العهد الأول والطمس والمسخ والتنكيس في خواتيم سورة يس
العهد الأول والطمس والمسخ والتنكيس في خواتيم سورة يس
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 11 يوليو 2026م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
دعا الشيخ في مطلع الخاطرة: يا رب العالمين، تجاوز عن سيئاتنا وخطايانا، وارحم بين يديك ضعفنا، وأقِل عثراتنا، ويسِّر أمورنا، ودبِّر ما بين أيدينا، واقضِ حوائجنا. اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا ولا إلى أحد من خلقك، وتفضّل علينا وارحم ضعفنا.
تحذير مباشر لمن خالف العهد
في الآيات المباركات من سورة يس يقول ربنا سبحانه: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ * وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَىٰ مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ﴾[1]. وكأنه سبحانه يقدّم تحذيرًا مباشرًا جدًّا لمن خالفوا العهد. فقد قال قبلها: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾[2]، فجمع لنا مجامع الحجة كلها، وليس لأحد بعد ذلك عذر.
عهد قبل أن نعقل
فهناك عهد بين البشرية وربها سبحانه وتعالى، يقول ربنا عز وجل: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ﴾[3]. عهدٌ أخذه رب العالمين على الناس قبل أن يعقلوا، قبل أن يوجدوا، قبل أن يفطنوا.
ولكن أيكون العهد من غير عاقل؟ أيكون العهد بين طرفين أحدهما لا يدرك ما يفعل؟ هل هذا عهد؟ الأصل أن الجواب: لا. فكيف تُؤوَّل الآية، وكيف ننظر إليها؟ إن الذي قدر على أن يجمع هؤلاء الناس قدر على أن يجعل فيهم حسَّهم وإدراكهم، والذي قدر على أن يُخرج من صلب آدم هذه الذرية ويقول لها: ألستُ بربكم، قدر سبحانه على أن يمنحها القدرة على الاختيار.
ثم إن في الآية بُعدًا أكبر: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ﴾، والذي يشهد مدرِكٌ لأبعاد ما يشهد به، مدرِكٌ لما يترتب على هذه الشهادة. وجوابهم ﴿بَلَىٰ﴾ جوابٌ منطقي عن ذلك السؤال: بلى، أنت ربنا، لا إله لنا سواك. فما الذي حصل بعد ذلك؟ يقول النبي ﷺ: كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه[4]. أي أن ثمة بيئة تأتي بعد ذلك لتقول كلمتها، ولتُخرج هذا الإنسان عن أصل فطرته إلى كينونة أخرى وعقل مختلف.
كل مغرور بما بين يديه
وهنا يقول لنا ربنا تحذيرًا مباشرًا: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ﴾. فكل واحد منا يرى الدنيا ويحسّ أنه المعلِّم الكبير الذي يفعل ما لا يدركه غيره. أنا وحدي، أنا الوحيد الذي أفهم، أنا الذي أستطيع، أنا الذي أجمع هذه الأموال بيدي، ولي هذا النفوذ وهذا السلطان. وكل مغرور بما بين يديه، يستشعر في ذاته قوة ترفعه عن مستوى العبودية إلى ما يقارب مستوى الألوهية، إن لم يكن قد تجاوزه، كما قال ذلك الأحمق يومًا: أنا ربكم الأعلى.
فيحدّثني ربي سبحانه بقوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ﴾. تخيّل جماعةً تمشي، وكلهم أصحاب بصر، وكلٌّ منهم مدرك لما يفعل؛ هذا في تجارته، وذاك له شأن في أسواق المال، وكل واحد ماشٍ في الطريق يستعرض قوته المادية. فإذا برب العالمين سبحانه يطمس على هذه الأعين، فيصطدم بعضهم ببعض، وكأنهم عميان يتخبطون، نسأل الله السلامة. فكيف تتصوّر حال هؤلاء الناس بأزيائهم وثيابهم وفخامتهم وجاههم، ثم يحصل لهم هذا، فيتعثر بعضهم في بعض؟ كيف تتصوّر هذا المشهد؟ لا يدرك أحد لنفسه سبيلًا، ولا يجد لها مخرجًا، ولا يحسن أن يتخيّر طعامًا، ولا أن ينقذ نفسه بكوب من الماء، ولا يدري أين يأخذه المسير. تخيّل أنهم لا يقدرون على تناول أحذيتهم من الأرض وقد طُمس على أعينهم، فضلًا عن أن يرتدي أحدهم ثيابه، فضلًا عن أن يهتدي إلى أهله أو عائلته أو أمواله أو تدبير أحواله. المسألة صعبة جدًّا. ومع ذلك قد يقول أحدنا: لا تقلق عليّ، أنا عارف. فإذا برب العالمين سبحانه يحدّثني: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَىٰ مَكَانَتِهِمْ﴾.
المسخ والعمى
المسخ هو قلب الشيء عن أصله إلى ما هو دونه. وحين قال رب العالمين سبحانه لأولئك الآخرين: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾[5] مسخهم فجعلهم قردة خاسئين. فيقول سبحانه: ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ﴾. يعني إذا كان الإنسان في حال عمى فإنه يتحسّس طريقه، وقد يخطو خطوتين، لكنّ المرحلة التالية أنه سبحانه يستطيع أن يوقفه تمامًا.
ومن نعمّره ننكّسه في الخلق
ثم يأتي قوله: ﴿وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾[6]. فما وجه الارتباط بين الآيات؟ القرآن يحذّر هؤلاء الناس من المبالغة في شأن أنفسهم: لا تتفخّم ذاتك، إياك أن تغتر بنفسك، لا تقل: أنا فلان. ويهدّدهم بهذا. فما علاقة التعمير والتنكيس؟ المراد: من نبسط له في رزق الدنيا وفي الحياة وفي الأعمار ننكّسه. والعلاقة أن كل إنسان في هذه الأرض لا يتمنى شيئًا أكثر من أن يبقى في الحياة أطول؛ كلنا نريد أن نعيش إلى الأبد، مئة سنة ونحن نمشي على أقدامنا. لكن ربي سبحانه يبيّن لنا حقيقة مهمة: أنه مع طول البقاء تحصل انتكاسة إلى الوراء.
أو يكون الرابط أن أمر المسخ أمرٌ مشاهَد على مسامع الناس ومرأى منهم ليلًا ونهارًا. تخيّل رجلًا شديدًا في قوته، يفعل ما يشاء، يتحرك بمنتهى البساطة ويتخذ قراراته، ثم يُعمَّر، فإذا بذلك الظهر الصلب القوي ينحني، وإذا به كان يسعى في الأرض ويضرب فيها، فتأتي عليه مرحلة لا يستطيع فيها أن يكدّ؛ وبدل أن كان يسير على قدمين يسير على ثلاث، وربما على أربع. أيُّ مشهد هذا! اللهم إنا نسألك أن تميتنا غير محتاجين، لا إلى أنفسنا ولا إلى أحد من الناس يا رب العالمين، ونسألك أن تبسط لنا القوة إلى أن نلقاك، وأن تجعلها في سبيلك سبحانه.
فإذا برب العالمين يقول: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. أما ترى الصورة أمامك؟ فافهم إذن.
ما المطلوب؟
المطلوب ليس شيئًا غير أن توفي بما عاهدت الله عليه. وما الذي عاهدتَ الله عليه؟ يقول سبحانه في سورة التغابن: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾[7]. ليس مطلوبًا منك أكثر من أن تبقى على الإسلام الذي أراده رب العالمين سبحانه، فاحفظه.
إلهام الدعاء رحمة
وسبحان الله القدير، عندما يُلهَم الإنسان الدعاء في موقف كهذا، فليس ذلك مرتبًا على أنك تدعو في الصلاة أو تفعل كذا، بل أن تُلهَم الدعاء، أو أن تسير في طريق فتنظر إلى رجل فيذكّرك بالله فتدعو الله تبارك وتعالى، أو أن تقع بك حاجة فتدعوه. إلهام الدعاء في ذاته رحمة من رب العالمين. تقول كلمتين وتنتهي، لكن أين أثرهما في حياتك؟ ربما بسط الله لك الرزق في عيالك، وربما مهّد لك في عافيتك، وربما ألهمك الرشد في قرارك، وربما سخّر لك من خلقه من يعينك. لا تدري أين فرج الله تعالى ولا متى. فاستمسكوا بما أوتيتم من الهداية.
خيرة الخلق
وعندما نحدّث الناس الذين أتوا إلى صلاة الفجر، فإنما نحدّث خيرة الخلق، الذين اختصهم الله للمثول بين يديه في هذا المقام والناس نيام. أنت خيرٌ من ذلك الذي نام عن مقصده، والذي نام خيرٌ من الذي أفسد في الأرض وتحرّك فيها. فأنت خلاصة خلق الله في الأرض، فكونوا عند ظنّ رب العالمين سبحانه بكم.
--- [1]: توثيق المحرر: سورة يس، الآيتان ٦٦ و٦٧. [2]: توثيق المحرر: سورة يس، الآية ٦٠. [3]: توثيق المحرر: سورة الأعراف، الآية ١٧٢. [4]: توثيق المحرر: الحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، والمتن هنا بحسب إيراد المتحدث. [5]: توثيق المحرر: ورد هذا اللفظ في سورتي البقرة (٦٥) والأعراف (١٦٦). [6]: توثيق المحرر: سورة يس، الآية ٦٨، وفيها قراءتان: «تعقلون» بالتاء و«يعقلون» بالياء، وقد أورد المتحدث الأولى. [7]: توثيق المحرر: سورة التغابن، الآية ٢.
Comentarios
Comparte un beneficio o una idea sobre el artículo; agradecemos tu opinión.
Aún no hay comentarios publicados. Sé el primero en comentar.