معالم الهداية في سورة الحجرات
خاطرة [ معالم الهداية في سورة الحجرات ] — د. أحمد أبو سيف
المناسبة: تفريغ خاطرة أُلقيت بتاريخ 21 يونيو 2019م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
وعدنا أن نتحدث عن سورة الحجرات، وأن ننظر في معالم الهداية فيها. والمعالم مَنارات على الطريق؛ فأنت تسير في الطريق فتلقى لافتةً تقول لك: ادخل يمينًا، وأخرى تقول: اتجه يسارًا، وثالثةً تقول: هذا الشارع مغلق، ورابعةً: اتجاه واحد. هذه الدلالات تعين على سلامة الوصول؛ الالتزام بها يؤدي إلى وصول آمن، والإخلال بها قد يؤدي إلى الهلاك. هذا في السير والحركة، فإذا انتقلنا إلى حركة المجتمعات وجدنا ربّ العزة سبحانه يضع لنا معالم للهداية، من سار خلفها نجا.
الطريق المستقيم والخطوط الجانبية
كان النبي ﷺ يجلس يومًا وسط أصحابه، فخطّ لهم خطًّا وبيّن أن هذا هو الطريق إلى الله، الطريق المستقيم، ثم رسم على جانبيه عددًا من الخطوط الفرعية، وقال إن على رأس كل خط منها شيطانًا. فمن خرج من الطريق كأنما يناديه شيطان: تعالَ، اخرج من عندي من هذا الباب. فعندك باب الشهوة وعلى رأسه شيطان، وباب المال، وباب السلطة، وباب حبّ التملّك للأشياء؛ أبواب فتنةٍ بكل ما فيها: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾[1]. فالنبي ﷺ يدلّنا على أن للطريق المستقيم معالم؛ من سار فيه نجا، ومن خرج عن أصله وقعت له الغواية. وفي سورة الحجرات مجموعة من المعالم التي تدلّنا على كيفية الوصول إلى ما يرضي الله تبارك وتعالى.
آداب فردية وآداب مجتمعية
الملفت في هذه السورة الكريمة أنها تخاطب المجتمع. عندنا أخلاقيات فردية، وعندنا أخلاقيات مجتمعية، وقد يكون الأدب الواحد فرديًّا ومجتمعيًّا في الوقت نفسه. اسمع قول الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾[2]؛ هنا التوبة فردية، كلّ واحد يتوب بينه وبين نفسه من أخطاء فردية. ثم اسمع: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ﴾[3]؛ هنا انتقلنا إلى الجمع، إلى توبة مجتمع. فهناك من يكذب فنقول له: لا تكذب، وهناك من يمدّ يده إلى ما ليس له فنقول له: لا تفعل. لكن إذا انتقلت الآفة إلى أكثر من فرد وصارت ظاهرة متفشّية، فقد انتقلنا من الخطأ الفردي إلى الخطأ المجتمعي.
السلبية مرضٌ مجتمعي
ومن ذلك السلبية في المجتمع. كنت أقرأ بعد الفجر قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾[4]. الملائكة جاءت تأخذهم وهم ظالمون لأنفسهم، فسألتهم: ما الذي غرّكم في هذه المعاصي كلها؟ فقالوا: كنا مستضعفين، فعلنا ذلك رغمًا عنا. كيف؟ كنا نأخذ الرشوة لأن الناس كلها تفعل ذلك، وكنا نتفرّج على الفواحش لأن الناس كلها تفعل ذلك، وكنا ندخّن لأن الناس كلها تفعل ذلك. أو قالوا: كنا لا نجرؤ على قول الحق، ولا نستطيع أن نتكلم بالخير، ولا يجرؤ أحدنا أن يشهد بكذا. فتردّ عليهم الملائكة: ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها؟
علّمني القرآن الكريم في هذا المقطع كيف تكون محاربة السلبية، وأنها مرض يستوجب العقاب؛ فربّ العالمين يشدّد على هؤلاء العقاب تشديدًا، ومأواهم النار والعياذ بالله. ماذا فعلوا؟ كانوا سلبيين. والسلبية في ذاتها أن تقعد وتغلق على نفسك الباب وتترك الدنيا تحترق؛ وهذه جريمة في ذاتها. وقد حثّنا النبي ﷺ على خلاف ذلك، فنهى أن يكون أحدنا تابعًا لغيره، يحسن إن أحسن الناس ويسيء إن أساؤوا، وأمرنا أن نوطّن أنفسنا؛ أي أن يكون لك أنت موقف: إذا رأيت الخير وأدركت أنه خير سرتَ معه، وإذا أدركت الشرّ توقّفتَ عنه، ولو لم يفعل ذلك بعض الناس.
فالشاهد أن السورة تعالج معنا مجموعة أمراض مجتمعية، ويخاطب ربّ العالمين الناس فيها بلغة الخطاب المجتمعي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. وهو خطاب لأمة مؤمنة، والأصل في الأمة المؤمنة أنها أمة متحضّرة، ترتقي إلى معالي الكمال وتجتهد في بلوغه. فإذا حذّر الله تعالى من مرض وخاطب به المؤمنين، فلنعلم أنه مما يهدم الحضارة في المجتمعات؛ ليس مجرّد سيئة تترتّب عليه، بل ينهدم به بنيان المجتمع.
بين سورة الفتح وسورة الحجرات
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾[5]. وقد تعلّمنا معًا أننا في التفسير لا بدّ أن نربط السورة بما قبلها. والذي قبل الحجرات سورة الفتح، وقد قال الله عز وجل في أواخرها: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾[6]. وفيها إشارة إلى أن بلوغ المقاصد بيد الله، وأنه سبحانه معطٍ ما وعد. أليس ربنا قد وعد: ﴿لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾[7]؟ وعد أن ينصر جنده، وأن جند الله هم الغالبون، ووعد أن ينصر المؤمنين. فقضية الانتصارات متعلقة بالله، وليس المطلوب منك إلا أن تكون مستعدًّا وجاهزًا.
وأضرب لك مثالًا: الطالب الصغير يذهب إلى المدرسة؛ توصيل المعلومة لهذا الطفل مهمة المدرس لا مهمة الطالب. لكن المدرس لن يشرح لطالبٍ غائب؛ من لم يحضر الفصل أصلًا ماذا يشرح له؟ كذلك المؤمن المتغيّب عن معالم التقدّم لا يسأل الله شيئًا من هذه الإنجازات؛ فالله عز وجل ينجز وعده لمن وجد منه الاستعداد، ويعطي ما وعد لمن مدّ يده ليتلقّى. أما الذين جلسوا في بيوتهم وقعدوا عن العمل الدعوي الحركي فلا ينتظروا من الله تبارك وتعالى تحقيق ما وعد.
وبعد هذه الآية يصف الله عز وجل المجتمع كما ينبغي أن يكون إذا مكّن الله له: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ﴾[8]. هم الذين يتّبعون الرسول، وصفاتهم: يحافظون على الجبهة الخارجية بمنتهى العزة، أما الجبهة الداخلية فليّنة طرية، لا مشاكل بيننا؛ قلتَ لي كلمة لا أغضب منك، وصدر منك موقف أتجاوزه، فما في جيبك لي وما عندي لك، لا فرق: «رحماء بينهم». وتراهم منتظمين في سلك العبادة، لا يخرمونه، لأن العبادة عامل مساعد على مزيد من التراحم بيننا. ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ﴾، لا يريدون أحدًا غيره، فقلوبهم متعلقة بالله، وهم منتظمون في العبادة، وقلوبهم وعقولهم تتفهم متغيّرات الواقع وما يمكن أن يستجدّ فيه. ناس متحضّرون، يفهمون على مستوى عالٍ جدًّا.
الأمر الأول: ﴿لَا تُقَدِّمُوا﴾
هنا يأمر الله تبارك وتعالى بالأمر الأول في سورة الحجرات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. والخطاب مستمر من قبل؛ فقد وعد اللهُ الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرًا عظيمًا[9]. فهؤلاء المؤمنون الذين نالوا الثواب لتوّهم، ما المطلوب منهم؟ ألّا يقدّموا بين يدي الله ورسوله.
أفي الأمة من يتفوّق إيمانه على إيمان أبي بكر رضي الله عنه؟ لا، وقد رُوي في ذلك أنه لو وُزن إيمان الأمة وإيمان أبي بكر لرجح إيمانه. اتفقنا. ومع ذلك حصل يومًا موقف أراد فيه النبي ﷺ أن يرسل واحدًا من أصحابه يعظ الناس، فقال أبو بكر الصديق: ابعث فلانًا، وقال عمر بن الخطاب: بل ابعث فلانًا، فتجادلا، إن صحّت الرواية[10]. ويقولون إن هذا سبب نزول هذه الآيات: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾؛ فإذا اختار النبي عليه الصلاة والسلام فلا أحد يتكلم.
وهل الآية خاصة بهذا الميدان، إذا اختار النبي ﷺ شخصًا أو عيّن شيئًا؟ لا، بل هي في قضية الاتباع كلها.
سلّم الأحبّة: من الزميل إلى رسول الله ﷺ
وأقرّب لك الأمر بمثال. لو أنك تريد أن تفعل شيئًا، وطلب منك زميل في العمل أن تفعل شيئًا آخر، فهل يلزمك أن تسمع كلامه؟ تقول له: لا، وانتهى الأمر. فإن كان صاحبك، تفكّر في المسألة. فإن كان صديقك الحميم، القريب منك، فهل تترك ما في يدك وتلبّي رغبته؟ إنك تفعل ذلك لأن بينك وبينه علاقة وقلبًا متصلًا. فإن كان أباك، فلا كلام بعد ذلك؛ انتقلنا إلى مرتبة أخرى هي الأبوّة، أو الأمومة. فإن كان النبي عليه الصلاة والسلام، وله رغبة ساقها منهجًا، ولك أنت رغبة، فأيّهما تقدّم؟
نحن نقول: اتبعوا النبي ﷺ فهو القدوة والأسوة، وهذا كلام جميل نظري، لكن إذا تصورنا الموقف بمثال اقترب إلى الذهن. واحد يقول لك: تعال نشرب قهوة، فتقول: والله لا أريد، فيقول: تعال معي، فتذهب معه لأنه صاحبك وتعرف أنه يريد ذلك، وإن كان على غير هواك. فإن كان صديقك القوي جدًّا، فستُفضّل ما يريده حتى لو لم تكن تحب ما يريد. فإن كان أبًا أو أمًّا؟ فإن كان النبي عليه الصلاة والسلام؟ فإن كان الله سبحانه وتعالى؟ انتبهوا لهذا التسلسل؛ فإذا فهمناه استوعبنا معنى ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: ما من أمر يأمر الله تعالى به أو يأمر به رسوله ﷺ إلا وهو مقدَّم على كل أمر في حياتنا، حتى لو كان على عكس رغباتنا الشخصية.
مثال أول: صلاة الجماعة
لنطبّق هذا على صلاة الجماعة. حضّنا النبي ﷺ أن نصلي صلواتنا في جماعة، ووعدنا أن صلاة الجماعة تعدل صلاة الفذّ بسبع وعشرين درجة، وفي روايات بأعداد أقل من ذلك. ومشايخنا الكرام يقولون في هذا التفاوت: إنما يحقق الله للعبد من الثواب على قدر خشوعه في صلاته؛ فعلى قدر ما تدخل في عمق الصلاة يزيد ثوابك، على حسب ذلك.
حسنًا، يأمر النبي ﷺ بصلاة الجماعة، وأنا أريد أن أصلي في البيت. وأنت في البيت، فيتصل بك صديقك: تعال نخرج نشرب شايًا، أو نذهب في مشوار، أو أريد أن أشتري شيئًا فتعال معي؛ فتقوم وتلبس وتخرج معه. فإذا كانت رغبة النبي ﷺ أن تخرج من بيتك الآن لتؤدي الصلاة في المسجد، تقول: لا، لكن الصلاة كثيرة جدًّا! أهي كثيرة؟ خمس مرات كل يوم. والله لو أن لك شخصًا تحبه حبًّا عظيمًا وناداك مائة مرة في اليوم، لسقتَ وراءه، وخرجتَ معه، واتبعتَ هواه، وآثرتَ رغباته على رغباتك الشخصية. فما بالك إذا كان المنادي رسول الله ﷺ؟
والصحابة كانوا يتبعون هذا المنهج اتباعًا فائقًا في التصور. يقول واحد منهم: والله ما كان أحدنا يقعد عن صلاة الجماعة أبدًا، حتى إنك لترى الرجل المريض يتهادى بين رجلين[11]. صاحبه يخرج مبكرًا ليمرّ عليه، لأنه لا يقدر على القيام وحده، ويسنده ويمشيان معًا لصلاة الفجر، حتى إذا قام في الصف كان شيئًا لم يكن. الله أكبر! كأنه انتقل إلى عالم آخر، عنده إحساس بما يفعل. هذا الالتزام من مريضٍ عليل وفيه نفس يتحرك.
ولذلك لما كان الأمر من الخطورة بمكان جاءنا عن النبي ﷺ أنه همّ أن يأمر رجلًا فيصلي بالناس، ثم يخرج إلى قوم تخلّفوا عن صلاة الجماعة فيحرّق عليهم بيوتهم. ينبغي أن تخرج من ظلٍّ اخترتَه أنت إلى ظلٍّ اختاره الله، ومن غرفة حددتَ معالمها أنت إلى بيت أنزل الله فيه بركاته، في المسجد، في بيت الله تبارك وتعالى الذي تقام فيه الصلاة. وهذا مجرّد مثال.
مثال ثانٍ: المخطوبة وحبّ الله
دعونا نتكلم عن النساء. فتاة خطبها شابّ، فقال لها: لا يعجبني أن شعرك مكشوف، فأنا أغار عليك. فتقول: حاضر، وتضع غطاء الرأس. حبّها له يجعلها تنتظم على الخط الذي يريده لها، دون نقاش. فإذا كانت تحب شخصًا لهذه الدرجة، تستجيب لما يحدّثها به وما يمليه عليها، فما بالك إذا كان الأمر لله؟ وفي إطار هذا الفهم نتصور قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾[12]. وقد تكون لها رغبة في أن تُظهر زينتها للناس؛ لكن إذا كان الأمر لله فينبغي أن يكون الموقف مختلفًا.
مثال ثالث: الصدق في البيع والشراء
وبمنتهى البساطة في تصوراتنا لأعمالنا: يأمرنا النبي ﷺ بأمر الله تبارك وتعالى بالصدق، لكنك لو كذبتَ في البيع والشراء ربحتَ أكثر. تقول للمشتري: هذا أجود نوع في السوق، وهو في الحقيقة لا يساوي إلا جزءًا يسيرًا مما طلبتَ فيه، فتأخذ فرقًا كبيرًا بهذه الكذبة. ولو بعتَه على نوعه الحقيقي لكان ربحك أقل. فقد يحقق الإنسان نفعًا ماديًّا أكبر مما يحققه بالصدق. لكن النبي عليه الصلاة والسلام يقول لك: خذ بالك، «عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البرّ، وإن البرّ يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدُق ويتحرّى الصدق حتى يُكتب عند الله صدّيقًا. وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار»[13]، ثم ذكر أن الرجل لا يزال يكذب ويتحرّى الكذب.
انظر إلى هذه النقلة الكبيرة: الصدق يهدي إلى البرّ فتحسّ أن الأمر يسير بشكل طبيعي، لكن الكذب يؤدي إلى الفجور؟ هذا مخيف. وهو كذلك لأنه يبدأ بكذبة نسمّيها في الأول بيضاء، نضحك على أنفسنا، ثم تبدأ البيضة تسودّ، فإذا اسودّت صار الأمر طينًا على رأس الكاذب. ومن تعوّد الكذب لا يعرف أن يرجع بسهولة، لأنه انغمس في هذا الشر والعياذ بالله. وتأمّل الجملة: «يتحرّى الصدق»؛ يبحث عن الصدق قبل أن يقول: أهذا صواب أم خطأ؟ وفي المقابل «يتحرّى الكذب»؛ يدور على الكذب ويجري وراءه.
فيكون المنهج: أتّبع ما يأمر به النبي ﷺ، ويكون ذلك عندي مقدَّمًا على كل شيء. هذا هو معنى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
الميزان في القلب لا في المسطرة
نحن لا نسير بكتاب وورقة وقلم. المهندسون يقولون لك: هذه القطعة بهذه الزاوية وهذه المسطرة، ويمشون بالقلم والمسطرة. أما أنا فعندي قلب متعلق بالله، في مراقبة الله تبارك وتعالى، قلب يزن الأمور في صدقها وكذبها. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام للرجل: «استفتِ قلبك»، و«الإثم ما حاك في صدرك وكرهتَ أن يطّلع عليه الناس». فالميزان الدقيق موجود في القلب، وليس عندك قلم ومسطرة. ولذلك قد يجوز الأمر لرجل ولا يجوز لغيره، وقد يحرم على امرئ ولا يحرم على الثاني. وهذا لا يكون في المحرمات الثابتة ولا في الفرائض، بل في الأمور التي بين بين، من المباحات.
ونختم بمثال الأكل، لأن الوقت قد دخل. أهو حلال أم حرام؟ الجوابان ليسا جيدين؛ فإنك تتخيل أن الأحكام الخمسة تنطبق على الأكل: فقد يكون فرضًا، وقد يكون مندوبًا، وقد يكون مباحًا، وقد يكون مكروهًا، وقد يكون حرامًا. تخيّل لقمة لو أكلها رجل به مرض ما قتلته؛ فالأكل في حقه حرام، لأنه قاتل له، وإن كان الطعام في ذاته حلالًا. ورجل مصاب بالسكري، نسأل الله العافية، وارتفع عنده السكر، ولو تناول هذا الطعام لدخل في غيبوبة؛ فأنت تمنعه عنه وتخبّئه، لأن تناوله حرام عليه إذ سيؤدي إلى ما لا تحمد عقباه. وفي المقابل واحد لا يقدر على القيام من الجوع، وهذا الجوع يؤثر في حياته، فالأكل في حقه فرض لا بدّ أن يتناوله في هذا الوقت. وإن كان بإرادة منه من غير داعٍ أقوى وأشدّ، فبين ذلك أحكام أخرى: واحد يتغدى فيأكل أرغفة كثيرة، فهذا في المفترض مكروه. وآخر يتناول لقمة يكون الطعام في حقه مندوبًا: إذا كنت في ضيافة شخص وعرض عليك طعامًا لا يؤذيك، فمن المندوب أن تلبّي رغبة أخيك المسلم وتستجيب له.
خلاصة القول
ولنختصر ما قلناه في قضية ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: لو أن المجتمع كله التزم ما يأمر به الله ويأمر به رسوله ﷺ، لوجدنا المجتمع كله مستقيمًا. وقرأتُ اليوم عبارة جميلة جدًّا لأحد المشايخ[14]، يقول فيها: لماذا استقام خطّ المسلمين؟ لأن كل واحد منهم بدأ بنفسه فاستقام الخط. فتخيّل استقامة الخط حين يتبع الناس قول: استقيموا يرحمكم الله؛ استقيموا في الأمانة، استقيموا في الصدق. فيستقيم المجتمع باتباعه هَدْي النبي ﷺ فيما يأمر به ربّ العزة سبحانه وتعالى.
رضي الله تعالى عنكم وأرضاكم، وجزاكم الله خيرًا، وإلى لقاء متجدد إن شاء الرحمن، أستودعكم الله تعالى، والسلام عليكم.
--- [1]: توثيق المحرر: آل عمران: 14؛ ورد في التفريغ «والحرف» وهو من أخطاء السمع، وأُثبت لفظ الآية «والحرث». [2]: توثيق المحرر: الفرقان: 70. [3]: توثيق المحرر: النور: 31. [4]: توثيق المحرر: النساء: 97. [5]: توثيق المحرر: الحجرات: 1. [6]: توثيق المحرر: الفتح: 27. [7]: توثيق المحرر: المجادلة: 21. [8]: توثيق المحرر: الفتح: 29؛ وقد اقتصر النص على قدر ما قاله المتحدث من الآية. [9]: توثيق المحرر: الفتح: 29؛ أورد المتحدث الوعد بمعناه، وهو من تتمة الآية التي قبلها. [10]: توثيق المحرر: قال المتحدث ذلك بقيد «إن صحّت الرواية»، ولم يُعيَّن في التفريغ الاسمان اللذان اقترحهما الشيخان. والثابت في سبب نزول الآية ما أخرجه البخاري من تمارِي أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في من يُؤمَّر على وفد بني تميم، وليس في وعظ الناس. أما قوله «لو وُزن إيمان الأمة وإيمان أبي بكر لرجح إيمانه» فمروي ولا يثبت مرفوعًا بهذا اللفظ فيما نعلم، فصيغ بصيغة التمريض. [11]: توثيق المحرر: نقل المتحدث قول الصحابي بالمعنى، ولم يعيّن قائله في التفريغ؛ وأصله عن ابن مسعود رضي الله عنه في صحيح مسلم. [12]: توثيق المحرر: البقرة: 165. [13]: توثيق المحرر: الحديث متفق عليه من حديث ابن مسعود رضي الله عنه؛ نُقل بحسب ما أورده المتحدث، وقد قطع كلامه عند قوله «ويتحرّى الكذب» فلم تُتمَّ العبارة. [14]: توثيق المحرر: نسب المتحدث هذه العبارة إلى أحد المشايخ، ولم يُثبت اسمه لعدم التحقق من العبارة.
Comentarios
Comparte un beneficio o una idea sobre el artículo; agradecemos tu opinión.
Aún no hay comentarios publicados. Sé el primero en comentar.