A
Dr. Ahmed Abouseif
Imams Academy
Tamaño
Volver a los artículos
Tafsīr orientado a los fines

سورة الأحقاف: نموذجان في تلقي الرسالة

سورة الأحقاف: نموذجان في تلقي الرسالة

Dr. Ahmed Abouseif•٧ يناير ٢٠٢٦•5 min de lectura
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ ٧ يناير ٢٠٢٦م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

خلاصة سورة الأحقاف

خلاصة سورة الأحقاف في قول الله تبارك وتعالى في آخرها: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾[1]، وهذا هو المراد، وإليه يرجع مضمون السورة. فإذا نظرتَ وجدتَ ربّ العالمين سبحانه يحدّث نبيّه ﷺ في هذه السورة المباركة ويُريه نموذجين في تلقّي الرسالة.

النموذج الأول: قوم عاد

﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾. كيف كان ردّ فعل هؤلاء؟ الآيات تحدّثك بمنتهى البساطة والوضوح: ﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾. فهؤلاء الناس ليسوا متلقّين لرسالةٍ تأتيهم لأول مرة، بل خلت النذر من بين يديه ومن خلفه؛ فهناك رسل قبل ذلك سمعوا عنهم ورأوا آثارهم، لكنهم لم يتعلّموا. وكان جوابهم: ﴿أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾.

حين تسمع هذا الرد تدرك أن في داخل النفوس رصيدًا متراكمًا من الكِبر يمنعها من استقبال أي شيء، فلم تمنح عقولَها ولا قلوبَها مجرّد الاستماع إلى الفكرة: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾. وكأنهم يقولون بلهجة أهل مصر: «اخبط دماغك في أتخن حتة، اعمل اللي إنت عايزه»، وفي روايةٍ أخرى — وهذه ليست مصرية — «سوّي اللي بدّك إياه». والشاهد أن كِبرهم حال بينهم وبين مجرّد الإرصاد، أي مجرّد الترقّب والإصغاء.

وربّ العالمين سبحانه يُري نبيَّه ﷺ هذا الموقف ويُريه نسبةَ صبر أخي عاد، وهو سيدنا هود على نبينا وعليه الصلاة والسلام: ﴿قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾. وهذه ليست سبابًا؛ هو لا يسبّهم ولا يشتمهم، وإنما كأنه يقول: أراكم تحتاجون إلى مزيد من المعرفة. فالمطلوب فقط: لو سمحتم، أعيروني سمعكم وبصركم وقلبكم حتى أشرح لكم منظومة الفكر.

﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ — ونحن نعرف أنهم أُهلكوا بالريح — لمّا رأوا الريح جائيةً من بعيد ظنّوا أنها مزيدٌ من الخير يأتيهم. فلم يكونوا يحملون كبرًا يمنعهم من تقبّل الرسالة فحسب، وإنما كانوا يحملون غرورًا يُشعرهم أنهم أهلٌ لكل مجد، وأصحابُ كل عزّ، وأنه لا يدور في الكون إلا ما يخدم مصالحهم هم. فهو يرى نفسه سيّدًا للكرة الأرضية كلّها، يعبث هنا ويمارس هنا ويضرب هنا ويخطف هنا، «الدنيا ماشية زي الفل»، وليس فوقه سلطان. ﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾، أي هذا خيرٌ كبير جاء لنا، ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾. تلك خلاصة القول.

ماذا نستفيد؟

وما وجه الخطاب هنا للرسول ﷺ؟ وماذا نستفيد من هذا الكلام؟ نستفيد مجموعة أشياء. أنت أخو قريش كما كان هود لعادٍ أخًا من قبل؛ يحدّثونك بنبرة تماثل نبرةً صدرت من قبل، وما عليك إلا أن تقول: إنما أنا نذير وبشير. وهؤلاء الناس غرورهم يحملهم على إهلاك أنفسهم بأيديهم، فلا تنزعج لذلك.

وما الذي كان يزعج النبيَّ ﷺ؟ هو لا يعنيه بماذا يجيبه الناس، وإنما يعنيه كيف يجيبون الله. فهو بين الحرص على مقام الألوهية العظيم وقداسته في نفوس الناس، واجتراء بعض الخلق على الله عز وجل، وبين الشعور بأن هؤلاء الناس يُهلكون أنفسهم؛ فكان يخشى على الخلق ﷺ. ولذلك ترى العتاب، أو المراجعة الإلهية للنبي ﷺ وهو يحدّثه سبحانه: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾[2].

النموذج الآخر: الجن المنصتون

ونحن نتكلم باختصار شديد جدًّا، ولو فصّلنا في الكلمات ودلالات الألفاظ لرأيتَ عجبًا في تصوير القرآن لنفسيات الناس. أما النموذج الآخر، المتلقّي: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾. فقالوا في المشهد الأول شيئًا، وقالوا في الثاني شيئًا آخر. ماذا قالوا في الأول؟ ﴿أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾: أي جئتَ لتغيّر معتقدات الكبار هناك! وهنا قالوا: ﴿أَنصِتُوا﴾. وتلك بداية كل توفيق، وبداية الفرج. بمعنى أن إنصاتك للناس يجعلك تفهم ما عندهم، وتدرك أبعاد تفكيرهم، وتستبصر نواياهم، وتستخبر ما يريدون فعله. الإنصات مفتاح القلوب والعقول، والإنصات مصدر الإدراك الأول. قالوا: أنصتوا، لا مجرد اسمعوا.

﴿فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾. ما معنى هذا؟ مجرد الإنصات جعلهم ينطلقون إلى قومهم يبلغون الرسالة التي استمعوا إليها.

هل ننقل ما نسمع؟

وأعرض سؤالًا بسيطًا في الوسط: الناس الآن جالسون يهزّون رؤوسهم ومبسوطون، ما شاء الله، كلام جميل وترتيب وكذا؛ فمن منا إذا استمع إلى علمٍ نافع ينقل هذا الكلام إلى غيره، سواء إلى أهله، إلى بيته، إلى زوجته؟ كما كان يفعل أصحاب النبي ﷺ، كانوا إذا استمعوا إلى حديثه عادوا إلى بيوتهم ليعلّموا أزواجهم وزوجاتهم ما تلقّوه من رسول الله ﷺ. فحتى مجرد تصوّر الفكرة يحتاج أن ينتقل إلى الآخرين. ولا يشترط أن يكون البيت، وإنما من تلقّاه في حياتك وفي يومك.

والشاهد في الكلام: ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾. أتصوّر أن هذا مجرد تذكّر للأحداث التي سبقت. وسأطابق هذه الصورة مع آية ﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ التي رأيناها في المشهد الأول مع أخي عاد؛ فربّ العالمين سبحانه يرينا الصورة الأخرى: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾. ما معنى «مصدّقًا لما بين يديه»؟ أن الكلام متطابق. وكيف عرف أنه متطابق؟ لأنه مدرك لدلالات الرسالات السابقة. فهناك فارقٌ كبير بين شخصٍ جاهل اكتفى بما عنده من غرور ذاتي وتوقّف عند هذا الحد من الاستيعاب، وبين شخصٍ يستوعب تقلّب أنماط الحضارات: «يا عمي، بالراحة بس، افهم ما الذي حدث لمن سبقوك، لمن كانوا قبلك، حتى تستطيع أن تستنقذ دولتك أو أمتك أو مجتمعك، أو على الأقل تستنقذ نفسك، فلا تكن مع الهالكين كمن سبقوا من قبل». ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.

الذين استمعوا: إنس أم جن؟

الذين استمعوا للنبي ﷺ كانوا من الإنس أم من الجن؟ ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾. والخطاب القرآني الذي نتصوّره ونستقبله ونحن مهتمون به: أنحن إنس أم جن؟ نحن إنس. فلماذا يورد لنا ربّ العالمين سبحانه ذكر الجن هنا، ويذكرهم مرة أخرى في سورة الجن: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾؟ لماذا يورد لنا ربّ العالمين ذلك؟ اسمع: إن لم تجد أملًا فيمن حولك، فاعلم أن الله يبلغ رسالتك لمن وراءهم، لمن هم وراء إدراكك. عارف أن دعوتك تصل إلى من هم وراء الإدراك أصلًا؟ فكأن ربّ العالمين سبحانه يبشّر النبيَّ ﷺ أن دعوته سابقة إلى ما وراء الإدراك الحسي، فهناك عالمٌ آخر يمكن أن يستفيد منك.

والشاهد في الكلام: ابذل ما تستطيع، بقدر ما تستطيع، وبالأدوات التي بين يديك، واعلم أن الله منفّذٌ رسالتك إلى ما تدرك وما لا تدرك، إلى ما ترى وإلى ما وراء ما ترى؛ فربنا سبحانه وتعالى غالبٌ على أمره.

سبحان من هذا كلامه

الآيات تحمل معنا مجموعة رسائل. وكنت مستمتعًا جدًّا بالآيات الكريمات وهي تُتلى بهذه البساطة، وبهذا الترتيب الرباني للكلمات والجمل، وتذييل الآيات بالتعقيبات الإلهية. سبحان من كان هذا كلامه! سبحان من أنزل إلينا هذا الكتاب العظيم يعلّمنا ويربّينا ويُخشعنا ويؤدّبنا ويعظنا ويذكّرنا! سبحان من هذا كلامه يوقد فينا حسّ القلب والعقل والإدراك! سبحان من هذا كلامه يعيد إلينا ثقتنا بربنا وثقتنا بأنفسنا وقدرتنا على مزيد من العمل!

نسأله عز وجل أن يلهمنا ما أمر به رسوله في آخر السورة: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾. ونسأل الله تبارك وتعالى أن يرضينا وإياكم برضاه.

--- [1]: توثيق المحرر: سورة الأحقاف، الآية ٣٥. والآيات المذكورة بعدها من السورة نفسها: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ…﴾ الآية ٢١ وما بعدها (المحاورة وهلاك القوم في الآيات ٢٢–٢٥)، وخبر الجن في الآيات ٢٩–٣١. [2]: توثيق المحرر: سورة الكهف، الآية ٦. وقوله «قل أوحي إليّ أنه استمع نفر من الجن» من سورة الجن، الآية ١. وقد تعذّر بالتفريغ ضبط جملة «أنت جاء لتغيّر…» فنُقلت بمعناها كما وردت. وفي التفريغ نُقص في خاتمة الخاطرة (دعاء مبتور بعد «برضاه») فحُذف المبتور.

Comparte este artículo

Comentarios

Comparte un beneficio o una idea sobre el artículo; agradecemos tu opinión.

Aún no hay comentarios publicados. Sé el primero en comentar.

Esperamos que el artículo te haya sido de provecho, y agradecemos tu comentario y tu consejo.

Pregunta al Jeque