أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
العودة إلى قائمة الأبحاث
بحث محكَّم في مؤتمر2018الفقه والإفتاء

الفتوى بين أَهليّة المُفتي وفوضى الإفتاء

الجهة العلمية:

مؤتمر الأَئمّة الخامس عشر — مَجمع فقهاء الشَّريعة بأمريكا (AMJA)

المكان:

هيوستن، تكساس — الولايات المتّحدة الأمريكيّة

التاريخ:

فبراير ٢٠١٨

عدد الصفحات:

34

اللغة:

العربية

ملخَّص البحث

بَحثٌ محكَّم قُدِّم في مؤتمر الأَئمّة الخامس عشر لمَجمع فقهاء الشَّريعة بأمريكا (AMJA) في هيوستن، فبراير 2018. يَطرح البحث تَعريفاً دَقيقاً للفتوى والمُفتي والمستفتي والأَهليّة والفَوضى، ثمّ يُعرّج على شُروط المُفتي في ثلاثة أَقسام (تَكليفيّة، عِلميّة، شَخصيّة)، ويُقدّم تَفصيلاً للصفات الشَّخصيّة الثَّمان للمُفتي. كما يُحلّل ظاهرة فَوضى الإفتاء في زَمنها (الفضائيّات والوسائط الناشئة)، ويَختم بستّ مقترحاتٍ لإصلاح المشهد الإفتائيّ.

النص الكامل

12 دقيقة قراءة

بحثٌ مُقدَّمٌ إلى مؤتمر الأئمة الخامس عشر — مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا (AMJA)، هيوستن، فبراير ٢٠١٨. الآراء الفقهية في هذا البحث تعبّر عن رأي الباحث وليست بالضرورة عن رأي «أمجا».

المقدمة

إنها لدعوةٌ كريمةٌ من أصحاب الفضيلة القائمين على أمر المشروعات العلمية بمجمع فقهاء الشريعة بأمريكا الشمالية أن أشارك في هذا المؤتمر، وما أعدّ نفسي إلا ضيفًا متعلِّمًا بين يدي أصحاب الفضيلة الكرام.

ولا أخفي أنّ هذه الدعوة قد صادفت قبولًا في نفسي، حيث إنني أحد المتألِّمين ليل نهار من تحت آثار فوضى وعشوائية إصدار بعض الفتاوى المنفلتة أو غير المسؤولة — إمّا من متخصِّصين مالأوا الحكّام فصاروا وسيلتهم إلى تغفيل الشعوب، وإمّا عن متفيهقين أو عَلِيمي لسانٍ اغترّ بهم العوام، فهم يُهلكون أنفسهم ومن أفتَوهم؛ فنتج عن حصاد ألسنتهم ما لا يُحمَد عقباه من تمييعٍ لثوابت الدين وتضييعٍ لمعالم الإسلام.

ويحضرني في هذا المقام قوله صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبضه بقبض العلماء، حتى إذا لم يبقَ عالمٌ اتّخذ الناس رؤوسًا جُهّالًا، فسُئلوا فأفتَوا بغير علم، فضلّوا وأضلّوا» (رواه البخاري).

فشكرٌ وتقديرٌ للمجمع على ثقته التي أودعها فينا، سائلين الله تعالى أن يسدّد خطانا، وأن يلهمنا الرشاد والحفظ ما حيينا، وأن يكتبنا من السابقين إلى ما يرضيه.

التمهيد: تعريف مفردات العنوان

لمّا كان التعرّف على مفردات عنوان البحث يفتح للقارئ مزيدًا من الإلمام بما يحويه البحث من موضوعات وقضايا، نقدِّم بين يديه التعريفات التالية: (الفتوى، المفتي، الأهلية، الفوضى) وما يلزم من المصطلحات المتعلقة بها.

الفتوى لغةً واصطلاحًا

الفتوى لغةً: لفظٌ مشتقٌّ من البيان والإيضاح والتعبير عن المراد، أو الإبداء بالرأي في جواب سؤالٍ ورفعِ الإشكال عنه، وهي دالّةٌ أيضًا على القوّة والفتوّة. قال ابن منظور: «أفتاه في الأمر: أبان له... والفُتيا والفُتْوى والفَتْوى: ما أفتى به الفقيه».

وأمّا اصطلاحًا فقد وردت تعريفاتٌ عديدة: عرّفها القرافي بأنها «إخبارٌ عن الله في إلزامٍ أو إباحة»، وعرّفها الشاطبي بأنها «الإخبار عن الحكم الشرعي على غير وجه الإلزام»، وعرّفها آخرون بأنها «الإخبار بحكم الله تعالى باجتهادٍ عن دليلٍ شرعيٍّ لمن سأل عنه في أمرٍ نازل». ويمكن القول بأنها: الإخبار بالحكم الشرعي ممّن هو أهلٌ لمعرفته، مقرونًا بدليله، لمن سأل عنه في الوقائع وغيرها، من غير إلزام السائل. (وقيد «لا على وجه الإلزام» للتفريق بين الفتوى والقضاء: فالمفتي يُبيّن الحقّ للسائل ولا يُلزمه، أمّا حكم القاضي فهو مُلزِمٌ واجب التنفيذ.)

المفتي

عرّف العلماء المفتي بتعاريف عدّة: قال الشاطبي: «المفتي هو القائم في الأمة مقام النبي صلى الله عليه وسلم». وقيل: «هو المتمكّن من معرفة أحكام الوقائع شرعًا بالدليل مع حفظه لأكثر الفقه». وفي المعجم الوجيز: «المفتي: فقيهٌ تعيّنه الدولة ليُجيب عمّا يُشكِل من المسائل الشرعية».

الفرق بين المفتي والمجتهد

اختلف العلماء في التفريق بينهما على قولين: الأول: أنه لا فرق بينهما وأن المجتهد هو المفتي، وهو رأي الأصوليين؛ قال ابن عابدين نقلًا عن ابن الهمام: «وقد استقرّ رأي الأصوليين على أن المفتي هو المجتهد، فأمّا غير المجتهد ممّن يحفظ أقوال المجتهد فليس بمفتٍ، والواجب عليه إذا سُئل أن يذكر قول المجتهد على وجه الحكاية». وكذا قال الشوكاني: «إنّ المفتي هو المجتهد». والثاني: أنّ بينهما فرقًا، وأنّ المفتي مَن يُفتي بمذهب إمامه فقط وهو دون المجتهد؛ قال ابن الهمام: «فعُرف أنّ ما يكون في زماننا من فتوى الموجودين ليس بفتوى، بل هو نقلُ كلام المفتي ليأخذ به المستفتي»، وبذلك تُسمّى فتيا مجازًا للشبه لأنها فتيا المقلِّد وليست بفتيا على الحقيقة.

والمختار عند العلماء أنّ بين الإفتاء والاجتهاد فرقًا: فالإفتاء إخبارٌ بحكم الشارع في قضيةٍ حدثت بالفعل، أمّا الاجتهاد فهو استنباطُ الحكم الشرعي لمعالجة واقعةٍ قد حدثت أو لم تحدث لكن يُقدَّر وقوعها؛ فالإفتاء يتناول الفقه الواقعيّ والاجتهاد يتناول الفقه التقديريّ. وعليه فالفتوى فرعٌ عن الاجتهاد، وما يستجدّ من أبواب الاجتهاد تترتّب عليه تغيّراتٌ في واقع الفتوى.

الفرق بين المفتي والقاضي

المفتي مُخبِرٌ بالحكم الشرعي، أمّا القاضي فمُلزِمٌ بمقتضاه؛ فحكم القاضي مُلزِمٌ لمن تحاكم إليه يَنفُذ قهرًا، أمّا فتوى المفتي فغير مُلزِمة. ويقال إنّ القاضي أعظم أجرًا من المفتي لوجوه: منها أنّ الفقيه شأنه إصدار الفتوى من ساعته، والقاضي شأنه الأناة والتثبّت؛ وأنّ في القضاء إلزامًا ليس في الفتيا. ويستشهد لذلك بقول العزّ بن عبد السلام في تفضيل الحكّام على المفتين: «إنّ أجر الحاكم أعظم؛ لأنه يفتي ويُلزِم، فله أجران». والفتوى أعمّ من القضاء باعتبار شمولها ما لا يشمله القضاء، ومثاله أحكام العبادات؛ كمواقيت الصلاة ودخول شهر رمضان، فالقول في ذلك من باب الفتوى لا القضاء.

الأهلية والفوضى

الأهلية لأمرٍ تعني الصلاحية له والكفاءة؛ يقول صاحب تيسير التحرير: «أهلية الإنسان للشيء: صلاحيته لصدوره وطلبه منه وقبوله إياه». والفوضى تعني اختلالًا في أداء الوظائف والمهامّ وافتقارها إلى النظام؛ فالمراد بفوضى الفتوى إمّا اختلالٌ في أداء المفتي بحيث يصدر عنه ما ليس أهلًا له، أو أنها تناسبه من حيث أصلُ إصدارها لكنها لا تناسب المستفتي أو الواقع الذي أُفتي بها فيه.

آداب المفتي وشروطه

ممّا هو مقرّرٌ عند أهل العلم أنّ المفتي موقِّعٌ عن ربّ العالمين في أهمّ ما يخصّ حياة البشر، ألا وهو علاقتهم بربّهم سبحانه؛ وهي مهمّةٌ تولّاها ربّ العالمين بذاته فقال: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ﴾، فأسندها إلى ذاته العليّة لندرك خطر التصدّي للفتوى. قال النووي: «اعلم أنّ الإفتاء عظيمُ الخطر، كبيرُ الموقع، كثيرُ الفضل؛ لأنّ المفتي وارثُ الأنبياء، وقائمٌ بفرض الكفاية». وقد هاب الفتيا كثيرٌ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا يتدافعونها من فرط وَجَلِهم من تحمُّل مسؤوليتها.

ومن جوامع الكلم في شروط المفتي قول الإمام الشافعي: «لا يحلّ لأحدٍ أن يُفتي في دين الله إلا رجلٌ عارفٌ بكتاب الله — بناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكّيه ومدنيّه، وما أُريد به — ثم يكون بعد ذلك بصيرًا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، بصيرًا باللغة، بصيرًا بالشعر، ويستعمل هذا مع الإنصاف وقلّة الكلام، ويكون مُشرِفًا على اختلاف أهل الأمصار، وتكون له قريحة؛ فإذا كان هكذا فله أن يتكلّم ويُفتي في الحلال والحرام، وإذا لم يكن هكذا فليس له أن يتكلّم في العلم ولا يُفتي». وقال ابن السمعاني: «المفتي مَن اجتمعت فيه ثلاث شرائط: الاجتهاد، والعدالة، والكفّ عن الترخّص والتساهل». وقال ابن الصلاح: «أن يكون مكلَّفًا مسلمًا، ثقةً مأمونًا، متنزِّهًا عن أسباب الفسق ومسقطات المروءة... ويكون فقيهَ النفس، سليمَ الذهن، رصينَ الفكر، صحيح التصرّف والاستنباط، مستيقظًا».

أولًا: الشروط التكليفية

الإسلام: فلا يتبوّأ منصب الإفتاء إلا مسلمٌ، إذ إنه يُخبر عن الله تعالى وينوب عن رسوله صلى الله عليه وسلم، ويتلقّى الناس ما يُفتي به على أنه دين الله. والبلوغ: لأنّ الصبيّ لا حكم لقوله وإن كان عاقلًا فطنًا. والعقل: لأنّ القلم مرفوعٌ عن المجنون لانعدام وعيه وإدراكه.

ثانيًا: الشروط العلمية (أن يكون من أهل الاجتهاد)

والاجتهاد لغةً بذلُ الجهد واستفراغ الوُسع في تحقيق أمرٍ شاقّ، واصطلاحًا — جمعًا بين تعريفات الأئمة (الشاطبي والرازي والقرافي والآمدي وابن الحاجب وغيرهم) — هو: «استفراغ الوُسع في النظر وتحصيل العلم أو الظنّ بشيءٍ من الأحكام الشرعية بما لا يلحقه فيه لومٌ شرعيٌّ ولا يحسّ من نفسه العجز فيه».

ومراتب المجتهدين ستٌّ على الإجمال: (أ) المجتهد المطلق: الذي استقلّ بقواعده لنفسه، ويُشترط فيه العلم بالكتاب والسنّة وأقوال الصحابة وأصول الفقه وعلوم الآلة على أتمّ وجه، ودرايةٌ وافرةٌ باللغة ومواطن الإجماع والخلاف. (ب) المجتهد المطلق المنتسب: الذي ينتسب إلى إمامٍ لأنه سلك طريقه في الاجتهاد لا تقليدًا له. (ج) المجتهد في المذهب: الذي يعلم الفقه وأصوله وأدلة الأحكام تفصيلًا، غير أنه مقلِّدٌ لإمامه فيما ظهر فيه نصُّه. (د) مجتهد الترجيح والفتيا: المتبحِّر في مذهب إمامه، المتمكِّن من ترجيح قولٍ على آخر؛ وبهؤلاء أمكن الوفاء بحاجات الناس في العصور المختلفة. (هـ) طبقة المقلِّدين القادرين على التمييز بين القويّ والضعيف في المذهب. (و) المجتهد في مسألةٍ أو مسائلَ معيّنة (الاجتهاد الجزئيّ).

وهل يجوز الأخذ بفتوى المقلِّد؟ اعتبر ابن دقيق العيد أنّ قصر الأمر على المجتهدين تضييقٌ على الخلق، فقال: «توقيف الفتيا على حصول المجتهد يُفضي إلى حرجٍ عظيم... فالمختار أنّ الراوي عن الأئمة المتقدّمين إذا كان عدلًا متمكّنًا من فهم كلام الإمام ثم حكى للمقلِّد قوله فإنه يكفيه». لكن قال ابن القيم: «لا يجوز للمقلِّد أن يُفتي في دين الله بما هو مقلِّدٌ فيه وليس على بصيرةٍ فيه سوى أنه قولُ مَن قلّده؛ هذا إجماع السلف، وبه صرّح الشافعي وأحمد وغيرهما». فلا يحلّ لمن يُفتي بمذهب إمامٍ أن يُفتي به إلا وقد عرف دليله ووجه الاستنباط.

ثالثًا: الصفات الشخصية

(١) الإنصاف: خُلُقٌ أمر الله به في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ (المائدة: ٨). فينبغي ألّا تميل فتوى المفتي إلى جانبٍ دون آخر لصلةٍ أو ميل نفسٍ أو مصلحةٍ دنيوية، والأنكى أن يكون هضم حقوق الناس بسبب مماﻷة حاكمٍ أو توصّلٍ إلى مرتبةٍ من مراتب الدولة.

(٢) سلامة الذهن واتّقاد الفكر: فإنّ الحيلة الكامنة في عقل السائل قد تغلب فطنة المفتي، وقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك بقوله: «إنكم تختصمون إليّ، وإنما أنا بشر، ولعلّ بعضكم أن يكون ألحنَ بحجّته من بعض».

(٣) صحة التصرّف والفطنة: قال ابن القيم: «ينبغي له أن يكون حذِرًا فطنًا فقيهًا بأحوال الناس وأمورهم، يوازيه فقهُه في الشرع، وإن لم يكن كذلك زاغ وأزاغ؛ وكم من مسألةٍ ظاهرها جميل وباطنها مكرٌ وخداعٌ وظلم». ومن شواهد ذلك فتوى إسحاق بن إبراهيم للخليفة الذي واقع أهله في رمضان بالصيام لا بالإطعام، لأنّ مالكًا إنما أمر بالإطعام لمن له مال، والخليفة إنما ينفق من مال بيت المسلمين؛ والمقصود من الكفّارة الزجر، والمَلِك لا يزجره الإطعام ويزجره الصيام.

(٤) العلم بالواقع: قال ابن القيم: «لا يتمكّن المفتي ولا الحاكم من الحقّ إلا بنوعين من الفهم: أحدهما فهم الواقع والفقه فيه واستنباط حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات؛ والثاني فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبّق أحدهما على الآخر».

(٥) مراعاة العرف: قال القرافي: «هذه قاعدةٌ لا بدّ من ملاحظتها... فمهما تجدّد من العرف اعتبِره، ومهما سقط أسقِطه، ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك؛ بل إذا جاءك رجلٌ من غير إقليمك يستفتيك، لا تُجرِه على عرف بلدك، واسأله عن عرف بلده وأجرِه عليه. والجمود على المنقولات أبدًا ضلالٌ في الدين، وجهلٌ بمقاصد علماء المسلمين».

(٦) التوسّط في الحكم وحمل الخلق على المناسب لهم دون إفراطٍ ولا تفريط: قال الشاطبي: «المفتي البالغ ذروة الدرجة هو الذي يحمل الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور، فلا يذهب بهم مذهب الشدّة ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال». ومن الخطأ الشائع مبالغةُ بعضهم في حمل الناس على القول الأثقل احتياطًا وسدًّا لذرائعَ متوهَّمة، وقد أدّى هذا إلى تأخّر الحكم في مسائلَ كثيرة سبق إليها العالَم من حولنا.

(٧) عدم التعصّب لمذهبٍ أو إمام: قال ابن تيمية: «ومن تعصّب لواحدٍ بعينه من الأئمة دون الباقين، فهو بمنزلة من تعصّب لواحدٍ بعينه من الصحابة دون الباقين... فهذه طرق أهل البدع والأهواء». وقال ابن القيم في المتعصّب الذي جعل قول متبوعه عيارًا على الكتاب والسنّة: «فهذا إلى الذمّ والعقاب أقرب منه إلى الأجر والصواب».

(٨) مراعاة مقاصد التشريع: فلا تغيب مقاصد الشريعة عن ذهن المفتي حال إصدار فتواه؛ فعليه أن يرمق ما وراء النصّ من الحكمة وعلّة التشريع، ويربط بينهما بنظرةٍ كليّةٍ شموليّة. ومن شواهد مراعاة الصحابة للأبعاد المقاصدية: توقُّف عمر رضي الله عنه في قسمة سواد العراق حفظًا لمصلحة الأجيال القادمة؛ وفتوى عليٍّ بتضمين الصُّنّاع قائلًا: «لا يُصلِح الناسَ إلا ذلك»؛ وفتوى معاذٍ بإخراج بدل العين من زكاة الحبوب والثمار. وعلم المقاصد لا يستوعبه إلا من أحاط بأحكام الشريعة وعقل معانيها ومراميها.

(٩) شرط التخصّص: وهو شرطٌ أؤيِّده في هذا العصر لطبيعته؛ بأن يكون مَن يتعرّض للإفتاء قد درس الفقه والأصول وقواعد الفقه دراسةً مستفيضة، وله درايةٌ بممارسة المسائل وإلمامٌ بالواقع المعيش، ونال الدراسات العليا من جامعاتٍ معتمدة أو درس على أيدي أكابر العلماء. واعتبرتُه شرطًا منفصلًا — رغم اندراجه في شرط العلم والاجتهاد — لحسم حالة الفوضى التي تُثار ممّن لم يتخصّص في الفقه والأصول ثم يعترض ويناظر على فتاوى ما درس مبادئها.

فوضى الفتوى: الفتوى بين القديم والحديث

كان السلف رحمهم الله يُقدِّرون أمر الفتوى ويخشون مكانتها، ولا يعتبرون لها إلا الثقة من أهل العلم. رأى رجلٌ ربيعةَ بنَ عبد الرحمن يبكي فقال: ما يُبكيك؟ فقال: «اسْتُفتيَ من لا علم له، وظهر في الإسلام أمرٌ عظيم». وقال ابن حمدان الحنبلي معلِّقًا: «فكيف لو رأى زماننا وإقدامَ من لا علم عنده على الفتيا مع قلّة خبرته، وإنما قصده السمعة والرياء ومماثلة الفضلاء والعلماء الراسخين؟».

وكان الصحابة يتدافعون الفتوى ويتورّعون عنها؛ قال البراء بن عازب: «لقد رأيت ثلاثمائة من أصحاب بدر، ما فيهم أحدٌ إلا وهو يحبّ أن يكفيه صاحبُه الفتيا». وقال أبو حنيفة: «لولا الفَرَق من الله تعالى أن يضيع العلم ما أفتيت». وقال أحمد: «من عرض نفسه للفتيا فقد عرّضها لأمرٍ عظيم»، وكان يقول: «الإمساك أحبّ إليّ».

ومن خلال هذه المشاهد نرى الفارق بين نفوسٍ استقامت على خشية الله ثم الاعتبار لأمانة العلم، وبين أناسٍ غرّهم ما هم عليه من الألقاب والتفاف الناس حولهم؛ خاصةً في زمانٍ صار لكلّ شخصٍ صفحتُه على فيسبوك أو قناتُه على يوتيوب، ومنح ذاته كلّ ما يشتهي من الألقاب، فاجترأ على الفتيا إمّا لجهلٍ بخطر ما هو مُقدِمٌ عليه أو لجرأةٍ على الله وكتابه ورسوله. ومن هنا أتت فوضى الفتوى، وصار الدليل الواحد يُستعمل حسب ما يطلبه المستمعون أو ما يشتهيه المشاهدون أو ما يقيمه أصحاب «البيزنس» وأرباب المناصب. ولعلّ كلام ابن القيم يختصر وصف هذا الخلط: «لا يجوز للمفتي أن يشهد على الله ورسوله بأنه أحلّ كذا أو حرّمه أو أوجبه أو كرهه إلا لِما يعلم أنّ الأمر فيه كذلك ممّا نصّ الله ورسوله عليه».

وبعض من يتولّى منبر الفتوى قد يكون لديه من العلم ما يؤهّله، لكن في زمانٍ ومكانٍ لا يتجاوزهما لعدم علمه بأحوال بقية الأماكن ومتطلبات الواقع فيها؛ ومن ثَمّ لا يكون لفتواه أثرٌ إلا محض التشويش على الخلق، فما يجوز لأناسٍ في موطنٍ قد لا يجوز لغيرهم في موطنٍ آخر.

الخاتمة والمقترحات

وفي ختام هذه الكلمة أقترح ما يلي:

١. اتّحاد المؤسسات الإسلامية حول تعيين قناةٍ خاصةٍ بالفتوى وحظرِ ما يمكن أن يكون من مصادر أخرى — مع علمي أنّ هذا اقتراحٌ قد لا يتجاوز كونه اقتراحًا، لأنّ اجتماع الأمة يحتاج إلى إعادة صياغةٍ للعقول، ولأنّ القنوات الفضائية مملوكةٌ في أغلبها لمن ليسوا مهتمّين بالشأن الإسلامي، ولأنّ مثل هذا الجهد يحتاج تمويلًا ليس بالهيّن.

٢. التفاف الدعاة حول رموز الدعوة والفقه ودعم وحدة المصدر للفتوى؛ وذلك يستوجب التفريغ التامّ بعلمائنا وكفالتهم ليفرّغوا أزمانهم لجواب احتياجات الخلق، وتحديدَ المراجع الفقهية التي تُفتي الناس وتضع فيما بينها ضوابطَ ومعاييرَ تسير على هداها فلا يتشتّت الناس.

٣. فتح قنوات تواصلٍ بين مفتيي العالم الإسلامي الرسميين في المسائل المصيرية، واستطلاعِ الآراء وفق المذاهب والرؤى، وتدوينِ هذه المسائل في دورياتٍ جامعةٍ تُعدّ مرجعًا ثابتًا يمثّل إجماعًا عالميًّا.

٤. مزيدٌ من الإثراء لفكرة المجامع الفقهية على مستوى الأقطار، وزيادةُ أنشطتها وعدد مرّات انعقادها لملاحقة المستجدّات؛ وهذا من أهمّ ما تقوم به «أمجا» باعتبارها مرجعيةً فقهيةً لأئمة المسلمين في أمريكا، خاصةً لجنة الفتوى بها.

٥. تعليم الناس ألّا يتناولوا الفتاوى إلا من علماء بلادهم التي يعيشون فيها ومن هم أدرى بواقعها؛ ولعلّ هذا الدور منوطٌ بالدعاة وأئمة المساجد، وعلى الإمام أن يفصل بين دوره كإمامٍ وبين كونه مفتيًا، فإن لم تتوفّر له آلة الفتوى فالأَولى به أن يحيل المسائل إلى المتخصّصين.

٦. إصدار البيانات التي تحتجّ على القنوات التي تستضيف للفتوى غير المتخصّصين أو تناقش قضايا فقهيةً معقّدة مع من ليسوا أهلًا للنقاش حولها.

والله تعالى أعلى وأعلم.


وكتبه: د. أحمد أبو سيف — مؤتمر الأئمة الخامس عشر، مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا، هيوستن ٢٠١٨.

الكلمات المفتاحية

فتوىأهلية المفتيفوضى الإفتاءAMJAفقه الأقليات

صيغة الاستشهاد المقترحة

أبو سيف, أحمد. (2018). الفتوى بين أَهليّة المُفتي وفوضى الإفتاء. مؤتمر الأَئمّة الخامس عشر — مَجمع فقهاء الشَّريعة بأمريكا (AMJA).