أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
العودة إلى قائمة الأبحاث
بحث محكَّم في مؤتمر2025الفقه والإفتاء

واقِع الفَتوى في الوِلايات المُتَّحدة الأَمريكيّة في عَصر الذَّكاء الاصطناعيّ

إِشكاليّات وحُلول

الجهة العلمية:

المؤتمر العالميّ العاشر — الأَمانة العامّة لدُور وهَيئات الإفتاء في العالم

المكان:

القاهرة — جُمهوريّة مِصر العربيّة

التاريخ:

أغسطس ٢٠٢٥

الناشر:

الأَمانة العامّة لدُور وهَيئات الإفتاء في العالم (تابِعة لدار الإفتاء المصريّة) — أَبحاث المؤتمر، المُجلَّد الخامس، المحور الرّابع: الذَّكاء الاصطناعيّ وتَطوير العَمل المؤسَّسيّ الإفتائيّ — ص ٢٣٠٢–٢٣٤٣

عدد الصفحات:

42

اللغة:

العربية

ISBN:

978-977-6998-61-2

ملخَّص البحث

بَحثٌ محكَّم قُدِّم في المؤتمر العالميّ العاشر للأَمانة العامّة لدُور وهَيئات الإفتاء في العالم — القاهرة، أغسطس 2025، تَحت عُنوان «صِناعة المُفتي الرَّشيد في عَصر الذَّكاء الاصطناعيّ». يَرسم البَحث خارطةً دَقيقة لواقِع الفَتوى الرَّقميّة في الوِلايات المُتَّحدة الأَمريكيّة، مُتتبِّعاً الإِشكاليّات التِّقنيّة واللُّغويّة والثَّقافيّة التي يُواجِهها السّائل والمُفتي على السَّواء، ومُقترِحاً إِطاراً مَنهجيّاً إِصلاحيّاً يَضمَن مُطابقة المُخرَجات الفِقهيّة لمَقاصِد الشَّريعة وسَلامة الخُصوصيّة الثَّقافيّة. يَعتَمد البَحث المَنهَج الاستِقرائيّ التَّحليليّ، ويَستَنِد إلى اثنتي عَشرة مُقابلة شِبه مُهَيكَلة مَع أَئمّة ومُفتين في الواقِع الأَمريكيّ، ويَعرِض في ثَلاثة فُصول: واقِع الفَتوى في أَمريكا، التَّحدّيات المَنهجيّة والشَّرعيّة للفَتوى الرَّقميّة، ومَعالم بِناء مَنظومةٍ إِفتائيّةٍ رَقميّةٍ راشِدة في السِّياق الأَمريكيّ.

النص الكامل

10 دقيقة قراءة

بحثٌ ضمن المحور الرابع: «الذكاء الاصطناعي وتطوير العمل المؤسسيّ الإفتائيّ». بقلم د. أحمد محمد أبو سيف (دكتوراه التفسير وعلوم القرآن — جامعة الأزهر؛ مدير سابق للإدارة العامة للإرشاد الديني بوزارة الأوقاف المصرية؛ رئيس أكاديمية الأئمة بأمريكا — دالاس، تكساس).

المقدمة

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وبعد: ففي ظلّ الثورة التقنية والمعرفية التي يشهدها العالم اليوم ترتقي مسألة الفتوى الرقمية إلى مرتبة القضايا المصيرية التي تصوغ العلاقة بين العبد وربّه، وبين الشريعة ومجريات الحياة. فالإنترنت وتطوّر الذكاء الاصطناعي فتحا لنا أبوابًا رحبة لتلقّي الفتاوى ونشرها بيُسرٍ وسرعة، وفي الوقت ذاته أضحى ضوء التحديات العلمية والمنهجية والمجتمعية أكثر سطوعًا، ممّا يستدعي وقفةً تأمّليةً جادّةً لإعادة تأسيس المفاهيم وضبط الآليات.

يهدف هذا العمل إلى رسم خارطةٍ دقيقةٍ لواقع الفتوى الرقمية في الولايات المتحدة، متتبّعًا الإشكاليات التقنية واللغوية والثقافية التي يواجهها السائل والمُفتي على السواء، ومقترحًا إطارًا منهجيًّا إصلاحيًّا يضمن مطابقة المخرجات الفقهية لمقاصد الشريعة وسلامة الخصوصية الثقافية.

إنّ عدد المسلمين في الولايات المتحدة اليوم يجاوز ٣٫٥ ملايين نسمة، يمثّلون خلفياتٍ عرقيةً وثقافيةً متنوعة، ويواكب ذلك بنيةٌ مؤسسيةٌ متكاملة من مساجدَ ومراكزَ ومدارسَ وأنشطةٍ دعوية. وفي ظلّ هيمنة التقنيات الذكية دخلت الفتاوى عصر الرقمنة؛ فظهرت «بوتات» ومنصّات ذكاء اصطناعي تولّد الإجابات الشرعية بسرعةٍ فائقة. وهذا التقاطع بين الفقه الدقيق وخوارزميات المعالجة الضخمة يفتح آفاقًا واعدةً لتيسير الوصول والانتشار، لكنه يثير أيضًا إشكالاتٍ معرفيةً وأخلاقيةً وشرعية، من دقة الأحكام إلى مصداقية المصادر وحدود تدخّل التقنية في الشأن الديني.

إشكالية البحث: يتعرّض واقع الفتوى في أمريكا لإشكالاتٍ محوريةٍ على ثلاثة مستوياتٍ مترابطة: المستفتي الذي يفتقر إلى بوصلةٍ واضحةٍ فيتيه بين الفتاوى ويعجز عن التمييز بين الرأي والفتوى والاجتهاد الجماعيّ؛ والمفتي الفرد الذي يحمل العبء دون غطاءٍ مؤسسيّ؛ والفضاء الرقميّ المنفلت.

أهداف البحث: استكشاف الإشكاليات المنهجية والشرعية للفتوى الرقمية من حيث أصول التكييف والتنزيل ومراعاة المقاصد؛ وتحليل أثرها على ثقة المستفتين وجودة الفتوى؛ واقتراح إطارٍ فقهيٍّ وتقنيٍّ متكامل يعزّز كفاءة المفتي الرقميّ ويراعي التوازن بين مقوّمات الاجتهاد الشرعيّ ومعايير الأداء التقنيّ.

خطة البحث: مقدمة، وثلاثة فصول (واقع الفتوى؛ التحديات المنهجية والشرعية للفتوى الرقمية؛ نحو منظومة إفتائية رقمية أمريكية راشدة)، وخاتمة.

الفصل الأول: واقع الفتوى في الولايات المتحدة الأمريكية

لا تقتصر الفتوى في الغرب على كونها حكمًا شرعيًّا في مسألةٍ معيّنة، بل تُعَدّ من أبرز آليات التوجيه الدينيّ والاجتماعيّ في حياة المسلمين؛ حيث تمثّل الصلة بين النصّ الإلهيّ والواقع المتغيّر. وفي السياق الأمريكيّ المركّب تكتسب أبعادًا جديدة؛ إذ تدخل في صلب قضايا الهوية والانتماء، وتحمل مسؤولية التوازن بين الولاء الدينيّ والاندماج المجتمعيّ والإلزام القانونيّ. فأكثر من ٧٠٪ من المسلمين في أمريكا ينتمون إلى خلفياتٍ ثقافيةٍ وفقهيةٍ متنوّعة (عرب، أتراك، إيرانيون، باكستانيون، أفارقة، أمريكيون من أصولٍ لاتينية)، وكثيرٌ منهم من الجيل الثاني أو الثالث ممّن يتحدّثون الإنجليزية كلغةٍ أولى. ويدور واقع الفتوى بين ثلاثة مسارات: الفرديّ (فتاوى الأئمة والدعاة)، والمجمعيّ (الهيئات والمؤسسات)، والرقميّ (الإنترنت والذكاء الاصطناعي).

المبحث الأول: الفتوى على المستوى الفردي

في ظلّ غياب مرجعيةٍ دينيةٍ مركزية، يتقدّم المفتي الفرد — إمامًا أو مديرًا لمركزٍ أو داعيةً — ليكون المصدر الأول للفتوى في حياة المسلمين اليومية، لحاجتهم إلى توجيهٍ مباشر، وثقتهم في شخصية الإمام الذي يخاطبهم بلغتهم ويشاركهم بيئتهم. غير أنّ هذا الواقع لا يخلو من تحديات تتصل بتأهيل المفتي وتنوّع الخلفيات وخصوصية القضايا؛ فقد كشفت دراسةٌ أنّ نحو ٦٣٪ من أئمة المساجد الأمريكية لا يحملون شهادةً جامعيةً في الدراسات الإسلامية، وأنّ أكثر من نصف المساجد لا توظّف إمامًا بدوامٍ كامل.

طبيعة الأسئلة المطروحة على المفتي الفرد — من خلال مئات الحالات الموثّقة عبر أكثر من خمسة عشر عامًا — تتوزّع على محاور: أسئلة الهوية الإسلامية (تهنئة غير المسلمين بأعيادهم، اللباس والحجاب في العمل، الانتماء المزدوج والمشاركة السياسية والخدمة في الجيش، تربية الأبناء في المدارس العامة)؛ والمفاهيم الأسرية (الزواج من كتابيّ، الزواج المدنيّ وعقود الإنترنت، الطلاق والخلع والحضانة، النفقات)؛ وقضايا العمل والمعاملات (العمل في بيئاتٍ فيها شبهة، شركات التأمين، برامج الدعم الحكوميّ مثل HUD و401K، المعاملات المالية الحديثة كالكاش باك والاستثمار في الأسهم)؛ وقضايا العبادات (جمع الصلوات لساعات العمل، الجمعة، الصلاة في السيارة). وفي ظلّ هذا الواقع تغدو الفتوى عمليةً اجتهاديةً مركّبة، تتطلّب مراعاة مقاصد الشريعة، وفقه الأقليات، وفقه الواقع الأمريكيّ بجوانبه القانونية والاجتماعية.

الإشكاليات المرتبطة بالفتوى الفردية: التباين والتضارب الذي يثير شكّ السائل ويعلّمه «التسوّق للفتوى»؛ وضعف التأصيل العلميّ والمرجعية؛ والضغوط الاجتماعية والتمويلية التي تهدّد حيادية المفتي خاصةً إذا كان خاضعًا لمجلس إدارةٍ محليّ؛ والجهل بالقوانين الأمريكية الذي يُنتج فتاوى تُعرّض المستفتين للمساءلة القانونية.

مقترحات المعالجة: إعادة تأهيل المفتين العاملين في أمريكا ببرامجَ تجمع التأصيل الفقهيّ وفهم الواقع القانونيّ؛ وإيجاد شبكةٍ مرجعيةٍ للفتوى الفردية عبر منصّةٍ رقميةٍ موحّدة ولجانٍ علميةٍ مصغّرة ودليلٍ إفتائيٍّ موحّد؛ وتعزيز التكامل بين الفرد والمؤسسة (ومن النماذج الرائدة: مجلس الشورى الإسلامي لجنوب كاليفورنيا، ورابطة أئمة هيوستن الكبرى)؛ والتوعية المجتمعية بأنّ الفتوى ليست «حبّة دواء» بل لَبِنةٌ في بناءٍ فقهيٍّ رصين.

المبحث الثاني: الفتوى على المستوى المجمعي

تمثّل الفتوى المجمعية الذراع التشريعيّ الموحّد القادر على مخاطبة الواقع من منظورٍ اجتهاديٍّ جماعيٍّ يراعي المقاصد والمآلات. ومن أبرز المؤسسات: مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا (AMJA) المؤسَّس ٢٠٠٢م، المعنيّ بفقه الأقليات، بمنهجيةٍ دقيقة (بحث، مناقشة جماعية، تقويم علميّ)؛ والمجلس الفقهي لأمريكا الشمالية (FCNA) المؤسَّس ١٩٨٦م، الذراع الفقهيّ لـISNA، يشترط لإقرار فتاواه موافقة ثلثي الأعضاء؛ ومجامع محلية ومبادرات ناشئة (مجلس الشورى الإسلامي لجنوب كاليفورنيا، مجلس أئمة ميشيغان، مجلس المنظمات الإسلامية في شيكاغو الكبرى).

المزايا النظرية للفتوى المجمعية: قوة الاجتهاد الجماعيّ بتضافر العقول واستدعاء التخصصات؛ وتحقيق وحدة المرجعية والحدّ من التضارب؛ وتقديم خطابٍ يراعي خصوصية الواقع الأمريكيّ؛ وتوفير وثائق مرجعية رسمية.

الإشكاليات العملية: ضعف الانتشار والتأثير الجماهيريّ (الغالبية لا تعرف أسماء هذه المجامع)؛ والجمود المؤسسيّ وبطء التفاعل مع المستجدّات؛ وضعف التواصل مع الأئمة والمراكز المحلية؛ وتعدّد المرجعيات واختلاف المنهجيات (ففي مسألة تهنئة غير المسلمين أجازها FCNA ومال AMJA إلى المنع)؛ وغياب التمويل المستدام.

المعالجات المقترحة: تعزيز العلاقة بين المجامع والمساجد المحلية (التي تجاوز عددها ٢٧٠٠–٥٠٠٠ مسجد)؛ والتنسيق بين المجامع لتوحيد الخطاب عبر هيئةٍ تنسيقية؛ ونشر الوعي بأهمية الفتوى الجماعية عبر الخطباء والمؤسسات التربوية؛ وحلّ معضلة التمويل عبر الأوقاف والمبادرات الرقمية المدرّة للدخل.

المبحث الثالث: واقع الفتوى لدى المتجولين في الإنترنت

لم يعد كثيرٌ من المسلمين — خاصةً الجيل الثاني والثالث — يطرقون باب الإمام، بل صاروا يجوبون الإنترنت بحثًا عن الجواب في فضاءٍ لا تحكمه الأسانيد ولا ضوابط التلقّي. وهذه ظاهرة «التجوّل الفقهيّ الرقميّ»، يجمع أصحابها افتقادُ أدوات التمييز بين المصادر الموثوقة وغيرها، والعجز عن التفريق بين الفتوى والنصيحة، فيصبحون فريسةً لفتاوى مبتورة أو تطرّفاتٍ فكرية.

منصّات الفتوى الرقمية من التنوع إلى الفوضى: يكتظّ المتجوّل بين منصّاتٍ موثوقة (IslamQA، IslamWeb، دور الإفتاء الرسمية) وأخرى مجهولة النسب أو مؤدلجة. ومع صعود يوتيوب وتيك توك وأدوات الذكاء الاصطناعي، باتت الفتوى سلعةً سريعة الاستهلاك تفتقر إلى الضوابط العلمية والعمق الشرعيّ والمسؤولية الفقهية.

الفتوى الآلية — حين يتكلّم الذكاء الاصطناعي باسم الدين: إلى جانب النماذج العامة (ChatGPT، Gemini، DeepSeek، Claude، Perplexity)، ظهرت منصّات متخصصة: Fanar القطري بنموذجَيه Fanar Star وFanar Prime، وQASiNa الإندونيسي المبنيّ على السيرة، وMufassir QAS الذي يدمج نظام RAG لإرفاق كل إجابة بمصدرها، وأدوات تمزج الذكاء الاصطناعي بالمراجعة البشرية. وقد سألتُ نماذج التواصل الاصطناعيّ نفسها عن تقييمها للأدوات الإسلامية الموجودة، فأجابت بإثبات وجودها وتنوّعها، مع نقاط قوة (السرعة، إتاحة المعرفة، دعم غير الناطقين بالعربية) وسلبيات (ضعف الدقة والتوثيق، غياب التخصيص المذهبيّ، الهلوسة، التحيّز)، وأجمعت على شرطين جوهريين للنجاح: الإشراف المؤسسيّ العلميّ، والشفافية والمحاسبة.

الإشكاليات الإجرائية: الانفصام عن الواقع (فجوة السياق الثقافيّ)؛ وغياب المحاسبة (المفتي الرقميّ يختبئ خلف شاشةٍ دون هويةٍ ولا مؤهّلات، فتنتشر «الفتاوى الشاذّة»)؛ والتكوين المشوَّش للوعي الفقهيّ (هوية دينية متناقضة: أصوليّ في العبادات، ليبراليّ في المعاملات)؛ والاستقطاب الأيديولوجيّ للمنصّات؛ واختزال الفقه في «أسئلة وأجوبة». وقد أقرّ ChatGPT نفسه بأنه لا يمكن توثيق معلوماته برابطٍ أو مرجع، لأنه يقدّم «خلاصةً معرفيةً تحليليةً تركيبية» من إنتاجه كنموذجٍ لغويّ لا منقولًا من مرجعٍ محدّد.

الفصل الثاني: التحديات المنهجية والشرعية للفتوى الرقمية

المبحث الأول: الخصائص المعرفية والمنهجية للفتوى الرقمية

الخصائص المعرفية: (١) البنية المعرفية الخوارزمية — تعمل عبر خوارزميات تحلّل الأسئلة لغويًّا وتبحث في قواعد البيانات، لكنها عاجزةٌ عن إدراك المقاصد، «تنتج لغةً دون فهمٍ حقيقيّ»؛ (٢) التفسير الحرفيّ للنصوص — تعجز عن تمييز مراتب الدلالة وخصائص البيان الشرعيّ (المجاز، العرف، السياق)؛ (٣) محدودية الإدراك السياقيّ («الضيق السياقيّ») — لا تفرّق بين مسلمي بلدٍ إسلاميٍّ وأقلياتٍ في بيئاتٍ غربية؛ (٤) غياب فقه المقاصد والمآلات.

الخصائص المنهجية: (١) المرجعية الاصطناعية لا المذهبية (تتغذّى على قواعد بياناتٍ هجينة، بل قد تعتمد «الاختيار العشوائيّ من بين أقوال الفقهاء»)؛ (٢) الترجيح بالخوارزمية لا بالدليل (وفق شيوع الجواب وتكراره)؛ (٣) التجريد من عنصر التوجيه والإرشاد؛ (٤) الإفتاء المجرّد من المسؤولية الفقهية («اللامسؤولية الفقهية الرقمية»)؛ (٥) قابلية الانحياز البرمجيّ والتوجيه غير المرئيّ.

المبحث الثاني: إشكالات المنهج الشرعي في الفتوى الرقمية

الفتوى في أصلها فنٌّ يزاوج بين الفهم العميق للنصوص والبصيرة بحال الناس والقدرة على الترجيح؛ لكن الفتوى الرقمية تقوم غالبًا على «الاستدعاء الآليّ» للمعلومة وتجميع الأقوال دون تمييز. ومن إشكالاتها: (أولًا) هل تملك أهلية الاجتهاد؟ — لا تتوفّر فيها شروط العلم (معرفة الكتاب والسنة وأصول اللغة والفقه والمقاصد وفهم الواقع)؛ والنقلُ وحده ليس فتوى. وقد أفدتُ من استبيانٍ لمتخصّصين في الذكاء الاصطناعي (م. محمد الوزير، د. الناصر عبد الوهاب، د. محمد علي) خلاصته أنّ الذكاء الاصطناعي يعتمد على ما يُغذّى به ولا يملك قدرة الاستنباط، مستشهدًا ببحث شركة آبل «وهم التفكير» (The Illusion of Thinking) الذي بيّن عجزه عن حلّ الإشكاليات عند إعادة صياغتها. (ثانيًا) غياب النظر المقاصديّ والمآليّ — فقد يفتي بجواز زواج أبناء العمّ في تكساس مطابقةً لظاهر الحكم، متناسيًا أنّ خمسًا وعشرين ولايةً تمنع زواج الأقارب فيترتّب عقابٌ قانونيّ. (ثالثًا) الإفتاء بلا تصوّر — المنصّة تتلقّى سؤالًا مقتضبًا وتقدّم جوابًا مستعجلًا، فتختزل الفتوى إلى مطابقةٍ سطحية. (رابعًا) تعدّد الأقوال دون ترجيح — تعرض ثلاث فتاوى متعارضة ثم تختم بـ«اختر ما يناسبك»، فتنسف معنى الإفتاء. (خامسًا) الهلوسة — أخطر الإشكاليات: حين لا يجد النموذج معلومةً دقيقة يخترع نسبًا لمؤلفين أو مراجعَ غير موجودة أو أرقامًا وتواريخ غير دقيقة.

المبحث الثالث: الفتوى الرقمية بين التهديد والفرصة

الفتوى الرقمية أداةٌ في ذاتها، يُقوَّم أثرها بميزان من يستخدمها وبأيّ ضوابط. التهديدات: فوضى المرجعيات؛ وتسييس الفتوى أو تطييفها؛ وضياع الشعور بالمحاسبة؛ وفقدان التوازن بين التيسير والتسييب. الفرص: تسهيل الوصول إلى العلم الشرعيّ؛ وتمكين الدعوة العالمية العابرة للغات؛ ودعم المجتمعات المهمَّشة؛ وتعزيز الفتوى الجماعية والاجتهاد المؤسسيّ (الذكاء الاصطناعي مساعدٌ معرفيٌّ للمجتهد لا بديلٌ عنه)؛ ومخاطبة الجيل الرقميّ بلغته؛ وتأسيس منصّاتٍ موثوقة تضبط الفتوى الرقمية. فالفتوى الرقمية إن تُركت لعوامل السوق كانت معول هدمٍ للوعي، وإن أُحكمت بقيادةٍ علمية ومؤسساتٍ جادّة كانت من أعظم أدوات العصر في تجديد الصلة بين المسلم وفقهه.

الفصل الثالث: نحو بناء منظومة إفتائية رقمية أمريكية راشدة

المبحث الأول: المبادئ الحاكمة

(أولًا) مركزية المقاصد الشرعية — ربط الحكم بعلّته والمآل بنيّة الشارع، بتوازنٍ بين الثبات والانفتاح. (ثانيًا) الاجتهاد الجماعي لا الفردي — لأنّ تعقيد الواقع وتشعّب المسائل يجعل الرأي الفرديّ عرضةً للقصور. (ثالثًا) فقه الواقع الأمريكي — فكثيرٌ من الأحكام تتداخل مع القوانين المدنية، وقد يكون الأثر القانونيّ أخطر من الدينيّ. (رابعًا) المسؤولية المؤسسية لا الاجتهاد الفرديّ المعزول. (خامسًا) الانفتاح الرقميّ المنضبط بضوابطَ علميةٍ وأخلاقية.

المبحث الثاني: مكونات المنظومة

تقوم على أربعة أعمدة: (أولًا) الكادر المؤهَّل — تأهيلٌ يجمع التكوين الشرعيّ المتين والإلمام بالسياق الأمريكيّ، ببرامجَ عمليةٍ ومستمرّة. (ثانيًا) المرجعية المجمعية — عقلٌ جماعيٌّ راشد عبر مجلس إفتاءٍ وطنيٍّ يضمّ علماءَ من مختلف المدارس، ووحداتٍ بحثية، ولجان مراجعة. (ثالثًا) الحضور الرقميّ المنظَّم — منصّةٌ رقميةٌ مركزية تشكّل الواجهة المعرفية الموثوقة، مع اعتماد الذكاء الاصطناعي كمساعدٍ بحثيّ تحت إشرافٍ بشريٍّ صارم. (رابعًا) نظام الإحالة والتكامل — بناءٌ شبكيٌّ لا هرميّ يربط المساجد المحلية والهيئات الشرعية والمنصّات الرقمية والجامعات.

المبحث الثالث: خريطة الطريق

(أولًا) التأهيل المزدوج للمفتين علمًا وثقافة ومنحهم شهادات اعتمادٍ رسمية (وقد أدركتُ بخبرةٍ ذاتية عبر أكثر من ٢٣ ولاية أنّ نسبةً لا تقلّ عن ٦٥٪ من المساجد ليس بها أئمة، وقرابة ٣٠٪ من الأئمة غير مؤهّلين علميًّا). (ثانيًا) بناء شبكةٍ وطنيةٍ للإفتاء هيكلًا تنسيقيًّا لا مركزيًّا، تجمع لجانًا إقليمية ومرجعيةً مركزية ومجالسَ تخصّصية ووحدةً بحثيةً ميدانية. (ثالثًا) إطلاق منصّةٍ إلكترونيةٍ مركزية بمحتوًى ثنائي اللغة (عربي–إنجليزي) وإشرافٍ علميٍّ حيّ، مع دمج الذكاء الاصطناعي في الأرشفة والترشيح دون أن يُسمح له بتوليد الفتوى النهائية إلا بمراجعةٍ بشريةٍ مؤهّلة. (رابعًا) إشراك المجتمع وبناء الثقة عبر حملاتٍ توعويةٍ وإشراك الشباب وشراكاتٍ مع المدارس والمراكز.

خاتمة البحث

دار البحث حول سؤالٍ محوريّ: كيف يمكن للفتوى أن تقوم بدورها الشرعيّ والاجتماعيّ في السياق الأمريكيّ؟ فتبيّن أنّ الفتوى اليوم تحتاج إلى ما هو أبعد من الإجابة اللحظية: تحتاج إلى بنيةٍ ومرجعيةٍ ووعيٍ وتكاملٍ بين الإنسان والعلم والمؤسسة والوسيلة.

التوصيات:

  • إطلاق مشروعٍ وطنيٍّ لتأهيل المفتين في أمريكا يجمع التأصيل الشرعيّ والمعرفة بالسياق المحليّ.
  • إنشاء شبكةٍ وطنيةٍ للإفتاء تضمّ المجامع القائمة وتنسّق جهودها وتصدر عنها وثائق وقرارات موحّدة.
  • إطلاق منصّةٍ رقميةٍ موثوقة للفتوى بإشرافٍ علميٍّ جماعيّ، تُدمج فيها أدوات الذكاء الاصطناعي تحت رقابةٍ بشرية.
  • إدماج الثقافة الفقهية في المناهج الإسلامية المحلية، مع التركيز على فقه الواقع الأمريكيّ وفقه الموازنات.
  • دعم البحث العلميّ في قضايا الفتوى في الغرب من خلال تمويل دراساتٍ وتشجيع رسائل جامعية وإقامة مؤتمراتٍ متخصصة.

وكتبه: د. أحمد محمد أبو سيف. (اعتمد البحث، إلى جانب التحليل النظريّ والمقابلات، على رصيدٍ ميدانيٍّ تراكميّ عبر أكثر من خمسة عشر عامًا من العمل الدعويّ المتواصل في الولايات المتحدة.)

الكلمات المفتاحية

الفتوى الرقميةالذكاء الاصطناعيالولايات المتحدةفقه الأقلياتصناعة المفتيالمنظومة الإفتائيةدار الإفتاء المصرية

صيغة الاستشهاد المقترحة

أبو سيف, أحمد. (2025). واقِع الفَتوى في الوِلايات المُتَّحدة الأَمريكيّة في عَصر الذَّكاء الاصطناعيّ. المؤتمر العالميّ العاشر — الأَمانة العامّة لدُور وهَيئات الإفتاء في العالم.