A
Dr. Ahmed Abouseif
Imams Academy
Tamaño
Volver a los artículos
Tafsīr orientado a los fines

﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: ولاية الله للمؤمنين

خاطرة الفجر | د. أحمد أبو سيف | 13 أغسطس 2024

Dr. Ahmed Abouseif•١٣ أغسطس ٢٠٢٤•5 min de lectura
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 13 أغسطس 2024م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

حيّاكم الله تعالى ورضي عنكم، وثبّتنا وإياكم على الهدى والخير، وأقام بنا وبكم دينه في أرضه. ونسأل الله تعالى أن يرزقنا نصرة القلوب على الشهوات، ونصرة العقول على الشبهات، ونصرة الأبدان على خذلان الشيطان. اللهم آمين.

وبعدُ، فمن ذلك قولُه تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾[1]. وولايةُ ربّ العالمين سبحانه للمؤمنين تحمل أبعادًا فائقةَ الروعة في تذوّقها، فائقةَ الأثر في وجودها.

ما معنى أن يكون لك وليٌّ؟

تصوّر أن لك من يتولّى أمورك ويتكفّل بك، فلا يخطر ببالك شيء إلا وقد أُعدّ لك، ولا تريد شيئًا إلا وقد صار بين يديك. لك وليٌّ يقوم على شأنك، ويدبّر أمورك، ويقضي حاجتك؛ تستغيث به في وقت الضيق، وتستنصر به على كل شدة، فلا تقوم لك في الحياة غايةٌ ولا مرادٌ إلا وهو المسؤول الأول عنها.

فما مواصفات هؤلاء المؤمنين الذين لهم هذا الوليّ؟ لا توجد ولايةٌ لله تبارك وتعالى تحقّق هذه الأغراض كلها إلا إذا توفّر الشرط الذي اشترطه رب العالمين، وهو الإيمان؛ ثم يأتي بعد الآية ضمانُ أن الله تعالى يخرجهم من الظلمات إلى النور. وكلمة «الظلمات» ربما حوت ظلمات الشرك، وظلمات الجهل، وظلمات النفوس المظلمة، وسائر أنواع الظلمات.

ثلاثة نماذج في السياق

ما مواصفات أهل الإيمان المكفولين بهذه الولاية؟ يضرب الله تعالى لنا في هذا السياق ثلاثة نماذج تقريبًا:

الأول: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾. والثاني: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾. والثالث: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ…﴾.

فما المراد من هذه القصص الثلاث؟

النموذج الأول: بذل الروح

المسألة مرتبطة بإبراهيم عليه الصلاة والسلام، الذي حقّق منتهى البذل والإنفاق المقصودَ في الآية السابقة. وأحيانًا نحتاج أن يكون المصحف في أيدينا لنربط بين الآيات؛ فالآية السابقة هي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ ۗ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. وبعدها آيةُ الكرسي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.

وأتساءل: ما وجهُ وجود آية الكرسي بعد آية الإنفاق؟ كأن ربّ العالمين يقول: أنفقوا. وكأن الذي سيعطي سيخاف: يخاف غلبة الدَّين وقهر الرجال، ويخاف سبقَ الأيام ومستقبلَ العيال، ويخاف من المعاتبة التي سيلقاها في البيت إذا رجع بعد أن أخرج ماله. فإذا برب العزة سبحانه يجيبه: لا، لا تخف، لأن الذي يكفل أمرك هو الله. وشرحُ آية الكرسي يستوجب وقتًا طويلًا، ولكن بتتبّع المواصفات الموجودة فيها كأن ربّ العزة يعطيك علاجًا قويًّا ودفعةً قوية جدًّا، لأنها تمنحك ثقةً بالله الذي لا إله إلا هو: إذا أراد أن يرزقك فلن يأتي أحد آخر فيقول: لا. ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾، فلا يغفل عنك لحظةً فيضيع مستقبلك أو مستقبل عيالك. ثم إنه الغنيّ سبحانه: ﴿لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. ثم إنه يفعل ما يشاء ولا يغلبه أحد على مراده: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. فتصرفاته ليست صادرةً عن جهل، والعياذ بالله، وإنما هو سبحانه بعلمه وإحاطته بالأسباب يعلم إذا أعطيتَ كيف سيرزقك، وكيف سيفتح لك بابًا، وكيف سيسخّر لك عبدًا، وكيف ستصير الأمور بين يديك سبحانه وتعالى.

والشاهد أن الله تبارك وتعالى علّم أهلَ الإيمان قضيةَ الإنفاق. فلا يزال الكلام عن الذين آمنوا، ثم تأتي: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾. فما وجهُ ارتباط هذه الآية بما سبق؟

زعمنا أن إبراهيم كان أول من أعطى. أعطى ماذا؟ الآية ليس فيها عطاءٌ ماليٌّ خالص، ليس فيها مال ولا فلوس، ولم يقع فيها شيء مادي ظاهر. لكن الذي أعطاه إبراهيم هنا أكملُ وأعظمُ وأشملُ من كل عطاء ماديٍّ محسوس. فماذا أعطى؟ أعطى روحَه. أعطى روحه بين يدي ظالمٍ متجبّر، بين يدي حاكمٍ باغٍ، بين يدي من يريد أن يتعدّى على القدرة الإلهية وينصّب نفسه إلهًا. وقف إبراهيم عليه السلام بين يدي هذا ليقول له: قِف هنا. فكان إبراهيم عليه السلام يمثّل النموذج الأول للعطاء، لكن في جانب الحياة والروح. ولذلك قال نبيّنا ﷺ إن من أعظم الجهاد كلمةَ حقٍّ تُقال عند سلطانٍ جائر[2].

النموذج الثاني: الشبهة التي تعتري العقل

ثم النموذج الثاني: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ﴾. فما الذي في هذه الحكاية؟ تقول لنا إن عندنا شبهةً قد تعتري العقل الإنساني. فإذا برب العالمين، الذي هو وليّ الذين آمنوا، والذي هو ﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾، إذا أردتَ لنفسك خيرًا وأراد الله لك الخير ذاتَه، سبحانه، وأعظمَ منه، فإنه يثبّتك إيمانيًّا؛ يعطيك من التجربة ما تثبت به مراحلُ الإيمان في قلبك ويتيقّن به عقلُك.

وتنبّه، فسبحان الخلّاق العليم: أحيانًا يكون أحدُنا أمام نوعٍ من الإنفاق فيمسك، ثم في صباح اليوم التالي تُصاب سيارته بحادث وهو في مشوار، أو تأتيه مطالبة من الضرائب، أو أمر من هذا القبيل، فيقول: من أين جاء هذا؟ وهذا تذكير: ربّ العالمين يُريك أنك إذا لم تُعطِ هنا فقد يؤخذ منك هناك. والعطاء هنا اختياري ويترتب عليه الثواب، أما الأخذ هناك فإجباري، ربنا يعافيك. وأحيانًا تكون الجهات القوية مُفتريةً في الأخذ منك. سبحان الخلّاق العليم.

النموذج الثالث: طلب مزيد من اليقين

ثم نأتي إلى إبراهيم عليه السلام وقصةِ الذي يمرّ على القرية فأماته الله مئة عام ثم بعثه. والعلاقة بينهما في القصة الثالثة، باختصار: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن﴾.

أليس هذا إبراهيم نفسَه الذي كان واقفًا أمام الرجل قبل قليل يقول له: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾، و﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ﴾؟ أهو إبراهيم نفسُه أم إبراهيم آخر؟ هو هو نفسه. فما الذي حصل؟ الذي حصل أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لا يزال يريد أن يستكمل الإيمان في قلبه ويستجلب له مزيدًا، ليكون أقوى مما كان بالأمس، وليكون أقوى في أداء الدعوة وبذل العطاء لربّ العالمين سبحانه وتعالى.

ترى، هل هذا مفهوم مقبول، أن نقول إن إبراهيم كان لا يزال يلتمس مزيدًا من القوة الإيمانية حتى يتحدّى هؤلاء الأفراد؟ ولا نذهب بعيدًا: ألم يربّ اللهُ عز وجل نبيَّه ﷺ على قيام الليل: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، و﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾[3]؟ فعندك في النهار ﴿سَبْحًا طَوِيلًا﴾؛ أعمالٌ كثيرة جدًّا، ناسٌ تبيع وتشتري وتنزل وتبني وتتحرك، وجهدٌ كبير جدًّا، وهذا الجهد لا يقوى عليه إلا أصحاب الليل، أصحاب القيام، أصحاب الناشئة. ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾. فقضيةُ التماس المؤمن مزيدًا من اليقين القلبي مسألةٌ مفروغ منها.

وبين يدي النبي ﷺ يأمره الله عز وجل، في آخر السورة: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ…﴾ إلى قوله: ﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ۚ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰ…﴾ إلى آخر الآيات.

أسأل الله تبارك وتعالى أن يلهمنا الرشد، وأن يفطّننا لدلالات الآيات، وأن يحفظ علينا أبداننا وقلوبنا وعقولنا ساعيةً في سبيله، مبتغيةً مرضاته سبحانه وتعالى. أسأل الله أن يثبّتنا وإياكم، وأن يهدينا وإياكم، وأن يرضينا وإياكم. وأسأله جبرَ خواطر إخواننا في فلسطين: اللهم اجبر خواطرهم يا رب، اللهم يسّر ما بين أيديهم، اقضِ حاجتهم، بلّغهم مرادهم، اللهم ثبّت الأرض من تحت أقدامهم، تغمّدهم برحمتك، واشملهم بعفوك، وأنزل عليهم سكينتك يا أرحم الراحمين، واهبط على قلوبهم يا منّان يا ذا الجلال والإكرام. اللهم أقمهم على مرادك فيهم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. جزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

--- [1]: توثيق المحرر: البقرة، الآية 257. والآيات التي بعدها في السياق نفسه: 258 (الذي حاجّ إبراهيم)، 259 (الذي مرّ على قرية)، 260 (طلب إبراهيم رؤية إحياء الموتى)؛ وآية الإنفاق 254، وآية الكرسي 255. [2]: توثيق المحرر: الحديث بهذا المعنى في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه، وساقه المتحدث بالمعنى. وفي التفريغ اضطراب في بعض ألفاظ الجملة. [3]: توثيق المحرر: المزمل، الآيات 2 و6 و7 و20. وتتمة آية 260 من البقرة: ﴿قَلْبِي﴾، لم ينطق بها المتحدث.

Comparte este artículo

Comentarios

Comparte un beneficio o una idea sobre el artículo; agradecemos tu opinión.

Aún no hay comentarios publicados. Sé el primero en comentar.

Esperamos que el artículo te haya sido de provecho, y agradecemos tu comentario y tu consejo.

Pregunta al Jeque