الفَتوى والمُفتي والمُستَفتي، وفَرَّقتُ بَين المُفتي والقاضي، وعَرَضتُ مَفهوم الأَهليّة، وحَدَّدتُ معنى الفَوضى الكلاسيكيّة. ثُمّ خَتَمتُ بجَدوَلٍ مُقارِنٍ يَضَع البُعد المُعاصِر بإزاء البُعد التُّراثيّ.
هذه المَفاهيم سَتَكون الأَدَوات التي نَفحَص بها كُلّ ما يَأتي. حِين نَتَكَلَّم في الفَصل الرّابع عَن «فَوضى الفَتوى الرَّقميّة»، سنَستَنِد إلى التَّعريف الكلاسيكيّ ونُضيف عَلَيه. وحِين نَتَكَلَّم في الفَصل الخامِس عَن «المُستَفتي الرَّقميّ»، سنَنطَلِق مِن التَّعريف الكلاسيكيّ ونَكشِف ما طَرَأَ عَلَيه. وحِين نَتَكَلَّم في الفَصل الثّاني عَن «المؤهِّلات المركَّبة»، سنَبني عَلى مَفهوم الأَهليّة الذي قَدَّمناه هُنا.
• نَنتَقِل الآن إلى الفَصل الثّاني، حَيث نَتَعَمَّق في شَخصيّة المُفتي ذاتها: ما الشُّروط التي تَكفُل أَهليَّتَه؟ وما الذي يَطرَأ مِن مؤهِّلاتٍ جَديدة في عَصرنا الرَّقميّ؟
الفَصل الثّاني: شَخصيّة المُفتي ـ الشُّروط الكلاسيكيّة والمؤهِّلات المُعاصِرة
• بَنَينا في الفَصل السّابِق المَفاهيم. نَنتَقِل الآن إلى شَخصيّة مَن يَحمِلها. مَن لَه أن يَتَصَدّى للإِفتاء؟ وما الشُّروط التي تَكفُل أَهليَّتَه؟ وما الذي يَطرَأ عَلى هذه الشُّروط في عَصرٍ صارَ المُفتي فيه يُخاطِب مَلايين عَبر شاشةٍ صَغيرة؟
توطئة الفَصل: مِن الشَّرط إلى المؤهَّل
مَمّا هو مُقَرَّر عِندَ أَهل العِلم أنّ المُفتي مُوَقِّعٌ عَن رَبّ العالَمين في أَهَمّ ما يَخُصّ حَياة البَشَر، ألا وهو عَلاقَتُهم برَبّ العالَمين سُبحانه وتَعالى. ويَعتَبر الإِمام الشّاطبيّ ـ رَحمه الله تَعالى ـ أنّ المُفتي قائِمٌ في الأُمَّة مَقام النَّبيّ ﷺ. ولِهذا هابَ الفُتيا كَثيرٌ مِن أَصحاب النَّبيّ ﷺ، وكانوا يَتَدافَعونها بَينَهم، وذلك مِن فَرط وَجَلهم مِن تَحَمُّل مَسؤوليَّتها.
ولَمّا كان للفَتوى هذا الأَثَر وتِلكَ الخُطورة، استَوجَب المَقام أن نَتَناوَل الشُّروط التي يَجِب تَوَفُّرها في المُفتي. وعِندَ التُّراث: هذه الشُّروط ثَلاث طَبقات: تَكليفيّة (مَن يَملِك أَن يُكَلَّف بهذه الوَظيفة؟)، وعِلميّة (ما القَدر المَعرفيّ الذي يَجِب أن يَحمِله؟)، وشَخصيّة (ما الصِّفات الخُلُقيّة التي يَجِب أن يَتَحَلّى بها؟).
وهذه الشُّروط الثَّلاث ما تَزال صَحيحة، ولكِنّها ـ في زَمَننا ـ لَيسَت كافية. ظَهَر سياقٌ جَديد (الفَضاء الرَّقميّ) فَرَض عَلى المُفتي مؤهِّلاتٍ إِضافيّة لم تَكُن مَعهودة. وأَخصُّ ما يَدعو إلى التَّمييز هُنا أنّنا انتَقَلنا مِن مَفهوم «الشَّرط» (الذي يُسقِط الأَهليّة بفَقده) إلى مَفهوم «المؤهَّل» (الذي يُكَمِّل الأَهليّة بحُضوره). الشُّروط الكلاسيكيّة شُروط بَقاء الإفتاء، والمؤهِّلات المُعاصِرة شُروط جَودَته في الفَضاء الجَديد.
وفي هذا الفَصل، نَستَعرِض الشُّروط الثَّلاث الكلاسيكيّة، ثُمّ نُضيف إِليها المؤهِّلات المركَّبة الخَمس المُعاصِرة. وقَبل ذلك، نَستَفتِح بجامِع كَلامٍ نَفيس لأَهل العِلم في هذا الباب.
مِن جَوامِع الكَلِم حَول شُروط المُفتي ما وَرَد عَن الإِمام الشّافِعيّ ـ رَحمه الله تَعالى ـ في قَوله:
«لا يَحِلّ لأَحَدٍ أن يُفتي في دين الله إِلّا رَجُلٌ عارِفٌ بكِتاب الله: بناسِخه ومَنسوخه، وبمُحكَمه ومُتَشابِهه، وتَأويله وتَنزيله، ومَكِّيِّه ومَدَنِيِّه، وما أُريدَ به، وفيما أُنزِل. ثُمّ يَكون بَعد ذلك بَصيراً بحَديث رَسول الله ﷺ: بالنّاسِخ والمَنسوخ، عارِفاً بالحَديث كَمَعرفَته بالقُرآن، عارِفاً باللُّغة، شاعِراً، عارِفاً بما يَحتاج إِليه للقُرآن والسُّنَّة. ويَستَعمِل هذا مَع الإِنصاف، ويَكون بَعد هذا مُشرِفاً عَلى اختلاف أَهل الأَمصار، ويَكون لَه قَريحَة بَعد هذا. فإذا كان هكذا فلَه أن يَتَكَلَّم ويُفتي في الحَلال والحَرام، وإذا لم يَكُن هكذا فلَه أن يَتَكَلَّم في العِلم، ولَيس لَه أن يُفتي.»
وقال ابن السَّمعاني: «المُفتي مَن اجتَمَعَت فيه ثَلاثُ شَرائِط: الاجتِهاد، والعَدالة، والكَفّ عَن التَّرَخُّص والتَّساهُل».
وقال ابن الصَّلاح: «أن يَكون مُكَلَّفاً، مُسلِماً، ثِقَةً مأموناً، مُتَنَزِّهاً مِن أَسباب الفِسق ومُسقِطات المُروءة. لأنّ مَن لم يَكُن كذلك فقَولُه غَير صالِحٍ للاعتِماد، وإن كان مِن أَهل الاجتِهاد. ويَكون فَقيهَ النَّفس، سَليم الذِّهن، رَصينَ الفِكر».
هذه نُصوصٌ جامِعة، نَستَخلِص مِنها فيما يَلي تَفصيل الشُّروط ضِمن أَبواب ثَلاثة.
المبحث الأَوَّل: الشُّروط التَّكليفيّة
هذه الشُّروط هي الحَدّ الأَدنى الذي بدونه لا يُتَصَوَّر إِفتاءٌ أَصلاً. وهي ثَلاثة:
(أ) الإسلام
فلا يُمكِن لأَحَدٍ أن يَتَبَوَّأ مَنصِب الإفتاء إِلّا حِين يَكون مُسلِماً. إِذ إنّه يُخبِر عَن الله تَعالى، ويَنوب عَن رَسوله ﷺ، ويَتَلَقّى النّاسُ ما يُفتي به عَلى أنّه دين الله تَعالى، ولا يَتَّصِف بذلك إِلّا مَن كان مُسلِماً.
(ب) البُلوغ
لأنّ الصَّبيّ لا حُكمَ لقَوله وإن كان عاقِلاً فَطِناً. والبُلوغ مُتَطَلَّبٌ يَكفُل أن يَكون المُفتي قَد بَلَغ مَرحَلة المَسؤوليّة الشَّرعيّة الكامِلة.
(ج) العَقل
لأنّ القَلَم مَرفوعٌ عَن المَجنون، لانعدام وَعيه وإدراكه. ولا يُتَصَوَّر مِن المَجنون أن يَكون أَهلاً للإفتاء، إِذ إنّ الإفتاء مَبنيّ عَلى استِيعاب السُّؤال وتَحليله وتَنزيل الحُكم عَلَيه ـ وهذا كُلُّه يَتَوَقَّف عَلى العَقل.
المبحث الثّاني: الشُّروط العِلميّة
أن يَكون المُفتي مِن أَهل الاجتِهاد، أَو ـ في الأَقَلّ ـ ناقِلاً مُتَفَهِّماً لكَلام المُجتَهِدين. ودَلالة ذلك أن يَكون عَلى عِلمٍ بما يَلي:
• مِن الكِتاب: عَلى الوَجه الذي تَصِحّ به مَعرِفة ما تَضَمَّنه مِن الأَحكام: محكَماً ومُتَشابِهاً، وعُموماً وخُصوصاً، ومُجمَلاً ومُفَسَّراً، وناسِخاً ومَنسوخاً.
• ومِن السُّنَّة الثّابِتة مِن أَقوال النَّبيّ ﷺ وأَفعاله وتَقريراته: ومَعرِفة طُرُق مَجيئها في التَّواتُر والآحاد، والصِّحَّة والفَساد، وما كان مِنها عَلى سَبَبٍ أَو إِطلاق، والقُدرة عَلى الاستِدلال بها بشِقَّيها: الظّاهِر والاستِنباط.
• والإِجماع: فيَعلَم ما وَرَد مِن أَقوال السَّلَف فيما أَجمَعوا عَلَيه، واختَلَفوا فيه، ليَتَّبِع الإِجماع، ويَجتَهِد في الرَّأي مَع الاختِلاف.
• والعِلم بالقياس الموجِب، لرَدّ الفُروع المَسكوت عَنها إلى الأُصول المَنطوق بها والمُجمَع عَلَيها، حتّى يَجِد المُفتي طَريقاً إلى العِلم بأَحكام النَّوازِل، وتَمييز الحَقّ مِن الباطِل.
• والفِقه: وأَن يَكون ضابِطاً لأُمَّهات مَسائِله وتَفاريعه. وشُروط القياس ليَستَعمِل مِنه ما اختَصّ بتِلكَ الشُّروط، ويَتَوَقّى ما لم يَختَصّ بها.
• وعِلمَي النَّحو واللُّغة، واختِلاف العُلَماء واتِّفاقهم، بالقَدر الذي يَتَمَكَّن به مِن الوَفاء بشُروط الأَدِلَّة والاقتِباس مِنها.
وقَد بَحَث العُلَماء مَسأَلة شائِكة: هَل يَجوز أَخذ فَتوى المُقَلِّد؟ والمُختار أنّ الاجتِهاد في هذا الزَّمان شَرط الأَولويّة لقِلَّة المُجتَهِدين أَو انعدامهم، ولِذا قال صاحِب «تَنوير الأَبصار»: «الاجتِهاد شَرط الأَولويّة». واعتَبَر ابن دَقيق العِيد أنّ قَصر الأَمر عَلى المُجتَهِدين تَضييقٌ عَلى الخَلق.
لكِنّ ابن القَيِّم حازِمٌ في تَمييز فَتوى المُقَلِّد عَن فَتوى المُجتَهِد، إِذ يَقول:
«لا يَجوز للمُقَلِّد أن يُفتي في دين الله بما هو مُقَلِّدٌ فيه، ولَيس عَلى بَصيرةٍ فيه سِوى أنّه قَولُ مَن قَلَّده. هذا إِجماع السَّلَف، وبه صَرَّحَ الشّافِعيّ وأَحمَد وغَيرُهما.»
وفي هذا الخِلاف بَين مَن يَشتَرِط الاجتِهاد ومَن يَتَوَسَّع، تَنبيهٌ مُهِمّ سيَلتَقِطه الفَصل الثّالث: مَراتِب المُجتَهِدين السِّتّ التُّراثيّة لَم تَكُن إِلّا مُحاوَلةً لتَنظيم هذا الخِلاف. وكَما سنَرى، فإنّ المَرتَبة السّابِعة المُعاصِرة التي نَطرَحُها تَحُلّ كَثيراً مِن هذا الإِشكال.
المبحث الثّالث: الصِّفات الشَّخصيّة التِّسع
بَعد الشُّروط التَّكليفيّة والعِلميّة، ثَمَّةَ صِفاتٌ خُلُقيّة لا تَقِلّ عَنهما أَهَمِّيّة. هذه الصِّفات لَيست شُروط أَهليّةٍ بالمَعنى الفَنّيّ، لكنّها تَفصِل بَين المُفتي «المَأذون» والمُفتي «المُسَدَّد». ومَجموعُها تِسعُ صِفاتٍ نَستَعرِضها:
(١) الإِنصاف
خُلُقٌ أَمَر به الله تَعالى المؤمنين في قَوله: ﴿يا أَيُّها الَّذينَ آمَنوا كونوا قَوَّامينَ للهِ شُهَداءَ بالقِسطِ﴾. والإِنصاف في الإفتاء أن لا يَميل المُفتي مَع الأَهواء، ولا يُؤَثِّر فيه قَرابةٌ أَو عَداوة، ولا جَرّ نَفعٍ ولا دَفع ضَرَر، كَما قال ابن الصَّلاح: «وينبغي أن يَكون كالرّاوي في أنّه لا يُؤَثِّر فيه قَرابة وعَداوة وجَرّ نَفع ودَفع ضَرَر، لأنّ المُفتي في حُكم مُخبِرٍ عَن الشَّرع بما لا اختِصاص لَه بشَخص. فكان كالرّاوي، لا كالشّاهِد».
(٢) سَلامة الذِّهن واتِّقاد الفِكر
فإنّ الحيلة الكامِنة في عَقل السائِل أَحياناً تَغلِب فِطنة المُفتي. وقَد حَذَّر النَّبيّ ﷺ مِن ذلك في قَوله لأُمّ سَلَمة: «إنّكم تَختَصِمون إِلَيّ، وإنّما أَنا بَشَر، ولَعَلّ بَعضَكم أن يَكون أَلحَنَ بحُجَّته مِن بَعض، وإنّما أَقضي بَينَكم عَلى نَحوٍ مَمّا أَسمَع مِنكم. فمَن قَضَيتُ لَه مِن حَقّ أَخيه بشَيءٍ فلا يَأخُذه، فإنّما أَقطَع لَه قِطعةً مِن النّار». ومِن هُنا يَنبَغي للمُفتي المُعاصِر أن يَتَفَطَّن لطَرائِق الحيَل، وأن يَستَعين بأَهل التَّخَصُّص في النَّفس والاجتِماع إن لَزِم.
(٣) صِحّة التَّصَرُّف والاستِنباط
وهذا شَرط الفَطانة والتَّيَقُّظ. قال ابن عابِدين: «وشَرَط بَعضُهم تَيَقُّظَه احتِرازاً عَمّن غَلَبَت عَلَيه الغَفلة والسَّهو». والمُفتي إذا غَفَل في فَتوى أَضَرّ بالمُستَفتي وبنَفسه. ومَن لَه أَدنى دُربة بالفَتوى يَعلَم أنّ كَثيراً مِن الفَتاوى تَنزِل في صَيغٍ مُلتَبِسة تَحتاج تَيَقُّظاً ودِقَّةً قَبل الجَواب.
(٤) العِلم بالواقِع
يَجِب أن يَكون المُفتي عَلى عِلمٍ بالواقِع الذي يُعايِشه، عَلى الأَقَلّ في البيئة التي يَعيش فيها ويُفتي بها. يَقول الإِمام ابن القَيِّم ـ رَحمه الله تَعالى ـ:
«ولا يَتَمَكَّن المُفتي ولا الحاكِم بالحَقّ إِلّا بنَوعَين مِن الفَهم: أَحَدُهما فَهمُ الواقِع، والفِقهُ فيه، واستِنباطُ عِلم حَقيقة ما وَقَع بالقَرائِن والأَمارات والعَلامات حتّى يُحيط به عِلماً. والنَّوع الثّاني فَهمُ الواجِب في الواقِع، وهو فَهمُ حُكم الله الذي حَكَم به في كِتابه أَو عَلى لِسان رَسوله في هذا الواقِع.»
وأَهَمِّيّة هذا الشَّرط تَتَضاعَف في زَمَننا، إِذ صار «الواقِع» مُتَعَدِّد الطَّبَقات: واقِع بَلَدِيٍّ، وواقِع رَقميّ، وواقِع تَقنيٍّ، وواقِع ثَقافيّ ـ والمُفتي قَد يَجهَل بَعضَ هذه الطَّبَقات فتَنزِل فَتواه في غَير مَوقِعها.
(٥) مُراعاة العُرف
يَجِب عَلى المُفتي أن يُراعي العُرف السائِد بَين مَن هُم مَحَلّ الفَتوى. يَقول الإِمام القَرافيّ:
«هذه قاعِدةٌ لا بُدّ مِن مُلاحَظَتها ـ أي: مَعرِفة العُرف والتَّعويل عَلَيه في الفَتوى ـ وبالإِحاطة بها يَظهَر للنّاظِر أَسرارُ كَثيرة في الشَّريعة.»
ويَقول النَّوويّ: «لا يَجوز أن يُفتي في الأَيمان والإِقرار ونَحوها مَمّا يَتَعَلَّق بالأَلفاظ، إِلّا أن يَكون مِن أَهل بَلَد اللاّفِظ، أَو مُتَنَزِّلاً مَنزِلَتهم في الخِبرة بمُرادهم مِن أَلفاظهم وعُرفهم فيها». وفي مَسأَلتنا: المُفتي عَلى منصّةٍ رَقميّة يُخاطِب جُمهوراً عابِراً للحُدود، فأَيُّ عُرفٍ يُراعي؟
(٦) التَّوَسُّط في الحُكم
قال الشّاطبيّ: «المُفتي البالِغ ذُروة الدَّرَجة هو الذي يَحمِل النّاسَ عَلى المَعهود الوَسَط، فيما يَليق بالجُمهور، فلا يَذهَب بهم مَذهَب الشِّدّة، ولا يُميل بهم إلى طَرَف الانحِلال». ومِن الخَطَأ الشائِع بَين بَعض المُفتين مُبالَغة بَعضِهم في حَمل النّاس عَلى القَول الأَثقَل احتياطاً، وسَدّاً لذَرائِع قَد تَكون مُتَوَهَّمة.
(٧) عَدَم التَّعَصُّب لمَذهَبٍ أَو إِمام
يَقول ابن تَيميّة: «ومَن تَعَصَّب لواحِدٍ بعَينه مِن الأَئمَّة دون الباقين، فهو بمَنزِلة مَن تَعَصَّب لواحِدٍ بعَينه مِن الصَّحابة دون الباقين». ويَقول ابن القَيِّم رَحمه الله:
«وأَمّا المُتَعَصِّب الذي جَعَل قَول مَتبوعه عِياراً عَلى الكِتاب والسُّنَّة وأَقوال الصَّحابة، يَزِنُها به، فما وافَق قَول مَتبوعه مِنها قَبِله، وما خالَفه رَدَّه، فهذا إلى الذَّمّ والعِقاب أَقرَب مِنه إلى الأَجر والثَّواب.»
(٨) مُراعاة مَقاصِد التَّشريع
يَنبَغي ألّا تَغيب مَقاصِد الشَّريعة عَن ذِهن المُفتي حال إِصدار فَتواه. وإن وَجَب عَلَيه أن يَتَقَيَّد بالنَّصّ، فعَلَيه أن يَرمُق ما وَراء النَّصّ مِن الحِكمة وعِلَّة التَّشريع. والمَصالِح المُرسَلة، وسَدّ الذَّرائِع، وأَخَفّ الضَّرَرَين، وغَير ذلك مِن قَواعِد المَقاصِد، كُلُّها أَدَواتٌ يَحتاجها المُفتي.
ومِن شَواهِد مُراعاة الصَّحابة للأَبعاد المَقاصِديّة: تَوَقُّف عُمَر في قِسمة سَواد العِراق حِفظاً لمَصلَحة الأَجيال، وفَتوى عَلِيٍّ بتَضمين الصُّنّاع، وفَتوى مُعاذٍ بإِخراج بَدَل العَين مِن زَكاة الحُبوب ـ كُلُّها فَتاوى رَاعَت الواقِع والمآل.
(٩) شَرط التَّخَصُّص
وهذا شَرطٌ أُؤَيِّده في هذا العَصر، نَظَراً لطَبيعَته. ونَعني به أن يَكون مَن يَتَعَرَّض للإفتاء قَد دَرَس الفِقه والأُصول وقَواعِد الفِقه دِراسةً مُستَفيضة، ولَه دِراية في مُمارَسة المَسائِل، وإلمامٌ بالواقِع المَعيش. وقَد سَبَق نَقل ابن السَّمعاني لقَول الإِمام أَحمَد: «إنّ الفَتيا لا تَجِبُ عَلى الإنسان حتّى يَكون فيه خَمس خِصال: النِّيَّة، والحِلم والوَقار والسَّكينة، وأن يَكون قَويّاً عَلى ما هو فيه وعَلى مَعرِفَته، والكِفاية، ومَعرِفة النّاس».
المبحث الرّابع (إِضافة جَوهَريّة): المؤهِّلات المركَّبة للمُفتي المُعاصِر
عَرَضنا في المباحث الثَّلاثة السّابِقة الشُّروط الكلاسيكيّة. وهي ـ كَما ذَكَرنا في التوطئة ـ صَحيحةٌ لازِمة، لكنّها لَيست كافية في هذا العَصر. لأنّ السِّياق الذي تَنزِل فيه الفَتوى قَد تَغَيَّر، فالتَحَقَت بالشُّروط الكلاسيكيّة مؤهِّلاتٌ مُعاصِرة. وأَخَصّ ما يَدعو إلى التَّمييز أنّ الشُّروط الكلاسيكيّة شُروط أَهليّة (يَسقُط الإفتاء بفَقدها)، والمؤهِّلات المُعاصِرة شُروط جَودة (يَقصُر الإفتاء عَن تَأدية وَظيفَته بفَقدها في الفَضاء الرَّقميّ).
وأَطرَح هُنا خَمس مؤهِّلاتٍ مركَّبة، استَخلَصتُها مِن مُراجَعة الفَتاوى الصادِرة في الفَضاء الرَّقميّ، ومُقابَلات الأَئمَّة والمُفتين في الواقِع الأَمريكيّ، ومُراجَعة دِراسات حالةٍ مُتَكَرِّرة في فَوضى الفَتوى الرَّقميّة.
المؤهَّل الأَوَّل: الكَفاءة الإِعلاميّة
التَّعريف: قُدرة المُفتي عَلى صِياغة الفَتوى صِياغةً تُلائِم الوَسيط الإِعلاميّ الذي تَنزِل فيه (فيديو قَصير، صَوت، كِتابة)، مَع الحِفاظ عَلى دِقَّتها العِلميّة. ولَيسَت هذه القُدرة مُجَرَّد فَنٍّ تَواصُليّ، بَل هي مَهارة في تَلخيص الجَوهَر دون اختِزاله.
الضَّرورة: لأنّ المُفتي الذي يُحسِن العِلم ولا يُحسِن نَقله في وَسيطه المُعاصِر، يُفقَد أَثَره. والمُستَفتي الذي لا يَجِد المُفتي القَويّ يَلجَأ إلى المُؤَهَّل إِعلاميّاً ولَو ضَعُف عِلماً.
ما يَتَطَلَّبه عَمَليّاً: تَدريبٌ عَلى الإِلقاء، وَعيٌ ببِنية الفيديو القَصير وحُدوده، فَهمٌ لفَن العِنوان (Title Craft)، تَمييزٌ بَين العَناوين الجالِبة للنَّظَر والعَناوين المُضَلِّلة (Clickbait).
في غيابه: تَتَحَوَّل الفَتوى الصَّحيحة إلى محتوًى عابِر، يَستَهلِكه الجُمهور ثُمّ يَنساه، بَينَما الفَتوى الفاسِدة المَصقولة إِعلاميّاً تَنتَشِر.
المؤهَّل الثّاني: الوَعي النَّفسيّ والاجتِماعيّ
التَّعريف: قُدرة المُفتي عَلى فَهم البيئة النَّفسيّة والاجتِماعيّة لمُستَفتيه، ومَا يَختَلِج في نُفوسهم مِن دَوافِع، وما يُحيط بهم مِن ضَغوطٍ ومُؤَثِّرات.
الضَّرورة: لأنّ الفَتوى لَيست جَواباً لسؤالٍ فَقَط، بَل تَأثيرٌ في حالٍ. والمُستَفتي الذي يَسأَل عَن حِجاب ابنَتِه قَد لا يَكون يَسأَل عَن الحُكم الفِقهيّ بقَدر ما يَستَنجِد عَلى صِراعٍ أُسَريّ. والمُفتي الذي يَحسَم الإِجابة دون أن يَفهَم السياق يُضَيِّع فُرصة المَوعِظة.
ما يَتَطَلَّبه عَمَليّاً: استِماعٌ بَدَل التَّعَجُّل في الجَواب، تَحَسُّسٌ لما لم يُقَل، استِشارة أَهل الاختِصاص في النَّفس عِندَ الحاجة.
في غيابه: تَتَحَوَّل الفَتوى إلى آلَة جَواب، فاقِدةٍ لرَوحها الإِرشاديّة.
المؤهَّل الثّالث: الإِلمام بالتِّقنية وحُدودها
التَّعريف: قُدرة المُفتي عَلى فَهم الأَدَوات التِّقنيّة التي يَستَعمِلها أَو يَستَعمِلها مُستَفتوه ـ مِن منصّات التَّواصُل إلى نَماذِج الذَّكاء الاصطناعيّ ـ ومَعرِفة ما تَستَطيع وما لا تَستَطيع.
الضَّرورة: لأنّ كَثيراً مِن النَّوازِل المُعاصِرة لا يُمكِن أن تُفتى بدون فَهمٍ تِقنيّ لطَبيعَتها. فَتوى تَخُصّ العُملات المشَفَّرة، أَو ألعاب الفيديو، أَو الذَّكاء الاصطناعيّ، أَو خَوارزميّات الإِعلانات ـ كُلُّها تَحتاج فَهماً تِقنيّاً قَبل تَنزيل الحُكم.
ما يَتَطَلَّبه عَمَليّاً: تَكوينٌ تَقَنيٌّ أَساسيّ (دون أن يَتَحَوَّل المُفتي إلى مُهَندِس)، اِستِشارةٌ مُنتَظِمة لأَهل الاختِصاص، تَجريبٌ شَخصيّ للأَدَوات التي يُفتي فيها.
في غيابه: تَنزِل الفَتوى عَلى مَوصوفٍ غَير مَعروف، فتَكون كَفَتوى عَن دواءٍ لم يَفهَم المُفتي عَمَله.
المؤهَّل الرّابع: فِقه المآلات الرَّقميّة
التَّعريف: قُدرة المُفتي عَلى استِشراف ما يَؤول إِلَيه نَشر فَتواه في الفَضاء الرَّقميّ. وهذا مؤهَّل مركَّب: تَعريفٌ معاصِرٌ لـ«فِقه المآلات» المَعروف عِندَ الأُصوليّين، يُنَزَّل عَلى البيئة الرَّقميّة.
الجَذر الكلاسيكيّ: قَرَّر علماء المَقاصِد أنّ المُفتي يَنظُر فيما يَؤول إِلَيه فَتواه. فإن آلَت إلى مَفسَدةٍ راجِحة، تَوَقَّف أَو خَفَّف. هذا ما سَمّاه الشّاطبيّ «اعتِبار المآلات في الأَفعال».
التَّطبيق الرَّقميّ: المُفتي الرَّقميّ يَنظُر إلى مَآلَين مُتَمايِزَين:
— مآل الفَتوى عَلى السائِل الأَصليّ (وهذا المآل الكلاسيكيّ).
— مآل الفَتوى عَلى الجُمهور الذي يَلتَقِطها مَن وَراء السائِل (مآل رَقميّ جَديد). فهَل سيُفهَم النَّصّ في سياقٍ أَوسَع؟ هَل سيُختَطَف ويُوضَع في سياقٍ آخَر؟ هَل سيُفتَن به مَن لم يَكُن السائِل الأَصليّ؟
ما يَتَطَلَّبه عَمَليّاً: قَبل النَّشر، تَخَيُّل المنشور وقَد انتَشَر، وفَحص: ماذا لو رَآه عَشرة أَشخاصٍ مُختَلِفي السِّياقات؟ هل يَحتَمِل الفَتوى ذلك؟ إن لم تَحتَمِل، فإمّا الإِيضاح أَو الامتِناع عَن النَّشر.
في غيابه: تَنزِل فَتاوى صَحيحة في سياقها الأَصليّ، فاسِدة في انتِشارها الرَّقميّ. وهذا ما يُفَسِّر كَثيراً مِن «الفَتاوى الفَيروسيّة الشاذّة» التي سنَفحَصها في الفَصل الخامِس.
المؤهَّل الخامِس: الأَمانة الإِعلاميّة
التَّعريف: التِزام المُفتي بقَواعِد الصِّدق الإِعلاميّ في صِياغة فَتاويه، وعَدَم التَّلاعُب بالعَناوين أَو الاختِزال أَو التَّوقيت لكَسب الانتِشار.
الضَّرورة: لأنّ المُفتي عَلى منصّاتٍ تَستَخدِم اقتِصاد الانتباه، تَدفَعه الخَوارزميّة إلى صِياغاتٍ جالِبة للمُتابِعين. والمُفتي الضَّعيف يُؤمَر باستِخدام عَناوين مُثيرة، أَو فَتاوى صادِمة، أَو إِخراجٍ بَصَريّ مُفرِط ـ كُلُّه ضِدّ روح الإفتاء.
ما يَتَطَلَّبه عَمَليّاً: مُجاهَدة دائِمة لمَنطِق الانتِشار، تَجنُّب العَناوين الكاذِبة، التِزام بأَمانة الاختِصار، إِفصاحٌ عَن مَصادِر التَّمويل والمَصلَحة (إن وُجِدَت).
في غيابه: يَتَحَوَّل المُفتي إلى ما يُسَمّى ـ صَحَفيّاً ـ «مؤثِّر دينيّ»، فاقِداً لاستِقلاله العِلميّ.
خُلاصة المبحث الرّابع
هذه المؤهِّلات الخَمس لَيست بَديلاً عَن الشُّروط الكلاسيكيّة، بَل مُضافةٌ إِلَيها. والمُفتي الذي يَحمِل الشُّروط الكلاسيكيّة دون هذه المؤهِّلات يَبقى مُفتياً عَلى الحَقيقة، لكنّه قَد لا يُؤَدّي وَظيفَتَه الإِفتائيّة في الفَضاء الرَّقميّ.
وهذه المؤهِّلات لَيسَت فَرديّةً بالضَّرورة. قَد لا يَجمَعها مُفتٍ واحِد، لكنّ المَنظومة الإفتائيّة يُمكِنها أن تَوَزِّعها بَين فَريقها (مُفتٍ + مَصدَر إِعلاميّ + مُختَصّ تِقنيّ + مُختَصّ نَفسيّ). وهذا ما يُمَهِّد لمَفهوم «المُجتَهِد الجَماعيّ المؤسَّسيّ» الذي سنَطرَحه في الفَصل الثّالث.
خُلاصة الفَصل
أَنهَيتُ في هذا الفَصل تَفصيل شَخصيّة المُفتي. عَرَضتُ الشُّروط التَّكليفيّة الثَّلاث (الإسلام، البُلوغ، العَقل)، ثُمّ الشُّروط العِلميّة، ثُمّ الصِّفات الشَّخصيّة التِّسع، ثُمّ المؤهِّلات المركَّبة الخَمس المُعاصِرة. ومَجموعها يُكَوِّن «مَلَفّ الأَهليّة الكامِل» للمُفتي في زَمَننا.
• أَنشَأنا المَفاهيم في الفَصل الأَوَّل، وحَدَّدنا الشَّخصيّة في هذا الفَصل. فماذا عَن السُّلطة العِلميّة لمَن يُفتي؟ نَنتَقِل الآن إلى الفَصل الثّالث: مَراتِب المُجتَهِدين ـ مِن السِّتّة إلى السّابِعة.
الفصل الثالث: مراتب المجتهدين وحدود الإفتاء بالتّقليد
توطئة الفصل: لماذا فصل مستقلّ؟
في البحث الأصليّ المقدّم لـ AMJA سنة 2018، ورد الكلام عن «مراتب المجتهدين» في هامش طويل (رقمه 26) امتدّ على ثلاث صفحات من المتن، وقطع تسلسل القراءة على القارئ. فحين كنّا نستعرض الشروط العلميّة المطلوبة في المفتي، اصطدمنا بالحاجة إلى تعريف الاجتهاد ومراتب المجتهدين — وهو تفصيل يستحقّ أن يكون في الواجهة، لا أن يختبئ في الذيل.
ومن ميزات هذا الكتاب أنّه يستخرج ذلك المحتوى الثّمين من ظلّ الهامش إلى ضوء الفصل المستقلّ، ويضيف إليه طبقة معاصرة لا غنى عنها: المرتبة السابعة المعاصرة — وهي «المجتهد الجماعيّ المؤسّسيّ»، نموذج لم يعرفه المتقدّمون، لكنّ ظروف عصرنا الحاضر اقتضته بحكم تركّب النّوازل وتشابكها، وعجز الفرد الواحد عن الإحاطة بها مهما علت همّته.
ستكون مباحث الفصل أربعة:
• المبحث الأوّل: تعريف الاجتهاد لغة واصطلاحا — مرور على تعريفات الأئمّة الثّمانية، مع التّعريف المختار للباحث.
• المبحث الثاني: مراتب المجتهدين الستّ في التّقسيم التّراثيّ — مع تعليق معاصر على كلّ مرتبة.
• المبحث الثالث: المرتبة السابعة المعاصرة — المجتهد الجماعيّ المؤسّسيّ.
• المبحث الرابع: جدول مقارن للمراتب السبع جامع.
المبحث الأوّل: تعريف الاجتهاد لغة واصطلاحا
أوّلا: الاجتهاد في اللغة
الاجتهاد في اللغة مشتقّ من مادّة «جهد» بضمّ الجيم، بمعنى بذل الجهد، وهو الطاقة؛ أو بفتح الجيم، بمعنى تحمّل الجهد، وهو المشقّة. فالاجتهاد لغة: بذل الجهد، واستفراغ الوسع في تحقيق أمر من الأمور الشاقّة، سواء أكان في الأمور الحسّيّة كالمشي والعمل، أو في الأمور المعنويّة كاستخراج حكم أو نظريّة عقليّة أو شرعيّة أو لغويّة, .
ثانيا: الاجتهاد في الاصطلاح
اختلفت عبارات الأصوليّين في تعريف الاجتهاد، وإن اتّحدت في الجوهر. وقد ذكر بعضهم أنّ الاجتهاد يعرّف باعتبارين: مصدر دالّ على الحدث (وهو فعل المجتهد)، أو اسم يدلّ على ملكة في المجتهد. وعلى المعنى الثاني قال بعضهم: «هو ملكة يقتدر بها على استنباط الأحكام الشرعيّة العمليّة من أدلّتها التفصيليّة».
وفيما يلي نستعرض ثمانية تعريفات لأئمّة الأصوليّين، ثمّ نختم بتعريف جامع:
(1) عرّفه الإمام الشاطبيّ بقوله: «استفراغ الوسع في تحصيل العلم أو الظنّ بالحكم».
(2) عرّفه الإمام الرازيّ بقوله: «استفراغ الوسع في النّظر فيما لا يلحقه فيه لوم، مع استفراغ الوسع فيه».
(3) عرّفه الإمام القرافيّ بقوله: «استفراغ الوسع في النّظر فيما يلحقه لوم شرعيّ».
(4) عرّفه الإمام الآمديّ بقوله: «استفراغ الوسع في طلب الظّنّ بشيء من الأحكام الشرعيّة، على وجه يحسّ من النّفس العجز عن المزيد فيه».
(5) عرّفه الإمام ابن الحاجب بقوله: «استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظنّ بحكم شرعيّ».
(6) عرّفه الإمام ابن مفلح بقوله: «استفراغ الفقيه وسعه لدرك الحكم الشّرعيّ».
(7) عرّفه الإمام ابن السبكيّ بقوله: «استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظنّ بحكم».
(8) عرّفه الإمام ابن جزيّ بقوله: «استفراغ الوسع في النّظر في الأحكام الشّرعيّة».
التّعريف المختار
في محاولة للجمع بين هذه التّعريفات، أختار — والله أعلم —:
الاجتهاد: استفراغ الوسع في النّظر، وتحصيل العلم أو الظّنّ بشيء من الأحكام الشّرعيّة، بما لا يلحقه فيه لوم شرعيّ، ولا يحسّ من نفسه العجز فيه.
وفي هذا التّعريف جمع بين:
— عنصر الجهد (استفراغ الوسع) — توكيد على المشقّة الذّاتيّة في عمل المجتهد.
— موضوع الاجتهاد (الأحكام الشرعيّة) — تحديد للنّطاق المعرفيّ.
— منتوج الاجتهاد (العلم أو الظّنّ) — تنبيه على أنّ الاجتهاد ليس قطعيّا دائما.
— حدوده (ما لا يلحقه لوم شرعيّ، ولا يحسّ منه عجز) — تنبيه على الانضباط المنهجيّ.
المبحث الثاني: مراتب المجتهدين الستّ في التّقسيم التّراثيّ
أجمع أهل الأصول على أنّ المجتهدين ليسوا طبقة واحدة، بل مراتب متفاوتة حسب درجة استقلال الاجتهاد وسعته. وقد ذكر بعض أهل العلم تقسيمات تزيد على ستّ مراتب، وذكر آخرون تقسيمات أقلّ. وأختار في هذا الفصل التّقسيم السّداسيّ لكونه الأوسط والأشهر. وسألحق به في المبحث الثالث المرتبة السابعة المعاصرة.
(1) المجتهد المطلق
قال السيوطيّ — رحمه الله —: «هو الذي استقلّ بقواعده لنفسه، يبني عليها الفقه خارجا عن قواعد المذهب المقرّرة».
ويشترط فيه: العلم بكتاب الله، وسنّة رسوله ﷺ، وأقوال الصحابة، ثمّ العلم بأصول الفقه وعلوم الآلة على أتمّ وجه، وأن تكون له دراية وافرة باللغة ومواطن الإجماع والخلاف، وألّا يكون مقلّدا لغيره؛ فهو مجتهد في أصول مذهبه لا يقلّد أحدا فيها إلّا بنوع توافق. وألّا يكون اجتهاده منحصرا في باب من أبواب الفقه. ويكفيه معرفة وجوه دلالة الأدلّة وكيفيّة أخذ الأحكام من لفظها ومعناها.
وهذه أعلى المراتب وأجلّها، وهي رتبة الأئمّة الأربعة وأقرانهم. وقد ذهب جمهور المعاصرين إلى أنّ هذه المرتبة شبه مفقودة في زماننا، أو نادرة ندرة الكبريت الأحمر.
(2) المجتهد المطلق المنتسب
وهو الذي ينسب إلى إمام لأنّه سلك طريقه في الاجتهاد، لا يقلّده في مذهب ولا في دليل، بل اجتهد فوجد طريقه أسدّ الطّرق. وسمّي بهذا الاسم باعتبار أنّه مجتهد مقيّد في مذهب من ائتمّ به، فهو مجتهد في معرفة فتاويه وأقواله ومأخذه وأصوله، دون أن يكون له في الاستنباط منهج خاصّ به، وإنّما التزم بمنهاج مجتهد آخر على سبيل الاتّفاق أو المصادفة.
والأصل أن تكون له اجتهادات خاصّة به، يخالف فيها إمامه، وإن كان يوافقه في جملة الأصول وكثير من الفروع — كموافقة أبي يوسف ومحمّد بن الحسن أبا حنيفة في الطريق، وقد خالفاه في كثير من الفروع، حتّى قيل: إنّها ثلثا المذهب.
(3) المجتهد في المذهب
وهو من يعلم الفقه وأصوله وأدلّة الأحكام تفصيلا، وهو بصير بمسالك الأقيسة والمعاني، تامّ الارتياض في التخريج والاستنباط؛ غير أنّه مقلّد لإمامه فيما ظهر فيه نصّه، بما يعرف من قواعد إمامه وبإتقانه لفتاويه، فلا يتعدّى أقوال إمامه ولا يخالفها، وإن وجد نصّ إمامه لم يعدل عنه إلى غيره.
وقد قال الإمام ابن القيّم — رحمه الله — في هذا الشأن: «وهذا شأن كثير من أصحاب الوجوه والطّرق والكتب المطوّلة والمختصرة». لكنّه ينتقد بشدّة من حصر اجتهاده في ترجيح أقوال إمامه دون نظر في الكتاب والسنّة، فيقول: «وشأن هؤلاء عجيب؛ إذ كيف أوصلهم اجتهادهم إلى كون إمامهم أعلم من غيره، وأنّ مذهبه هو الراجح، والصواب دائر معه، وقعد بهم اجتهادهم عن النّظر في كلام الله ورسوله ﷺ، واستنباط الأحكام منه، وترجيح ما يشهد له النصّ».
ويرفض ابن رشد بشدّة جعل ما ليس بأصل أصلا يقاس عليه, حيث يقول: «والفرق بين هؤلاء وبين العوامّ أنّهم يحفظون الآراء التي للمجتهدين فيخبرون عنها العوامّ، من غير أن تكون عندهم شروط الاجتهاد. فكأنّ مرتبتهم في ذلك مرتبة الناقلين عن المجتهدين، ولو وقفوا في هذا لكان الأمر أشبه؛ لكن يتعدّون فيقيسون أشياء لم ينقل فيها عن مقلّديهم حكم، فيجعلون أصلا ما ليس بأصل، ويصيّرون أقاويل المجتهدين أصولا لاجتهادهم. وكفى بهذا ضلالا وبدعة».
(4) مجتهد الترجيح والفتيا
وهو المتبحّر في مذهب إمامه، المتمكّن من ترجيح قول على آخر، ووجه من وجوه الأصحاب على آخر. ويقدر — مع كونه فقيه النّفس حافظا لمذهب إمامه — على أن يصوّر ويحرّر ويقرّر ويمهّد ويرجّح بين ما قاله الإمام وما قاله تلاميذه أو غيره من الأئمّة. وهذا النّوع من المجتهدين بواسطتهم أمكن الوفاء بما يحتاج إليه الناس في العصور المختلفة من أحكام، بما تمكّنوا من المقارنات والترجيحات بين أقوال الفقهاء وطرائقهم.
(5) طبقة المقلّدين القادرين على التّمييز
وهم القادرون على التّمييز بين المسائل القويّة في المذهب والضعيفة. وهؤلاء ذوو حظّ وافر من الفقه، يستطيعون — لعلمهم بمذاهبهم — الوقوف على الأقوى والقويّ والضّعيف، وظاهر المذهب والرواية النادرة، كأصحاب المتون المعتبرة من المتأخّرين.
(6) المجتهد في مسألة أو مسائل معيّنة
وهو المجتهد الجزئيّ الذي لم يبلغ رتبة الاجتهاد في جميع المسائل، وإنّما بلغ هذه الرتبة في مسألة معيّنة، أو باب معيّن، أو فنّ معيّن، وهو جاهل لما عدا ذلك. وهذه المرتبة قد تلائم عصرنا الذي تخصّصت فيه العلوم وتعمّقت، حيث يتعذّر على الفرد الإحاطة بكلّ أبواب الفقه إحاطة عميقة.
المبحث الثالث (جديد): المرتبة السابعة المعاصرة — المجتهد الجماعيّ المؤسّسيّ
التّقسيم التّراثيّ السّداسيّ الذي عرضناه في المبحث السابق صنعه فقهاء كانوا يعيشون في عصر يختلف اختلافا جذريّا عن عصرنا. كانت النّوازل آنذاك تنشأ ببطء، وتنحصر في بلد أو إقليم، وتتعلّق بمسائل يستطيع الفقيه المتمكّن أن يحيط بها وحده.
أمّا اليوم، فإنّ النّوازل المعاصرة لها طبيعة مختلفة: مركّبة، عابرة للحدود، تستدعي تخصّصات متعدّدة (طبّ، اقتصاد، علوم تقنية، علوم نفسيّة، قانون دوليّ)، وتنشأ بسرعة تتجاوز قدرة الفقيه الفرد على الملاحقة. ومن هنا نشأت الحاجة إلى ما نسمّيه هنا «المرتبة السابعة المعاصرة» في مراتب المجتهدين: المجتهد الجماعيّ المؤسّسيّ.
أوّلا: التّعريف
المجتهد الجماعيّ المؤسّسيّ: الكيان الجماعيّ المنظّم الذي يجتمع فيه عدد من المجتهدين والمتخصّصين، ضمن إطار مؤسّسيّ معترف به، لإصدار قرارات شرعيّة في النّوازل العامّة، وفق منهجيّة موضوعة، ونتاج جماعيّ منشور.
نفكّ هذا التّعريف لمعرفة مكوّناته:
• «الكيان الجماعيّ المنظّم»: ليس فردا، بل مجلس أو لجنة أو مجمع.
• «مجتهدين ومتخصّصين»: لا يقتصر على الفقهاء، بل يضمّ الأطبّاء والاقتصاديّين والتّقنيّين عند الحاجة.
• «إطار مؤسّسيّ معترف به»: منفصل عن الفاعلين الفرديّين، له شخصيّة اعتباريّة.
• «قرارات شرعيّة في النّوازل العامّة»: لا يختصّ بفتوى الفرد، بل بقضايا الأمّة الكبرى.
• «منهجيّة موضوعة»: لا تخضع للارتجال أو التّقدير الشّخصيّ.
• «نتاج جماعيّ منشور»: يخرج بقرار ينتسب للمؤسّسة لا للأفراد، ويعلن بأدلّته.
ثانيا: الجذور الأصوليّة للاجتهاد الجماعيّ
ليس هذا المفهوم بدعة معاصرة، بل له جذور راسخة في تراثنا الفقهيّ والتّاريخيّ:
• الشّورى التي أمر بها القرآن الكريم: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾، و﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ — أصل في الاجتماع على الرأي وعدم التّفرّد به.
• مجلس الشّورى الذي أنشأه عمر بن الخطّاب رضي الله عنه عند موته لاختيار الخليفة من بعده، وكان فيه كبار الصحابة.
• عمل عمر بن الخطّاب في كثير من قضاياه كان منوطا بمشاورة كبار الصّحابة — كقضايا الفتوحات وقسمة الأراضي.
• جمع النبيّ ﷺ أصحابه في الغزوات للاستشارة — كما في بدر وأحد والخندق.
• مجامع العلماء في الأمصار الإسلاميّة الكبرى: مدرسة المدينة، مدرسة الكوفة، مدرسة البصرة — حيث كان يتشاور فقهاء كلّ مدرسة في النّوازل قبل إصدار الفتوى الرسميّة.
هذه كلّها أصول تدلّ على أنّ الاجتهاد الجماعيّ في المسائل الكبرى ليس بدعا من الأمر، بل هو في صميم التّقاليد الإسلاميّة. وقد عدّه فقهاء المعاصرين — كالقرضاوي والزّحيلي — أصلا معتبرا قابلا للتّفعيل في عصرنا, .
ثالثا: النّماذج المعاصرة
يمكن تصنيف المجتهد الجماعيّ المؤسّسيّ المعاصر في ثلاثة أنواع:
النّوع الأوّل: المجامع الفقهيّة الدّوليّة
وهي مجامع تضمّ علماء من أنحاء العالم الإسلاميّ، وتتنازل فيها أصوات القطر الواحد لصالح الإجماع الواسع. من أبرزها: مجمع الفقه الإسلاميّ الدّوليّ التّابع لمنظّمة التّعاون الإسلاميّ، والمجلس الأوروبيّ للإفتاء والبحوث، ورابطة العالم الإسلاميّ بمكّة المكرّمة.
النّوع الثاني: المجامع الفقهيّة الإقليميّة والقطريّة
وهي مجامع تختصّ بإقليم أو دولة بعينها، وتستفيد من معرفتها العميقة بسياقها المحلّيّ. من أبرزها: مجمع فقهاء الشّريعة بأمريكا (الذي قدّم له البحث الأصليّ لهذا الكتاب)، ولجنة الفتوى بدار الإفتاء المصريّة، واللجنة الدّائمة للبحوث العلميّة والإفتاء بالسعوديّة، وديوان الإفتاء بالكويت، ودائرة الإفتاء العامّ بالأردنّ.
النّوع الثالث: فرق الفتوى متعدّدة التّخصّصات
وهي شكل ناشئ يجمع المفتي + المتخصّص الطبيّ + الاقتصاديّ + التّقنيّ، ويستخدم في معالجة النّوازل المركّبة الشّديدة التّعقيد — كالتّعديل الوراثي للجنين، والتّمويل الإسلاميّ المعقّد، والمعاملات الرقميّة بتقنية البلوكتشين. هذا النّوع لا يزال في طور النّشوء، لكنّه يتقدّم بسرعة مع تزايد تعقّد النّوازل.
رابعا: الفرق بين الاجتهاد الفرديّ والاجتهاد الجماعيّ
جدول يلخّص أبرز الفروق:
خامسا: شروط مشروعيّة الاجتهاد الجماعيّ
لكي يكون الاجتهاد الجماعيّ معتبرا ومنتجا لأحكام موثوقة، نحتاج إلى توفّر شروط:
(1) توفّر شروط الأهليّة في الأعضاء: المجتهد الجماعيّ مؤسّسة، لكنّه مؤسّسة مكوّنة من أفراد يجب أن يكون كلّ منهم — في تخصّصه — أهلا للنّظر. فالمفتي يجب أن يكون مفتيا، والمتخصّص التّقنيّ يجب أن يكون متخصّصا. وإلّا تحوّل المجمع إلى تجميع شكليّ بلا روح.
(2) المنهجيّة المعتمدة والموثّقة: لا بدّ من منهج واضح للوصول إلى القرار: كيف تعرض المسألة؟ كيف يجمع الرأي؟ ما النّصاب؟ ما العلاقة بين الأغلبيّة والأقلّيّة؟ هل تنشر آراء الأقلّيّة أم لا؟
(3) الاستقلال المالي والسياسيّ: المجتهد الجماعيّ يحتاج استقلاليّة تحفظه من ضغوط التّمويل أو السياسة. ومتى ما ارتهن لجهة مموّلة أو سياسيّة، خسر مصداقيّته العلميّة.
(4) النّشر والشّفافيّة: قرارات المجامع تنشر بأدلّتها، حتّى يستطيع طلاب العلم والباحثون فحصها ومناقشتها. هذه الشّفافيّة هي ما يميّز المجمع الفقهيّ عن المؤسّسة المغلقة.
(5) آليّة المراجعة: ما الذي يحدث إذا تبيّن خطأ القرار لاحقا؟ آليّة المراجعة جزء من شرعيّة المؤسّسة. والمجامع التي تتشبّث بقراراتها مهما تبيّن خطأها تفقد مصداقيّتها مع الزّمن.
سادسا: متى يكون الاجتهاد الجماعيّ هو الأولى؟
ليست كلّ مسألة بحاجة إلى اجتهاد جماعيّ. فالمسائل اليوميّة الخاصّة، أو النّوازل الشّخصيّة، أو الفتاوى التّعليميّة، يستطيع المفتي الفرد المتمكّن أن ينظر فيها. أمّا المسائل التي تستدعي الاجتهاد الجماعيّ، فهي:
• النّوازل ذات التّأثير الواسع: التي تطال الأمّة كلّها أو شريحة كبيرة منها — مثل: حكم العملات الرقميّة على المسلم، حكم اللّقاحات في الأوبئة، حكم الإنجاب بالأنابيب.
• النّوازل المركّبة: التي تتداخل فيها تخصّصات عدّة — كالتّعديل الوراثيّ، والتّمويل المعقّد، والتّقنيّات الطبيّة المتقدّمة.
• المسائل الخلافيّة الحرجة: التي يحتاج فيها إلى رأي يقطع الخلاف ويوحّد الفتوى — كأوّل شهر رمضان، أو حكم العمل في وظائف مختلطة.
• القضايا الجديدة: التي لم يسبق للفقهاء بحثها — كالواقع الافتراضيّ، والذّكاء الاصطناعيّ، والمعاملات المعقّدة في الفضاء الرقميّ.
سابعا: تحدّيات الاجتهاد الجماعيّ المعاصر
رغم أهمّيّته، يواجه الاجتهاد الجماعيّ تحدّيات حقيقيّة، نذكرها بأمانة لإكمال الصورة:
• بطء الإنتاج: المؤتمرات السّنويّة قد لا تكفي لمواكبة وتيرة النّوازل المتسارعة. والمسلمون قد ينتظرون فتاوى لشهور، بينما يحتاجون إليها فوريّا.
• محدوديّة الوصول: قرارات المجامع تصل لطلاب العلم والمختصّين، لا لعامّة المسلمين الذين يستهلكون الفتوى عبر السوشيال ميديا.
• التّنسيق بين المجامع: غياب آليّة للتّوحيد بين قرارات المجامع المختلفة قد ينتج «فتاوى متعارضة» على المستوى العالميّ، فيربك المستفتي.
• التّمويل والاستقلاليّة: تبقى من أكبر التّحدّيات. كيف نؤمّن للمجمع الفقهيّ دخلا مستقلّا يحفظه من ضغوط الدّول والمموّلين؟
ولكنّ هذه التّحدّيات لا تنفي ضرورة هذه المرتبة الجديدة، بل تستدعي تطوير آليّاتها. وهو ما سيعالجه الفصل الثّامن (من المفتي الفرد إلى المنظومة الإفتائيّة الجماعيّة)، والفصل العاشر (خارطة الطّريق العمليّة) — حيث نطرح مبادرات عمليّة لمعالجة كلّ تحدّ من هذه التّحدّيات.
المبحث الرابع (جديد): جدول مقارن للمراتب السبع جامع
نختم هذا الفصل بجدول مرئيّ يجمع مراتب المجتهدين السبع، يساعد القارئ على استحضارها بنظرة واحدة، ويبيّن موقع كلّ مرتبة من النّموذج العامّ. الجدول يقارن بين المراتب من حيث: نوع الاستقلال، منبع العلم، النّموذج التّاريخيّ، والمقابل المعاصر.
★ المرتبة السابعة هي الإضافة المعاصرة المقترحة في هذا الكتاب، وهي ليست بديلا عن المراتب الستّ، بل مكمّلة لها. فالمجمع الفقهيّ في النّهاية يتكوّن من أفراد ينتمي كلّ منهم إلى إحدى المراتب السابقة، لكنّ التّكامل بينهم ينتج مستوى اجتهاديّا جديدا لا يستطيعه الفرد وحده.
خلاصة الفصل
لقد رأينا في هذا الفصل أنّ مراتب المجتهدين ليست بناء ثابتا انتهى عند الستّ التي قسمها الأصوليّون، بل بناء حيّ يستجيب لحاجات كلّ عصر. أحاط الأقدمون بمراتب الفرد، أمّا عصرنا فيحتاج إلى مرتبة سابعة تستوعب الجماعة والمؤسّسة.
هذا الإضافة ليست تمرّدا على التّراث، بل توسعة له. فالأصول التي بنى عليها الأئمّة تقسيمهم — استقلال الاجتهاد، توفّر شروط الأهليّة، الانتساب أو الاستقلال عن المذهب — هي نفسها الأصول التي نبني عليها المرتبة السابعة، لكن في إطار جماعيّ تتعاون فيه الكفاءات.
وفي الفصل التّالي ننتقل من مراتب المجتهدين إلى شخصيّة المفتي ذاتها: شروطها التّكليفيّة والعلميّة والخلقيّة، مع إضافة المؤهّلات المركّبة للمفتي المعاصر — وهي إضافة أخرى تستحقّ التّأمّل.
الفَصل الرّابع: فَوضى الفَتوى ـ قِراءة مُعاصِرة (٢٠١٨ → ٢٠٢٦)
• عَرَفنا الفَوضى تُراثيّاً في الفَصل الأَوَّل، وحَدَّدنا شَخصيّة المُفتي ومَراتِبه في الفَصلَين الثّاني والثّالث. نَنتَقِل الآن إلى تَنزيل هذه المَفاهيم عَلى الواقِع: ما الذي حَدَث لفَوضى الفَتوى بَين ٢٠١٨ و٢٠٢٦؟
توطئة الفَصل: رُؤيَتان لفَوضى واحِدة
في الفَصل الأَوَّل، عَرَّفنا الفَوضى تُراثيّاً بأنّها «اختِلالٌ في أَداء الوَظائِف، أَو اختِلاطٌ بَين أَطرافٍ لا يُعرَف لكُلٍّ مِنهم فيه حَدّ». وفي البَحث الأَصليّ المُقَدَّم لـ AMJA عام ٢٠١٨م، خَصَّصنا فَصلاً لفَوضى الفَتوى الكلاسيكيّة في الفَضائيّات والمَواقِع الإلكترونيّة.
ولكنّ ما حَدَث بَين ٢٠١٨ و٢٠٢٦ لا يَكفيه ما كَتَبناه آنَذاك. بَل هو يَستَحِقّ تَعريفاً مُجَدَّداً للفَوضى الرَّقميّة، وفَصلاً جَديداً يَتَناوَل ما تَجَدَّد في الواقِع.
ولِهذا، نَفتَتِح بتَعريفٍ لفَوضى الفَتوى الرَّقميّة بأَركانها الأَربَعة. ثُمّ نَستَحضِر بإيجازٍ ما يَبقى مِن الأَصل التُّراثيّ. ثُمّ نَتَوَسَّع في تَوصيف خَمسة تَحَوُّلات وَقَعَت بَين ٢٠١٨ و٢٠٢٦. ثُمّ نُشَرِّح خَمسة أَبعادٍ بنيويّة لـ«الفَوضى الرَّقميّة الجَديدة».
المبحث الأَوَّل: تَعريف الفَوضى الرَّقميّة ـ أَركانٌ أَربَعة
تَطَرَّقنا في الفَصل الأَوَّل إلى تَعريف الفَوضى الكلاسيكيّ. لكنّ هذا التَّعريف ـ مَع صِحَّته ـ يَبقى عامّاً، لا يَلتَقِط بدِقّةٍ شَكل الفَوضى الذي نَعيشُه اليَوم. لِذلك نَقتَرِح هُنا تَعريفاً مُعاصِراً لـ«الفَوضى الرَّقميّة» في الإفتاء:
«الفَوضى الرَّقميّة في الإفتاء: تَشَظّي مَرجِعيّات الفَتوى وتَبَعثُرها عَلى فاعِلين رَقميّين مُتَعَدِّدين، بمَعزِلٍ عَن ضَوابِط الأَهليّة، مَع غياب آليّةٍ موضوعيّةٍ للتَّمييز بَين الفَتوى الرَّشيدة والمنشور الادِّعائيّ.»
دَعنا نَفُكّ مُفرَدات هذا التَّعريف:
(١) «تَشَظّي مَرجِعيّات الفَتوى»
في العُصور السّابِقة، كانَت مَرجِعيّة الفَتوى مَركَزيّة: مَدرَسةً بعَينها أَو دار إفتاءٍ أَو مَجمَعاً فِقهيّاً. ولكنّ الفَضاء الرَّقميّ كَسَر هذه المَركَزيّة. فأَصبَحَت الفَتاوى تَصدُر مِن آلاف الجِهات، كُلّ مِنها يَدَّعي لنَفسه مَرجِعيّةً، ولا تَجمَعها رابِطةٌ مَنهَجيّة.
والتَّشَظّي لَيس مُجَرَّد تَعَدُّد، بَل هو تَعَدُّد مُشَتَّت: لا تَجمَعه مَنهَجيّةٌ مُشتَرَكة، ولا يَحكُمه مَعيارٌ مَوحَّد، ولا يَفصِل فيه مَن لَه أَهليّةُ الفَصل.
(٢) «تَبَعثُرها عَلى فاعِلين رَقميّين مُتَعَدِّدين»
«الفاعِل الرَّقميّ» مَفهومٌ أَوسَع مِن «المُفتي». فهو يَشمَل أَصنافاً عَدّة:
— المُفتي بالمَعنى التَّقليديّ الذي انتَقَل إلى المنصّات.
— الدّاعية الذي تَوَسَّع دَوره ليَشمَل الإفتاء ـ وقَد لا يَكون مؤهَّلاً لَه.
— المؤثِّر الدّينيّ الذي بَلَغَته الشُّهرة قَبل أن يَبلُغها العِلم.
— صانِع المحتوى الذي يُنتِج محتوًى دينيّاً بمَنطِق المُتابَعات، لا بمَنطِق الفُتيا.
— وحَديثاً جِدّاً: النَّموذَج اللُّغَويّ الكَبير (LLM) الذي يُجيب عَن أَسئِلَة شَرعيّة بنَصٍّ مَصقول رَصينٍ بصِياغَته.
كُلّ هؤلاء «فاعِلون» في إنتاج الفَتوى، وكُلّ مِنهم يُسهِم ـ بقَصدٍ أَو بدون قَصد ـ في صِياغة الواقِع الإفتائيّ. والمُستَفتي العاديّ لا يُمَيِّز بَينهم.
(٣) «بمَعزِلٍ عَن ضَوابِط الأَهليّة»
هذه هي العُقدة الأَصليّة. في النِّظام الكلاسيكيّ، كانَت الأَهليّة تُحَدَّد عَبر المؤسَّسات (إِجازة، شَهادة، تَعيين). أَمّا في الفَضاء الرَّقميّ، فالمُتابِعون يَمنَحون الأَهليّة الفِعليّة ـ بمَعنى أنّ الجُمهور هو الذي «يُؤَهِّل» الفاعِل الرَّقميّ بمنحه شَرعيّة المُتابَعة.
وهذا لَيس انتِقاصاً مِن الجُمهور، بَل تَوصيفٌ لعَمَليّةٍ بنيويّة: في الفَضاء الرَّقميّ، تُمنَح الأَهليّة عَبر الانتِشار، لا عَبر الإِجازة العِلميّة.
(٤) «مَع غياب آليّةٍ موضوعيّةٍ للتَّمييز»
في القَنَوات الفَضائيّة الكلاسيكيّة، كان هُناك حَدٌّ أَدنى مِن الرَّقابة (المُذيع، إِدارة القَناة، هَيئة الرَّقابة). أَمّا في الفَضاء الرَّقميّ، فلا يَتَوَفَّر هذا الحَدّ الأَدنى. كُلّ مَنشورٍ يَخرُج بمَعزِلٍ عَن أيّ آليّة مُراجَعة، ولا تَملِك أيّ جِهةٍ صَلاحيّة الفَصل بَين فَتوى صَحيحة وفَتوى مُغَرَّر بها.
الفَرق بَين الفَوضى الكلاسيكيّة والفَوضى الرَّقميّة
مِن المُفيد التَّمييز بَين الفَوضَيَين، فلكُلّ مِنهما طَبيعةٌ مُختَلِفة وعِلاج:
— الفَوضى الكلاسيكيّة: اختِلال في الأَهليّة لدى أَفرادٍ مَعدودين يَتَصَدَّرون. عِلاجها بضَبط الأَفراد.
— الفَوضى الرَّقميّة: اختِلال بنيويّ في النِّظام الإفتائيّ كُلّه، حَيث تَفَكَّكَت آليّات التَّأهيل والتَّمييز. عِلاجها بإِعادة بِناء النِّظام، لا بضَبط الأَفراد فَحَسب.
هذا التَّمييز لَيس تَنظيريّاً مَحضاً، بَل لَه تَبعاتٌ فِقهيّة. فالفَتوى الرَّشيدة لَيست فَقَط فَتوى صَحيحة الحُكم، بَل فَتوى تَنزِل في نِظامٍ صالِح للتَّداوُل.
وبهذا التَّعريف الرُّباعيّ، نَنتَقِل إلى التَّحَوُّلات التي وَقَعَت بَين ٢٠١٨ و٢٠٢٦.
المبحث الثّاني: ما يبقى من الأصل
قبل أن ننطلق إلى التّحليل المعاصر، نستحضر بإيجاز ما كتبناه في 2018 وما قبله — لأنّه الأساس الذي ينبني عليه كلّ ما يلي.
(1) آثار السّلف في تورّعهم عن الفتوى
استعرضنا في البحث الأصليّ خمسة من آثار السّلف تدلّ على تورّعهم العميق عن الفتوى:
— البراء بن عازب رضي الله عنه: «لقد رأيت ثلاثمائة من أصحاب بدر، ما فيهم من أحد إلّا وهو يحبّ أن يكفيه صاحبه الفتيا».
— ابن أبي ليلى: «أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ، يسأل أحدهم عن المسألة فيردّها هذا إلى هذا، حتّى ترجع إلى الأوّل».
— أبو حنيفة: «لولا الفَرَق من الله تعالى أن يضيع العلم ما أفتيت. يكون لهم المهنّأ، وعليّ الوزر».
— سفيان الثوريّ: «أدركنا الفقهاء وهم يكرهون أن يجيبوا في المسائل والفتيا».
— الإمام أحمد: «من عرض نفسه للفتيا فقد عرضها لأمر عظيم».
هذه الآثار لا تدلّ على تخويف من الفتوى، بل على إجلالها وتقديرها. السّلف لم يتركوا الفتوى، بل أدّوها بمهابة من يعلم خطر ما هو مقدم عليه. وهذا الجوّ الرّوحيّ — تورّع المجلّ، لا تهيّب الجاهل — هو ما نفتقده في كثير من المتصدّرين للإفتاء اليوم.
(2) نقول ابن القيّم في الإفتاء بغير علم
والنّقل الجوهريّ الذي عرضناه في 2018 من إعلام الموقّعين لابن القيّم — رحمه الله — هو قوله: «لا يجوز للمفتي أن يشهد على الله ورسوله بأنّ هذا أحلّ كذا، أو حرّمه، أو أوجبه، أو كرهه، إلّا لما يعلم أنّ الأمر فيه كذلك ممّا نصّ الله ورسوله على إباحته أو تحريمه أو إيجابه أو كراهته». وذكر ابن القيّم تحذيرا للسّلف: «ليحذر أحدكم أن يقول: أحلّ الله كذا، أو حرّم الله كذا، فيقول الله له: كذبت، لم أحلّ كذا، ولم أحرّمه».
هذا التّحذير، الذي قيل في عصر كانت الفتوى فيه تستغرق يوما أو أسبوعا، يكتسب اليوم بعدا جديدا وأكثر إلحاحا. فما الذي سيقوله الله يوم القيامة لمن أفتى في مقطع ريل من ثلاثين ثانية، نسب إلى الإسلام شيئا ليس منه؟ هذه نقطة تستحقّ أن تكون في وعي كلّ متصدّر للإفتاء الرّقميّ.
(3) إشكال الفتوى عبر الفضائيّات
في 2018 كتبنا عن إشكال «بعض من يتولّى منبر الفتوى سواء على الفضائيّات أو غيرها من وسائل التّواصل الاجتماعيّ»، ولاحظنا أنّ لديهم من العلم ما يؤهّلهم في زمان ومكان، لكنّهم يفتون لجمهور عابر للحدود لا يعرفون أحواله. هذا الإشكال — رغم أنّه ظلّ صحيحا — قد أصبح اليوم أصغر إشكال. لأنّ ما حدث بعد 2018 أتى بإشكالات أعمق وأخطر، نتناولها في المبحث التالي.
المبحث الثّالث: ما حدث بين 2018 و2026 — خمسة تحوّلات
بين الكلمة التي ألقيناها في هيوستن فبراير 2018، وكتابة هذه السّطور في مايو 2026، مرّت ثماني سنوات أنتجت تحوّلات قلبت معادلة الإفتاء قلبا جذريا. نعرض هنا خمسة تحوّلات نراها مفصلية، تستحقّ أن تحفر في وعي مفتي العصر:
التّحوّل الأوّل: انتقال المركز من الفضائيّات إلى منصّات الفيديو القصير
في 2018، كانت الفضائيّات هي المسرح. كان الجمهور يجلس أمام الشّاشة، يتابع برنامجا دينيّا في وقت محدّد. والفتوى كانت تستغرق دقائق، فيها تفصيل ومحاورة بين السّائل والمفتي. كانت لها بنية: مقدّمة، عرض السؤال، إجابة، تفصيل، خاتمة.
بين 2019 و2022، وقع انفجار الفيديو القصير. تيك توك (TikTok) صار يكتسح، يوتيوب أطلق «شورتس» (Shorts)، وإنستجرام «ريلز» (Reels). والمحتوى الذي يتلقّاه الجمهور تقلّص من دقائق إلى ثوان. والفتوى التي كانت تأخذ خمس دقائق على الفضائيّات، صار يتوقّع منها أن تأخذ ثلاثين ثانية على تيك توك.
هذا الانتقال أنتج تغيّرا جذريا في طبيعة الفتوى — لا في نقلها وحسب:
— التّبسيط القاتل: الفتوى الفقهيّة المركّبة لا يمكن اختزالها في 30 ثانية دون فقدان جوهر الفقه. التّفاصيل، الاستثناءات، السّياق، المقاصد — كلّها تسقط.
— حذفت المحاورة: السّائل لم يعد طرفا في الحوار. صار متلقّيا سلبيّا للفتوى الجاهزة.
— برز الجذب البصريّ: ما ينتشر هو ما يلفت الانتباه — لا ما ينفع. والفتوى التي «تستفز» تنتشر أكثر من الفتوى التي «تنفع».
— اختفى السّكون: الفيديو القصير مبنيّ على الإيقاع السّريع — لا مكان فيه للتّأمّل. والتّأمّل أصل من أصول التّعامل مع الفتوى.
في 2018، كانت الفضائيّات هي المشكلة. اليوم، الفضائيّات نفسها فقدت تأثيرها — أصبحت بدورها «تقليديّة» في عيون الجيل الجديد.
التّحوّل الثاني: صعود «المؤثّر الدينيّ» بوصفه فاعلا منفصلا عن المؤسّسة العلميّة
في النّموذج الكلاسيكيّ، كان «المفتي» يخرج من المؤسّسة: من جامعة، من دار إفتاء، من مدرسة فقهيّة. الجمهور كان يثق به لأنّه تخرّج من مؤسّسة معتمدة، أجازه شيوخه، اعترف به أقرانه.
في النّموذج الجديد — الذي اكتمل تشكّله بعد 2020 — لم يعد «المفتي» يخرج من المؤسّسة. بل ينشأ في الفضاء الرّقميّ نفسه. يبدأ بصفحة، ثمّ بقناة، ثمّ بقاعدة متابعين. الجمهور هو الذي يزكّيه — لا المؤسّسة. والشّهرة هي الإجازة — لا الإسناد.
هذا الفاعل الجديد — الذي نسمّيه «المؤثّر الدّينيّ» — يختلف اختلافا جوهريّا عن «الدّاعية» التّقليديّ:
— الدّاعية التّقليديّ: ينبثق من جماعة علميّة، ينطلق من إجماع مدرسيّ، خطابه مرتبط بمنهج.
— المؤثّر الدّينيّ: ينبثق من نفسه، ينطلق من حدسه (وأحيانا معرفته)، خطابه مرتبط بهويّته الشّخصيّة وعلامته التّجاريّة.
والمؤثّر الدّينيّ ليس بالضّرورة جاهلا — بعضهم له علم نافع. لكنّ المشكلة في منطق العمل:
— يختار موضوعاته بناء على ما يحقّق انتشارا.
— يصوغ خطابه بمنطق المحتوى — لا بمنطق الفقه.
— يعطي «رأيا» أكثر مما يعطي «حكما»، ويجد جمهوره يتلقّاه كأنّه حكم.
— يتحرّك دون مؤسّسة تراجعه أو تصحّح له.
والنّتيجة: مئات الآلاف من المفتين الجدد، لا يخضع أحدهم لإطار مهنيّ، ولا يتحمّل تبعة الخطأ، ولا يجد من يقول له «لا» إذا أفتى بما لا يحسن.
التّحوّل الثالث: انهيار سلطة الإفتاء التّقليديّة لصالح اقتصاد الانتشار
في النّموذج الكلاسيكيّ، كانت السّلطة الإفتائيّة تنبع من ثلاثة مصادر: العلم، الإجازة، الاعتراف المؤسّسيّ. ثلاثتها تتكامل لتنتج مفتيا يثق به الجمهور.
في النّموذج الجديد، السّلطة تنبع من مصدر واحد: الانتشار. من يجذب الجمهور، فهو السّلطة. ومن لا يجذب، فلا سلطة له، حتّى لو كان عالما جليلا.
وهذا الانتقال أفرز ظواهر جديدة لم تكن في حسبان فقهاء التّراث:
— العالم بلا متابعين: عالم مسلّم له بالعلم، لكنّه لا يجد جمهورا يستمع إليه، فلا تأثير له على الواقع.
— المؤثّر بلا علم: شخصيّة بلا تأهيل علميّ جادّ، لكنّها تملك ملايين المتابعين، فلها تأثير هائل على الواقع.
— اقتصاد الانتباه: حيث كلّ ثانية من انتباه الجمهور قابلة للقياس والشّراء، فتصبح «الفتوى» منتجا يتنافس مع منتجات أخرى على نفس الانتباه.
— الخوارزميّة بوصفها محرّك السّلطة: التّوصيات الآليّة هي التي تقرّر من يصل ومن لا يصل — لا الإجماع العلميّ.
والنّتيجة الأخطر: تفكّك ما اعتدنا تسميته «العلماء» كطبقة لها سلطة. فالعلماء صاروا ضمن منظومة أوسع من «الفاعلين الدّينيّين»، لا يستطيعون احتكار التّأثير، بل ينافسون فيه.
التّحوّل الرابع: بروز «ثقافة الترند الدّينيّ»
في الإفتاء الكلاسيكيّ، كانت الموضوعات تختار بمنطق الحاجة: ما الذي يحتاجه الجمهور أن يعرفه؟ ما هي النوازل الواقعة؟ ما الأولويّات في تأهيل المسلم؟
في الإفتاء الرّقميّ المعاصر، الموضوعات تختار بمنطق الترند: ما الذي يتداوله الناس؟ ما الذي يثير الانتباه؟ ما الذي يجلب المتابعات؟
وهذا التّحوّل أنتج ظاهرة «الفتوى الترند»: قضايا قد لا تكون مهمّة في ذاتها، لكنّها تنتشر لأنّها قابلة للنّقاش الجذّاب. والنّتيجة:
— الفتوى تتركّز في المسائل المثيرة على حساب المسائل المهمّة.
— الفقه الأساسيّ (الصّلاة، الزّكاة، آداب التّعامل) يتلقّى انتباها أقلّ من الفقه المثير (موضوعات الجنس، السّياسة، الموسيقى، الجدالات بين المذاهب).
— الجمهور يتلقّى صورة مشوّهة للدّين، يظهر فيها أنّ الإسلام مجموعة من النّقاشات الجدليّة، لا منظومة تربويّة متكاملة.
— ينشأ ما يمكن تسميته «الفقه التّفاعليّ» — الذي ينبني على الجدل والاستفزاز، بدلا من «الفقه التّأصيليّ» الذي ينبني على التّعلّم والتّربية.
وقد لاحظ المتتبّعون أنّ الموضوعات التي تدور حولها فتاوى السوشيال ميديا اليوم — كحكم بعض الموسيقى، أو قطع شعر المرأة بطريقة معيّنة، أو حكم لباس محدّد، أو موقف من نازلة سياسيّة — تأخذ من اهتمام الناس أضعاف ما تأخذه قضايا أصول الإيمان، والتّربية الأخلاقيّة، وتزكية النفس.
التّحوّل الخامس: تحوّل بعض الفتاوى إلى أدوات تعبئة سياسيّة أو إيديولوجيّة
لا يخفى على متابع للواقع الإسلاميّ المعاصر أنّ بعض الفتاوى لم تعد تنطلق من منهج فقهيّ خالص، بل أصبحت أداة في معركة سياسيّة أو إيديولوجيّة. وهذه ظاهرة خطيرة:
— فتاوى تؤيّد سلطة سياسيّة بعينها على حساب أخرى، بصرف النّظر عن الحقّ الفقهيّ.
— فتاوى تستهدف تيّارا إسلاميا منافسا، بدافع التّضييق عليه لا الإصلاح.
— فتاوى تسخّر لتقديم رواية تاريخيّة معيّنة، تخدم مشروعا إيديولوجيّا.
— فتاوى تستخدم لتكفير أو تفسيق أو تبديع الخصم، أكثر من استخدامها لتوجيه السّلوك.
الفقهاء الكلاسيكيّون كانوا يحذّرون من «الإفتاء بالهوى». الهوى عندهم كان شخصيا — رغبة ذاتيّة. اليوم، الهوى يكتسب صورة جماعيّة — هوى التيّار، هوى الجماعة، هوى المرجعيّة السياسيّة. وفي كلتا الصّورتين، هو هوى ينحرف بالفتوى عن مقاصدها.
هذا التّحوّل — وإن كان أخطر التّحوّلات على رسالة الفتوى ذاتها — هو الأصعب علاجا. لأنّه لا يتعلّق بآليّات تنفيذيّة، بل بنوايا الفاعلين. ونيّة الإفتاء بالحقّ، لا تتحقّق إلّا في مفت صفّى نفسه من الانحياز.
المبحث الرّابع: تشريح الفوضى الرّقميّة الجديدة — خمسة أبعاد
بعد أن استعرضنا التّحوّلات الخارجيّة في المبحث السابق، ننتقل الآن إلى تشريح بنيويّ لما يجري داخل الفتوى الرّقميّة. فالفوضى ليست شيئا واحدا، بل خمسة أبعاد متداخلة، يستحقّ كلّ منها التّحليل المنفصل:
البعد الأوّل: فوضى المصدر — من يفتي؟
في الفضاء الكلاسيكيّ، كانت إجابة سؤال «من المفتي؟» واضحة: العالم المعتمد. اليوم، الإجابة تشظّت. فالمفتي قد يكون:
— عالما جليلا بكلّ المعايير الكلاسيكيّة.
— شيخا يلقى تأييد قاعدته الشّعبيّة، رغم أنّ علماء آخرين لا يسلّمون له بالأهليّة.
— داعية ينطلق من خلفيّة وعظيّة، يجيب عن أسئلة فقهيّة دون تأهيل فيها.
— مؤثّرا ليس له شهادة شرعيّة، بل قرأ بعض الكتب أو حضر بعض الدّروس.
— شخصا عاديّا، بلا أيّ تأهيل، يجيب عن أسئلة في تعليقات السوشيال ميديا.
— روبوتا (نموذج لغويّ كبير) يجيب بناء على ما تعلّمه من نصوص بشريّة، دون أن يكون له فهم أو نيّة.
والمستفتي — في كلّ هذه الحالات — يتلقّى إجابة، ولا يستطيع غالبا تمييز مصدرها. وفي ذلك «فوضى المصدر»: غياب القدرة على التّعرّف على «من هو المفتي» في الفتوى التي تصل.
البعد الثاني: فوضى الصّياغة — كيف تختزل الفتوى في ثلاثين ثانية؟
الفتوى الفقهيّة في تكوينها الأصليّ بناء متعدّد الطبقات: مقدّمة، تصوّر للمسألة، استدلال، اعتبار للظّروف، تفصيل، استثناءات، خاتمة. هذا البناء يستغرق وقتا، ويتطلّب من المستفتي صبرا.
منصّات الفيديو القصير لا تحتمل هذا البناء. الفتوى تختزل في:
— عنوان مختصر: «حكم كذا حلال» أو «حكم كذا حرام» — دون تفصيل.
— جملة واحدة: تسقط منها الاستثناءات والظّروف.
— استدلال غائب: فالمشاهد لا يملك صبر الاستماع للدّليل، فيسقط.
— تأطير بصريّ مضلّل: المونتاج يعزّز كلمة بعينها، يضعف أخرى، يوهم بمعنى لم يقصده المفتي.
وهذه «فوضى الصّياغة» تجعل الفتوى الواحدة تخرج بصور مختلفة، حسب الطّريقة التي صيغت بها. والمسألة الواحدة قد تأخذ صورة «حرمة قاطعة» في مقطع، و«جواز مطلق» في مقطع آخر — وكلاهما نسب الكلام لنفس العالم!
البعد الثالث: فوضى السّياق — اقتطاع الفتاوى وإعادة توظيفها
هذا أخطر الأبعاد، وأوسعها انتشارا. فالفتوى تخرج من المفتي في سياق محدّد: لسائل بعينه، في زمن بعينه، في ظرف بعينه. ثمّ تلتقط من سياقها، وتعاد إلى الفضاء العامّ بحيث:
— تصير فتوى عامّة، رغم أنّها كانت خاصّة.
— تطبّق على حالات لم يقصدها المفتي.
— تستخدم في معارك سياسيّة أو إيديولوجيّة لم يكن المفتي طرفا فيها.
— تنسب إلى عالم في سياق يؤذيه ولا يدري.
وكم من فتوى صحيحة، خرجت في موضعها، تحوّلت إلى أداة فتنة لأنّ أحدا اقتطعها واستخدمها في معركة لم يكن لها فيها قول! المفتي قد لا يعرف أنّ كلامه يستخدم اليوم في حرب مذهبيّة لم يكن يخوضها.
البعد الرابع: فوضى التّلقّي — اختيار الفتوى التي تعجب
تكلّمنا في الفصل الأوّل عن «Fatwa Shopping» — تنقّل المستفتي بين الفتاوى. هنا نعمّق المعنى:
في الفضاء الرّقميّ، يستطيع المستفتي أن يطرح سؤاله على عشرات الجهات، ويجمع إجاباتها، ثمّ يختار منها ما يوافق هواه. وفي بعض الحالات، لا يطرح سؤاله أصلا، بل يبحث في يوتيوب عن «حكم كذا» — فيتلقّى عشرات الفيديوهات، يختار منها ما يقول له «نعم».
هذا قلب علاقة المستفتي بالفتوى:
— في النّموذج الكلاسيكيّ: المستفتي يسأل، والمفتي يجيب، والمستفتي يلتزم بالإجابة (نظريا).
— في النّموذج الرّقميّ: المستفتي يستفتي السّوق، فالفتوى تتسوّق على «العرض»، ويختار ما يلائمه.
وهذه الفوضى لا يستطيع المفتي وحده علاجها. علاجها يتطلّب تربية المستفتي — وهذا ما سيعالج في الفصول التّالية، خاصّة الفصل العاشر (المبادرة السّابعة).
البعد الخامس: فوضى المسؤوليّة — من يحاسب إذا أخطأ المفتي الرّقميّ؟
هذا البعد الأخير، والأكثر إلحاحا قانونيا وأخلاقيا. ففي الفتوى الكلاسيكيّة، كان المفتي معروفا بعينه، يجلس في بلد معيّن، ينتمي لمؤسّسة معتمدة. إذا أخطأ، فالنّاس يعرفون من يلومون، والمؤسّسة قد تؤدّبه.
في الفتوى الرّقميّة، المسؤوليّة تتفكّك على عدّة جبهات:
— من أصدر الفتوى: قد يكون في بلد آخر، تحت اسم مستعار، أو مجهولا.
— من نشرها: قناة، حساب، صفحة — تنتشر بإعادة المشاركة، فلا أحد يدّعي المسؤوليّة عنها.
— المنصّة: لا تعتبر نفسها مسؤولة عن محتوى المستخدمين.
— الخوارزميّة: تروّج المحتوى دون تدخّل بشريّ، فلا تخضع لمنطق المحاسبة الأخلاقيّة.
والنّتيجة: إذا أفتى مجهول في تيك توك بفتوى ضالّة، انتشرت في ملايين المشاهدات، وتبعها ملايين الناس — فمن يحمل وزر هذا الضّلال؟ هذا سؤال جوهريّ لم يحلّ بعد، ولا نزعم أنّ هذا الكتاب سيحلّه — لكنّنا نطرحه ليكون في الوعي.
خلاصة الفصل
هذا الفصل يستحقّ أن يكون في وعي كلّ من يعنى بالإفتاء اليوم. فالفوضى التي نتحدّث عنها ليست مجرّد ظاهرة مؤقّتة ستزول، بل هي تعبير عن تحوّل بنيويّ في علاقة الإنسان بالمعرفة الدّينيّة. وإذا لم نعالجها بمقاربة ملائمة، فالأضرار ستتراكم لعقود.
الخمسة تحوّلات التي عرضناها (الانتقال إلى الفيديو القصير، صعود المؤثّر الدّينيّ، اقتصاد الانتشار، الفقه التّفاعليّ، التّسيّس) كلّها تتداخل وتتعزّز. والخمسة أبعاد للفوضى الرّقميّة (فوضى المصدر، الصّياغة، السّياق، التّلقّي، المسؤوليّة) كلّها تنشأ من تلك التّحوّلات.
الفصل القادم — الفصل الخامس: الفتوى بوصفها محتوى رقميا — سيأخذنا إلى الطّبقة الأعمق من هذه القراءة، حيث نفحص الفتوى من زاوية أخلاقيّات الإعلام الرّقميّ، ونطرح مدوّنة مقترحة لأخلاقيّات الإفتاء على المنصّات.
ثمّ يأخذنا الفصل السادس إلى الذّكاء الاصطناعيّ — أخطر التّحوّلات وأحدثها. والفصل السابع إلى فقه الأقلّيّات الرّقميّ. والفصل الثّامن إلى المنظومة الإفتائيّة الجماعيّة. ثمّ يأتي الفصل العاشر — وهو الذي طرحنا في الفصل التّاسع تمهيدا له — بـخريطة الطّريق العمليّة ذات العشر مبادرات.
نسأل الله أن يجعل في هذا التّوصيف ما يفتح أبصار العاملين، ومن قلب التّوصيف ما يهدي إلى الإصلاح.
الفَصل الخامس: الفَتوى محتوًى رَقميّاً ـ أَخلاقيّات المنصّات
⟦ جِسر التَّذكير ⟧ شَخَّصنا الفَوضى في الفَصل السّابِق. نَنتَقِل الآن إلى أَطرافها الثَّلاثة: المُفتي بوَصفه صانِع محتوًى، والمُستَفتي بوَصفه مُستَهلِكاً ناشِراً، والمنصّة بوَصفها وَسيطاً خَوارزميّاً. ثُمّ نَختِم بميثاقٍ أَخلاقيّ مُقترَح ودِراساتِ حالة.
توطئة الفَصل: مِن التَّشخيص إلى الإِطار الأَخلاقيّ
في الفَصل الرّابع، شَخَّصنا فَوضى الفَتوى الرَّقميّة بأَركانها الأَربَعة، وفَحَصنا التَّحَوُّلات الخَمس، وشَرَّحنا الأَبعاد الخَمسة. أَدرَكنا أنّ الفَوضى لَيست مَوضوعاً نَظَريّاً، بَل واقِعٌ حَيٌّ يَعمَل بمَنطِقٍ بنيويّ.
في هذا الفَصل، نَنتَقِل مِن التَّشخيص إلى البِناء. نَتَناوَل أَطراف العَلاقة الإفتائيّة الرَّقميّة: المُفتي، والمُستَفتي، والمنصّة. ثُمّ نَطرَح ميثاقاً أَخلاقيّاً مُقترَحاً يَستَوعِب هذه الأَطراف الثَّلاثة. ثُمّ نَختِم بدِراساتِ حالةٍ تَكشِف ما تَناوَلناه نَظَريّاً في حالاتٍ مَلموسة.
المبحث الأوّل: المفتي بوصفه صانع محتوى
حين يدخل المفتي إلى الفضاء الرّقميّ — على يوتيوب، تيك توك، إنستجرام، أو أيّ منصّة — فإنّه يدخل في منظومة جديدة لها قواعدها الخاصّة. لم يعد فيها مجرّد عالم يستفتيه السائلون، بل صار منتجا للمحتوى يتنافس على الانتباه مع ملايين المنتجين الآخرين. هذا التّحوّل يفرض عليه ضغوطا أربعة، يستحقّ كلّ منها التّحليل:
(1) ضغط الاختصار: حين تتحوّل المسألة الفقهيّة إلى ريل من ستّين ثانية
الفقه الكلاسيكيّ بناء ذو طبقات. المسألة الواحدة تتضمّن: تصوّر الفعل، تكييفه الشّرعيّ، تحديد دليله، النّظر في الاستثناءات، الموازنة بين الأدلّة المعارضة، التّفصيل وفق الحالات، الخاتمة. هذا البناء يستغرق وقتا، وقد يتطلّب ساعات من القراءة والمراجعة قبل النّطق.
منصّات الفيديو القصير لا تحتمل هذا البناء. هي مبنيّة على «الإيقاع السّريع» الذي يحتفظ بانتباه المشاهد، فإذا تجاوز الفيديو ستّين ثانية، خسر معظم متابعيه. النّتيجة: المفتي يقع بين خيارين:
— يختصر المسألة في ستّين ثانية — فيفقد التّفاصيل الجوهريّة.
— يستفيض فيها كما تستحقّ — فيخسر الجمهور.
وأيّ من الخيارين يأخذ به، خسر شيئا. لكنّ كثيرا من المتصدّرين للإفتاء الرّقميّ يختارون الخيار الأوّل دون وعي بمنوال الخسارة. يختزل عقد من البحث الفقهيّ في «حكم كذا حلال» أو «حكم كذا حرام»، وينتقل الجمهور إلى الفيديو التّالي.
هذا الاختزال ليس مجرّد إغفال للتّفاصيل، بل تشويه بنيويّ للفقه. فالفقه — في صميمه — يدور حول الفروق، والشّروط، والاستثناءات. وإذا حذفت كلّها لصالح الجواب القصير، فلم يعد ما يقدّم فقها، بل قاعدة عامّة تطبّق ميكانيكيّا على واقع لا يحتمل التّعميم.
(2) البحث عن الانتشار: أثر مقاييس المشاهدات على اختيار الموضوعات
في النّموذج المؤسّسيّ التّقليديّ، كانت موضوعات الفتوى تنبع من حاجات السائلين. الناس يسألون عمّا يعنيهم، والمفتي يجيب. وما لا يسأل عنه أحد، لا يفتي فيه أحد.
في النّموذج الرّقميّ، يدخل عامل جديد: مقاييس الانتشار. المفتي على المنصّات يرى بأمّ عينيه أيّ موضوعاته ينتشر، وأيّ موضوعاته يموت. وفي ضوء هذه المقاييس، يتشكّل ذوقه في اختيار الموضوعات — شعر بذلك أم لم يشعر.
النّتيجة: الموضوعات المثيرة (موضوعات الجنس، الموسيقى، الخلافات المذهبيّة، التّكفير، السياسة) تأخذ نصيب الأسد من المحتوى الفقهيّ الرّقميّ. أمّا الفقه الأساسيّ (طهارة، صلاة، زكاة، آداب التّعامل، تزكية النفس) فيتلقّى انتباها أقلّ بكثير، لأنّه — ببساطة — لا «يجذب الانتباه» بنفس القدر.
وهذا الانحياز ليس مقصودا من المفتي بالضّرورة. بعض المفتين الجادّين يجدون أنفسهم — رغم نواياهم الحسنة — منجذبين إلى الموضوعات المثيرة لأنّ الخوارزميّة تكافئهم عليها بانتشار أوسع، ويكافئهم الجمهور بانتباه أكبر، ويكافئهم الموقع المنشور به بإيرادات إعلانيّة أعلى.
(3) اقتصاد المؤثّرين: تمويل القنوات الدينيّة وأثره على استقلال الفتوى
منصّات السوشيال ميديا الكبرى — يوتيوب، تيك توك، إنستجرام، فيسبوك — تتيح للمحتوى الذي يتجاوز عتبات معيّنة من المتابعات والمشاهدات أن يكسب مالا عبر الإعلانات. هذا «اقتصاد المؤثّرين» (Influencer Economy) أنتج طبقة جديدة من «المفتين العاملين كأعمال تجاريّة» (Fatwa as Business).
والمشكلة الأخلاقيّة هنا مركّبة:
— تضارب المصالح: المفتي الذي يتعيّش من قناته الرّقميّة، له مصلحة ماليّة في الفتاوى التي تكسب متابعات وانتشارا. هذا قد يؤثّر — وعن غير قصد — على اختياره للموضوعات وعلى صياغته للأجوبة.
— ضغط الإيرادات: حين يعتمد المفتي على إيرادات قناته لمعيشته، يزداد ضغط الانتشار عليه. وقد يؤدّي ذلك إلى تجنّب الموضوعات «غير المربحة» (وإن كانت جوهريّة دينيا) لصالح الموضوعات «المربحة» (وإن كانت ثانويّة).
— شريك التّمويل قد يؤثّر: بعض القنوات تموّل من جهات محدّدة (سياسيّة، مذهبيّة، تجاريّة)، وقد تفرض هذه الجهات — ضمنيا أو صراحة — حدودا لما يمكن أن يقال.
الحلّ الأخلاقيّ ليس أن يمتنع المفتي عن كسب رزقه. الكسب الحلال لا حرج فيه. لكنّ المطلوب: شفافيّة كاملة حول مصادر التّمويل، وفصل واضح بين الفتوى وبين محتوى الترفيه، واستعداد المفتي للتّضحية بمتابعات إذا اقتضى الحقّ ذلك.
(4) الجمهور المشكّل للمحتوى: حين يصوغ السائلون الفتوى قبل أن يصوغها المفتي
في الإفتاء الكلاسيكيّ، كان السائل يطرح سؤاله، والمفتي يجيب وفق ما يراه — حتّى لو أزعج الجواب السائل. أمّا في الإفتاء الرّقميّ، فيجد المفتي نفسه أمام جمهور يتفاعل لحظيا مع كلّ كلمة ينطقها. التّعليقات، الإعجابات، عدد المشاهدات، كلّها تخبره فوريّا بكيف يستقبل ما يقول.
هذا «التّغذية الراجعة الفوريّة» (Instant Feedback Loop) تؤثّر تدريجيا على المفتي. يتعلّم — وعن غير وعي أحيانا — أنّ:
— الفتاوى «المتساهلة» تكسب أكثر من «المتشدّدة».
— الفتاوى التي تتّفق مع توجّهات قاعدة المتابعين تلقى ترحيبا، والتي تخالفها تلقى هجمات.
— الجمهور المتابع يتحوّل بمرور الوقت إلى «جمهور متّسق فكريّا»، فإذا أفتى المفتي بخلاف ما يتوقّعون منه، يخسرهم.
النّتيجة: المفتي يتدرّج — دون أن يشعر — من «مفت يصوغ محتواه» إلى «مفت يستجيب لتوقّعات جمهوره». وهذا انقلاب خطير في علاقة المفتي بالحقّ. فالحقّ لا يحدّده الجمهور.
المبحث الثّاني: المُستَفتي الرَّقميّ ـ خَمس سِماتٍ تَحَوُّليّة
أكثر ما يدهش في تطوّر الإفتاء الرقميّ ليس تحوّل المفتي، بل تحوّل المستفتي. فقد قدّم لنا الفقهاء الأقدمون «آداب المستفتي»: أن يختار الأعلم، وأن يصدق في سؤاله، وأن يلتزم بالفتوى، وأن لا يتنقّل من مفت إلى آخر بحثا عن الرخصة. هذه الآداب بنيت على افتراض ضمنيّ: أنّ المستفتي يطلب الحكم الشرعيّ ليعمل به.
لكنّ المستفتي الرقميّ المعاصر يختلف اختلافا جذريّا عن هذا النموذج. وصفه يستحقّ هذا المبحث المنفرد، لأنّه — كما سنرى — تحوّل بنيويّ في طبيعة العلاقة بين السائل والشّرع.
(1) سرعة التّلقّي
المستفتي الكلاسيكيّ كان يسأل ثمّ ينتظر. قد يأخذ الإمام يوما أو أسبوعا للبحث ثمّ يجيب. هذا الانتظار كان جزءا من التّأديب: يضع السائل أمام جدّيّة سؤاله، ويربّيه على أنّ الحكم الشرعيّ ليس سلعة تسلّم لحظيّا.
أمّا المستفتي الرقميّ، فيتوقّع جوابا فوريّا. يفتح ChatGPT، يكتب سؤاله، يتلقّى إجابة في ثوان. وهذه السرعة، رغم ميزتها العمليّة، تسقط جانبا تربويّا أصيلا: انتظار العلم، والاستعداد النفسيّ لتلقّيه. ويصبح الحكم الشرعيّ في وعي السائل كأيّ معلومة أخرى يستفيدها من محرّك بحث، لا كأمانة تحمل تبعاتها الأخرويّة.
(2) تجزّؤ السؤال
في الإفتاء الكلاسيكيّ، كان السؤال يطرح بسياقه الكامل: يذكر السائل وضعه، ونيّته، وبلده، وظرفه، والتفصيلات الملتبسة. هذا التّفصيل كان يسمح للمفتي بإصدار فتوى محدّدة لحال السائل بعينه.
اليوم، يتجزّأ السؤال على نحو مقلق: يسأل المستفتي عن «حكم الفائدة البنكيّة» دون أن يحدّد طبيعة البنك، ونوع الحساب، ونسبة الفائدة، والغرض من الإيداع. ويتلقّى جوابا عاما قد لا ينطبق على وضعه. ثمّ يسأل في منصّة أخرى عن «حكم العمل في شركة تملك بنكا»، وفي ثالثة عن «حكم القرض السكنيّ في أمريكا»، دون أن يربط هذه الأسئلة في استشارة واحدة متكاملة مع مفت يعرفه ويعرف حاله.
والنتيجة: جواب تقريبيّ لكلّ سؤال، وغياب للجواب الدقيق الذي ينبثق من السياق المتكامل.
(3) التّنقّل بين الفتاوى (Fatwa Shopping)
ظهر مصطلح معاصر في الأدبيات الأكاديميّة الإنجليزيّة هو «Fatwa Shopping» — أي «التّسوّق بين الفتاوى». والمعنى أنّ المستفتي يطرح سؤاله على عدّة جهات، يجمع الإجابات، ثمّ يختار منها ما يوافق هواه.
هذا السلوك، الذي كان نادرا في العصور السابقة، أصبح اليوم سهلا، بل متوقّعا. وقد لاحظ علماء الجاليات الإسلاميّة في الغرب هذه الظاهرة بشكل خاصّ: حيث يقصد المستفتي عدّة مشايخ، يترك من قال له «لا»، ويتمسّك بمن قال له «نعم». هذا ينزع عن الفتوى أحد أهمّ وظائفها: التّربية وإصلاح النفس. ويعيد الفتوى إلى وظيفة الترخيص النفسيّ لما يهواه السائل.
(4) المستفتي بوصفه مستهلكا للمحتوى
هذا أخطر تحوّل. لم يعد المستفتي يسأل لأنّه يريد أن يعمل، بل يستهلك المحتوى الدينيّ كما يستهلك أيّ محتوى رقميّ آخر: للترفيه، أو الفضول، أو النقاش، أو التّسلية. الفتوى تخرج من إطار «المعرفة العمليّة» وتدخل في إطار «الترفيه التعليميّ» (Edutainment).
ولذلك، فإنّ كثيرا ممّن يستمعون إلى فتاوى الفضائيات ومقاطع التيك توك لا ينوون تطبيق ما يسمعون، بل ينوون «أن يكونوا مطّلعين». وهذا يغيّر علاقة الجمهور بالشّرع تغييرا جوهريّا، ويحوّل ما كان «حجّة» إلى ما يشبه «الرأي» في المسائل العامّة. ويتساوى عند هؤلاء قول العالم وقول المحبّ للظهور، لأنّ المقصود ليس العمل، بل المتابعة.
(5) المستفتي بوصفه ناشرا
أخيرا، لم يعد المستفتي مجرّد متلقّ، بل صار ناشرا. فإذا أعجبته فتوى، شاركها على منصّات التواصل، وأقنع بها أصدقاءه، وأدخلها في نقاشاتهم. وهكذا تصبح الفتوى — مهما كانت ضعيفة في إسنادها — جزءا من المنظومة المعرفيّة للمجتمع، يتداولها الناس على أنّها «حكم الشرع»، دون أن يعرف أحد من أين جاءت، ولا من قائلها، ولا ما هي حجّته.
والملاحظ أنّ المستفتي حين ينشر، لا ينشر بالضرورة ما اقتنع به علميّا، بل ما توافق هواه. فيرشّح بذلك للمجتمع ما يحبّ أن يصدّقه الناس، لا ما يصحّ في النظر العلميّ. ومن هنا يتراكم في المجتمعات الرقميّة ما يمكن تسميته «الإجماع الجماهيريّ على الباطل» في بعض المسائل، وهو إجماع منبته التّداول الكثير، لا التّحقيق العلميّ.
المبحث الثّالث: هيمنة الخوارزميّات
بين المفتي والمستفتي في الفضاء الرّقميّ، يقف وسيط جديد لم يكن في النّموذج الكلاسيكيّ: الخوارزميّة. هذه الخوارزميّة ليست محايدة، بل مبنيّة على منطق تجاريّ يهدف إلى إطالة وقت بقاء المستخدم على المنصّة. وكلّ ما يحقّق هذا الهدف يكافأ بالانتشار، وكلّ ما لا يحقّقه يهمّش.
(1) الخوارزميّة بوصفها وسيطا جديدا بين السائل والمفتي
في الفضاء الكلاسيكيّ، كان المستفتي يقصد العالم: يأتي إلى مجلسه، أو يتصل به، أو يرسل له. كانت هناك علاقة مباشرة. أمّا في الفضاء الرّقميّ، فالعلاقة تمرّ عبر طبقة غير مرئيّة:
المستفتي يفتح يوتيوب → الخوارزميّة تختار له فيديوهات → المستفتي يختار من بينها → يصل إلى الفتوى.
هذه الطّبقة الوسيطة هي التي تقرّر أيّ المفتين يصل، وأيّ الموضوعات تروّج، وأيّ الإجابات تنتشر. والمستفتي قد لا يعلم أنّ ما يراه ليس «حكم الإسلام في المسألة»، بل «الفتوى التي اختارت الخوارزميّة أن تعرضها له بناء على بياناتها عنه».
وهذه نقطة جوهريّة: الخوارزميّة لا تعرف الحقّ من الباطل، ولا تهتمّ به. كلّ ما تهتمّ به هو: ما الذي يبقي المستخدم على المنصّة أطول؟ فإذا كانت الفتوى المثيرة (وإن كانت خاطئة) تبقيه أطول، روّجتها. وإذا كانت الفتوى الصّحيحة (لكن المملّة) تخسر الانتباه، أهملتها.
(2) انحياز التّرند: لماذا تنتشر فتاوى بعينها وتموت أخرى؟
الخوارزميّة لا تتعامل مع المحتوى بمنطق «الجودة» بل بمنطق «الإشارات» (Signals). إشارات مثل:
— سرعة وصول التّفاعل في الدّقائق الأولى من النّشر.
— نسبة المشاهدة (هل أكمل المشاهدون الفيديو أم تركوه).
— التّعليقات (وكلّ تعليق — سواء كان مؤيّدا أو معارضا — يعزّز الانتشار).
— المشاركات (Shares) — مؤشّر قويّ على الانتشار.
بناء على هذه الإشارات، تختار الخوارزميّة أن تروّج فتوى بعينها لملايين المستخدمين، أو أن تدفنها في النّسيان. والإشارات التي تفعّل الانتشار ليست مرتبطة بصحّة الفتوى، بل بقدرتها على إثارة التّفاعل. وهذا انحياز بنيويّ لصالح المحتوى المثير على حساب المحتوى الصّحيح.
النّتيجة العمليّة: الفتاوى الشاذّة قد تنتشر أكثر من الفتاوى الصّحيحة، لأنّ الشّذوذ يحدث تفاعلا (إعجاب من بعض، استنكار من بعض، نقاش، تعليقات). والفتوى الصّحيحة المتّزنة تمرّ مرور الكرام.
(3) فقاعات التّصفية الدينيّة
«فقاعة التّصفية» (Filter Bubble) مصطلح معروف في دراسات الإعلام الرّقميّ. ومعناه: أنّ الخوارزميّة، بحكم تعلّمها من بيانات المستخدم، تعرض له ما يوافق توجّهاته أكثر ممّا يخالفها. هذا ينتج بيئة معرفيّة مغلقة، يرى فيها المستخدم تعزيزا لما يعتقد بدلا من تحدّيه.
وفي الفضاء الدّينيّ، هذا يأخذ صورا خطيرة:
— المتديّن المتشدّد: تعرض له الخوارزميّة فتاوى متشدّدة أكثر فأكثر. يتصلّب موقفه بمرور الوقت.
— المتحرّر: تعرض له فتاوى متساهلة. يتجرّأ على التّفلّت أكثر فأكثر.
— المتشكّك: تعرض له محتوى يقوّي شكّه، فيزداد تشكّكه.
— المنتمي لمذهب بعينه: تعرض له محتوى من مذهبه، فيزداد عزلة عن المذاهب الأخرى.
النّتيجة: تفكّك «الجمهور المسلم» إلى فقاعات متوازية، كلّ فقاعة تستهلك محتواها الخاصّ، ولا تتقاطع مع الأخرى إلّا في المعارك الإعلاميّة. وحين تلتقي الفقاعتان، يبدو التّفاهم مستحيلا، لأنّ كلّ طرف يعيش في كون معرفيّ مختلف عن الآخر.
المبحث الرّابع: ميثاق أخلاقيّ مقترح للإفتاء الرّقميّ
بعد أن عرفنا الضّغوط والوسائط، نقترح في هذا المبحث ستّة مبادئ أخلاقيّة يستحقّ كلّ مفت على المنصّات أن يلتزم بها — لا بوصفها لائحة قانونيّة (لا توجد سلطة تفرضها)، بل بوصفها مدوّنة سلوك ذاتيّة يلتزم بها المفتي من داخله، حفظا لأمانة العلم وحرمة الفتوى.
هذه المبادئ السّتّة هي:
(1) مسؤوليّة الكلمة المنشورة: لا رجعة لما نشر
في الفضاء الرّقميّ، كلّ ما ينشر يبقى. حتّى لو حذف المفتي فيديوهه، يبقى عند من نزّلوه، وعند من شاركوه. وما نشر مرّة، فقد دخل التاريخ. هذه الحقيقة تفرض على المفتي مسؤوليّة كلاميّة أعمق ممّا كان عليه في النّموذج الشّفويّ:
— التّحقّق من المعلومة قبل النّشر.
— التّأمّل في الصّياغة لئلّا تحتمل إلّا المعنى المقصود.
— الاستعداد لتحمّل تبعة الكلمة على المدى الطّويل — لأنّها ستعود في كلّ لحظة، وتذكّر بها للمفتي في كلّ مناسبة.
— عدم النّشر في حالات الغضب أو الإثارة العاطفيّة، لأنّ ما ينشر في تلك الحالات يبقى للأبد.
(2) أمانة العنوان: ضدّ العناوين المثيرة (Clickbait الدّينيّ)
ظاهرة بارزة في الإعلام الرّقميّ هي عناوين «الإثارة» (Clickbait): عناوين تثير الفضول لتدفع المستخدم للنّقر، لكنّها لا تفي بما تعد. ودخل هذا الأسلوب إلى المحتوى الدّينيّ بصور متعدّدة:
— «حكم لم يقله أحد من العلماء حتّى الآن!»
— «شيخ كبير يفجّر مفاجأة لم يتوقّعها أحد».
— «لن تصدّق ما قاله الإمام عن كذا».
— «خطأ كبير يقع فيه 99% من المسلمين».
هذه العناوين خلل أخلاقيّ. لأنّها — في أحسن أحوالها — تستغلّ ضعف الإنسان أمام الإثارة. وفي أسوأ أحوالها، تؤطّر المسألة الفقهيّة بإطار مضلّل، فيتلقّى الجمهور الفتوى بتوقّع خاطئ، فيستوعبها على غير وجهها.
المبدأ المقترح: العنوان يجب أن يلخّص المحتوى بأمانة. لا ينفي ولا يضخّم. وإذا اقتضى الأمر استخدام عناوين «جذّابة»، فلتكن صادقة مع المحتوى.
(3) احترام السّياق: عدم اختزال المسائل الكبرى في عناوين قصيرة
بعض المسائل الفقهيّة لا تحتمل التّبسيط. مسألة معاملة المسلم لغير المسلم في الغرب، مسألة الزواج بين الأديان، مسألة العمل في وظائف مختلطة، مسألة التّعامل مع الذّكاء الاصطناعيّ — كلّها مسائل مركّبة، تستحقّ التّفصيل.
اختزال هذه المسائل في «حلال» أو «حرام» مخالف للمنطق الفقهيّ. الفقه يعرف التّفصيل بين الحالات، والتّعليل بأسباب الأحكام، والموازنة بين المصالح والمفاسد. وإذا اختزلت المسألة، فقد الفقه في الاختزال.
المبدأ المقترح: للمفتي أن يختار: إمّا أن يعالج المسألة معالجة مستحقّة (في فيديو أطول أو سلسلة فيديوهات)، أو أن يمتنع عن معالجتها. ولا يفتي في المسائل الكبرى بصياغة «قول واحد»، لأنّ ذلك مخالف لطبيعة الفقه.
(4) الإفصاح عن التّمويل والمصلحة
الشّفافيّة في التّمويل والمصالح من أهمّ مبادئ الإعلام المعاصر. وما هو لازم للصحافيّ، أولى أن يكون لازما للمفتي. فإذا كانت قناة المفتي مدعومة من جهة بعينها، أو كانت له مصلحة في الموضوع الذي يفتي فيه، فعليه أن يفصح.
الأمثلة على ذلك:
— إذا كان المفتي يستفيد من إعلانات قناته، يجب أن يفصح أنّ هذا مصدر دخل له (هذا قانونيّ في كثير من الدول أصلا).
— إذا كانت قناته مموّلة من جهة تيّاريّة أو سياسيّة، يجب الإفصاح.
— إذا كان يدخل في شراكات ماليّة مع شركات (تأمين إسلاميّ، تمويل إسلاميّ، إلخ)، يجب الإفصاح حين يفتي في مسائل تتعلّق بهذه المجالات.
الإفصاح لا يلغي شرعيّة العلاقة. لكنّه يكشف للجمهور الموقع الذي ينطق منه المفتي، فيستطيع الجمهور أن يقيّم بنفسه ما إذا كان هذا الموقع يؤثّر على الفتوى.
(5) تجنّب التّحريض والتّلاعب العاطفيّ
الإعلام الرّقميّ يكافئ المحتوى العاطفيّ. والمفتي قد يقع في فخّ التّحريض العاطفيّ ليكسب انتشارا، فينتج محتوى يؤجّج العواطف على حساب التّفكير. هذا يتنافى مع روح الفقه الذي يربّي على الموازنة والتّأنّي.
صور هذا الانزلاق كثيرة:
— استخدام الموسيقى الدراميّة في مقاطع الفتوى لإثارة الحماسة.
— عناوين تروّج «معارك» بين العلماء أو المذاهب.
— استخدام لغة الانتقام أو الانتصار في عرض المسألة الفقهيّة.
— توظيف صور أو فيديوهات مؤثّرة عاطفيا لتعزيز موقف فقهيّ بعينه.
المبدأ المقترح: العواطف لها مكان في الدّين — في الخطبة، في الموعظة، في الذّكر. لكنّ مكانها في الإفتاء محدود. الفتوى تستدعي العقل والتّأمّل، لا الإثارة العاطفيّة.
(6) مسؤوليّة المفتي عن «النّسخ المقتطعة» من فتواه
هذا المبدأ يستحقّ الإطالة لأنّه الأكثر إغفالا. ذكرنا في الفصل السابق أنّ الفتوى تقتطع وتعاد توظيفها. ومن أعاد توظيفها يتحمّل وزرا واضحا. لكن السؤال: هل المفتي الأصليّ مسؤول جزئيا عن ذلك؟
نرى أنّ المفتي مسؤول جزئيا، بشرطين:
— إذا كان يعلم أنّ كلامه سيقتطع، ولم يأخذ احتياطه (مثل: أن ينشر النّصّ الأصليّ كاملا، يضع توضيحات، يردّ على الاقتطاع).
— إذا كان قادرا على التّصحيح بعد الاقتطاع، ولم يفعل.
المبدأ المقترح: للمفتي مسؤوليّة استمراريّة — لا تنتهي عند لحظة الإصدار، بل تستمرّ في متابعة كيف تنقل فتواه، والتّدخّل لتصحيحها حين تحرّف. وهذا التزام يتطلّب وقتا وجهدا، لكنّه جزء من «الأمانة الإعلاميّة» التي طرحناها كأحد المؤهّلات الخمسة في الفصل الثاني.
المبحث الخامس: أنماط من الواقع — دراسات حالة
في هذا المبحث نستعرض ثلاثة أنماط بارزة لإخفاقات في الإفتاء الرّقميّ، دون تخصيص أسماء بعينها (احتراما للأمانة العلميّة، ولأنّ القصد هو فهم النّمط لا التّشهير بأفراد). كلّ نمط يمثّل حالات متعدّدة وقعت في السنوات الأخيرة:
النّمط الأوّل: «الفتوى الفيروسيّة» — حين تنتشر فتوى شاذّة
في عام يقع، يخرج عالم أو مؤثّر دينيّ على المنصّات بفتوى تخالف ما عليه الجمهور من العلماء في المسألة نفسها. الفتوى قد تكون متشدّدة أو متساهلة، لكنّها تخالف الإجماع المعهود.
ما يحدث: الإعلام الرّقميّ يلتقط الفتوى الشاذّة بسرعة، لأنّها «جديدة» و«مثيرة». تنتشر في الفضاء العامّ على نطاق واسع. وقد يتأثّر بها بعض المسلمين، خاصّة من يجدون فيها تأييدا لموقفهم النّفسيّ أو الاجتماعيّ. ثمّ ينبري بعض العلماء لمناقشتها، فتزداد انتشارا (لأنّ النّقاش يغذّيها). وقد يستمرّ تأثيرها لسنوات.
الدّرس: الفتوى الشاذّة في الفضاء الرّقميّ تأخذ حجما يتجاوز حجمها الفقهيّ بأضعاف. ومعالجتها لا تكون بالردّ المباشر فقط (الذي قد يعزّز انتشارها)، بل بإثراء المحتوى البديل المتّزن، وبناء جمهور يستطيع تمييز الشاذّ من المعتبر.
النّمط الثاني: «المؤثّر بدون مؤسّسة» — حين ينشأ مرجع دينيّ خارج الإطار العلميّ
في السنوات الأخيرة، صعدت في فضاء السوشيال ميديا شخصيّات تلقى ملايين المتابعين، تقدّم محتوى دينيّا، دون أن تكون قد تخرّجت من المؤسّسات العلميّة المعتمدة. بعضهم قرأ بنفسه، بعضهم تلقّى بعض الإجازات، بعضهم لم يلتق بالعلم إلّا عبر يوتيوب أيضا.
ما يحدث: الجمهور يتعامل معهم كمرجعيّة دينيّة بدوام كامل، يسألونهم في الفتاوى، يستشيرونهم في حياتهم، يستهلكون كلامهم كأنّه حكم الإسلام. والمؤسّسات العلميّة الرّسميّة لا تستطيع منافستهم على الانتشار، فتجد نفسها متجاوزة.
الدّرس: الفضاء الرّقميّ يسمح بنشوء «مرجعيّات دينيّة» موازية للنظام العلميّ المعتمد. وهذا يستدعي من المؤسّسات أمرين: (1) أن تدخل الفضاء الرّقميّ نفسه بقوّة، (2) أن تبني آليّات تساعد الجمهور على التّفريق بين المرجعيّة العلميّة والمرجعيّة الإعلاميّة. وهذا ما سيعالج في الفصل العاشر.
النّمط الثالث: «الفتوى المرتدّة» — حين تتراجع المؤسّسة عن فتوى بعد ضجّة إعلاميّة
نمط يستحقّ التّأمّل: تصدر مؤسّسة علميّة فتوى تراها صحيحة. تحدث الفتوى ضجّة إعلاميّة. تتعرّض المؤسّسة لضغط شعبيّ أو سياسيّ. تراجع موقفها، أو تصدر «توضيحا» يخفّف من حدّتها.
ما يحدث: الجمهور يفقد ثقته في المؤسّسة، لأنّه يرى أنّها تغيّر فتاواها بحسب الضّغط. وكلا الشّقّين قد يكونان موضع نقد: إن كانت الفتوى الأصليّة صحيحة، فالتّراجع عنها ضعف. وإن كانت خطأ، فالأصل أن تصدر صحيحة منذ البداية.
الدّرس: المؤسّسات الفقهيّة بحاجة إلى نضج إعلاميّ — أن تتوقّع الضّجّة قبل إصدار الفتوى، وأن تهيّئ لها، وأن تستعدّ للدّفاع عن موقفها إذا كان صحيحا. والتّراجع تحت الضّغط — حتّى لو كان خيارا سياسيا مفهوما — يكلّف المؤسّسة مصداقيّتها على المدى الطّويل.
خلاصة الفصل
هذا الفصل قدّم إطارا أخلاقيّا للإفتاء الرّقميّ، يتأسّس على فهمين:
الفهم الأوّل: أنّ المفتي على المنصّات يعمل في بيئة لها قواعدها — قواعد الانتشار، الخوارزميّات، اقتصاد الانتباه. وفهم هذه القواعد لا يعني التّسليم بها، بل التّعامل معها بوعي.
الفهم الثاني: أنّ الإفتاء الرّقميّ بحاجة إلى مبادئ أخلاقيّة جديدة، تكمل الشّروط الكلاسيكيّة، وتحفظ أمانة العلم في فضاء محكوم بمنطق مختلف.
والمبادئ السّتّة التي طرحناها (مسؤوليّة الكلمة، أمانة العنوان، احترام السّياق، الإفصاح، تجنّب التّحريض، مسؤوليّة النّسخ المقتطعة) ليست لائحة قانونيّة، بل مدوّنة سلوك ذاتيّة يلتزم بها المفتي من داخله.
سنأخذها لاحقا في الفصل العاشر (المبادرة الأولى) ونحوّلها إلى ميثاق المفتي الرّقميّ — وثيقة مرجعيّة قابلة للتّبني المؤسّسيّ.
الفصل القادم — السادس — يأخذنا إلى أخطر تحوّل ضرب الفتوى في عصرنا: الذّكاء الاصطناعيّ. وفيه نتساءل بجدّيّة: هل يستطيع الذّكاء الاصطناعيّ أن يفتي؟ ما الفرق بين أن يكون مساعدا معلوماتيا للمفتي وبين أن يكون بديلا عنه؟ أسئلة لم يطرحها الفقه الكلاسيكيّ، ويلحّ عليها واقعنا اليوم.
الفصل السادس: الذّكاء الاصطناعيّ وسؤال الإفتاء — حدوده وضوابطه
توطئة الفصل: السؤال الذي لم يطرحه فقهاء التّراث
ينطلق هذا الفصل من سؤال جوهريّ لم يطرحه فقهاء التّراث، لأنّ عصرهم لم يستدعه: هل يستطيع الذّكاء الاصطناعيّ أن يفتي؟ وما الفرق بين أن يكون أداة مساعدة للمفتي، وأن يكون بديلا عنه؟
هذا الفصل لا ينطلق من رعب من التّقنية، ولا من اندفاع نحوها. بل يفحصها فحصا أصوليّا هادئا — منذ ركن «الأهليّة» الذي وقفنا عنده في الفصل الثاني، إلى «فقه الواقع» الذي أصّله ابن القيّم، إلى «المقاصد» التي بنى عليها الشاطبيّ. ونسأل: أين يقع الذكاء الاصطناعيّ من كلّ هذه الأركان؟
والهدف ليس تحريم استخدام الذّكاء الاصطناعيّ، ولا إباحته على إطلاقه، بل تحرير محلّ النّزاع: ما الذي يفعله الذّكاء الاصطناعيّ بالفعل؟ وما الذي يمكن أن يفعله مشروعا؟ وما الذي يمنع عليه أن يفعله؟
سينتظم الفصل في خمسة مباحث: إطار تقنيّ مبسّط، تحليل أصوليّ لأركان الفتوى أمام النّموذج اللّغويّ، تمييز بين المساعدة والإفتاء، تحليل خطر «الفتوى الآليّة»، ثمّ مدوّنة مقترحة لاستخدام الذكاء الاصطناعيّ من قبل المفتي.
المبحث الأوّل: الإطار التّقنيّ المبسّط
قبل أن نتحدّث عن الحكم الشّرعيّ لـ«الذكاء الاصطناعيّ»، لا بدّ أن نفهم ما هو. والفقيه يحتاج إلى تصوّر الواقع قبل أن يفتي فيه — كما قرّر الشّاطبيّ وغيره. وهذا التّصوّر التّقنيّ المختصر يتيح أساسا سليما للحكم الشّرعيّ.
(1) ما هي «النّماذج اللّغويّة الكبيرة» (LLMs)؟
النّماذج اللّغويّة الكبيرة — مثل ChatGPT وClaude وغيرهما — أدوات برمجيّة تدرّب على كميّات هائلة من النّصوص البشريّة (تقدّر أحيانا بتريليونات الكلمات). من خلال هذا التّدريب، تتعلّم الأنماط الإحصائيّة في اللّغة، فتستطيع — حين يعرض عليها سؤال — أن «تتنبّأ» بالكلمات المحتملة في الإجابة.
والنّقطة المفصليّة هنا: هذه النّماذج لا «تعرف» المعلومة بمعنى أنّها تفهمها وتتعقّلها. بل تتنبّأ إحصائيّا بما يأتي بعد ما قيل. التّنبّؤ قد يصادف الحقيقة، وقد ينحرف عنها — وكلا الحالتين بنفس الآليّة الإحصائيّة.
(2) الفرق بين «المعرفة» و«التّنبّؤ الإحصائيّ»
هذا الفرق جوهريّ في معرفة موقع الذّكاء الاصطناعيّ من الفتوى. المعرفة عند البشر تنطوي على:
— الإدراك: فهم المعنى لا تكرار الصياغة.
— التّحقّق: قدرة على التّمييز بين الصّحيح والمحتمل.
— النّيّة: قصد في النّطق بالحكم.
— التّبعة: استعداد لتحمّل وزر الخطأ.
النّموذج اللّغويّ لا يملك واحدة من هذه. هو يتنبّأ بناء على أنماط رأى مثلها قبلا. فإذا كانت الأنماط التي تدرّب عليها صحيحة، صدّقت إجاباته. وإذا كانت متناقضة أو خاطئة، تلعثمت. وفي كلتا الحالين، النّموذج يجيب بنفس الثّقة — لا يملك آليّة للتّمييز.
(3) ظاهرة الهلوسة (Hallucination)
من أبرز خصائص النّماذج اللّغويّة: «الهلوسة». والمعنى: أنّ النّموذج ينتج إجابة مقنعة لغويا، تبدو صحيحة وواثقة، لكنّها مختلقة — أحيانا جزئيا، وأحيانا كليا. النّموذج يخترع مصدرا غير موجود، أو يستشهد بحديث لا أصل له، أو ينسب قولا إلى عالم لم يقله، بنفس النّبرة التي يستشهد بها بالنّصوص الحقيقيّة.
هذه الظّاهرة تتقلّص مع تطوّر النّماذج، لكنّها لن تنعدم تماما — لأنّها من صميم آليّة عمل التّنبّؤ الإحصائيّ. والنّموذج لا يستطيع أن «يعرف ما لا يعرف». فلا يتوقّف عن الإجابة إذا جهل، بل يكمل بأفضل تخمين إحصائيّ — وقد يكون التّخمين باطلا.
هذه الظّاهرة وحدها — لو وقفنا عندها فقط — كافية لاستبعاد النّموذج اللّغويّ من منصّة الإفتاء. لأنّ الفتوى لا تحتمل احتمالا بأنّ المفتي قد يجيب إجابة ملفّقة بنبرة الواثق.
(4) قدرات النّماذج في النّصّ الشّرعيّ — وحدودها
النّماذج المعاصرة قفزت قفزات في فهم النّصّ الشّرعيّ والاستجابة له. تستطيع أن تستحضر آيات قرآنيّة، وأحاديث (مع تنبيه على ضعفها أحيانا)، ونقولا عن العلماء. لكن قدرتها محدودة في:
— التّحقّق من نسبة النصوص: قد تستشهد بحديث ضعيف أو موضوع كأنّه صحيح.
— التّمييز بين المعتمد والشاذّ في المذاهب: لأنّها لا تعرف «ميزان الترجيح» الذي يعرفه طالب العلم.
— استيعاب السّياق المحدّد للسائل: لأنّها تجيب بأجوبة عامّة لا تتكيّف مع حال السائل المعيّن.
— التّقدير المقاصديّ: الموازنة بين المصالح والمفاسد تحتاج إدراكا لا يملكه النّموذج.
المبحث الثاني: موقع الذّكاء الاصطناعيّ من أركان الفتوى
في الفصل الثاني، عرضنا أركان الفتوى الكلاسيكيّة: الأهليّة (تكليفيّة + علميّة + شخصيّة)، والاجتهاد، والنّيّة، والعلم بالواقع، ومراعاة المقاصد. والسؤال الذي يفصل في علاقة الذكاء الاصطناعيّ بالإفتاء هو: هل تتوفّر هذه الأركان في النّموذج اللّغويّ؟ نفحص الأركان واحدا واحدا.
(1) ركن الأهليّة: التّكليفيّة
الشّروط التّكليفيّة في المفتي: الإسلام، البلوغ، العقل. والنّموذج اللّغويّ:
— ليس مسلما ولا غير مسلم — هو ليس شخصا أصلا، فلا تنطبق عليه أحكام الأديان.
— ليس بالغا ولا قاصرا — هو ليس إنسانا.
— لا يتّصف بـ«العقل» بالمعنى الفقهيّ — وإن أشبه عمله نتاج العقل.
النّتيجة: النّموذج اللّغويّ يفقد جميع الشّروط التّكليفيّة، لأنّها مبنيّة على كون المفتي إنسانا مكلّفا. والنّموذج ليس مكلّفا، فلا يدخل دائرة الإفتاء بهذا المعنى.
(2) ركن العلم: هل العلم المختزن إحصائيّا علم بالمعنى الشّرعيّ؟
النّموذج اللّغويّ يختزن معلومات هائلة — كأنّه «مكتبة ضخمة». لكنّ الفقيه ليس «مكتبة»، بل هو من تفاعل مع المعلومات، وفهمها، ووزنها، واستنبط منها. العلم في النّموذج اللّغويّ ملكة الاسترجاع، لا ملكة الفهم.
قال ابن القيّم في صفات المفتي: «بصير بأدلّة الأحكام». البصيرة تعني الفهم لا الحفظ. والنّموذج اللّغويّ يحفظ ولا يفهم. وهذا فرق جوهريّ.
(3) ركن النّيّة والتّقوى: هل تتصوّر النّيّة من آلة؟
الفتوى عمل تعبّديّ في صميمها. المفتي يقصد إخبار النّاس بحكم الله، فيؤجر إذا أصاب وأخطأ. والنّيّة شرط في صحّة العمل وفي قبوله.
النّموذج اللّغويّ لا يملك نيّة. لا يقصد الإصابة، ولا يخشى الخطأ، ولا يتوب إذا أخطأ. هو يخرج إجاباته بنفس الطّريقة سواء كان الموضوع شرعيا أو غير شرعيّ. وهذا يسقطه من مرتبة «المفتي» في صميمها التّعبّديّ، وإن وافقت إجاباته الحكم الصّحيح أحيانا.
(4) ركن فقه الواقع: قدرة النّموذج على إدراك خصوصيّات المستفتي
المفتي الجاد يفحص حال السائل قبل الإجابة: عمره، وضعه الاجتماعيّ، بلده، ظرفه. وقد يطرح أسئلة استيضاحيّة قبل الإجابة. النّموذج اللّغويّ — في صورته الحاليّة — لا يملك هذه القدرة بالكمال:
— يفترض السّياق العامّ إذا لم يذكر له، فيجيب إجابة عامّة قد لا تناسب وضع السائل.
— لا يستفسر بحكمة كافية: قد يطرح أسئلة، لكنّها أسئلة عامّة لا تستوعب الفروق الدّقيقة.
— لا يستطيع التّحقّق ممّا يقوله السائل: السائل قد يكذب على النّموذج، والنّموذج لا يميّز.
— لا يملك خبرة حياتيّة: لم يعش، ولم يجرّب، فلا يعرف كيف يعيش السائل ظرفه.
(5) ركن المقاصد: هل تستطيع الآلة الموازنة المقاصديّة؟
الموازنة المقاصديّة — كما عرّفها الشاطبيّ — تستلزم: تقدير المصالح والمفاسد، ضبط الأولويّات، اعتبار المآلات، النّظر في الكلّيّات والجزئيّات معا. هذه عمليّات ذهنيّة مركّبة، تستدعي حكم القيمة (Value Judgment) لا مجرّد استدلال إحصائيّ.
النّموذج اللّغويّ يستطيع تقليد لغة الموازنة المقاصديّة، لكنّه لا يستطيع أن يوازن فعلا. لأنّ الموازنة تتطلّب إحساسا بالأولويّات، وهذا الإحساس فطريّ في الإنسان، مكتسب بالتّكليف، مصقول بالعلم — والآلة ليست لها مثل ذلك.
الخلاصة بعد فحص الأركان الخمسة: الذّكاء الاصطناعيّ ليس مفتيا ولن يكون. هو يفتقد إلى جميع الأركان البنيويّة للفتوى. ومن يتعامل معه بوصفه مفتيا، فقد أخطأ في تصوّره.
المبحث الثالث: التّمييز بين المساعدة المعلوماتيّة والإفتاء الحقيقيّ
إذا كان النّموذج اللّغويّ ليس مفتيا، فما هو؟ نطرح هذه المعادلة:
الذّكاء الاصطناعيّ في علاقته بالفقه: أداة بحث متطوّرة جدّا، لا مفت. كالمكتبة لا كالعالم.
هذا التّشبيه يفصل القول. المكتبة تخدم العالم — لا تحلّ محلّه. كذلك الذّكاء الاصطناعيّ يخدم المفتي — لا يحلّ محلّه. ولا أحد يقول إنّ المكتبة تفتي. وإن استخدم العالم المكتبة في بحثه، فالفتوى تنسب إليه لا إلى المكتبة.
الاستخدامات المشروعة للذّكاء الاصطناعيّ من قبل المفتي
هذه الاستخدامات لا حرج فيها، بل قد تكون مفيدة:
• البحث عن النصوص: استرجاع آيات، أحاديث، نقول علماء، بسرعة قياسيّة.
• المقارنة بين الأقوال: استعراض اختلاف العلماء في مسألة، لكن مع التّحقّق منه يدويّا.
• استرجاع التّعريفات: التّعريف اللّغوي أو الاصطلاحيّ للمصطلحات الفقهيّة.
• التّرجمة الأوّليّة: ترجمة فتاوى من العربيّة إلى الإنجليزيّة أو غيرها (مع التّحقّق).
• صياغة المسوّدات: كتابة مسوّدة أوّليّة للمفتي يراجعها ويصحّحها.
• فهرسة المعلومات: تنظيم نقول كثيرة في موضوع، تلخيصها، تحليلها.
الاستخدامات الممنوعة
هذه الاستخدامات تمنع منعا قاطعا:
• إصدار الفتوى مباشرة من النّموذج: السائل يفتح ChatGPT ويتلقّى إجابة، ثمّ يعمل بها. هذا غير صحيح، لأنّ النّموذج ليس أهلا للإفتاء.
• استبدال المفتي بالنّموذج: إنشاء «بوت» يفتي بدلا من المفتي البشريّ، وتركه بلا إشراف.
• نشر إجابات النّموذج كأنّها فتاوى رسميّة: قد تكون فيها هلوسة أو أخطاء.
• استخدامه في فتاوى ذات تبعات خطيرة: مسائل الدّماء، الأنساب، الحدود، الطّلاق، التّكفير — هذه لا تترك للآلة.
المناطق الرّماديّة
بين المشروع والممنوع، توجد مناطق رماديّة تستحقّ التّأمّل:
— الفتاوى البسيطة جدّا والمستقرّة: «كم ركعة الظّهر؟»، «ما حكم لحوم الخنزير؟» — هل يسأل النّموذج فيها؟ نرى الجواز مع التّوصية بمراجعة المصدر.
— التّعريفات الفقهيّة: «ما المحرم؟»، «ما الإحرام؟» — ينفع النّموذج فيها بحذر.
— استعراض الخلاف: ما هي آراء العلماء في حكم كذا؟ النّموذج يستطيع، لكن مع تحقّق المستفتي.
المبحث الرابع: خطر «الفتوى الآليّة»
الذّكاء الاصطناعيّ التّوليديّ يفتح بابا جديدا قد يكون أخطر من فوضى الإفتاء التّقليديّة: الفتوى الآليّة الجماهيريّة. وهذا يستحقّ تأمّلا منفصلا:
(1) تحوّل الفتوى من فعل عبّاديّ إلى عمليّة إجرائيّة
الفتوى التي يصدرها مفت بشريّ هي فعل تعبّديّ. المفتي يخشى الله، يدعو ربّه أن يسدّده، يتحمّل تبعة كلامه. هذا البعد التّعبّديّ هو ما يجعل الفتوى مخصوصة بروحانيّة معيّنة.
حين تخرج الفتوى من نموذج لغويّ، يختفي هذا البعد. تتحوّل إلى إجراء (Procedure): إدخال السؤال، استخراج الإجابة، انتهى. لا خشية، ولا توكّل، ولا توبة إذا أخطأ. مجرّد عمليّة آليّة.
(2) فقدان المسؤوليّة: من يحاسب إذا أخطأ النّموذج؟
في الفتوى الكلاسيكيّة، المفتي مسؤول. إن أخطأ، يحاسبه الله، ويمكن لمن تأذّى منه أن يطالب بمحاسبته. في الفتوى الآليّة، المسؤوليّة تتفكّك:
— النّموذج: ليس مسؤولا، لأنّه ليس مكلّفا.
— الشّركة المنتجة: تتنصّل في بنود الاستخدام («لا يغني عن الاستشارة المتخصّصة»).
— المستخدم: لم يكن يعرف أنّ الإجابة قد تكون خطأ، فلا يستطيع تحمّل مسؤوليّته الكاملة.
(3) تجريد المستفتي من العلاقة الإنسانيّة مع المفتي
الإفتاء التّقليديّ كان فيه علاقة إنسانيّة: السائل يتعرّف على المفتي، يستأنس بحكمته، يستفيد من تجربته. هذه العلاقة جزء من «التّربية الإيمانيّة» التي تنتجها الفتوى. الفتوى الآليّة تنزع هذه العلاقة، وتحوّل تجربة الاستفتاء إلى تجربة صامتة، آليّة، بلا روح.
(4) احتكار شركات التّقنية لتشكيل الخطاب الديني
هذا هو الخطر الأبعد. النّماذج اللّغويّة تنتجها شركات تقنيّة كبرى. هذه الشّركات — بقراراتها التّجاريّة والقيميّة — تقرّر:
— أيّ النّصوص يتدرّب عليها النّموذج: قد تستبعد بعض المصادر، تضخّم أخرى.
— أيّ المواضيع يجيب عنها: قد تفرض «خطّا أحمر» على موضوعات بعينها.
— أيّ الصياغات يتبنّاها: قد تفرض «صوتا» معيّنا ينحاز إلى منظومة قيميّة بعينها.
النّتيجة: إذا أصبح الذّكاء الاصطناعيّ المصدر الرّئيسيّ للمعلومات الدّينيّة لعامّة المسلمين، فإنّ الشّركات التّقنيّة الكبرى تحكّمت — دون أن تدري الأمّة — في تشكيل خطابها الدّينيّ. هذا تهديد سياديّ معرفيّ يستحقّ يقظة الأمّة.
المبحث الخامس: مدوّنة استخدام الذّكاء الاصطناعيّ للمفتي — مقترح أصليّ
بناء على ما تقدّم، نقترح في هذا المبحث مدوّنة عمليّة يلتزم بها المفتي حين يستعين بالذّكاء الاصطناعيّ في عمله. هذه المدوّنة موجّهة للمفتي الفرد، وللمؤسّسات الإفتائيّة، وتنطلق من فهم القدرات والحدود الذي عرضناه. هي مدخل تفصيليّ لـ«المبادرة الرّابعة» في الفصل العاشر.
بنود المدوّنة المقترحة
البند الأوّل: الإفصاح عن استخدام النّموذج
إذا استعان المفتي بنموذج لغويّ في إعداد فتواه (بحث، صياغة، فهرسة)، ينبغي أن يفصح عن ذلك في الفتوى نفسها أو في الوصف. الشّفافيّة تحمي مصداقيّة المفتي وتتيح للقارئ تقييم العمل.
البند الثاني: وجوب المراجعة البشريّة الكاملة
كلّ ما ينتجه النّموذج اللّغويّ — نقول، استدلالات، ترجمات، صياغات — يجب مراجعته يدويّا قبل اعتماده. لا يجوز نشر محتوى منتج آليّا بدون مراجعة. والمراجعة تشمل: التّحقّق من نسبة النصوص، التّأكّد من صحّة الأحكام، فحص الصياغة.
البند الثالث: المسائل الممنوعة على النّموذج
هناك مسائل لا يجوز للمفتي أن يستعين بالنّموذج فيها — حتّى للبحث. هذه تشمل:
• مسائل الدّماء (التّكفير، القتل، الجهاد بالمعنى القتاليّ).
• مسائل الأنساب (إثبات أو نفي).
• مسائل الطّلاق وفسخ النّكاح.
• مسائل الحدود.
• المسائل ذات الأثر السياسيّ الواسع.
في هذه المسائل، تبعة الخطأ كبيرة جدّا، ولا يجوز ركوب مخاطر الهلوسة.
البند الرابع: ضوابط بناء نماذج شرعيّة مخصوصة
ندعو إلى تطوير نماذج لغويّة مخصوصة بالشّرع، يتمّ تدريبها على نصوص موثّقة، بإشراف علماء. هذه النّماذج — إذا بنيت بضوابط صحيحة — قد تكون أدوات مساعدة أفضل بكثير من النّماذج العامّة. لكنّها لا تزال أدوات، لا مفتين. وتفاصيل هذا في «المبادرة الرابعة» من الفصل العاشر.
البند الخامس: التّعليم والتّوعية للجمهور
على المؤسّسات الإفتائيّة أن تعلّم الجمهور كيف يتعامل مع الفتاوى الآليّة. أن يعلّموهم:
• الذّكاء الاصطناعيّ ليس مفتيا.
• قد يهلوس ويختلق.
• اعتبره مصدرا معلوماتيّا تستأنس به، ثمّ يتحقّق المستفتي من المفتي البشريّ.
• في القضايا الجوهريّة، لا تكفي إجابته.
خلاصة الفصل
هذا الفصل قدّم — من أوائل ما طُرِح في الدراسات الفقهيّة المعاصرة — تأصيلا أصوليّا لموقع الذّكاء الاصطناعيّ من الإفتاء. والخلاصة المستفادة:
أوّلا: الذّكاء الاصطناعيّ ليس مفتيا، ولن يكون. هو يفتقد لجميع الأركان البنيويّة للفتوى (الأهليّة، العلم بمعناه الفقهيّ، النيّة، فقه الواقع، المقاصد).
ثانيا: الذّكاء الاصطناعيّ أداة متطوّرة جدّا للمفتي، إذا استخدمها بضوابط. «كالمكتبة لا كالعالم».
ثالثا: ثمّة استخدامات مشروعة، وأخرى ممنوعة، ومناطق رماديّة. والمدوّنة المقترحة توضّح حدود كلّ.
رابعا: الفتوى الآليّة الجماهيريّة (Mass AI Fatwa) خطر يستحقّ يقظة الأمّة. لأنّها تحوّل الفتوى من فعل تعبّديّ إلى عمليّة آليّة، وتنزع المسؤوليّة، وتسلّم الخطاب الدّينيّ لشركات تقنيّة لا تخضع لمنظومة قيم الأمّة.
خامسا: الحلّ ليس التّحريم المطلق، ولا الإباحة المطلقة، بل التّوظيف الواعي بضوابط. والمؤسّسات الإفتائيّة مدعوّة إلى ريادة هذا التّوظيف لا تركه للشّركات التّقنيّة.
الفصل القادم يأخذنا إلى فقه الأقلّيّات في الميزان الرّقميّ — حيث نفحص كيف يتفاعل المسلم في الغرب مع كلّ هذه التّحوّلات الرّقميّة.
الفصل السابع: فقه الأقلّيّات في الميزان الرّقميّ — حالة المسلمين في أمريكا
توطئة الفصل: لماذا فصل مخصّص للأقليّات؟
هذا الكتاب — كما ذكرنا في مقدّمته — ينبثق من سياق مخصوص: بحث قدّم لمجمع فقهاء الشّريعة بأمريكا (AMJA) في هيوستن 2018. والمؤسّسة التي استضافت البحث الأصليّ تخصّ فقه المسلمين في أمريكا الشّماليّة. وكان من الإنصاف العلميّ ألّا ننقل البحث إلى الكتاب دون أن نفرد فصلا يعالج هذا السياق الذي ولد منه.
لكنّ تخصيص فصل لفقه الأقلّيّات لا يعني أنّه إقليميّ في موضوعه. بل العكس: فقه الأقلّيّات هو مختبر كشف فيه الواقع الغربيّ كثيرا من إشكاليّات الإفتاء قبل أن تنتقل إلى بلاد المسلمين. فالمسلم الغربيّ كان أوّل من واجه: التّعدّديّة الدّينيّة الفاعلة، التّحدّيات الجنسانيّة الجديدة، التّمويل الإسلاميّ في الأسواق الغربيّة، التّعليم في المدارس العامّة. وما يعالجه اليوم سيعالج غدا في كلّ بلد مسلم. وفي عصر العولمة، لم يعد ثمّة فروق جوهريّة بين «الأقليّة» و«الأكثريّة» في كثير من القضايا — لأنّ الفضاء الرّقميّ ساوى الجميع.
سينتظم الفصل في أربعة مباحث: خصوصيّة السياق الأمريكيّ، التحدّيات المركّبة، علاقة المرجعيّة المركزيّة بالواقع المحلّيّ، والفضاء الرّقميّ وفقه الأقلّيّات. ويأتي بعده الفصل الثّامن ليفتح موضوع المنظومة الجماعيّة التي تستحقّها قضايا الأقلّيّات بالأولويّة.
المبحث الأوّل: خصوصيّة السياق الأمريكيّ والغربيّ
(1) المسلمون في أمريكا: التّركيبة والتّحدّيات والتّطلّعات
يبلغ المسلمون في الولايات المتّحدة الأمريكيّة نحو 3.5-4.5 مليون نسمة (التّقديرات تتفاوت)، ينتمون لخلفيّات إثنيّة متنوّعة: مهاجرون من العالم العربيّ، جنوب آسيا، أفريقيا، وأقلّيّة كبيرة من المسلمين الأمريكيّين السود الذين دخلوا الإسلام أو ولدوا فيه. هذه التّعدّديّة الإثنيّة تنتج تعدّديّة فقهيّة: المسلم الباكستانيّ غالبا ما يعتمد المذهب الحنفيّ، المسلم العربيّ المالكيّ أو الشافعيّ، المسلم الأفريقيّ المالكيّ غالبا.
هذه التّعدّديّة، الّتي قد تمثّل تحدّيا للوحدة الفقهيّة، تفتح أيضا فرصة للتّعارف بين المذاهب — كلّها داخل المسجد الواحد. وقد لاحظ علماء الجاليات أنّ المسلم الأمريكيّ يتعرّف على المذاهب أكثر من أخيه في بلاد المسلمين، لأنّه يعيش بين مذاهب متعدّدة في نفس المسجد.
والتّحدّيات الرّئيسيّة التي يواجهها المسلم الأمريكيّ تختلف عن نظيره في بلاد المسلمين:
— هوّيّاتيّا: كيف يبني هويّته الإسلاميّة في مجتمع ليس إسلاميّا؟
— اقتصاديّا: كيف يتفاعل مع نظام ماليّ مبنيّ على الفائدة؟
— اجتماعيّا: كيف ينشئ أسرة مسلمة في بيئة لا تحميها؟
— تعليميّا: كيف يعلّم أولاده الدّين والدّنيا معا؟
— مدنيا: كيف يحقّق التّعايش مع جيرانه غير المسلمين بعدالة؟
(2) الفروقات الفقهيّة بين فقه دار الإسلام وفقه الأقلّيّات
في التّراث الإسلاميّ، كان الفقه يصاغ في سياق دار الإسلام — حيث المسلم هو الأكثريّة، والقوانين تنبع من الشّريعة، والمجتمع مبنيّ على القيم الإسلاميّة. هذا السياق أنتج كثيرا من القواعد الفقهيّة التي تفترض هذا الإطار.
لكنّ المسلم في الغرب يعيش في سياق مختلف: هو أقلّيّة، القوانين علمانيّة، المجتمع ليس إسلاميّا. لا يعني هذا أنّ القواعد الفقهيّة تتغيّر، بل أنّ تطبيقها يستحقّ تكييفا. وهذا هو جوهر «فقه الأقلّيّات» كما طرحه روّاده — كالدكتور طه جابر العلوانيّ، والدكتور يوسف القرضاوي وآخرين.
بعض الفروق الجوهريّة:
— في المعاملات الماليّة: المسلم في الغرب لا يملك بدائل بنكيّة إسلاميّة كاملة، ما يستدعي مرونة في فتوى التّعامل مع البنوك التّقليديّة.
— في الزّواج: تتداخل أحكام الزّواج الشّرعيّ مع قانون الأحوال الشّخصيّة المدنيّ.
— في الطّعام: توسعة في مفهوم «طعام أهل الكتاب» للتّخفيف على الأقلّيّة.
— في العلاقات الاجتماعيّة: مرونة في التّعامل مع غير المسلمين في الجوار والعمل والصّداقة.
(3) تجربة مجمع فقهاء الشّريعة بأمريكا (AMJA) كنموذج
منذ تأسيسه سنة 2002، يلعب مجمع AMJA دورا محوريّا في تأطير فقه الأقلّيّات في السياق الأمريكيّ. ينطلق المجمع من إيمان بأنّ المسلمين في أمريكا يستحقّون مرجعيّة فقهيّة تفهم سياقهم، ولا يكفي استيراد الفتاوى من بلاد المسلمين.
ميزات تجربة AMJA — كما ظهرت في خمسة عشر مؤتمرا سنويا:
• التّمحور حول النّوازل: موضوعات المؤتمرات تدور حول قضايا يعيشها المسلم الأمريكيّ.
• التّعدّد المذهبيّ في عضويّته: لا ينتمي المجمع لمذهب بعينه، بل يستوعب التّعدّديّة.
• العمل الجماعيّ: الفتاوى تصدر بعد مداولة، لا بقرار فرديّ.
• الجرأة في التّناول: تناول قضايا حسّاسة كالزّواج المختلط، التّعاملات الماليّة، والفتاوى المتعلّقة بالعمل.
هذه التّجربة تجسّد نموذج «المجتهد الجماعيّ المؤسّسيّ» الذي اقترحناه في الفصل الثالث. وهي شهادة عمليّة على أنّ هذا النّموذج ليس مجرّد فكرة، بل واقع ينبض بالحياة، يستحقّ التّوسعة والتّعميم.
المبحث الثاني: التّحدّيات المركّبة للأقلّيّات
نعرض هنا سبع تحدّيات مركّبة تستحقّ فقها متخصّصا، تنطلق من واقع المسلم الأمريكيّ المعاصر:
(1) قضايا الهوّيّة والاندماج
كيف يحفظ المسلم هويّته في مجتمع يدعو إلى الاندماج؟ ومتى يكون «الاندماج» مطلوبا ومتى يكون «الذّوبان» ممنوعا؟ هذه أسئلة لا تنفصل عن الفقه، لأنّ كثيرا من أحكام الفقه تتعلّق بضبط هويّة المسلم: في اللّباس، في الطّعام، في العلاقات، في الزّواج، في تربية الأولاد. والمسلم الأمريكيّ يواجه يوميا ضغوطا «تنعيميّة» لطمس الفروق الدّينيّة.
القضيّة الأكثر إلحاحا: الأولاد. الجيل الأوّل من المهاجرين عاش بهوّيّة إسلاميّة واضحة. الجيل الثاني (الأولاد المولودين في أمريكا) يواجه ضغطا مضاعفا — ينتمي لبلده الأمريكيّ بثقافته، لكنّه ينتمي أيضا لدينه. ووضع الفقه في هذا التّجاذب همّ كبير.
(2) الأسرة والزّواج بين الاشتراطات
الزّواج في الإسلام نكاح شرعيّ. الزّواج في أمريكا عقد مدنيّ. وقد يتقاطعان أو يتباعدان. هذا يولّد مسائل دقيقة:
— هل يكفي الزّواج المدنيّ بدون عقد شرعيّ؟
— هل يكفي الزّواج الشّرعيّ بدون تسجيل مدنيّ؟
— مسائل الطّلاق: المسلم يطلّق شرعيّا، لكنّه يبقى متزوّجا قانونيا حتى الفصل القضائيّ.
— الميراث: الشّريعة تقسّم الميراث بنسب معلومة، القانون الأمريكيّ مختلف.
— الزّواج المختلط بأهل الكتاب: مسألة فقهيّة قديمة، تأخذ بعدا جديدا في السياق الأمريكيّ.
هذه القضايا لا تحتمل التّبسيط، وتحتاج إلى فتاوى مفصّلة، تأخذ في الحسبان السّياق القانونيّ والاجتماعيّ. وهنا تبرز ضرورة وجود مرجعيّة محلّيّة (مثل AMJA) تعرف هذا السياق من الداخل.
(3) التّمويل والاقتصاد الإسلاميّ في الأسواق الغربيّة
الرّبا محرّم في الإسلام. والاقتصاد الأمريكيّ مبنيّ على نظام مصرفيّ ربويّ. كيف يتعامل المسلم مع هذا التّناقض؟
الفتاوى المعتمدة عند AMJA وغيره تشمل:
• اعتماد البنوك الإسلاميّة حيث توجد (وهي قليلة في أمريكا).
• استخدام البنوك التّقليديّة لحفظ المال (الحساب الجاري) بضوابط.
• فتوى القرض السكنيّ: من أهمّ الفتاوى المعاصرة لـ AMJA، والتي تجيز نوعا من «الإجارة المنتهية بالتّمليك» التي توفّرها بعض المؤسّسات الإسلاميّة.
• التّأمين الإسلاميّ (التّكافل) حيث يتوفّر.
(4) التّعليم بين المدارس العامّة والإسلاميّة
الأولاد المسلمون في أمريكا يدرسون عادة في المدارس العامّة (التي قد تتضمّن محتوى يتعارض مع القيم الإسلاميّة). البديل: المدارس الإسلاميّة الخاصّة (التي قد لا تكون متاحة، أو مكلفة). فتاوى الأهل في هذا الباب من أهمّ ما ينتظره الجمهور من المرجعيّات.
(5) الإسلاموفوبيا والتّمييز
المسلم في أمريكا يتعرّض أحيانا لتمييز ديني. كيف يتعامل مع ذلك فقهيّا؟ هل يجوز إخفاء الهوّيّة المسلمة في بعض الظّروف؟ هل يجوز التّقاضي لرفع الظّلم؟ هل يجوز الانتقام؟ هذه قضايا تستحقّ توجيها شرعيّا، لا اجتهادا فرديّا.
(6) ضغط الليبراليّة الاجتماعيّة على الأحكام الشّرعيّة
بعض الأحكام الإسلاميّة (في مسائل الجنسانيّة، المساواة بين الجنسين بمعنى محدّد، حدود الحرّيّة الشّخصيّة) تتعارض مع التّيّار الليبراليّ السائد في أمريكا. والمسلم الأمريكيّ يجد نفسه أحيانا تحت ضغط ليعيد تفسير دينه بما يتوافق مع هذه القيم. وهذا اختبار جوهريّ لما يختاره المسلم: هل الأصل أن يتكيّف الدّين مع الواقع، أم أن يتكيّف المسلم مع دينه؟
الفقه السّليم يفصل بين: المرونة التي يسمح بها الشّرع (ولها سعة)، والذّوبان الذي لا يسمح به الشّرع (وله حدّ). وهنا حاجة ماسّة إلى مرجعيّات عميقة تفهم الفرق.
(7) الصّحّة النّفسيّة وتأهيل الأئمّة
في الجاليات الأمريكيّة، يلعب الإمام دورا أوسع ممّا في بلاد المسلمين. يكون مفتيا، ومرشدا نفسيّا، ومستشارا أسريّا. وفي ظلّ تزايد القضايا النّفسيّة في المجتمعات الإسلاميّة الغربيّة، تأهيل الإمام في علم النّفس صار ضرورة.
المبحث الثالث: المفتي بين المرجعيّة المركزيّة والواقع المحلّيّ
(1) متى تكفي الفتوى من بلاد المسلمين، ومتى تستدعي فتوى محلّيّة؟
هذا سؤال جوهريّ. ليست كلّ مسألة تستحقّ فتوى محلّيّة. ولكن بعض المسائل تأبى إلّا أن تكون محلّيّة. كيف نميّز؟
المسائل التي تكفي فيها الفتوى من بلاد المسلمين:
— العبادات الفرديّة (الصّلاة، الصّيام، الطّهارة) — أحكامها مستقرّة، لا تختلف بالسّياق.
— أصول العقيدة — لا تتغيّر.
— الأخلاق الإسلاميّة — قواعدها واحدة.
المسائل التي تستدعي فتوى محلّيّة:
— المعاملات الماليّة المرتبطة بالسوق الأمريكيّ (الرّهن العقاريّ، التّأمين، الضرائب).
— الأحوال الشّخصيّة المرتبطة بالقانون المدنيّ الأمريكيّ.
— القضايا الاجتماعيّة المتعلّقة بالسّياق المدنيّ والاجتماعيّ.
— التّعليم والتّربية في إطار النّظام التّعليميّ الأمريكيّ.
(2) التّواصل بين المجامع الفقهيّة في بلاد المسلمين والمجامع في بلاد الأقلّيّات
الإمام في أمريكا قد يحتاج إلى الرّجوع إلى علماء بلاد المسلمين في بعض المسائل (خاصّة تلك التي تتطلّب تخصّصا أعمق). والعلماء في بلاد المسلمين قد يحتاجون إلى رأي علماء الأقلّيّات في فهم السّياق. هذا التّواصل في حالة ناشئة، يستحقّ توسعة منهجيّة.
(3) بناء الكفاءة الفقهيّة المحلّيّة في الجاليات
التّعويل الكلّيّ على علماء بلاد المسلمين غير مجد على المدى البعيد. الحلّ الأمثل: تأهيل علماء محلّيّين من داخل الجاليات، يدمجون التّكوين الشّرعيّ بالفهم العميق للسّياق الأمريكيّ. وهذا تحدّ كبير، يحتاج إلى:
— مدارس شرعيّة محلّيّة بمناهج رصينة.
— شراكات مع المؤسّسات العلميّة في بلاد المسلمين.
— تمويل مستقلّ لتأهيل الأئمّة.
— استثمار طويل المدى — جيل كامل ضروريّ.
المبحث الرابع: الفضاء الرّقميّ وفقه الأقلّيّات
(1) كيف يستهلك مسلم أمريكا الفتاوى الرّقميّة؟
الواقع المشاهد: المسلم الأمريكيّ، خاصّة الشّاب، يستهلك الفتاوى عبر السوشيال ميديا أكثر من المسجد. مصدره: حسابات على إنستجرام، يوتيوب، تيك توك. وأكثر من يتابع: مؤثّرون دينيّون من العالم العربيّ أو جنوب آسيا — لا علماء أمريكا.
هذا يولّد فجوة جوهريّة:
• الفتوى المستوردة قد لا تناسب السّياق الأمريكيّ.
• العلماء المحلّيّون قد لا يجدون جمهورا، فيهمّش دورهم.
• المؤثّرون من بعيد يرتدون عباءة المرجعيّة دون أن يفهموا السّياق.
(2) فوضى استيراد الفتاوى من سياقات بعيدة
استعرضنا في الفصل الرابع «فوضى السياق» كأحد أبعاد الفوضى الرّقميّة. وفي حال الأقليّات، تأخذ هذه الفوضى أخطر صورها. أمثلة:
— شابّ في كاليفورنيا يستفتي مفتيا في الخليج عن حكم قرض الجامعة — الذي يختلف هيكله عن قرض الجامعة في الخليج.
— أمّ في نيويورك تستفتي شيخا في القاهرة عن مدرسة لابنها — الذي لا يفهم نظام التّعليم الأمريكيّ.
— ابن مهاجرين يستفتي مفتيا في موطنه الأصليّ عن صداقاته في الجامعة — الذي لا يفهم بنية الصّداقة في المجتمع الأمريكيّ.
في كلّ هذه الحالات، الفتوى الصادرة قد تكون فقهيا صحيحة في سياقها الأصليّ، لكنّها مضلّلة في السياق الأمريكيّ. والمشكلة ليست في المفتي الأصليّ، بل في نقل الفتوى عبر السياقات.
(3) الحاجة إلى منصّات إفتائيّة محلّيّة معتمدة
الحلّ المنطقيّ: بناء منصّات إفتائيّة محلّيّة، تنشر فتاوى علماء أمريكا بأدوات سهلت الوصول، تنافس المؤثّرين على الانتشار. هذا ما سيقترح بتفصيل في الفصل العاشر (المبادرة الثانية).
ميزات المنصّة المحلّيّة:
• فتاوى تفهم السّياق الأمريكيّ.
• علماء معتمدون من مؤسّسات معترف بها.
• إجابة على القضايا اليوميّة للجاليات.
• حضور قويّ على منصّات الجمهور.
خلاصة الفصل
فقه الأقلّيّات ليس مجرّد فرع من الفقه العامّ، بل مختبر عملّيّ تتكشّف فيه إشكاليّات الإفتاء قبل أن تصل إلى بلاد المسلمين. والمسلم الغربيّ يواجه يوميا ما يمكن أن يواجهه المسلم في كلّ مكان غدا — لأنّ العالم يتجه نحو تعقّد مشابه.
ولكنّ فقه الأقلّيّات يكتسب في الفضاء الرّقميّ بعدا جديدا: ليس المسلم الأمريكيّ منعزلا عن مرجعيّاته الأصليّة، بل على تواصل يوميّ معها عبر السوشيال ميديا. وهذا يخلق توترا بين «المرجعيّة البعيدة» و«السّياق القريب»، يستحقّ علاجا عمليّا.
والحلّ المنشود: منظومة إفتائيّة محلّيّة قويّة، تفهم السّياق، وتستخدم أدوات العصر الرّقميّ، وتتعاون مع المرجعيّات المركزيّة في بلاد المسلمين. وهذا ما سيعالجه الفصلان الثّامن (المنظومة الإفتائيّة الجماعيّة) والعاشر (خارطة الطّريق).
AMJA يمثّل نموذجا مهمّا لهذه الرّؤية. وقد آن الأوان لتوسعة التّجربة وتطوير أدواتها لتناسب الجيل الجديد من المسلمين الأمريكيّين الذين يستهلكون دينهم بالأساس عبر شاشاتهم — لا في مجالس العلماء كما كانت أسرهم.
الفصل الثّامن: من المفتي الفرد إلى المنظومة الإفتائيّة الجماعيّة
توطئة الفصل: حلّ التّناقض
ثمّة تناقض ضمنيّ في البحث الأصليّ 2018 لا بدّ من معالجته. البحث يتحدّث عن «المفتي الفرد» بشروطه الكلاسيكيّة، بينما هو منطلق سياقيّا من مؤسّسة جماعيّة (AMJA). والمؤسّسة لا تعمل بمنطق المفتي الفرد، بل بمنطق آخر. وقد آن الأوان لمعالجة هذا التّناقض، لا بإلغاء أحد الطّرفين، بل بصياغة العلاقة بينهما.
هذا الفصل يطرح النّقلة البنيويّة التي تحتاج إليها الأمّة: من نموذج المفتي الفرد (المعروف عبر التّاريخ) إلى نموذج المنظومة الإفتائيّة الجماعيّة (الذي يستحقّ أن يكون علامة العصر الفقهيّ المقبل).
والنّقلة لا تعني الإلغاء. الفتاوى الشّخصيّة، والعلاقات بين المسلم وعالم معيّن، والثّقة الفرديّة — كلّها تبقى. لكنّ القضايا الكبرى، النّوازل المركّبة، الفتاوى ذات الأثر الاجتماعيّ الواسع — هذه تنتقل إلى الإطار الجماعيّ المؤسّسيّ. منطق التّقسيم هذا سيفصّله المبحث الأخير من هذا الفصل.
سينتظم الفصل في أربعة مباحث: لماذا لم يعد المفتي الفرد كافيا؟ نماذج الإفتاء الجماعيّ، تجربة AMJA كنموذج، نحو منظومة إفتائيّة رقميّة.
المبحث الأوّل: لماذا لم يعد المفتي الفرد كافيا؟
لا ندّعي أنّ المفتي الفرد قد فقد قيمته. هو لا يزال أساسا، خصوصا في الفتاوى الشّخصيّة. لكنّنا نقصد: في القضايا الكبرى، النّوازل المركّبة، المسائل الجماعيّة — لم يعد كافيا وحده. أربعة أسباب تدفع هذا الادّعاء:
(1) تعقيد النّوازل المعاصرة
في عصر الأئمّة الأربعة، كانت النّوازل في جملتها قابلة للتّناول من قبل فقيه واحد متمكّن. مسألة الزّكاة في الزّروع، مسألة الإجارة، مسألة العتق، مسائل النّكاح — كانت بأدواتها التّقليديّة في متناول الفقيه. اليوم، نوازلنا مختلفة:
— هندسة الجينات وتعديل الأجنّة: تستدعي معرفة بعلم الوراثة، أخلاقيّات البيولوجيا، فقه النّفس، فقه المقاصد. لا يلمّ بهذه التّخصّصات فقيه واحد.
— العملات الرّقميّة والتّمويل المعقّد: تستدعي معرفة بالاقتصاد، بعلوم الحاسوب، بأنظمة blockchain، بالفقه الماليّ.
— الذّكاء الاصطناعيّ والإفتاء: تستدعي فهما تقنيّا عميقا للنّموذج اللّغويّ، إضافة إلى الفقه الأصوليّ.
— قضايا التّحوّل الجنسيّ والاجتماعيّ: تستدعي معرفة بالعلوم النّفسيّة، الاجتماعيّة، البيولوجيّة، إضافة إلى الفقه.
الفقيه الفرد قد يتعلّم بعض هذه التّخصّصات سطحيّا، لكنّه لن يكون متخصّصا فيها. والاجتهاد الصّحيح يستلزم تصوّر الواقع بدقّة، والواقع المركّب لا يتصوّر إلّا بكفاءات متعدّدة. هنا تنبثق الحاجة إلى الإفتاء الجماعيّ.
(2) سرعة تواتر الأسئلة الجديدة
في القرن العشرين (قبل الإنترنت)، كانت النّوازل تنشأ بسرعة تستوعبها مجالس العلماء. اليوم، ينشأ كلّ شهر — بل كلّ أسبوع — أسئلة جديدة لم تكن مطروحة قبلها. النّموذج اللّغويّ التّوليديّ (2022)، التّعدّيلات الوراثيّة المتقدّمة، تطبيقات الواقع الافتراضيّ، العلاقات الجنسيّة المركّبة الجديدة، النّظم الماليّة المبتكرة — كلّها تتوالى.
المفتي الفرد لا يستطيع ملاحقة هذه السّرعة. حتّى لو كانت قدرته الفقهيّة عالية، فإنّ التّأهيل اللازم لكلّ نازلة يستغرق وقتا، والوقت لا يكفي. أمّا المنظومة المؤسّسيّة، فتستطيع توزيع الأسئلة على فرق متخصّصة، وتسرّع الاستجابة.
(3) الحاجة إلى تمييز جماعيّ بين الشاذّ والمعتبر
الفتوى الشاذّة — التي يصدرها فرد مهما كانت مكانته — تكتسب وزنا مختلفا حين تقابلها فتوى جماعيّة من مجمع معتبر. الفتوى الفرديّة، حتّى لو كانت من عالم كبير، تبقى رأيا فقهيّا قابلا للنّقاش. أمّا الفتوى الجماعيّة المؤسّسيّة، فلها وزن يقترب من الإجماع المحلّيّ.
في عصر يفور بالفتاوى الشاذّة، نحن بحاجة إلى آليّة جماعيّة تميّز ما يعتبر من ما لا يعتبر — لا بصوت فرد يكفّر آخر، بل بقرار مؤسّسيّ موضوعيّ.
(4) الفجوة بين المفتي والمتخصّصين في مجالات أخرى
الفقيه قد لا يفهم تعقيدات الطّبّ الحديث، أو الاقتصاد الرّأسماليّ، أو علوم الحاسوب. والطّبيب الذي يستفتي قد لا يستطيع شرح حالة طبّيّة معقّدة بلغة يفهمها الفقيه. الفجوة بينهما تفقد الفتوى دقّتها.
المنظومة الجماعيّة تحلّ هذه الفجوة بـ«التّعارف بين التّخصّصات». الفقيه يجلس مع الطّبيب على نفس المائدة، يستمعان معا للمسألة، يخرجان معا بقرار. وهذا أدعى للإصابة في النّازلة من الإفتاء بمعزل.
المبحث الثاني: نماذج الإفتاء الجماعيّ
الإفتاء الجماعيّ ليس فكرة واحدة، بل أنماط متعدّدة. نستعرض هنا أربعة أنماط بارزة:
(1) المجامع الفقهيّة الكبرى
هذه أوسع النّماذج وأكثرها رفعة. أمثلتها:
• مجمع الفقه الإسلاميّ الدوليّ — تأسّس 1981م، تابع لمنظّمة التّعاون الإسلاميّ، مقرّه جدّة. يجمع علماء من أنحاء العالم الإسلاميّ، يعقد دورات سنويّة، تصدر عنه قرارات.
• المجلس الأوروبيّ للإفتاء والبحوث (ECFR) — تأسّس 1997م، مقرّه دبلن، يخدم المسلمين في أوروبا.
• رابطة العالم الإسلاميّ بمكّة المكرّمة — لها دورها العالميّ.
• مجمع البحوث الإسلاميّة بالأزهر الشّريف — ذو رصيد تاريخيّ.
هذه المجامع تتميّز بسعة العضويّة، عمق التّأصيل، الوصول الدّوليّ. وتعاني من بطء الإنتاج، صعوبة التّنسيق فيما بينها، وعدم الإلزام في قراراتها.
(2) لجان الفتوى المؤسّسيّة
هذه أكثر تركيزا في النّطاق القطريّ. أمثلتها:
• دار الإفتاء المصريّة — مؤسّسة عريقة منذ 1313هـ/1895م.
• اللجنة الدّائمة للبحوث العلميّة والإفتاء بالسعوديّة.
• ديوان الإفتاء بالكويت.
• هيئة كبار العلماء بالأزهر.
• دائرة الإفتاء العامّ بالأردنّ.
هذه اللجان تعمل ضمن إطار الدّول التي تنتمي إليها. ميزتها: استقرار الإطار المؤسّسيّ، رسوخ المنهج. مأخذها: تأثّر السياسة عليها أحيانا، تركيزها على القطر دون الأمّة كلّها.
(3) فرق الفتوى متعدّدة التّخصّصات
هذا نموذج ناشئ، يجمع المفتي مع متخصّصين في تخصّصات أخرى. مثال:
• في مسألة طبيّة معقّدة (مثل: التّعديل الوراثيّ، نقل الأعضاء، الإجهاض في حالات خاصّة): يجلس المفتي مع طبيب متخصّص، يطرح الطّبيب الواقع التّقنيّ، يتفاهمان على التّكييف، ثمّ يصدر القرار.
• في مسألة ماليّة معقّدة (مثل: عملة رقميّة جديدة، أداة تأمين مبتكرة): يجلس المفتي مع اقتصاديّ متخصّص.
• في مسألة تقنيّة (مثل: استخدام الذّكاء الاصطناعيّ): يجلس المفتي مع متخصّص تقنيّ.
هذا النّموذج يجمع بين عمق التّخصّصات. هو الأنجع في النّوازل المركّبة. عيبه: قد لا يكون متاحا للقضايا الكثيرة، فينحصر في المسائل الكبرى.
(4) الفتوى التّشاركيّة بين المجامع
هذا نموذج منشود، لم يتحقّق بعد بصورته الكاملة. الفكرة: تتشاور المجامع المختلفة (الفقه الإسلاميّ الدّوليّ + ECFR + AMJA + غيرها) قبل إصدار قرار في مسألة كبرى تهمّ الأمّة. النّتيجة: قرار يتمتّع بشرعيّة أوسع من قرار مجمع واحد، ويقلّل الخلاف الذي ينتج عن قرارات متعارضة بين مجامع.
المبحث الثالث: تجربة AMJA كنموذج
استضاف مجمع فقهاء الشّريعة بأمريكا الشّماليّة (AMJA) بحث 2018 الأصليّ، ومنه انبثق هذا الكتاب. ولذلك من الإنصاف العلميّ أن نفرد له مبحثا نستعرض فيه تجربته بوصفها نموذجا متقدّما للمجتهد الجماعيّ المؤسّسيّ.
(1) بنية المجمع وتركيبته
تأسّس AMJA سنة 2002 في هيوستن، تكساس، بمبادرة من جماعة من العلماء والأئمّة العاملين في أمريكا الشّماليّة. أهدافه: توفير مرجعيّة فقهيّة لأئمّة المسلمين في أمريكا، تأطير الإفتاء في السياق الأمريكيّ، تدريب الأئمّة، البحث في قضايا فقه الأقليّات.
تركيبة المجمع تشمل:
• هيئة علماء: من خلفيّات مذهبيّة وإثنيّة متعدّدة.
• لجنة فتوى متخصّصة: تتولّى الإجابة على الأسئلة الفقهيّة.
• هيئة بحثيّة: لإعداد الأوراق العلميّة للمؤتمرات السّنويّة.
• برامج تدريبيّة: لتأهيل الأئمّة والدّعاة.
• بنك فتاوى إلكترونيّ: ينشر الفتاوى المعتمدة.
(2) آليّة الإفتاء الجماعيّ
الفتوى في AMJA لا تصدر بقرار فرديّ من شيخ واحد. بل تمرّ بمنهج موضوع:
• استقبال السؤال: من خلال الموقع الإلكترونيّ أو القنوات الرّسميّة.
• تكييف المسألة: تحديد طبيعة السؤال (شخصيّ أم عامّ، بسيط أم مركّب).
• توزيع على لجنة مختصّة: حسب طبيعة السؤال.
• مداولة وبحث: تجتمع اللجنة، تدرس المسألة، تستحضر الأدلّة.
• صياغة الفتوى: بعد التّوصّل إلى رأي جامع.
• النّشر مع الأدلّة: للشّفافيّة العلميّة.
(3) الدّروس المستفادة من خمسة عشر مؤتمرا
منذ تأسيسه، عقد المجمع خمسة عشر مؤتمرا سنويّا (حتّى البحث الأصليّ المقدَّم للمؤتمر الخامس عشر عام ٢٠١٨م). كلّ مؤتمر تناول قضية معاصرة. هذه المؤتمرات أنتجت مجموعة دروس:
• التّعدّديّة المذهبيّة تغني: لم يؤول التّعدّد المذهبيّ إلى انقسام، بل إلى تكامل.
• الاستمراريّة مع التّجديد: الحفاظ على المؤتمر السّنويّ، مع تجديد الموضوعات والتّوسعة في المتحدّثين.
• الصّلة بالواقع: الموضوعات تنبثق من حاجات الجاليات، لا من نظريّات مجرّدة.
• النّشر العلميّ: أبحاث المؤتمرات تنشر، يستفيد منها طلاب العلم.
(4) التّحدّيات والفجوات
ولكنّ تجربة AMJA — كأيّ تجربة بشريّة — لا تخلو من تحدّيات تستحقّ الإشارة، تفاؤلا بإمكانيّة تطويرها:
• الوصول للجمهور: قرارات المجمع تصل لطلاب العلم والمختصّين، لكنّها لا تصل بنفس القدر للجمهور العامّ الذي يستهلك الفتوى عبر السوشيال ميديا.
• التّمويل والموارد: العمل يعتمد كثيرا على التّطوّع، ما يحدّ من إمكانيّاته.
• الحضور الرّقميّ: بحاجة إلى توسعة كبيرة، لمنافسة المؤثّرين على المنصّات.
• التّنسيق مع المجامع الأخرى: لا تزال أوّليّة، تحتاج تطويرا.
المبحث الرابع: نحو منظومة إفتائيّة رقميّة
بعد ما عرضناه من نماذج، ننتقل إلى الطّموح الأكبر: تطوير الإفتاء الجماعيّ ليكون منظومة متكاملة تستفيد من أدوات العصر الرّقميّ. خمسة عناصر تشكّل هذه المنظومة:
(1) بنية تحتيّة تقنيّة مشتركة بين المجامع
نتصوّر منصّة تقنيّة مشتركة، تخدم المجامع كلّها (مجمع الفقه الدّوليّ، ECFR، AMJA، وغيرها). هذه المنصّة تقدّم:
• قاعدة بيانات للفتاوى الصادرة عن كلّ مجمع.
• أدوات بحث متقدّمة تستخدم الذّكاء الاصطناعيّ في فهرسة الفتاوى.
• نظام تنسيق يكشف القرارات المتعارضة بين المجامع، تتيح الحوار حولها.
• واجهة موحّدة للجمهور يستطيع منها الوصول لقرارات المجامع.
(2) قاعدة بيانات موحّدة للفتاوى المعتمدة
في عصر «الفتوى السّائلة» (التي تتدفّق بلا انضباط)، نحتاج إلى قاعدة بيانات مرجعيّة تتميّز بـ:
• المصدر الموثّق: كلّ فتوى مصدرها مجمع معتمد، ومعروفة الأعضاء الذين أصدروها.
• الأدلّة المنشورة: ليس مجرّد القول، بل منطلق القول وأدلّته.
• التّاريخ والتّحديث: توضع تواريخ الإصدار، تتراكم التّعديلات والشّروح.
• سهولة الوصول: متاحة بالعربيّة والإنجليزيّة (وغيرها)، بواجهة سهلة.
(3) نظام للتّحقّق من نسبة الفتاوى ومنع التّزوير
ظاهرة «الفتاوى المنسوبة كذبا» منتشرة. عالم ينسب إليه قول لم يقله. فتوى تنقل بصياغة محرّفة. توضع للعالم توقيعات مزوّرة. هذه ظاهرة خطيرة.
الحلّ: نظام تقنيّ يستخدم تواقيع رقميّة (Digital Signatures) للفتاوى الصادرة عن المجامع. كلّ فتوى تخرج من المجمع تحمل «توقيع المجمع الرّقميّ»، يستطيع أيّ شخص التّحقّق منه. ما لا يحمل التّوقيع، يعتبر غير معتمد.
(4) بروتوكول مشترك للتّعامل مع النّوازل الكبرى
حين تنشأ نازلة كبرى تهمّ الأمّة (مثل: ظهور مرض وبائيّ، تقنيّة جديدة كالذّكاء الاصطناعيّ، أزمة اقتصاديّة ممتدّة)، ينبغي أن يكون لدى المجامع بروتوكول مشترك:
• سرعة التّحرّك: لا ينتظر المجمع أشهرا لتناول قضيّة عاجلة.
• التّنسيق الفوريّ: بين المجامع، لتجنّب إصدار قرارات متعارضة.
• الحضور الإعلاميّ المنظّم: لإيصال القرار للجمهور بأسرع وقت.
(5) شراكة مع شركات التّقنية لبناء أدوات شرعيّة مسؤولة
المجامع لا تستطيع وحدها بناء التّقنية اللازمة. التّعاون مع شركات التّقنية ضروريّ — لكن بضوابط تحفظ الاستقلال الفقهيّ. التّعاون يمكن أن يشمل:
• بناء نموذج لغويّ شرعيّ بإشراف المجامع، يستخدم كأداة مساعدة (لا كمفت).
• تطوير تطبيقات للأئمّة والمستفتين تسهّل الوصول للفتاوى الموثّقة.
• شراكة مع منصّات السوشيال الكبرى لتعزيز ظهور المصادر الموثوقة.
خلاصة الفصل
الانتقال من «المفتي الفرد» إلى «المنظومة الإفتائيّة الجماعيّة» ليس استبدالا، بل توسعة. المفتي الفرد يبقى في موضعه، خصوصا في الفتاوى الشّخصيّة. أمّا في القضايا الكبرى — وما أكثرها في عصرنا — فالمنظومة المؤسّسيّة هي الأنجع.
المنظومة المقترحة تتميّز بأنّها: جماعيّة (لا فرديّة)، متعدّدة التّخصّصات (لا فقهيّة بحتة)، منشورة (لا مخفيّة)، رقميّة (لا تقليديّة)، عابرة للحدود (لا محلّيّة).
تجربة AMJA — مع ما لها من تحدّيات — تمثّل نموذجا متقدّما يستحقّ التّوسعة والتّعميم. والمنظومة المتكاملة المنشودة تجمع بين عدد من المجامع، على بنية تقنيّة مشتركة، تنتج فتاوى موثوقة، يتعرّف عليها الجمهور بسهولة.
هذا الفصل أكمل ما أسّسناه في الفصل الثالث (المرتبة السابعة المعاصرة — المجتهد الجماعيّ المؤسّسيّ). والفصل العاشر سيترجم كلّ ذلك إلى مبادرات عمليّة قابلة للتّنفيذ.
الفصل التّاسع: تقييم مقترحات 2018 السّتّ وما تحقّق منها
توطئة الفصل: فحص نقديّ للذات
في خاتمة البحث الأصليّ المقدّم لـ AMJA سنة 2018، اقترحت ستّ توصيات عمليّة لمعالجة فوضى الفتوى. وقد مضت ثماني سنوات منذ تلك الكلمة. والسؤال الجوهريّ الذي يفتح هذا الفصل هو:
ما الذي تحقّق من تلك المقترحات؟ وما الذي لم يتحقّق؟ ولماذا؟
هذا فحص ذاتيّ ليس بالسّهل على كاتبه. الباحث الذي يعود إلى مقترحاته القديمة قد يجد نفسه أمام أحد أمرين: إمّا أن يكتشف أنّ الواقع تجاوز ما كان يطمح إليه، فيفرح ويكتب عن ثمرة ما زرع؛ أو أن يكتشف أنّ ما اقترحه تعثّر في التّطبيق، فيتساءل: هل المقترح خاطئ في ذاته؟ أم أنّ الواقع لم يكن مهيّأ له؟ أم أنّ ثمّة عوامل لم يأخذها في حسبانه؟
الإجابة العمليّة — كما سنرى — أقرب إلى الشّقّ الثاني والثّالث منها إلى الأوّل. فالواقع لم يتحرّك كثيرا نحو تلك المقترحات. وفي بعضها تراجع الواقع عمّا كان عليه في 2018. والسّبب ليس بالضرورة أنّ المقترحات خاطئة، بل لأنّ ثماني سنوات أنتجت ثلاثة تحوّلات كبرى قلبت المعطيات:
• انفجار اقتصاد المؤثّرين ومنصّات الفيديو القصير (تيك توك، شورتس، ريلز).
• صعود الذّكاء الاصطناعيّ التّوليديّ الذي أتاح إنتاج «إجابة شرعيّة» آليّة في ثوان.
• جائحة كوفيد-19 التي طبّعت الإفتاء الإلكترونيّ والمحاضرات الدينيّة الافتراضيّة.
هذه التّحوّلات لم تكن في الحسبان عام 2018. وبعضها — كالذّكاء الاصطناعيّ التّوليديّ — لم يكن موجودا أصلا. وقد غيّرت المعادلة بأكملها. لذا، فإنّ تقييمنا للمقترحات لا يكتفي بالحكم بالنّجاح أو الفشل، بل ينظر في كلّ مقترح: هل لا يزال مجديا اليوم في ضوء هذه التّحوّلات؟ أم يحتاج صياغة محدّثة؟
وسينتظم هذا الفصل في ثلاثة مباحث: تقييم تفصيليّ للمقترحات السّتّ، ثمّ تحليل بنيويّ لأسباب التّعثّر، ثمّ قراءة للواقع الجديد بعد 2018 — قبل أن نفتح القسم التّالي بفصل يقدّم خارطة طريق محدّثة (الفصل العاشر).
المبحث الأوّل: المقترحات السّتّ بين الحلم والتّحقّق
المقترح الأوّل: اتّحاد المؤسّسات الإسلاميّة حول قناة فتوى موحّدة
الصياغة الأصليّة 2018
«اتّحاد المؤسسات الإسلاميّة حول تعيين قناة خاصّة بالفتوى، وحظر ما يمكن أن يكون من أيّ مصادر أخرى». وقد ذكرت آنذاك أنّ هذا قد لا يتجاوز كونه اقتراحا، لما فيه من تحدّيات كبيرة — منها: أنّ اجتماع الأمّة في ذاته يحتاج إلى إعادة صياغة لعقول تدّعي قيادتها، وأنّ القنوات الفضائيّة لا تخضع لإطار موحّد، وأنّ التّمويل المستقلّ شرط صعب التّحقّق.
ما تحقّق
محدود جدا. هناك بعض الشّراكات الإقليميّة بين دور إفتاء الدول العربيّة، وبعض البيانات المشتركة في المسائل الكبرى، لكن لا قناة موحّدة قد قامت. ولم يجتمع أهل العلم في العالم الإسلاميّ على مشروع فضائيّ واحد.
ما لم يتحقّق
لم يتحقّق المقترح في جوهره. لا قناة موحّدة، ولا حظر للقنوات غير المتخصّصة، ولا تنسيق فعليّ بين المرجعيّات.
التحدّيات التي حالت دون تحقّقه
— التّمويل المستقلّ: ظلّ التّحدّي الأكبر. القنوات الفقهيّة المتخصّصة لا تستطيع منافسة قنوات التّرفيه في موارد الإعلانات.
— التّنافس بين المرجعيّات: كلّ دور إفتاء قطريّ لا يرى نفسه أدنى من غيره، فلم يقبل أحد التّبعيّة لمنصّة موحّدة.
— صعود السوشيال ميديا بديلا عن الفضائيّات: ما كان مطروحا عام 2018 كان عن «الفضائيّات». اليوم، الفضائيّات نفسها فقدت تأثيرها لصالح المنصّات. فالمعادلة تغيّرت.
— عدم وجود سلطة تنفيذيّة: لا أحد يستطيع «حظر» قنوات في الفضاء الإسلاميّ المفتوح، حتّى لو اتّفقت المؤسّسات.
التّقييم النّهائيّ
المقترح يحتاج إعادة صياغة جذريّة. «قناة موحّدة» لم تعد المفهوم الصحيح. الصياغة المعاصرة قد تكون: «منصّة فتوى موحّدة قابلة للتّكامل مع المنصّات الموجودة» — لا تهدف لاحتكار البثّ، بل لتكون مرجعا موثوقا للتّحقّق. وهذا ما سيعالجه الفصل العاشر (المبادرة الثانية).
المقترح الثّاني: التفاف الدّعاة حول رموز الدّعوة والفقه
الصياغة الأصليّة 2018
«التفاف الدّعاة حول رموز الدّعوة والفقه، ودعم وحدة المصدر للفتوى». وذكرت آنذاك أنّ ذلك يستوجب التّفريغ التامّ للعلماء وكفالتهم، وتحديد المراجع الفقهيّة المعتمدة.
ما تحقّق
شيء محدود. بعض الرّموز الكبرى قد التفّ حولها الدّعاة في حياتها (الشيخ يوسف القرضاوي قبل وفاته 2022، الشيخ علي جمعة، الشيخ بن بيّه، ومن قبلهم الشيخ القرضاوي الذي رحل وله مرجعيّة دوليّة في فقه الأقليّات). كذلك بعض دور الإفتاء الرسميّة استطاعت أن تستقطب جيلا من العلماء يلتفّ حولها.
ما لم يتحقّق
لم يتحقّق الالتفاف على مستوى الأمّة كلّها. بل حدث العكس: تفكّك للمرجعيّات، وصعود مرجعيّات «شخصيّة» تنطلق من السوشيال ميديا، لا من المؤسّسات.
التحدّيات
— الانقسامات السياسيّة: كلّ صف سياسيّ صنع رموزه الخاصّة، وعزّز موقفه الفقهيّ بمن يدعمه.
— وفاة بعض الرموز الكبرى: الشيخ القرضاوي 2022، وبعض كبار السن من العلماء. خلف ذلك فراغا لم يملأ بمن في حجمهم.
— صعود اقتصاد المؤثّرين: الجمهور تخلّى عن الرموز التّقليديّة لصالح «المؤثّر» الذي يقدّم محتوى أكثر إثارة وسرعة.
— عدم توفّر التّفريغ التامّ: العلماء الكبار لا يزالون مرتبطين بأعمال متعدّدة (تدريس، وظائف رسميّة، إدارة)، ولا يستطيعون التّفرّغ للإفتاء كرسالة كاملة.
التّقييم النّهائيّ
المقترح في صميمه صحيح، لكن طريقة تفعيله بحاجة إلى تجديد. الالتفاف اليوم لن يكون حول «شخصيّة» بقدر ما يكون حول «منظومة» — أي: مؤسّسات لها وزن، تنتج علما، وتعتني بتأهيل خلفائها. هذا ما سيطرح في الفصل العاشر (المبادرة الثّالثة: مدرسة لتخريج المفتي الرّقميّ).
المقترح الثّالث: قنوات تواصل بين مفتيي العالم الإسلاميّ الرّسميّين
الصياغة الأصليّة 2018
«فتح قنوات تواصل بين مفتيي العالم الإسلاميّ الرّسميّين في المسائل المصيريّة، واستطلاع الآراء وفق المذاهب والرؤى، وتدوين هذه المسائل في دوريّات جامعة».
ما تحقّق
شيء جيّد نسبيا. المجامع الفقهيّة الكبرى تلتقي دوريّا: مجمع الفقه الإسلاميّ الدوليّ (التّابع لمنظّمة التّعاون الإسلاميّ) يعقد دورات سنويّة. المجلس الأوروبيّ للإفتاء والبحوث يعقد جلسات منتظمة. AMJA يعقد مؤتمرا سنويا. هذه كلّها قنوات تواصل فعليّة بين العلماء.
ما لم يتحقّق
الإجماع العالميّ على المسائل المصيريّة لم يتحقّق. كلّ مجمع يصدر قراراته منفصلا، وقد تتعارض القرارات بين المجامع. ولا توجد آليّة لتوحيد أو تنسيق هذه المخرجات على المستوى الدوليّ.
التحدّيات
— تنوّع الأنظمة السياسيّة: كلّ مجمع ينطلق من سياق دولتي مختلف، ما يؤثّر في قراراته.
— الخلافات الإقليميّة: بعض المجامع لا تعترف ببعض، أو لا تجد نفسها قادرة على التّعاون.
— عدم إلزاميّة القرارات: حتّى إذا أصدر مجمع قرارا، لا أحد ملزم به في العالم الإسلاميّ، لأنّ الأنظمة السياسيّة لا تفرضه.
— البطء الإجرائيّ: المؤتمرات السّنويّة لا تكفي لمواكبة وتيرة النّوازل المعاصرة المتسارعة.
التّقييم النّهائيّ
المقترح في محاولته جيّد، لكنّه يفتقر إلى آليّة تنسيق دائمة. الفصل العاشر سيقترح شبكة الإفتاء متعدّد التّخصّصات ومرصد الفتوى الرّقميّة كأدوات تكمل هذا المسار.
المقترح الرّابع: تطوير المجامع الفقهيّة القطريّة
الصياغة الأصليّة 2018
«مزيد من الإثراء لفكرة المجامع الفقهيّة على مستوى الأقطار، ومزيد من أنشطتها لصدور الفتاوى المجمّعة من أهلها، وزيادة عدد مرّات انعقادها لملاحقة المستجدّات».
ما تحقّق
خير كثير. هذا أكثر المقترحات تحقّقا: AMJA استمرّ مؤتمراته السّنويّة (15+ مؤتمرا حتّى عام 2026)، وتطوّرت موضوعاته من المسائل التّقليديّة إلى النّوازل المعاصرة (الذّكاء الاصطناعيّ، التّمويل الرّقميّ، الزواج الرّقميّ، إلخ). كذلك تطوّر المجلس الأوروبيّ للإفتاء، ودار الإفتاء المصريّة، وغيرهما.
ما لم يتحقّق
لم تتحقّق «الزيادة الجوهريّة في إمكانيّات المجامع»: لا تزال محاصرة في موارد محدودة، وأعضاء يتطوّعون بجانب وظائفهم، ووصول محدود للقاعدة الجماهيريّة. تفعيل كامل يتطلّب موارد لم تصل بعد.
التحدّيات
— التّمويل: المجامع تعمل بموارد محدودة، تؤثّر على عدد المؤتمرات وعدد الأبحاث المنشورة.
— التّنسيق مع المجامع الأخرى: لا تزال كلّ مجمع يعمل ضمن إطار نفسه، دون آليّة دائمة للتّكامل.
— الوصول للجماهير: قرارات المجامع تصل لطلاب العلم، لكنّها لا تصل للجمهور الذي يستهلك الفتوى عبر السوشيال ميديا.
التّقييم النّهائيّ
المقترح حقّق نجاحا واضحا، لكنّه لم يكتمل. الفصل العاشر سيقترح منصّة فتوى موحّدة لأمريكا (المبادرة الثانية) ومدرسة لتخريج المفتي الرّقميّ (المبادرة الثّالثة) لتفعيل هذا المسار.
المقترح الخامس: تعليم الناس ألّا يتناولوا الفتاوى إلّا من علماء بلادهم
الصياغة الأصليّة 2018
«تعليم النّاس ألّا يتناولوا الفتاوى إلّا من علماء بلادهم التي يعيشون فيها». ولعلّ هذا الدّور منوط بالدّعاة وأئمّة المساجد. وذكرت مثال الأطبّاء والمهندسين الذين يحيلون المسائل خارج تخصّصهم — فالأولى بالإمام أن يحيل ما خارج آلته الفقهيّة.
ما تحقّق
شيء محدود ومتناقض. في بعض الجاليات تحسّن الوعي، وأئمّة المساجد يذكّرون بضرورة الرّجوع للعلماء المحلّيّين. لكنّ السوشيال ميديا قلبت المعادلة قلبا جذريا.
ما لم يتحقّق (وقد تراجع الواقع)
الجمهور — بفعل المنصّات — يستهلك فتاوى من بلاد بعيدة، ومن مؤثّرين قد لا يعيشون في سياقه أصلا. وهذا ليس فشل المقترح وحده، بل تحوّل بنيويّ لم يكن في الحسبان. المقترح كان يفترض «جمهورا محلّيّا يسأل علماء بلده»، فإذا بالجمهور صار «عالميّا يسأل الخوارزميّة».
التحدّيات
— انفتاح الفضاء الرقميّ: لا حواجز جغرافيّة للفتوى في عصر الإنترنت.
— صعوبة فرض مرجعيّة محلّيّة: لا تستطيع إقناع شابّ بأن يترك مؤثّرا يتابعه على تيك توك ليستفتي إماما محلّيا يراه «تقليديّا».
— الخوارزميّات تروّج لمحتوى من خارج السياق المحلّيّ: فالشّاب في أمريكا قد ترى له فتاوى من المغرب، أو مصر، أو الخليج، أو غيرها — لا فتاوى علماء أمريكا.
التّقييم النّهائيّ
المقترح بحاجة إلى إعادة صياغة جذريّة. لم يعد ممكنا «منع» الجمهور من استهلاك فتاوى عبر الإنترنت. الصياغة المعاصرة هي: «تثقيف المستفتي» — بناء وعي نقديّ لدى الجمهور حتّى يختار بنفسه مرجعيّات صحيحة. وهذا ما يقدّمه الفصل العاشر (المبادرة السّابعة).
المقترح السّادس: إصدار البيانات الاحتجاجيّة على القنوات غير المتخصّصة
الصياغة الأصليّة 2018
«إصدار البيانات التي تحتجّ بشكل مباشر على القنوات التي تستضيف للفتوى غير المتخصّصين، أو تناقش قضايا فقهيّة معقّدة مع من ليسوا أهلا للنّقاش حولها». وذكرت أنّ المزيد من البيانات سيجعل لها مردودا إيجابيا بإذن الله.
ما تحقّق
محاولات متفرّقة بلا تأثير ممنهج. بعض المؤسّسات (مثل دار الإفتاء المصريّة) أصدرت بيانات احتجاج على فتاوى شاذّة من حين لآخر. وكذلك بعض الهيئات الرّسميّة. لكنّ التّأثير الفعليّ على المنصّات والقنوات كان محدودا.
ما لم يتحقّق
لم يتحقّق التّأثير الفعليّ. القنوات والمنصّات لا تخضع لمؤسّسات شرعيّة، بل تستجيب لمقاييس السّوق والمتابعات. والمؤثّرون المردود عليهم في البيانات لا يتأثّرون بها، بل قد يستخدمون البيانات نفسها للحصول على مزيد من الانتشار.
التحدّيات
— ضعف القوّة التّنفيذيّة: لا أحد يستطيع إجبار قناة على إيقاف ضيف أو حذف فتوى.
— عدم اعتراف منصّات السوشيال بالسّلطات الدينيّة: تيك توك، يوتيوب، إنستجرام — كلّها لا تعترف بالمؤسّسات الإسلاميّة كمرجعيّة، بل تعترف بسياساتها هي.
— صعود «المؤثّرين الدينيّين» بمنطق السّوق: من يستضيف الجمهور هو من يتميّز في الانتشار، لا من يكون أكثر أهليّة.
التّقييم النّهائيّ
المقترح بحاجة إلى استبدال جوهريّ. الاحتجاج ليس استراتيجيّة ناجعة. البديل الأنجع هو: الاستثمار في المحتوى البديل بدل الاحتجاج على المحتوى الموجود. هذا ما سيقترحه الفصل العاشر (المبادرة السّادسة: شراكة مع المنصّات الكبرى، والمبادرة التّاسعة: أرشيف رقميّ لتراث الإفتاء).
المبحث الثّاني: لماذا تعثّر التّطبيق؟ تحليل بنيويّ
بعد فحص المقترحات السّتّة، نلاحظ ثلاثة أنماط مكرّرة في عوامل التّعثّر. هذه الأنماط ليست خللا في المقترحات وحدها، بل خلل بنيويّ في الإطار الذي صيغت فيه:
النّمط الأوّل: غياب آليّة تنفيذيّة
معظم المقترحات افترضت وجود سلطة قادرة على التّنفيذ — اتّحاد مؤسّسات، حظر قنوات، توحيد مرجعيّات. لكنّ الواقع الإسلاميّ المعاصر يفتقد إلى مثل هذه السّلطة. لا توجد جهة لها صلاحيّة فرض قراراتها على دور الإفتاء، أو على القنوات، أو على المنصّات.
الدّرس المستفاد: المقترحات الناجعة هي التي تعمل بآليّات التّأثير لا بآليّات الفرض. التّأثير يكون عبر بناء البدائل الأقوى، وكسب الجمهور بالجودة، لا بمحاولة إغلاق القنوات الأخرى.
النّمط الثاني: المركزيّة الإفتائيّة في زمن اللامركزيّة المعرفيّة
المقترحات الأصليّة افترضت إمكانيّة بناء «مرجعيّة موحّدة» — قناة موحّدة، رمز موحّد، فتوى موحّدة. لكنّ ثورة الإنترنت قلبت هذا الفرض. العالم الرّقميّ منذ تأسيسه مبنيّ على اللامركزيّة (Decentralization). فلا مفهوم للمرجعيّة الموحّدة في الفضاء الذي صنعه التّقنيّون أصلا ليكون مفتوحا للجميع.
الدّرس المستفاد: لا يمكن بناء مرجعيّة موحّدة في فضاء مصمّم على اللامركزيّة. ولكن يمكن بناء منظومات موثوقة متكاملة — لها بوصلة مشتركة، لا سلطة موحّدة. وهذا ما سيطرح في الفصل العاشر.
النّمط الثّالث: عدم احتساب التّحوّلات التّقنيّة
لم تكن المقترحات في 2018 تتوقّع: الفيديو القصير (تيك توك انفجر بعد 2019-2020)، الذّكاء الاصطناعيّ التّوليديّ (ChatGPT صدر 2022)، طفرة الإفتاء الإلكترونيّ (بفعل الجائحة 2020)، اقتصاد المؤثّرين (تطوّر بشدّة بعد 2020). كلّ هذه التّحوّلات قلبت المعادلة.
الدّرس المستفاد: أيّ مقترح للإصلاح في الإفتاء يجب أن يأخذ التّحوّل التّقنيّ في حسبانه كعامل ديناميكيّ — لا كظرف ثابت. والمقترحات الجديدة في الفصل العاشر تنطلق من هذا الفهم.
المبحث الثّالث: واقع الإفتاء المتغيّر بعد 2018
ليس عدلا تقييم المقترحات بمعزل عن الواقع الذي تنزل عليه. والواقع بعد 2018 تغيّر في خمسة محاور كبرى، تستحقّ التّأمّل قبل صياغة مقترحات جديدة:
(1) ثورة الفيديو القصير
بين 2019 و2022، انفجرت منصّات الفيديو القصير (تيك توك، يوتيوب شورتس، إنستجرام ريلز). وأصبح المحتوى الدينيّ يستهلك في مقاطع تتراوح بين 15 ثانية و60 ثانية. الفتوى المختزلة في هذا الزّمن لا تحتمل التّفصيل، ولا الاستثناءات، ولا السّياق. والمشاهد لا يملك صبر الاستماع لما يتجاوز دقيقة.
هذا التّحوّل تجاوز ما كان مطروحا عام 2018. فالكلام آنذاك كان عن «الفضائيّات» التي تستضيف غير المتخصّصين. أمّا اليوم، فالمشكلة أعمق: لم يعد الجمهور يشاهد الفضائيّات أصلا.
(2) صعود الذّكاء الاصطناعيّ التّوليديّ
في نوفمبر 2022، صدر ChatGPT. وفي شهر واحد، تجاوز عدد مستخدميه مئة مليون. هذا فتح بابا جديدا تماما: «الفتوى الآليّة». الآن يستطيع المستفتي أن يفتح موقع ChatGPT ويكتب: «ما حكم كذا؟» — ويتلقّى إجابة مفصّلة في ثوان.
وهذه الإجابة قد تكون صحيحة، أو قد تكون مهلوسة، أو قد تكون مختلطة. والمستفتي لا يعرف الفرق. هذا تحوّل بنيويّ يستدعي معالجة كاملة — وهو موضوع الفصل السادس من الكتاب.
(3) جائحة كوفيد-19 وتطبيع الإفتاء الإلكترونيّ
الجائحة (2020-2022) أجبرت العالم الإسلاميّ على نقل كثير من الأنشطة الدينيّة إلى الفضاء الإلكترونيّ: الخطب، الدّروس، الفتاوى، المؤتمرات. وحين عاد العالم بعد الجائحة، لم تعد الأمور كما كانت. تطبّع الجمهور على «المسجد الإلكترونيّ» و«الإمام الإلكترونيّ» — وأصبحت السوشيال ميديا مجال الإفتاء الأصليّ، لا الاستثنائيّ.
(4) الاستقطاب السياسيّ والمذهبيّ المتزايد
منذ 2011 وما بعدها، يشهد العالم الإسلاميّ استقطابات سياسيّة وفكريّة لم يعهدها من قبل. وهذه الاستقطابات انعكست على الفتوى: كلّ تيّار ينتج مرجعيّاته، ويكفّر مرجعيّات الآخر. والجمهور — في كلّ تيّار — يستهلك فتاوى توافق هواه السياسيّ والمذهبيّ. التّوحيد الذي اقترحه بحث 2018 كان يفترض إمكانيّة الاجتماع — والاجتماع اليوم أصعب ممّا كان.
(5) تفكّك سلطة المرجعيّات التّقليديّة
ولعلّ أكبر التّحوّلات هو ما يمكن تسميته «ديمقراطيّة الفتوى». فالجمهور لم يعد ينتظر اعتراف المؤسّسات الفقهيّة بهذا العالم أو ذاك. بل يختار هو من يتعامل معه كمرجعيّة — بناء على الكاريزما، أو المتابعات، أو التّوافق الفكريّ. وهذا قلب علاقة الجمهور بالعلم رأسا على عقب.
النّتيجة: مرجعيّات بلا اعتراف رسميّ، تتمتّع بنفوذ هائل. ومرجعيّات رسميّة معترف بها، لكنّها بلا نفوذ على الجمهور.
خلاصة الفصل
الفصل التّاسع كشف لنا أنّ المقترحات السّتّ التي طرحناها في 2018 كانت في صميمها صحيحة، لكنّ تطبيقها تعثّر لأسباب بنيويّة — لا بسبب الخطأ في المقترحات، بل بسبب أنّ الواقع كان أكبر منها وأسرع. والتّحوّلات التّقنيّة بعد 2018 جعلت بعض المقترحات تحتاج إعادة صياغة جذريّة.
لكنّ هذا الفحص ليس استسلاما لليأس. بل هو مدخل لصياغة مقترحات جديدة، تنطلق من فهم الواقع الجديد، وتستفيد من الدّروس المستفادة من التّعثّر. وهذه هي وظيفة الفصل العاشر الذي يلي — وهو خارطة طريق عمليّة بعشر مبادرات قابلة للتّنفيذ، مع تحديد الجهات المعنيّة، والموارد المطلوبة، ومؤشّرات قياس النّجاح.
ومن الإنصاف هنا الإشارة إلى أنّ ما تحقّق من المقترح الرّابع (تطوير المجامع القطريّة، وعلى رأسها AMJA) كان من أكثر ما حقّقه الواقع. ولولا استمراريّة هذه المؤسّسة وأنشطتها لما كان لنا أن نطرح هذا الكتاب اليوم. فالمؤسّسة التي نستضيف رؤياها — في بحث 2018 وفي هذا الكتاب — أثبتت أنّ المجتهد الجماعيّ المؤسّسيّ (الذي اقترحناه في الفصل الثّالث) ليس مجرّد فكرة، بل واقع ينبض بالحياة. وهي شهادة تستحقّ التّوثيق.
الفَصل العاشِر: خارِطة طَريق عَمَليّة ـ عَشر مبادَرات في ثَلاثة مَدَيات
⟦ جِسر التَّذكير ⟧ بَعد التَّأصيل في القِسم الأَوَّل، والتَّشخيص في القِسم الثّاني، والتَّقييم في الفَصل التّاسع ـ نَنتَقِل إلى السؤال الأَهَمّ: ما الذي يُمكِن فِعلُه عَمَليّاً غَداً؟ نُقَدِّم هُنا عَشر مبادَرات قابِلة للتَّنفيذ، مُرَتَّبة عَلى ثَلاثة مَدَيات زَمَنيّة.
توطئة الفَصل: مِن النَّظَريّة إلى الخُطوة الأُولى
أَتى هذا الفَصل في خِتام البَحث ليَكون جِسراً بَين التَّحليل النَّظَريّ والعَمَل الفِعليّ. كُلّ ما سَبَق ـ مِن تَأصيلٍ ومَفاهيمَ وتَشخيصٍ وتَقييم ـ كان يُمَهِّد لهذا السُّؤال: ما الخُطوة الأُولى؟
نُقَدِّم في هذا الفَصل عَشر مبادَرات عَمَليّة، مُوَزَّعة عَلى ثَلاثة مَدَيات زَمَنيّة:
▸ المَدى العاجِل (سَنة واحِدة): مبادَرات يُمكِن البَدء بها فَوراً بمَوارِد مَوجودة.
▸ المَدى المُتَوَسِّط (ثَلاث سَنَوات): مبادَرات تَحتاج تَنسيقاً مؤسَّسيّاً وبِناءَ شَراكات.
▸ المَدى البَعيد (خَمس سَنَوات): مبادَرات تَحتاج بِنيةً تِقنيّةً مُتَقَدِّمة أَو موارِدَ ضَخمة.
والتَّرتيب الهَرَميّ لَيس تَنازُلاً عَن المبادَرات البَعيدة، بَل تَنظيمٌ يَحفَظ التَّسلسُل المنطقيّ. فالمبادَرة الأَولى (الميثاق) لازِمةٌ لتَستَقيم المبادَرات اللاّحِقة. والمَرصَد يَكشِف الواقِع الذي تَستَنِد إِلَيه التَّخطيطات. والتَّقرير السَّنويّ يَقيس النَّتائج.
نستعرض هنا المبادرات العشر في جدول مختصر، ثمّ نفصّل كلّ مبادرة في القسم التّالي:
▌ المَدى العاجِل ـ السَّنة الأُولى
ثَلاث مبادَرات يُمكِن البَدء بها فَوراً، تَعتَمِد عَلى موارد قائِمة ومؤسَّسات مَوجودة. يَكفي قَرارٌ مَنهَجيّ وتَنسيقٌ بَين الأَطراف لإِطلاقها خِلال شُهور.
المبادرة الأولى: ميثاق المفتي الرّقميّ
الفكرة
وثيقة مرجعيّة تضع معايير أخلاقيّة وعلميّة يلتزم بها كلّ مفت يصدر فتاوى عبر المنصّات الرّقميّة. تبنى على المؤهّلات المركّبة الخمس التي عرضناها في الفصل الثّاني، وعلى المبادئ الأخلاقيّة الستّة في الفصل الخامس، ومدوّنة الذّكاء الاصطناعيّ في الفصل السادس. وتصدر بصيغة «اعتماد طوعيّ» — لا قانون ملزم — تدعو إليه المؤسّسات الفقهيّة.
الجهات المعنيّة
تحالف من مجامع فقهيّة (AMJA، ECFR، مجمع الفقه الدّوليّ، وغيرها) يتعاون لصياغة الميثاق. والمؤسّسات الفقهيّة الفرديّة (دار الإفتاء، رابطة العالم الإسلاميّ) تتبنّاه وتدعو علماءها للتّوقيع عليه.
الموارد المطلوبة
لجنة مصغّرة (5-7 أعضاء) لصياغة الميثاق على مدى 6 أشهر. تمويل محدود لتكاليف الاجتماعات والنّشر. الأهمّ: توافق سياسيّ بين المجامع.
مؤشّر النّجاح
(1) إصدار الميثاق في صيغته النّهائيّة. (2) توقيع 50 عالما معتمدا عليه خلال السّنة الأولى. (3) تبنّي مؤسّستين رئيسيّتين له. (4) ظهور أثره في خطاب الإفتاء على المنصّات.
المبادرة الخامسة: مرصد الفتوى الرّقميّة
الفكرة
وحدة بحثيّة ترصد الفتاوى الرّائجة على منصّات السوشيال ميديا (تيك توك، يوتيوب، تويتر/X)، تحلّل أنماط الفوضى، تنشر تقارير دوريّة، وترفع تنبيهات للمجامع حين تنتشر فتوى شاذّة بشكل خطير.
الجهات المعنيّة
يقيّد بمركز بحثيّ تابع لمجمع فقهيّ، أو يؤسّس كمركز مستقلّ بتمويل خيريّ، أو يستضيفه أحد مراكز الأبحاث الإسلاميّة (مثل: Yaqeen Institute، أو غيره).
الموارد المطلوبة
فريق بحثيّ (5-7 باحثين) متعدّد التّخصّصات. أدوات تقنيّة لمتابعة المنصّات. تمويل سنويّ ~ 300,000-500,000 دولار. شراكات مع جامعات ومراكز أبحاث.
مؤشّر النّجاح
(1) تقرير سنويّ منشور يرصد حالة الفتوى الرّقميّة. (2) تنبيهات دوريّة تلتقطها المؤسّسات الفقهيّة. (3) أن يصبح المرصد مصدرا معتمدا لطلاب العلم والباحثين.
المبادرة العاشرة: تقرير سنويّ عن حالة الإفتاء
الفكرة
وثيقة سنويّة تصدرها مجامع الفتوى (بمنهج مشترك)، ترصد:
• التّحوّلات في الفضاء الإفتائيّ خلال العام.
• التّحدّيات البارزة الجديدة.
• الإنجازات التي تحقّقت من المبادرات السّابقة.
• التّوصيات للعام التّالي.
يكون هذا التّقرير مرجعا للباحثين، المؤسّسات، الإعلاميّين، والحكومات.
الجهات المعنيّة
تحالف من المجامع الفقهيّة الكبرى يؤسّس «لجنة إصدار التّقرير السّنويّ». تتولّى اللّجنة الإشراف على إعداد التّقرير، يؤلّفه فريق من الباحثين. ينشر بلغات متعدّدة.
الموارد المطلوبة
فريق صغير مختصّ (3-5 باحثين بدوام كامل). تمويل سنويّ ~ 200,000-400,000 دولار.
مؤشّر النّجاح
(1) إصدار التّقرير الأوّل خلال 12 شهرا. (2) قبول واسع كمرجع سنويّ. (3) تأثير قابل للقياس على المسار العامّ للإفتاء الرّقميّ.
▌ المَدى المُتَوَسِّط ـ خِلال ثَلاث سَنوات
أَربَع مبادَرات تَحتاج تَنسيقاً مؤسَّسيّاً أَوسَع، وبِناءَ شَراكاتٍ بَين الجِهات العِلميّة والتِّقنيّة والإِعلاميّة. كُلّ مِنها يَستَنِد إلى ما أُنجِز في المَدى العاجِل.
المبادرة الثّالثة: مدرسة لتخريج المفتي الرّقميّ
الفكرة
برنامج تدريبيّ مكثّف (12 - 18 شهرا) يؤهّل المفتين للعمل في الفضاء الرّقميّ. يجمع البرنامج بين:
• علوم الشّريعة بمستوى الإفتاء (للذين لم يحظوا بها أصلا).
• المهارات الإعلاميّة: صناعة المحتوى، التّحرير، التّقديم.
• المعرفة التّقنيّة: فهم المنصّات، الخوارزميّات، الذّكاء الاصطناعيّ.
• المهارات النّفسيّة والاجتماعيّة: فهم الجمهور، التّعامل مع الأزمات.
الجهات المعنيّة
شراكة بين مجمع فقهيّ (منح علميّ) وكليّة جامعيّة (إطار أكاديميّ) ومؤسّسة إعلاميّة (تدريب مهنيّ). مثلا: AMJA + جامعة إسلاميّة + شركة إعلام إسلاميّ.
الموارد المطلوبة
هيئة تدريسيّة من 8-12 شخصا (علماء + خبراء إعلام + تقنيّين). منح للطّلاب (لأنّ كلّ طالب يترك عملا). تمويل أوّليّ ~ 1.5 مليون دولار للسّنة الأولى.
مؤشّر النّجاح
(1) تخريج 15-20 خرّيجا في الدّفعة الأولى. (2) بلوغ خرّيجي السنوات الخمس الأولى لما يزيد عن 100 مفت رقميّ. (3) أن يكون لهم تأثير ملموس على المنصّات.
المبادرة السّادسة: شراكة مع المنصّات الكبرى
الفكرة
فتح قنوات حوار مع YouTube، TikTok، Meta وغيرها، لـ:
• تعزيز ظهور المصادر الموثوقة في نتائج البحث الدّينيّ.
• تحجيم انتشار الفتاوى المخالفة للضّوابط الأساسيّة.
• توفير «شارة موثوق» للحسابات الإفتائيّة المعتمدة من المجامع.
• فتح قنوات للتّبليغ عن المحتوى المسيء للدّين أو المحرّض.
الجهات المعنيّة
تحالف من مجامع فقهيّة كبرى يمثّل الأكثريّة المسلمة عالميّا، يتفاوض مع المنصّات. ربّما بمشاركة من حكومات (مصر، تركيا، السعوديّة) ضمانا للجدّيّة.
الموارد المطلوبة
فريق تفاوضيّ متخصّص. مكاتب تمثيل في المدن الرّئيسيّة لمقرّات المنصّات (San Francisco، LA). تمويل سنويّ ~ 1 مليون دولار.
مؤشّر النّجاح
(1) توقيع اتّفاقيّة مع إحدى المنصّات الكبرى خلال 24 شهرا. (2) ظهور «شارة موثوق» على حسابات معتمدة. (3) إزالة فتاوى تنطبق عليها قوانين المنصّة بناء على بلاغات المجمع.
المبادرة السّابعة: تثقيف المستفتي
الفكرة
حملات توعويّة للجمهور في «ثقافة الاستفتاء الرّشيد»: كيف يختار مفتيه؟ كيف يطرح سؤاله؟ متى يحتاج إلى تعدّد آراء؟ كيف يتعامل مع الفتوى التي لا تعجبه؟ كيف يتحقّق من نسبة الفتوى؟ كيف يستخدم الذّكاء الاصطناعيّ في الاستفسارات الشّرعيّة (وحدوده)؟
الجهات المعنيّة
المجامع الفقهيّة تنتج المحتوى الأساسيّ. الأئمّة في المساجد ينشرون الحملة محلّيا. صنّاع المحتوى الموثوقون يساعدون في توصيلها. المدارس الإسلاميّة تدرّجها في مناهجها.
الموارد المطلوبة
فريق إنتاج محتوى (مقاطع فيديو، منشورات، كتيّبات). تمويل ~ 200,000-400,000 دولار سنويّا. شراكات مع منظّمات إسلاميّة قواعديّة (مجلس الجاليات، المراكز الإسلاميّة).
مؤشّر النّجاح
(1) إنتاج 50+ قطعة محتوى توعويّة في السّنة الأولى. (2) وصول الحملة إلى 5 ملايين مستفيد. (3) تحوّل قابل للقياس في وعي الجمهور (عبر استطلاعات قبل/بعد).
المبادرة الثّامنة: شبكة الإفتاء متعدّد التّخصّصات
الفكرة
تأسيس فرق دائمة، تجمع علماء + أطبّاء + اقتصاديّين + تقنيّين + قانونيّين، للتّعامل مع النّوازل المركّبة. كلّ فريق يتخصّص في مجال (طبّ، تمويل، تكنولوجيا، أحوال شخصيّة، إلخ).
الجهات المعنيّة
مجمع فقهيّ يتولّى التّأسيس (مثل AMJA أو ECFR). ينشئ تحالفا مع جمعيّات مهنيّة إسلاميّة (مثل: Islamic Medical Association of North America، Muslim Bar Association، Islamic Finance Council). يجتمع الفريق دوريا (شهريا أو ربع سنويّ).
الموارد المطلوبة
تنسيق إداريّ. تمويل لتكاليف الاجتماعات (السّفر، الإقامة، التّقنيات). مكافآت رمزيّة للأعضاء (لأنّ كلّ عضو يساهم بوقته من خارج تخصّصه الأصليّ).
مؤشّر النّجاح
(1) تأسيس 3-4 فرق متخصّصة في 18 شهرا. (2) إصدار 10-15 قرارا جماعيّا في القضايا المركّبة في السّنة الأولى. (3) قبول الجمهور المتخصّص لهذه القرارات كمرجع.
▌ المَدى البَعيد ـ خِلال خَمس سَنوات
ثَلاث مبادَرات كُبرى تَحتاج بِنيةً تِقنيّةً مُتَقَدِّمة، وموارد بَشَريّةً ومالية أَكبَر، وشَراكاتٍ دَوليّة. وُجودها في «المَدى البَعيد» لا يَعني تَأجيلَها، بَل أنّ تَحقيقها يَتَطَلَّب نَضجَ ما قَبلها.
المبادرة الثانية: منصّة فتوى موحّدة لأمريكا
الفكرة
بقيادة AMJA وشراكة مع مجامع أخرى — تنشأ منصّة رقميّة تجمع الفتاوى المعتمدة لعلماء أمريكا (والشّمال الأمريكيّ عموما)، مع نظام بحث ذكيّ، وتواصل مباشر مع المفتي. تكون مرجعا موحّدا لـ:
• المسلم الذي يريد فتوى تناسب سياقه الأمريكيّ.
• الإمام في مسجد محلّيّ يحتاج للرّجوع لمجمع معتمد.
• الباحث الأكاديميّ الذي يدرس فقه الأقلّيّات.
الجهات المعنيّة
AMJA يقود المبادرة، بمشاركة من: ISNA Fiqh Council، FCNA، Muslim American Society (MAS)، ومجامع أخرى تخدم المنطقة.
الموارد المطلوبة
تطوير تقنيّ كبير (موقع، تطبيق، خلفيّة بيانات، ذكاء اصطناعيّ للبحث) — يقدّر بما بين 500,000 و1.5 مليون دولار. تمويل من جهات خيريّة، مع شراكة مع شركات تقنيّة. فريق مداومة على المنصّة: 3-5 موظّفين بدوام كامل + لجنة علماء بدوام جزئيّ.
مؤشّر النّجاح
(1) إطلاق المنصّة خلال 18 شهرا. (2) تجاوز 5,000 فتوى منشورة على المنصّة. (3) تجاوز 100,000 زيارة شهريّا بعد السنة الأولى. (4) قبول واسع من الأئمّة المحلّيّين كمرجعيّة موثوقة.
المبادرة الرّابعة: نموذج لغويّ شرعيّ مفتوح المصدر
الفكرة
بناء LLM (نموذج لغويّ كبير) متخصّص في الفقه الإسلاميّ، يدرّب على نصوص موثوقة ومرخّصة، بإشراف علماء. الهدف: أن يكون مرجعا موثوقا للاستفسارات المعلوماتيّة (لا الإفتائيّة)، يجيب بدقّة أعلى من النّماذج العامّة في القضايا الشّرعيّة، ويستطيع التّحقّق من نسبة النصوص (تجنّبا للهلوسة).
الجهات المعنيّة
تحالف من مجامع فقهيّة (لتوفير المصادر والإشراف) + شركة تقنية (لتوفير البنية التّحتيّة) + مؤسّسة بحثيّة (للإشراف الأكاديميّ). أمثلة محتملة: AMJA + مؤسّسة تقنية + جامعة بحثيّة.
الموارد المطلوبة
استثمار كبير (تقدّر تكلفة بناء نموذج لغويّ كبير مخصوص بـ 3-10 مليون دولار). شراكة مع شركات تقنية كبرى لمنح وصول إلى البنية التّحتيّة. لجنة شرعيّة دائمة لتحديد المصادر التي يدرّب عليها النّموذج.
مؤشّر النّجاح
(1) إطلاق النّموذج (Beta) خلال 24-36 شهرا. (2) دقّة أعلى من النّماذج العامّة في قضايا شرعيّة محدّدة. (3) تبنّي المؤسّسات الفقهيّة للنّموذج كمساعد للبحث.
المبادرة التّاسعة: أرشيف رقميّ لتراث الإفتاء
الفكرة
رقمنة فتاوى الكبار من العلماء — قديما وحديثا — وفهرستها وتسهيل الوصول إليها. هذا الأرشيف يخدم طلاب العلم والمفتين الذين يحتاجون لمراجعة فتاوى عالم بعينه أو في موضوع بعينه. تكون الفتاوى مؤرّخة، منسوبة بدقّة، قابلة للبحث الذّكيّ.
الجهات المعنيّة
مكتبات إسلاميّة كبرى (مكتبة الأزهر، مكتبة المسجد النّبويّ، مكتبة جامعة الإمام). بشراكة مع مؤسّسات الرّقمنة (مثل Internet Archive، Hathi Trust). وعلماء مكلّفون بالتّحقّق من النّسبة.
الموارد المطلوبة
استثمار كبير في الرّقمنة (التّصوير، التّعرّف على النّصوص العربيّة — وهو تحدّ تقنيّ في حدّ ذاته). تمويل ~ 5 ملايين دولار للمرحلة الأولى.
مؤشّر النّجاح
(1) رقمنة 10,000 فتوى من علماء كبار في 36 شهرا. (2) إطلاق المنصّة بإمكانيّة بحث ذكيّ. (3) قبول واسع من طلاب العلم كأداة بحث أساسيّة.
خلاصة الفصل وخاتمة الكتاب
هذه المبادرات العشر ليست خيالا. كلّ واحدة منها قابلة للتّنفيذ، بموارد متاحة، خلال أفق منظور. وبعضها بدأ فعلا — مثل المنصّة الموحّدة (في صورتها الأوّليّة)، ومرصد الفتوى (في عدد من مراكز الأبحاث)، وحملات تثقيف المستفتي (في بعض الجاليات). ما ينقصنا هو التّكامل والتّوسعة والالتزام المؤسّسيّ.
هذا الفصل — وهذا الكتاب — لا يدّعي تقديم الإجابة الكاملة. بل يطرح أسئلة جديدة على فقه الإفتاء في عصر يتحوّل بسرعة، ويقترح مسارات أوّليّة للإجابة عنها.
والذي نرجوه من هذا العمل: أن يكون لبنة في بناء أكبر، يتعاون فيه علماء الأمّة ومؤسّساتها لإصلاح ما يستحقّ الإصلاح، ولحفظ ما يستحقّ الحفظ، في زمن يجمع بين التّحدّيات والفرص بصورة لم يعرفها التّاريخ من قبل.
نسأل الله — في خاتمة هذا الكتاب — أن يجعله صدقة جارية، وعلما ينتفع به. وأن يهدي علماء الأمّة إلى ما ينفعها في دينها ودنياها. وأن يكتب لنا وللقارئ أجر من دلّ على خير، أو سعى لإصلاح. وأن يعفو عنّا ما زللنا فيه، وما قصرنا عنه — فالمقصد عبادة، والكمال لله وحده.
«ربّنا تقبّل منّا إنّك أنت السّميع العليم».
والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله وسلّم على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين.
— انتهى الكتاب: «الفتوى في زمن التّحوّل الرّقميّ — من أهليّة المفتي إلى منظومة الإفتاء» —
الخاتمة العامّة
الرّحلة التي قطعناها
بدأنا هذا الكتاب من سؤال بسيط في ظاهره، عميق في باطنه: ما هي الفتوى؟ وما هو المفتي؟ وما هي الفوضى في الإفتاء؟
وحاولنا الإجابة عبر عشرة فصول، تنقّلنا فيها بين التّأصيل والتّحوّل والمقترح. أحفظنا الأصل الكلاسيكيّ من فقهائنا الأكابر، وبنينا فوقه طبقات تستوعب تحوّلات عصرنا. وفي خاتمة الرّحلة، نستحضر أهمّ ما توصّلنا إليه.
النّتائج الجوهريّة
أوّلا: في باب المفاهيم. كشف الفصل الأوّل أنّ تعريفات الفتوى والمفتي والمستفتي عند الأقدمين لا تزال صحيحة في ذاتها، لكنّها بحاجة إلى ملحقات معاصرة. وقدّمنا تعريفا مقترحا للفوضى الرّقميّة: «تشظّي مرجعيّات الفتوى وتبعثرها على فاعلين رقميّين متعدّدين بمعزل عن ضوابط الأهليّة، مع غياب آليّة موضوعيّة للتّمييز بين المتأهّل وغيره في الفضاء المفتوح». كما عرضنا للمستفتي الرّقميّ بصوره الخمس.
ثانيا: في باب شخصيّة المفتي. بيّن الفصل الثاني أنّ الشّروط الكلاسيكيّة (التّكليفيّة، العلميّة، الخلقيّة) لا تزال ضروريّة، لكنّها لم تعد كافية لمن يفتي في الفضاء الرّقميّ. وقدّمنا «المؤهّلات المركّبة الخمس»: الكفاءة الإعلاميّة، الوعي النّفسيّ، الإلمام التّقنيّ، فقه المآلات الرّقميّة، الأمانة الإعلاميّة. وهي مجموع تنطبق على من يختار التّصدّر للإفتاء على المنصّات.
ثالثا: في باب مراتب المجتهدين. أخرجنا في الفصل الثالث المحتوى الذي كان مدفونا في الهامش رقم 26 من بحث 2018 إلى فصل مستقلّ. وأضفنا «المرتبة السّابعة المعاصرة: المجتهد الجماعيّ المؤسّسيّ» — وهو ليس بدعا، بل امتداد طبيعيّ لتراث الشّورى والإفتاء الجماعيّ في الإسلام. هذه المرتبة هي مفتاح كثير من حلول الفصول التّالية.
رابعا: في باب فوضى الفتوى المعاصرة. قدّم الفصل الرابع قراءة معاصرة في خمسة تحوّلات (انتقال المركز إلى الفيديو القصير، صعود المؤثّر الدّينيّ، انهيار سلطة الإفتاء التّقليديّة، ثقافة التّرند الدّينيّ، تسييس الفتوى)، وخمسة أبعاد للفوضى (المصدر، الصّياغة، السّياق، التّلقّي، المسؤوليّة). هذه القراءة تمثّل تحديثا جوهريّا لتشخيصنا الأصليّ في 2018.
خامسا: في باب الإطار الأخلاقيّ. قدّم الفصل الخامس مدوّنة مكوّنة من ستّة مبادئ أخلاقيّة للإفتاء الرّقميّ. والمبادئ ليست لائحة قانونيّة، بل مدوّنة سلوك ذاتيّة. وهي تنطلق من أنّ الإفتاء على المنصّات نوع جديد من النّشاط، له بنيته وحاجاته الأخلاقيّة الخاصّة.
سادسا: في باب الذّكاء الاصطناعيّ. خلص الفصل السادس — بعد تحليل أصوليّ لأركان الفتوى — إلى أنّ الذّكاء الاصطناعيّ ليس مفتيا ولن يكون. هو يفتقد إلى الأهليّة، والعلم بمعناه الفقهيّ، والنّيّة، وفقه الواقع، والموازنة المقاصديّة. أمّا كأداة مساعدة للمفتي البشريّ، فقد يكون نافعا، بضوابط بيّنّاها. وحذّرنا من «الفتوى الآليّة» وما تحمله من أخطار سياديّة على الخطاب الدّينيّ.
سابعا: في باب فقه الأقلّيّات الرّقميّ. بيّن الفصل السابع أنّ فقه الأقلّيّات ليس مجرّد فرع هامشيّ، بل مختبر تنكشف فيه إشكاليّات الإفتاء قبل أن تصل إلى بلاد المسلمين. وأنّ المسلم الأمريكيّ — والغربيّ عموما — في حاجة ماسّة إلى مرجعيّات محلّيّة تفهم سياقه، لا فتاوى مستوردة من بلدان بعيدة عبر السوشيال ميديا.
ثامنا: في باب المنظومة الإفتائيّة الجماعيّة. أكمل الفصل الثّامن ما أسّسه الفصل الثالث، فاستعرض نماذج الإفتاء الجماعيّ، وتجربة AMJA بوصفها نموذجا متقدّما، وطرح خمسة عناصر لمنظومة إفتائيّة رقميّة متكاملة.
تاسعا: في باب تقييم مقترحات 2018. أجرى الفصل التّاسع فحصا نقديا ذاتيّا للمقترحات السّتّ السّابقة. ومنه عرفنا أنّ التّعثّر في التّطبيق لم يكن لخلل في المقترحات بقدر ما كان لتحوّلات بنيويّة أكبر منها.
عاشرا: في باب خارطة الطّريق. قدّم الفصل العاشر عشر مبادرات قابلة للتّنفيذ، مع تحديد الجهات المعنيّة، الموارد المطلوبة، ومؤشّرات النّجاح. وهي ليست خيالا، بل مدخل عمليّ للنّقاش بين المؤسّسات الفقهيّة.
ما لم يتضمّنه الكتاب
من الإنصاف العلميّ أن نذكر ما لم يتضمّنه هذا الكتاب، حتّى يمكن لطلاب العلم من بعدنا أن يكملوا الطّريق:
• التّجربة العربيّة المنفصلة عن السياق الغربيّ: ركّز الكتاب على فقه الأقلّيّات، وعلى سياق AMJA. لكنّ فوضى الفتوى في العالم العربيّ لها خصوصيّاتها التي تستحقّ بحثا منفصلا.
• التّعمّق التّقنيّ في الذّكاء الاصطناعيّ: قدّم الكتاب إطارا عامّا، لكن كلّ نازلة في الذّكاء الاصطناعيّ (توليد الصّور، توليد الصّوت، الواقع الافتراضيّ) تستحقّ معالجة تفصيليّة.
• الجانب القانونيّ: العلاقة بين الفتوى الرّقميّة والقوانين المدنيّة (حقوق الملكيّة الفكريّة، تنظيم وسائل التّواصل، المسؤوليّة القانونيّة) تستدعي دراسة مختصّة.
• التّجارب الإفتائيّة في غير الإسلام: قد يكون مفيدا مقارنة تجربة الإفتاء الرّقميّ في الإسلام مع تجارب أديان أخرى (الكاثوليكيّة، اليهوديّة).
• التّجارب الميدانيّة المفصّلة: الكتاب نظريّ في كثير من جوانبه. التّجارب الميدانيّة (دراسة تأثير الفتاوى على الجاليات، استطلاع الرأي العامّ للمستفتين) ستغني هذا العمل.
تأمّلات في الرّحلة
بعد أن أنجزت كتابة هذا الكتاب، أعود إلى صفحاته الأولى، فأجدني أنظر إلى المفتي بعين مختلفة عمّا كنت أنظر بها قبل ثمان سنوات. كنت أنظر إليه آنذاك بوصفه «حارس الأحكام». والآن أنظر إليه بوصفه «حارس العلاقة بين الأمّة وربّها». الفرق بين النّظرتين عميق. فمنطق «حراسة الأحكام» يركّز على ضبط الفتوى. ومنطق «حراسة العلاقة» يركّز على ضمان أنّ المسلم يجد طريقه إلى ربّه عبر الإفتاء، لا أن يتعثّر في طريقه.
الإفتاء الرّقميّ — إن أحسن استخدامه — يمكن أن يكون نعمة. يتيح للمسلم في بلد بعيد أن يستفتي عالما يعرفه. يفتح للجمهور أبوابا للتّعلّم لم تكن متاحة قبلا. يسهّل تواصل العلماء بين الأقطار. وإن أسيء استخدامه — كما هو الواقع في كثير من الأحوال اليوم — يصبح بلاء، يشوّش على الجمهور، ويربك الفقه، ويسيء إلى الأمّة.
الفرق بين النّعمة والبلاء يتحدّد بنا — بعلماء الأمّة ومؤسّساتها وجمهورها. فإن أحسنّا، استفدنا. وإن أهملنا، خسرنا.
الدّعاء
في ختام هذا الكتاب، أدعو الله أن يتقبّله. أن يجعله من العلم الذي ينتفع به. أن يهدي علماء الأمّة إلى ما فيه إصلاح شأن الإفتاء. أن يكتب لمن قرأ هذا الكتاب، أو دلّ عليه، أو سعى في تطبيق شيء من مبادراته — أن يكتب لهم الأجر الكامل، ويستر عليهم بفضله.
وأن يغفر لي ما زللت فيه. فإنّ النّاظر في الكتاب قد يجد أخطاء وقصورا، وهذا من طبيعة العمل البشريّ. والكمال لله وحده.
«ربّنا تقبّل منّا إنّك أنت السّميع العليم». «وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين».
والصلاة والسلام على نبيّنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
— انتهى الكتاب —
«الفتوى في زمن التّحوّل الرّقميّ — من أهليّة المفتي إلى منظومة الإفتاء»
د. أحمد أبوسيف — مايو 2026
الملحق (أ): مسرد المصطلحات
هذا المسرد يجمع المصطلحات الأساسيّة المستخدمة في الكتاب، ويقسّم إلى قسمين: المصطلحات التّراثيّة الفقهيّة الأصوليّة، والمصطلحات المعاصرة الرّقميّة والإعلاميّة. القصد منه: أن يكون للقارئ مرجع سريع يعود إليه.
القسم الأوّل: المصطلحات التّراثيّة الفقهيّة
القسم الثاني: المصطلحات المعاصرة الرّقميّة
الملحق (ب): قائمة المراجع الموسّعة
ملاحظة تمهيديّة
هذه القائمة تجمع مراجع الكتاب الرّئيسيّة، مقسّمة في أربعة أقسام. والتّفصيل الكامل لجميع المراجع — مع بيانات النّشر والاستخدام في الفصول — موجود في ملفّ Excel المرفق بالمشروع (المكتبة_الببليوغرافية_v1.0.xlsx) في مجلّد 04_المكتبة_البحثية.
القسم الأوّل: المصادر الأصوليّة والفقهيّة
— القرآن الكريم (مصاحف معتمدة: مصحف المدينة، الأزهر).
— صحيح البخاريّ، محمّد بن إسماعيل البخاريّ، دار طوق النجاة، بيروت، ط 1422هـ.
— صحيح مسلم، مسلم بن الحجّاج النيسابوريّ، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
— سنن الدارميّ، عبد الله بن عبد الرحمن الدارميّ، دار المغني، الرياض، ط 1412هـ.
— مصنّف ابن أبي شيبة، أبو بكر بن أبي شيبة الكوفيّ، مكتبة الرشد، الرياض، ط 1409هـ.
— لسان العرب، ابن منظور الإفريقيّ، دار صادر، بيروت، ط 3، 1414هـ.
— المعجم الوجيز، مجمع اللغة العربية بالقاهرة.
— المصباح المنير، أحمد بن محمّد الفيّوميّ، المكتبة العلمية، بيروت.
— الموافقات، إبراهيم بن موسى الشاطبيّ، دار ابن عفان، الخبر، ط 1، 1417هـ.
— الاعتصام، إبراهيم بن موسى الشاطبيّ، دار ابن عفان، الخبر، ط 1، 1412هـ.
— إعلام الموقّعين عن ربّ العالمين، ابن قيّم الجوزيّة، دار ابن الجوزي، الدمام، ط 1، 1423هـ.
— المحصول في علم الأصول، فخر الدين الرازيّ، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 3، 1418هـ.
— الإحكام في أصول الأحكام، سيف الدين الآمديّ، المكتب الإسلامي، بيروت.
— شرح تنقيح الفصول، شهاب الدين القرافيّ، دار الفكر، القاهرة.
— الفروق (أنوار البروق)، شهاب الدين القرافيّ، عالم الكتب، بيروت.
— مختصر المنتهى مع بيان المختصر، ابن الحاجب، دار الكتب العلمية، بيروت.
— أصول ابن مفلح، محمّد بن مفلح المقدسيّ، مكتبة العبيكان، الرياض، ط 1، 1420هـ.
— جمع الجوامع مع شرح المحلّيّ والآيات البيّنات، تاج الدين ابن السبكيّ، دار الكتب العلمية، بيروت.
— تقريب الوصول إلى علم الأصول، ابن جزيّ الكلبيّ، دار الكتب العلمية، بيروت.
— البحر المحيط في أصول الفقه، بدر الدين الزركشيّ، وزارة الأوقاف الكويتية.
— إرشاد الفحول إلى تحقيق الحقّ من علم الأصول، محمّد بن عليّ الشوكانيّ، دار الكتاب العربي، بيروت.
— ردّ المحتار على الدرّ المختار (حاشية ابن عابدين)، محمّد أمين بن عابدين، دار الفكر، بيروت، ط 2، 1412هـ.
— أصول الفقه الإسلاميّ، د. وهبة الزحيليّ، دار الفكر، دمشق.
— أدب المفتي والمستفتي، ابن الصلاح، مكتبة العلوم والحكم، المدينة.
— صفة الفتوى والمفتي والمستفتي، ابن حمدان الحنبليّ، المكتب الإسلامي، بيروت.
— الفقيه والمتفقّه، الخطيب البغداديّ، دار ابن الجوزي، الدمام.
— آداب الفتوى والمفتي والمستفتي، ابن الصلاح، المكتبة الإسلامية، عمّان.
— كتاب الفتوى في الإسلام، محمّد جمال الدين القاسميّ، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1407هـ.
— المجموع شرح المهذّب، النوويّ، دار الفكر، بيروت.
— جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البرّ القرطبيّ، دار ابن الجوزي، الدمام، ط 1، 1414هـ.
— المحلّى بالآثار، ابن حزم الظاهريّ، دار الفكر، بيروت.
— فتح الباري بشرح صحيح البخاريّ، ابن حجر العسقلانيّ، دار المعرفة، بيروت.
— التحبير شرح التحرير، علاء الدين المرداويّ، مكتبة الرشد، الرياض، ط 1، 1421هـ.
— مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، مجمع الملك فهد، المدينة.
القسم الثاني: مصادر فقه الأقلّيّات
— في فقه الأقلّيّات المسلمة — حياة المسلمين وسط المجتمعات الأخرى، د. يوسف القرضاوي، دار الشروق، القاهرة، ط 1، 2001م.
— فقه الأقلّيّات المسلمة بين النظرية والتطبيق، د. خالد عبد القادر، دار الإيمان، الإسكندرية، 2007م.
— ميثاق المسلم في الغرب، د. طه جابر العلوانيّ، IIIT — معهد الفكر الإسلامي، 2005م.
— Fiqh of Muslim Minorities — Methodologies and Applications, Brill / Routledge.
— Sharia in the West — Reform, Adaptation, and Authority, Oxford University Press / Cambridge.
— Beyond the Border — Islamic Law and Muslim Minorities, Mathias Rohe, Brill, 2015.
— أبحاث وتوصيات مؤتمرات AMJA السنوية (2003-2026)، AMJA Publications, Houston.
— قرارات المجلس الأوروبيّ للإفتاء والبحوث (ECFR Resolutions)، Dublin، 1997-2026.
— تقارير Pew Research عن المسلمين في أمريكا، Pew Forum on Religion.
القسم الثالث: دراسات الإعلام الرّقميّ والذّكاء الاصطناعيّ
— The Attention Merchants — The Epic Scramble to Get Inside Our Heads, Tim Wu, Knopf, New York, 2016.
— The Filter Bubble — What the Internet Is Hiding from You, Eli Pariser, Penguin Press, 2011.
— Weapons of Math Destruction, Cathy O'Neil, Crown Publishing, 2016.
— Religion Online — Finding Faith on the Internet, Lorne L. Dawson & Douglas E. Cowan, Routledge, 2004.
— AI Ethics, Mark Coeckelbergh, MIT Press, 2020.
— Atlas of AI — Power, Politics, and the Planetary Costs of AI, Kate Crawford, Yale University Press, 2021.
— Custodians of the Internet — Platforms, Content Moderation, Tarleton Gillespie, Yale University Press, 2018.
— AI Index Report (سنويّ 2017-2026)، Stanford HAI.
— Religion and Artificial Intelligence — An Annotated Bibliography، Journal of Religion & Society, 2024.
— Large Language Models and Religious Authority، دراسات معاصرة 2023-2026.
القسم الرابع: تقارير المجامع الفقهيّة ومنظّمات الإفتاء
— قرارات مجمع الفقه الإسلاميّ الدوليّ (التّابع لمنظّمة التّعاون الإسلاميّ)، جدّة، 1981-2026.
— قرارات هيئة كبار العلماء بالأزهر الشّريف، القاهرة.
— فتاوى دار الإفتاء المصرية، القاهرة.
— فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، الرياض.
— الموسوعة الفقهيّة الكويتيّة، وزارة الأوقاف الكويتيّة.
— قرارات مجمع البحوث الإسلاميّة بالأزهر، القاهرة.
— بنك فتاوى AMJA، amja.us.
— الإفتاء في عالم مفتوح، د. عصام البشير، كلمة في مؤتمر — منشورة بـ AMJA.
الملحق (ج): مدوّنة السّلوك المقترحة للمفتي الرّقميّ
توطئة
هذه المدوّنة وثيقة عمليّة، تجمع ما تفرّق في الكتاب من مبادئ وضوابط ومؤهّلات. هي مقترح مفتوح للتّعديل والإثراء، يمكن تبنّيه من المؤسّسات الفقهيّة كمعيار اعتماد طوعيّ لمن يمارس الإفتاء عبر المنصّات. وهي تنطلق من ركيزتين: (1) المؤهّلات المركّبة الخمس في الفصل الثّاني، (2) المبادئ الأخلاقيّة السّتّة في الفصل الخامس.
بنود المدوّنة
البند الأوّل: التّأهيل العلميّ
لا أتصدّر للإفتاء على المنصّات إلّا بعد أن أتحقّق من توفّر شروط الأهليّة الكلاسيكيّة فيّ (التّكليفيّة، العلميّة، الخلقيّة). فإن لم تكتمل، أكتفي بنقل أقوال أهل العلم على وجه الحكاية، لا الفتوى.
البند الثاني: التّأهيل الإعلاميّ
أدرك أنّ الإفتاء على المنصّات يستلزم مهارات خاصّة في التّعامل مع الإعلام: الصياغة، التّأطير، توقّع الاقتطاع. وأسعى لاكتساب هذه المهارات أو الاستعانة بمن يملكها.
البند الثالث: الإلمام التّقنيّ
ألمّ بالحدّ الأدنى من فهم آليّات المنصّات والخوارزميّات والذّكاء الاصطناعيّ. وأحدّث معرفتي بانتظام مع تطوّر التّقنية.
البند الرابع: مسؤوليّة الكلمة المنشورة
أتحقّق من كلّ معلومة قبل نشرها. وأتأمّل صياغتي لئلّا تحتمل إلّا المعنى المقصود. وأتحمّل تبعة كلامي على المدى الطّويل.
البند الخامس: أمانة العنوان
لا أستخدم عناوين مثيرة (Clickbait) تستغلّ ضعف الإنسان أمام الإثارة. وأختار عنوانا يلخّص المحتوى بأمانة.
البند السادس: احترام السّياق
لا أختزل المسائل الكبرى في عناوين قصيرة. والمسائل المركّبة أعالجها بالتّفصيل اللائق، أو أمتنع عن معالجتها على منصّات لا تحتمل التّفصيل.
البند السابع: الإفصاح عن المصلحة
أفصح عن مصادر تمويلي إذا كانت تنطبق على القناة التي أديرها. وأفصح عن أيّ مصلحة شخصيّة في الموضوع الذي أفتي فيه.
البند الثّامن: تجنّب التّحريض العاطفيّ
لا أستخدم لغة التّحريض أو التّلاعب العاطفيّ في فتاواي. وأحفظ للفقه طبيعته العقليّة، لا أنزل به إلى دركات الإثارة.
البند التاسع: مسؤوليّة النّسخ المقتطعة
أتابع كيف تنقل فتواي بعد إصدارها. وأصدر توضيحات حين تحرّف أو تقتطع. وأدرّب فريقي على نقل الفتوى دون تحريف.
البند العاشر: الذّكاء الاصطناعيّ كأداة، لا كبديل
أستخدم الذّكاء الاصطناعيّ كأداة بحث وتنظيم، لا كبديل عن نظري الفقهيّ. وأراجع كلّ ما ينتجه يدويّا قبل اعتماده. وأفصح عن استخدامي له حين يلزم.
البند الحادي عشر: المسائل الممنوعة
لا أدع الذّكاء الاصطناعيّ يتدخّل في مسائل الدّماء، أو الأنساب، أو الطّلاق، أو الحدود، أو القضايا ذات الأثر السياسيّ الواسع. هذه أستفرد بها بنفسي بعد بحث وتأمّل.
البند الثاني عشر: التّوافع للجماعة
حين تواجهني قضيّة كبرى تخصّ الأمّة، أحولّها للمجامع الفقهيّة الجماعيّة، لا أنفرد بالإفتاء فيها.
البند الثالث عشر: التّحلّي بالنّقد الذّاتيّ
أقبل النّقد البنّاء لفتاواي، وأتراجع عن خطأ أدركته بعد إصداره. والرّجوع إلى الحقّ خير من التّمادي في الباطل.
البند الرّابع عشر: احترام الجمهور
لا أنزل إلى منطق الجمهور حين يخالف الحقّ، ولا أرفع منزلتي عنه حين يستفسر. أقدّم له المعلومة الشّرعيّة بصياغة يفهمها، دون تفقير العلم أو تكبّر العالم.
البند الخامس عشر: الدّعاء والاستعانة
أستفتح أعمالي بالدّعاء، وأختمها بالاستغفار. وأستعين بالله في كلّ فتوى، فإنّ التّوفيق منه وحده.
الملحق (د): دراسات حالة — نماذج تحليليّة
توطئة
هذا الملحق يقدّم خمس دراسات حالة، تنطلق من أنماط واقعيّة (لا من حالات بعينها). الهدف منها: تدريب القارئ على التّطبيق العمليّ للإطار التّحليليّ الذي قدّمه الكتاب. كلّ حالة تعرض: السّياق، أنماط الفوضى الملاحظة، الإطار التّحليليّ، الدّروس المستفادة، التّوصيات.
الحالة الأولى: الفتوى الفيروسيّة الشاذّة
السّياق
في خلال سنوات (2020-2024)، شهدنا حالات متعدّدة لفتاوى أطلقها علماء أو مؤثّرون دينيّون، خالفت الإجماع المعهود بين العلماء، فانتشرت بسرعة على منصّات السوشيال ميديا، وتلقّاها الجمهور بأشكال مختلفة. سيتم تحليل هذه الظّاهرة دون الإشارة إلى أفراد بعينهم.
أنماط الفوضى الملاحظة
(1) الفتوى الشّاذّة تنتشر أسرع من الفتوى المعتمدة، لأنّها تولّد تفاعلا أكبر. (2) الردّ الفقهيّ المتّزن يفقد جاذبيّته أمام شذوذ العنوان. (3) جزء من الجمهور — خاصّة من في نفسه ميل تغذّيه الفتوى الشاذّة — يتمسّك بها رغم الردود. (4) المؤسّسات الفقهيّة تتأخّر في الردّ، فيتراكم أثر الفتوى.
الإطار التّحليليّ
نستحضر من الكتاب: «فوضى المصدر» (الفصل الرابع) — حيث الجمهور لا يستطيع تمييز المتأهّل. «اقتصاد الانتشار» (الفصل الخامس) — حيث الشّذوذ يكسب التّفاعل. «المجتهد الجماعيّ المؤسّسيّ» (الفصل الثّالث) — البديل المنهجيّ.
الدّروس المستفادة
الردّ على الفتوى الشاذّة لا يكفي. لا بدّ من: (1) بناء جمهور قادر على التّمييز قبل وقوع الفتوى. (2) سرعة الردّ المؤسّسيّ. (3) إنتاج محتوى بديل جذّاب، لا الاكتفاء بالردّ السّاكن. (4) تجنّب «تدوير» الفتوى الشاذّة في ردّنا (لأنّ ذلك يغذّيها).
الحالة الثّانية: المؤثّر الدّينيّ الصاعد من خارج المؤسّسة
السّياق
منذ 2019 تقريبا، صعدت في الفضاء الرّقميّ شخصيّات دينيّة جديدة، لم تتخرّج من المؤسّسات العلميّة المعتمدة. بعضهم تكوّن ذاتيّا، بعضهم تلقّى بعض الإجازات، بعضهم لم يلتق بالعلم إلّا عبر يوتيوب نفسه. والجمهور يتعامل معهم اليوم كمرجعيّة دينيّة بدوام كامل.
أنماط الفوضى الملاحظة
(1) الجمهور يستهلكهم دون التّحقّق من خلفيّتهم العلميّة. (2) المؤسّسات الرّسميّة لا تستطيع منافستهم على الانتشار. (3) بعضهم يقدّم محتوى نافعا، وبعضهم يقدّم آراء تخالف الإجماع. (4) الفجوة بين «العالم المعتمد» و«المؤثّر الدّينيّ» تتّسع، فلا يلتقيان.
الإطار التّحليليّ
نستحضر: «المؤثّر الدّينيّ» (الفصل الرابع) كفاعل جديد. «المؤهّلات المركّبة» (الفصل الثاني) — كثير من المؤثّرين يملك بعضها (الكفاءة الإعلاميّة) ويفتقد بعضها (التّأهيل العلميّ).
الدّروس المستفادة
ليس كلّ مؤثّر دّينيّ ضارّا. لكنّ المشكلة في غياب آليّة تميّز بين النّافع والضارّ. الحلّ: (1) إنشاء «شارات اعتماد» للمؤثّرين الجادّين. (2) تخريج مفتين رقميّين يجمعون التّأهيل العلميّ بالكفاءة الإعلاميّة. (3) دعوة المؤثّرين الواعدين للارتباط بمؤسّسات علميّة.
الحالة الثّالثة: الفتوى المختزلة في ثلاثين ثانية
السّياق
تيار شائع: شيخ معتمد ينشر فتوى في مقطع ريل من ثلاثين ثانية، يختصر فيه مسألة فقهيّة مركّبة. الجمهور يتلقّاها كأنّها الحكم النّهائيّ، ويطبّقها على حالات لم يقصدها الشّيخ.
أنماط الفوضى الملاحظة
(1) الاختزال يسقط الاستثناءات والشّروط. (2) المشاهد يفهم الفتوى على غير وجهها. (3) قد يأتي شيخ آخر بنفس المسألة ويختصرها بطريقة مختلفة، فينشأ تناقض ظاهر. (4) الجمهور يختار الفتوى التي تعجبه.
الإطار التّحليليّ
نستحضر: «فوضى الصّياغة» (الفصل الرابع). «ضغط الاختصار» (الفصل الخامس). «احترام السّياق» في الميثاق الأخلاقيّ.
الدّروس المستفادة
ليس كلّ موضوع يصلح للريل. (1) العالم الجادّ يعرف ما يمكن اختصاره وما لا يمكن. (2) إذا اختزل، يشير إلى ذلك. (3) يترك للمشاهد إشارة لروابط أطول للتّفصيل.
الحالة الرّابعة: استخدام الذّكاء الاصطناعيّ للإفتاء
السّياق
منذ 2023، يتزايد عدد المستخدمين الذين يستفتون نماذج لغويّة كبيرة (ChatGPT وأخواته) في مسائل شرعيّة. الإجابات أحيانا صحيحة، وأحيانا مختلقة (هلوسة). والمستخدم لا يعرف الفرق.
أنماط الفوضى الملاحظة
(1) المستخدم يتلقّى الإجابة كأنّها الحكم النّهائيّ. (2) النّموذج قد ينسب الحديث لراويه خطأ. (3) النّموذج قد يستشهد بأقوال علماء لم يقولوها. (4) النّموذج يجيب بنفس النّبرة الواثقة سواء كانت الإجابة صحيحة أو مختلقة.
الإطار التّحليليّ
نستحضر: «موقع AI من أركان الفتوى» (الفصل السادس). «خطر الفتوى الآليّة». «المدوّنة المقترحة» للمفتي في استخدام AI.
الدّروس المستفادة
الجمهور يحتاج إلى تثقيف بأنّ AI ليس مفتيا. والمؤسّسات الفقهيّة بحاجة إلى: (1) حملات توعويّة. (2) بناء نماذج لغويّة شرعيّة موثوقة. (3) تدريب المفتين على استخدام AI كأداة بحث، لا كبديل.
الحالة الخامسة: استيراد الفتاوى عبر السّياقات
السّياق
شابّ مسلم في كاليفورنيا يستفتي شيخا في الخليج عن قرض سكنيّ في أمريكا. الشّيخ يفتي بناء على فهمه للقرض السّكنيّ في بلده. الفتوى تنزل على واقع مختلف، فتؤدّي إلى نتائج غير مقصودة.
أنماط الفوضى الملاحظة
(1) السّياق القانونيّ في الخليج يختلف عن أمريكا. (2) هيكل القرض السكنيّ يختلف. (3) خيارات البدائل تختلف. (4) النّتيجة: فتوى صحيحة في سياقها الأصليّ، مضلّلة في سياقها التّطبيقيّ.
الإطار التّحليليّ
نستحضر: «فقه الأقلّيّات» (الفصل السابع). «فوضى السّياق» (الفصل الرابع). الحاجة إلى مرجعيّات محلّيّة.
الدّروس المستفادة
الفتوى لا تنقل عبر السّياقات تلقائيا. الجمهور بحاجة لـ: (1) توعية بمنطق فقه الأقلّيّات. (2) منصّات إفتاء محلّيّة موثوقة. (3) دعم الكفاءات الفقهيّة المحلّيّة في الجاليات.
— انتهت الملاحق —
الملحق (هـ): المصادر موزَّعةً على الفصول
توزيعُ المراجع المعتمدة على فصول البحث، مستخرَجةً من المكتبة الببليوغرافيّة؛ ليسهُل تتبّعُ مصادر كلّ فصل.
الفصل 1: مفاهيم تأسيسيّة في الفتوى والمفتي والأهليّة
- محمّد بن إسماعيل البخاريّ. صحيح البخاري. دار طوق النجاة، بيروت. 256هـ.
- مسلم بن الحجّاج النيسابوريّ. صحيح مسلم. دار إحياء التراث العربي، بيروت. 261هـ.
- ابن منظور الإفريقيّ. لسان العرب. دار صادر، بيروت. 711هـ.
- مجمع اللغة العربية بالقاهرة. المعجم الوجيز. وزارة التربية والتعليم، القاهرة.
- إبراهيم بن موسى الشاطبيّ. الموافقات. دار ابن عفان، الخبر. 790هـ.
- ابن قيّم الجوزيّة. إعلام الموقّعين عن ربّ العالمين. دار ابن الجوزي، الدمام. 751هـ.
- شهاب الدين القرافيّ. الفروق (أنوار البروق). عالم الكتب، بيروت. 684هـ.
- ابن الصلاح. أدب المفتي والمستفتي. مكتبة العلوم والحكم، المدينة. 643هـ.
- ابن حمدان الحنبليّ. صفة الفتوى والمفتي والمستفتي. المكتب الإسلامي، بيروت. 695هـ.
- AMJA. أبحاث وتوصيات مؤتمرات AMJA السنوية (15 مؤتمراً). AMJA Publications, Houston. 2003-2026.
- وزارة الأوقاف الكويتية. الموسوعة الفقهية الكويتية. وزارة الأوقاف، الكويت.
الفصل 2: شخصيّة المفتي: الشروط الكلاسيكيّة والمؤهّلات المركّبة
- محمّد بن إسماعيل البخاريّ. صحيح البخاري. دار طوق النجاة، بيروت. 256هـ.
- مسلم بن الحجّاج النيسابوريّ. صحيح مسلم. دار إحياء التراث العربي، بيروت. 261هـ.
- أبو بكر بن أبي شيبة الكوفيّ. مصنّف ابن أبي شيبة. مكتبة الرشد، الرياض. 235هـ.
- إبراهيم بن موسى الشاطبيّ. الموافقات. دار ابن عفان، الخبر. 790هـ.
- إبراهيم بن موسى الشاطبيّ. الاعتصام. دار ابن عفان، الخبر. 790هـ.
- ابن قيّم الجوزيّة. إعلام الموقّعين عن ربّ العالمين. دار ابن الجوزي، الدمام. 751هـ.
- شهاب الدين القرافيّ. الفروق (أنوار البروق). عالم الكتب، بيروت. 684هـ.
- بدر الدين الزركشيّ. البحر المحيط في أصول الفقه. وزارة الأوقاف الكويتية. 794هـ.
- محمّد بن عليّ الشوكانيّ. إرشاد الفحول إلى تحقيق الحقّ من علم الأصول. دار الكتاب العربي، بيروت. 1250هـ.
- محمّد أمين بن عابدين. ردّ المحتار على الدرّ المختار (حاشية ابن عابدين). دار الفكر، بيروت. 1252هـ.
- ابن الصلاح. أدب المفتي والمستفتي. مكتبة العلوم والحكم، المدينة. 643هـ.
- الخطيب البغداديّ. الفقيه والمتفقّه. دار ابن الجوزي، الدمام. 463هـ.
- ابن الصلاح. آداب الفتوى والمفتي والمستفتي. المكتبة الإسلامية، عمّان. 643هـ.
- محمّد جمال الدين القاسميّ. كتاب الفتوى في الإسلام. دار الكتب العلمية، بيروت. 1332هـ.
- النوويّ. المجموع شرح المهذّب. دار الفكر، بيروت. 676هـ.
- ابن حزم الظاهريّ. المحلّى بالآثار. دار الفكر، بيروت. 456هـ.
- ابن حجر العسقلانيّ. فتح الباري بشرح صحيح البخاريّ. دار المعرفة، بيروت. 852هـ.
- ابن تيمية. مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية. مجمع الملك فهد، المدينة. 728هـ.
الفصل 3: مراتب المجتهدين والمرتبة السابعة المعاصرة
- أحمد بن محمّد الفيّوميّ. المصباح المنير. المكتبة العلمية، بيروت. 770هـ.
- إبراهيم بن موسى الشاطبيّ. الموافقات. دار ابن عفان، الخبر. 790هـ.
- ابن قيّم الجوزيّة. إعلام الموقّعين عن ربّ العالمين. دار ابن الجوزي، الدمام. 751هـ.
- فخر الدين الرازيّ. المحصول في علم الأصول. مؤسسة الرسالة، بيروت. 606هـ.
- سيف الدين الآمديّ. الإحكام في أصول الأحكام. المكتب الإسلامي، بيروت. 631هـ.
- شهاب الدين القرافيّ. شرح تنقيح الفصول. دار الفكر، القاهرة. 684هـ.
- ابن الحاجب. مختصر المنتهى مع بيان المختصر. دار الكتب العلمية، بيروت. 646هـ.
- محمّد بن مفلح المقدسيّ. أصول ابن مفلح. مكتبة العبيكان، الرياض. 763هـ.
- تاج الدين ابن السبكيّ. جمع الجوامع مع شرح المحلّيّ والآيات البيّنات. دار الكتب العلمية، بيروت. 771هـ.
- ابن جزيّ الكلبيّ. تقريب الوصول إلى علم الأصول. دار الكتب العلمية، بيروت. 741هـ.
- وهبة الزحيليّ. أصول الفقه الإسلاميّ. دار الفكر، دمشق. 2015م.
الفصل 4: فوضى الفتوى الرقميّة (٢٠١٨ → ٢٠٢٦)
- محمّد بن إسماعيل البخاريّ. صحيح البخاري. دار طوق النجاة، بيروت. 256هـ.
- مسلم بن الحجّاج النيسابوريّ. صحيح مسلم. دار إحياء التراث العربي، بيروت. 261هـ.
- عبد الله بن عبد الرحمن الدارميّ. سنن الدارمي. دار المغني، الرياض. 255هـ.
- ابن قيّم الجوزيّة. إعلام الموقّعين عن ربّ العالمين. دار ابن الجوزي، الدمام. 751هـ.
- ابن حمدان الحنبليّ. صفة الفتوى والمفتي والمستفتي. المكتب الإسلامي، بيروت. 695هـ.
- الخطيب البغداديّ. الفقيه والمتفقّه. دار ابن الجوزي، الدمام. 463هـ.
- النوويّ. المجموع شرح المهذّب. دار الفكر، بيروت. 676هـ.
- ابن عبد البرّ القرطبيّ. جامع بيان العلم وفضله. دار ابن الجوزي، الدمام. 463هـ.
- علاء الدين المرداويّ. التحبير شرح التحرير. مكتبة الرشد، الرياض. 885هـ.
- د. عصام البشير. الإفتاء في عالم مفتوح. كلمة في مؤتمر — منشورة بـ AMJA.
- متعدد. الفتوى عبر الفضائيات: قراءة نقدية. إصدارات متفرقة. متعدد.
- متعدد. الخطاب الديني في وسائل التواصل الاجتماعي. دوريات محكَّمة. 2018-2026.
- Pew Research Center. Pew Research — Religious Trends in the Digital Age. Pew Forum. سنويّ.
الفصل 5: الفتوى محتوًى رقميًّا وأخلاقيّات المنصّات
- متعدد. الخطاب الديني في وسائل التواصل الاجتماعي. دوريات محكَّمة. 2018-2026.
- Tim Wu. The Attention Merchants — The Epic Scramble to Get Inside Our Heads. Knopf — New York. 2016م.
- Eli Pariser. The Filter Bubble — What the Internet Is Hiding from You. Penguin Press. 2011م.
- متعدد. Algorithmic Authority — Implications for Religious Discourse. Journal of Religion & Media. متعدد.
- Lorne L. Dawson & Douglas E. Cowan. Religion Online — Finding Faith on the Internet. Routledge. 2004م.
- متعدد. TikTok and Religious Authority — A Case Study. Religion Compass / Brill. 2023-2026.
- Cathy O'Neil. Weapons of Math Destruction. Crown Publishing. 2016م.
- Tarleton Gillespie. Custodians of the Internet — Platforms, Content Moderation. Yale University Press. 2018م.
- متعدد. Influencer Economy and Religious Content — Market Forces. Media & Religion Studies. 2020-2026.
- Pew Research Center. Pew Research — Religious Trends in the Digital Age. Pew Forum. سنويّ.
الفصل 6: الذكاء الاصطناعيّ وسؤال الإفتاء
- Mark Coeckelbergh. AI Ethics. MIT Press. 2020م.
- Kate Crawford. Atlas of AI — Power, Politics, and the Planetary Costs of AI. Yale University Press. 2021م.
- متعدد. Large Language Models and Religious Authority. دوريات. 2023-2026.
- متعدد. Hallucination in LLMs — Causes, Detection, Mitigation. ACL / NeurIPS / dialogue. 2023-2026.
- Stanford University. AI Index Report — Stanford HAI. Stanford HAI. سنويّ 2017-2026.
- Cathy O'Neil. Weapons of Math Destruction. Crown Publishing. 2016م.
- متعدد. Religion and Artificial Intelligence — An Annotated Bibliography. Journal of Religion & Society. 2024م.
- Anwar Hossain & Khaled Abou El Fadl وآخرون. ChatGPT and Islamic Fatwa — Capabilities and Limits. دوريات إسلامية محكَّمة. 2023-2026.
الفصل 7: فقه الأقلّيّات في الميزان الرقميّ
- د. يوسف القرضاوي. في فقه الأقليات المسلمة — حياة المسلمين وسط المجتمعات الأخرى. دار الشروق، القاهرة. 2001م.
- د. خالد عبد القادر. فقه الأقليات المسلمة بين النظرية والتطبيق. دار الإيمان، الإسكندرية. 2007م.
- د. سالم الرافعي. مدخل لدراسة فقه الأقليات. 2008م.
- متعدد — منشورات المجمع. AMJA — مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا: التأسيس والتوجهات. AMJA Publications. 2003-2026.
- متعدد. فتاوى مجلة الإسلام والمسلمون في أمريكا. ICNA Publications.
- عدد من الباحثين. Fiqh of Muslim Minorities — Methodologies and Applications. Brill / Routledge. متعدد.
- د. طه جابر العلوانيّ. ميثاق المسلم في الغرب. IIIT — معهد الفكر الإسلامي. 2005م.
- Pew Research Center. المسلمون في أمريكا — دراسة ميدانية. Pew Forum on Religion. متعدد.
- د. السيد الحسيني الشيرازي وآخرون. المرجعية الإفتائية للأقليات المسلمة.
- المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث. European Council for Fatwa and Research — Resolutions. Dublin (ECFR). 1997-2026.
- متعدد. Sharia in the West — Reform, Adaptation, and Authority. Oxford University Press / Cambridge. متعدد.
- Mathias Rohe. Beyond the Border — Islamic Law and Muslim Minorities. Brill / Hart Publishing. 2015م.
- Lorne L. Dawson & Douglas E. Cowan. Religion Online — Finding Faith on the Internet. Routledge. 2004م.
- Pew Research Center. Pew Research — Religious Trends in the Digital Age. Pew Forum. سنويّ.
- AMJA. مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا الشمالية (AMJA). Houston, Texas — الموقع الرسمي. 1423هـ/2002م — حتى الآن.
- ECFR. المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث. دبلن، آيرلندا. 1997م.
- ISNA. Islamic Society of North America — ISNA Fiqh Council. Plainfield, Indiana.
- AMJA. Assembly of Muslim Jurists of America — Fatwa Bank. amja.us — الإلكتروني.
الفصل 8: من المفتي الفرد إلى المنظومة الإفتائيّة الجماعيّة
- متعدد — منشورات المجمع. AMJA — مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا: التأسيس والتوجهات. AMJA Publications. 2003-2026.
- المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث. European Council for Fatwa and Research — Resolutions. Dublin (ECFR). 1997-2026.
- AMJA. مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا الشمالية (AMJA). Houston, Texas — الموقع الرسمي. 1423هـ/2002م — حتى الآن.
- OIC International Islamic Fiqh Academy. مجمع الفقه الإسلامي الدولي — منظمة التعاون الإسلامي. جدّة، السعودية. 1981م.
- ECFR. المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث. دبلن، آيرلندا. 1997م.
- الأزهر. هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف. القاهرة، مصر. 1911م.
- دار الإفتاء. دار الإفتاء المصرية. القاهرة، مصر. 1313هـ/1895م.
- الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء. الرياض، السعودية. 1391هـ.
- وزارة الأوقاف الكويتية. ديوان الإفتاء — وزارة الأوقاف الكويتية. الكويت.
- الأزهر. مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر. القاهرة، مصر. 1380هـ.
- IUMS. الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين (IUMS). 2004م.
- ISNA. Islamic Society of North America — ISNA Fiqh Council. Plainfield, Indiana.
- AMJA. Assembly of Muslim Jurists of America — Fatwa Bank. amja.us — الإلكتروني.
- دائرة الإفتاء العام — الأردن. دار الإفتاء الأردنية. عمّان، الأردن.
الفصل 9: تقييم مقترحات ٢٠١٨ السّتّ
- AMJA. مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا الشمالية (AMJA). Houston, Texas — الموقع الرسمي. 1423هـ/2002م — حتى الآن.
الفصل 10: خارطة الطريق العمليّة: عشر مبادرات
- AMJA. مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا الشمالية (AMJA). Houston, Texas — الموقع الرسمي. 1423هـ/2002م — حتى الآن.
- AMJA. أبحاث وتوصيات مؤتمرات AMJA السنوية (15 مؤتمراً). AMJA Publications, Houston. 2003-2026.
- وزارة الأوقاف الكويتية. الموسوعة الفقهية الكويتية. وزارة الأوقاف، الكويت.
- AMJA. Assembly of Muslim Jurists of America — Fatwa Bank. amja.us — الإلكتروني.
الملحق (و): جدولٌ تلخيصيٌّ للبحث
يوجز هذا الجدولُ منطقَ كلّ فصلٍ في أربعة حقول: المشكلة، والأساس، والأثر، والحلّ المقترح.
| الفصل | المشكلة | الأساس/الدليل | الأثر | الحلّ المقترح |
|---|---|---|---|---|
| ١ | غموض مفاهيم الفتوى والمفتي والأهليّة معاصرًا | التعريفات التراثيّة الأصوليّة | ضبط الأدوات المفهوميّة | جدول مقارِن معاصر/تراثيّ |
| ٢ | قصور الشروط الكلاسيكيّة أمام الفضاء الرقميّ | شروط المفتي + واقع المنصّات | مفتٍ مؤهَّلٌ علمًا دون أداءٍ رقميّ | المؤهّلات المركّبة الخمس موزَّعةً على الفريق |
| ٣ | عجز المراتب الستّ الفرديّة عن النوازل المركّبة | أصول تقسيم المجتهدين | الحاجة إلى إطارٍ جماعيّ | المرتبة السابعة: المجتهد الجماعيّ المؤسّسيّ |
| ٤ | فوضى الفتوى في الفضاء المفتوح | استقراء الواقع + ذمّ الإفتاء بغير علم | تمييع الثوابت وتشظّي المرجعيّات | تعريفٌ منضبطٌ للفوضى الرقميّة |
| ٥ | خضوع الفتوى لمنطق الخوارزميّة | أخلاقيّات المنصّات + حفظ العلم | اختزال الفتوى وفقدان السياق | مدوّنة سلوكٍ من ستّة مبادئ |
| ٦ | أهليّة الذكاء الاصطناعيّ للإفتاء | أركان الفتوى | خطر الفتوى الآليّة الجماهيريّة | الذكاء الاصطناعيّ أداةٌ لا مفتٍ بضوابط |
| ٧ | توتّر المرجعيّة البعيدة والسياق القريب | فقه الأقلّيّات + الواقع الأمريكيّ | فتاوى منقولةٌ عبر سياقات | منظومةٌ محلّيّةٌ متعاونةٌ مع المركز |
| ٨ | قصور المفتي الفرد عن القضايا الكبرى | الاجتهاد الجماعيّ ونماذج المجامع | الحاجة إلى مرجعيّةٍ مؤسّسيّة | منظومةٌ جماعيّةٌ متعدّدة التخصّصات |
| ٩ | تعثّر مقترحات ٢٠١٨ | فحص ما تحقّق وما تعثّر | صحّة الأصل وحاجة إعادة الصياغة | مدخلٌ لمقترحاتٍ جديدة |
| ١٠ | تحويل النظر إلى عمل | خارطة طريقٍ بعشر مبادرات | مسارات تنفيذيّة بمؤشّرات | عشر مبادرات في ثلاثة مديات |
الملحق (ز): أبرز نتائج كلّ فصلٍ (مرقّمة)
الفصل 1: مفاهيم تأسيسيّة في الفتوى والمفتي والأهليّة
- تحرير تعريف الفتوى والمفتي والمستفتي والأهليّة تحريرًا يصلح أداةً للتحليل.
- التمييز بين المفتي والقاضي وبين الفتوى والقضاء.
- ضبط مفهوم «الفوضى» تراثيًّا تمهيدًا لتطويره رقميًّا.
الفصل 2: شخصيّة المفتي: الشروط الكلاسيكيّة والمؤهّلات المركّبة
- المؤهّلات المركّبة الخمس مضافةٌ إلى الشروط الكلاسيكيّة لا بديلةٌ عنها.
- يمكن توزيع هذه المؤهّلات على فريق المنظومة لا اشتراط جمعها في فردٍ واحد.
- تمهيدٌ مفهوميٌّ للمجتهد الجماعيّ المؤسّسيّ.
الفصل 3: مراتب المجتهدين والمرتبة السابعة المعاصرة
- مراتب المجتهدين بناءٌ حيٌّ يستجيب لحاجات العصر لا قالبٌ مغلق.
- المرتبة السابعة توسعةٌ للتراث لا خروجٌ عليه.
- تأصيل الاجتهاد الجماعيّ على الأصول نفسها التي بُني عليها التقسيم القديم.
الفصل 4: فوضى الفتوى الرقميّة (٢٠١٨ → ٢٠٢٦)
- الفوضى الرقميّة تحوّلٌ بنيويٌّ لا ظاهرةٌ عابرة.
- خمسة تحوّلاتٍ متضافرة من ٢٠١٨ إلى ٢٠٢٦ أنتجت الواقع الجديد.
- خمسة أبعادٍ للفوضى: المصدر، والصياغة، والسياق، والتلقّي، والمسؤوليّة.
الفصل 5: الفتوى محتوًى رقميًّا وأخلاقيّات المنصّات
- الإفتاء على المنصّات يجري في بيئةٍ لها قواعدها التي يجب فهمها بوعي.
- الإفتاء الرقميّ يحتاج مبادئ أخلاقيّةً تكمّل الشروط الكلاسيكيّة.
- ستّة مبادئ تشكّل مدوّنة سلوكٍ ذاتيّةً للمفتي الرقميّ.
الفصل 6: الذكاء الاصطناعيّ وسؤال الإفتاء
- الذكاء الاصطناعيّ ليس مفتيًا لافتقاده أركان الفتوى البنيويّة.
- هو أداةٌ متطوّرةٌ للمفتي بضوابط: «كالمكتبة لا كالعالم».
- «الفتوى الآليّة الجماهيريّة» خطرٌ يستحقّ يقظة الأمّة.
الفصل 7: فقه الأقلّيّات في الميزان الرقميّ
- فقه الأقلّيّات مختبَرٌ تتكشّف فيه إشكاليّات الإفتاء قبل عمومها.
- الفضاء الرقميّ يخلق توتّرًا بين المرجعيّة البعيدة والسياق القريب.
- الحلّ منظومةٌ إفتائيّةٌ محلّيّةٌ قويّةٌ متعاونةٌ مع المركز.
الفصل 8: من المفتي الفرد إلى المنظومة الإفتائيّة الجماعيّة
- الانتقال إلى المنظومة الجماعيّة توسعةٌ لا استبدال.
- المنظومة المنشودة جماعيّةٌ متعدّدة التخصّصات منشورةٌ رقميّةٌ عابرةٌ للحدود.
- تجربة AMJA نموذجٌ متقدّمٌ يستحقّ التوسعة.
الفصل 9: تقييم مقترحات ٢٠١٨ السّتّ
- مقترحات ٢٠١٨ صحيحةٌ في صميمها، لكنّ تطبيقها تعثّر لأسبابٍ بنيويّة.
- التحوّلات التقنيّة بعد ٢٠١٨ استوجبت إعادة صياغة بعضها.
- الفحص مدخلٌ لمقترحاتٍ جديدةٍ تنطلق من الواقع الجديد.
الفصل 10: خارطة الطريق العمليّة: عشر مبادرات
- المبادرات العشر قابلةٌ للتنفيذ بموارد متاحةٍ وأفقٍ منظور.
- ينقصها التكامل والتوسعة والالتزام المؤسّسيّ.
- البحث يطرح أسئلةً ومساراتٍ أوّليّةً لا يدّعي الإجابة الكاملة.
مبحثٌ: مناقشةُ الاعتراضات الواردة على الأطروحات المركزيّة
الاعتراض الأوّل: أنّ الاجتهاد فرديٌّ بطبعه، فكيف «مرتبةٌ جماعيّةٌ»؟
قد يُقال: إنّ الاجتهاد ملكةٌ شخصيّةٌ قائمةٌ بالمجتهد، وإنّ المجامع إنّما هي تشاورٌ لا اجتهادٌ حقيقيّ. والجواب: أنّ الاجتهاد الجماعيّ لا يُلغي الملكةَ الفرديّةَ بل ينظّمها؛ فكلُّ عضوٍ مجتهدٌ في تخصّصه، والمؤسّسةُ تجمع اجتهاداتِهم في قرارٍ مُركَّبٍ تَعجِز عنه قدرةُ الفرد في النوازل المتشابكة. وله أصلٌ في عمل الصحابة بالشورى في النوازل، وفي مجامع الفقه المعاصرة المعتبَرة. فالمرتبةُ السابعةُ توصيفٌ لواقعٍ قائمٍ لا إنشاءٌ لبدعةٍ أصوليّة.
الاعتراض الثاني: أنّ المنظومة المعزَّزة بالذكاء الاصطناعيّ قد تستوفي بعض شروط الإفتاء
قد يُقال: إذا روجِعت مخرجاتُ الآلة بشريًّا وضُبِطت، فقد تبلغ المنظومةُ المعزَّزةُ درجةَ الإفتاء. والجواب: أنّ التعزيزَ المنضبطَ هو عينُ ما يقرّره البحث (الآلة أداةٌ كالمكتبة)؛ والمراجعةُ البشريّةُ هي التي تُصدِر الفتوى لا الآلة. فالنزاعُ لفظيٌّ إن سُلّم بأنّ مناطَ الفتوى هو الأهليّةُ والنيّةُ وفقهُ الواقع، وكلُّها منتفٍ في الآلة استقلالًا؛ فيبقى وصفُها أداةً معزِّزةً هو المتعيِّن.
الاعتراض الثالث: أنّ توسيع مفهوم «الفوضى» قد يطال الاجتهاد المشروع والتعدّد المعتبَر
قد يُقال: إنّ ذمَّ «الفوضى» قد ينقلب إلى ذمٍّ للتعدّد الفقهيّ المشروع. والجواب: أنّ البحث حرَّر «الفوضى الرقميّة» بأركانٍ مخصوصةٍ (تشظّي المرجعيّة، وتبعثرها على فاعلين، بمعزلٍ عن الأهليّة، مع غياب آليّة تمييز)، فهي غيرُ التعدّد المنضبط الصادر عن أهله؛ فالضابطُ هو الأهليّةُ وآليّةُ التمييز لا مجرّدُ الاختلاف.
الملحق (ح): مؤشّراتُ قياس «الفوضى الرقميّة» في الإفتاء
أداةٌ إجرائيّةٌ تحوّل المفهومَ الوصفيّ إلى مقياسٍ تستعمله المؤسّسات في الرصد.
| المؤشّر | منخفض | متوسّط | مرتفع |
|---|---|---|---|
| تشظّي المرجعيّة | مرجعيّةٌ معتمدةٌ واضحة | تعدّدٌ مع غلبة مرجعيّة | غيابُ مرجعيّةٍ مهيمنة |
| أهليّة المُفتي الفاعل | أهليّةٌ متحقّقةٌ معلومة | أهليّةٌ جزئيّةٌ أو غير موثّقة | غيابُ الأهليّة |
| آليّة تمييز الفتوى | آليّةٌ موضوعيّةٌ متاحة | آليّةٌ ضعيفةٌ أو غير معلنة | لا آليّة |
| اختزال الصياغة | صياغةٌ مؤصَّلةٌ مع سياق | اختزالٌ مع تنبيه | اختزالٌ مخلٌّ بلا سياق |
| اقتطاع السياق | حفظُ السياق الأصليّ | نقلٌ مع تحفّظ | اقتطاعٌ وإعادة توظيف |
| المسؤوليّة والتتبّع | نسبةٌ ومسؤوليّةٌ واضحة | نسبةٌ ناقصة | مجهوليّةٌ كاملة |
الملحق (ط): مصفوفةٌ مقارِنةٌ لنماذج المنظومات الإفتائيّة
مقارنةٌ عامّةٌ على محاورَ موحَّدة، تُدقَّق تفاصيلُها من المصادر الرسميّة لكلّ مؤسّسة.
| المؤسّسة | التكوين | الحضور الرقميّ | آليّة المراجعة | النطاق |
|---|---|---|---|---|
| مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا (AMJA) | مجمعٌ جماعيٌّ متعدّد الأعضاء | متنامٍ | مراجعةٌ مؤسّسيّةٌ جماعيّة | الأقلّيّة المسلمة بأمريكا |
| المجلس الأوروبيّ للإفتاء والبحوث (ECFR) | هيئةٌ جماعيّةٌ أوروبيّة | متوسّط | قراراتٌ في الدورات | مسلمو أوروبا |
| دار الإفتاء المصريّة | مؤسّسةٌ رسميّةٌ مركزيّة | قويّ | لجانٌ ومراجعةٌ داخليّة | قُطريٌّ بامتدادٍ دوليّ |
| مجمع الفقه الإسلاميّ الدوليّ (IIFA) | مجمعٌ دوليٌّ تابعٌ للتعاون الإسلاميّ | متوسّط | قراراتُ الدورات المجمعيّة | دوليٌّ عامّ |
مبحثٌ: المسؤوليّةُ القانونيّةُ للإفتاء الرقميّ العابر للحدود
يثير الإفتاء الرقميّ العابر للحدود إشكاليّةً قانونيّةً مزدوجة: فالمفتي قد يقيم في بلدٍ، والمستفتي في آخَر، والمنصّة في ثالث؛ فتتجاذب الفتوى الواحدةَ أنظمةٌ قانونيّةٌ متباينة، خصوصًا في الأحوال الشخصيّة والمعاملات الماليّة حيث تتعلّق بالفتوى آثارٌ مدنيّةٌ ملزِمة في بعض الدول.
ومن وجوه الإشكال: أن تصدُر فتوى صحيحةٌ في سياقها الشرعيّ، لكنّها إذا نُزِّلت على واقعٍ قانونيٍّ مختلفٍ أفضت إلى نتائج غير مقصودةٍ أو مخالفةٍ لقانونٍ آمر.
والمتّجَهُ في معالجة ذلك: الإفصاحُ عن نطاق الفتوى وأنّها لا تُغني عن الاستشارة القانونيّة المختصّة في بلد المستفتي؛ وتمييزُ ما له أثرٌ تعبّديٌّ محضٌ عمّا له أثرٌ مدنيٌّ ملزِم؛ وإحالةُ المسائل ذات التبعات القانونيّة إلى المنظومة الإفتائيّة المحلّيّة؛ وصياغةُ تنبيهٍ معياريٍّ يُرفَق بالفتاوى العامّة المنشورة.
وهذا البعد القانونيّ يكمّل البعد الأخلاقيّ في مدوّنة سلوك المفتي الرقميّ (الفصل الخامس)، ويتقاطع مع «فقه المآلات الرقميّة» إذ يُدخِل المآلَ القانونيّ ضمن المآلات الواجبة الاعتبار قبل النشر.
ملحقٌ: استدامةُ تمويل المبادرات
تتفاوت المبادرات العشر في كلفتها؛ فبعضها منخفضٌ (كالميثاق وتثقيف المستفتي)، وبعضها مرتفعٌ جدًّا (كالنموذج اللغويّ الشرعيّ المفتوح المصدر). ومن ثَمّ يلزم تصوّرٌ لاستدامة التمويل لا يتّكئ على التبرّعات العابرة وحدها.
ومن المسارات: أوقافٌ علميّةٌ مخصّصةٌ تُدِرّ ريعًا مستمرًّا؛ وشراكاتٌ مؤسّسيّةٌ بين المجامع لتقاسم الكلفة؛ ونموذجُ خدماتٍ احترافيّةٍ (تدريب، اعتماد، استشارات) يُعيد التمويل؛ ومِنحٌ بحثيّةٌ من جامعاتٍ ومراكز؛ وتمويلٌ جماعيٌّ موجَّهٌ من الجاليات للمشروعات المحلّيّة.
والأَولى ربطُ كلّ مبادرةٍ بمصدر تمويلٍ ملائمٍ لطبيعتها ومداها الزمنيّ، مع مؤشّرات استدامةٍ تُقاس دوريًّا.
حدودُ البحث وأخلاقيّاتُ الدراسة الميدانيّة
حدودُ البحث: يقتصر البحث على وظيفة الإفتاء في الفضاء الرقميّ المفتوح، ولا يتناول وظيفةَ العالِم الدينيّ بإطلاق، ولا يدّعي حلًّا كاملًا لكلّ نوازل الإفتاء الرقميّ، بل يقدّم منهجًا وتوصيفًا وخارطةَ طريقٍ قابلةً للنقاش. ويتركّز الميدانُ التطبيقيُّ في سياق الأقلّيّة المسلمة بأمريكا، وإن كانت كثيرٌ من نتائجه قابلةً للتعدية.
أخلاقيّاتُ الدراسة الميدانيّة: روعِيت في المقابلات الموافقةُ المستنيرةُ من المشاركين، وإتاحةُ إخفاء الهويّة عند الطلب، وحفظُ الخصوصيّة، وعرضُ خلاصات التحليل على المشاركين للتحقّق من أمانة النقل.