الحوار القرآني مع غير المسلمين
كيف يخاطب القرآن المخالف: تفكير قبل تطبيق، وإنصاف في الحجة، وأدب في الجدال
المناسبة: تفريغ خاطرة أُلقيت بتاريخ 28 أغسطس 2020م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
كيف يكون الحوار القرآني حين يتكلم ربّ العزة سبحانه مع غير المسلمين؟ تعالوا نسمع قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ [القلم: 34].
قانون التفكير قبل قانون الأداء
هذه الآية تعقيبٌ على قصة أصحاب الجنة، بعد أن عرّفهم الله قدرته على عقابهم في الدنيا. وأصحاب الجنة هؤلاء شبابٌ ذهبوا يريدون أن يحصدوا الحصاد قبل أن يأتي الفقراء فيروهم، فأرادوا أن يأخذوا كل شيء لأنفسهم. فأراد ربّ العزة أن يعلّمهم أن في الحياة قانونًا للتفكير قبل أن يكون قانونٌ للأداء، وأن هناك قوانين للتفكير قبل أن يكون هناك قانون للتطبيق.
وانظروا إلى الأمر في حياة الناس: المشرّعون في المحاكم الدستورية، وفي مجلس الشورى أو مجلس الشيوخ في مكان ما، هؤلاء هم الذين يفكّرون ويضعون القوانين ثم يبثّونها في المجتمعات، وليس على الناس إلا أن ينفّذوا. فالناس في هذه الحال منفِّذون لقانونٍ وُضع من قبل. أما الله سبحانه وتعالى حين أنزل لنا دستورًا قرآنيًّا فقد أنزل دستورًا يُلزمنا بالتفكير قبل التطبيق، فعندنا قانونٌ فكريٌّ قبل أن يكون عندنا قانونٌ تطبيقي.
فعلّمهم سبحانه أن «ما هكذا تُورَد الإبل»؛ أي ليست هذه هي الطريقة التي تحصّلون بها الأموال: أن تمنع حقوق الآخرين أو تستأثر بها لنفسك. فأذهب الله عنهم ما كانوا فيه من رغد العيش والثراء: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ … فَأَصْبَحَتْ كَٱلصَّرِيمِ﴾ [القلم: 19–20].[1]
جنةٌ واحدة وجنةٌ لا يراها أحد
ثم جاء التعقيب: ﴿كَذَٰلِكَ ٱلْعَذَابُ ۖ وَلَعَذَابُ ٱلْـَٔاخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: 33]، وبعده: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾. فأنتم كانت عندكم جنةٌ واحدة، حديقةٌ واحدة، ومع ذلك بخلتم بها على غيركم، وللأسف الشديد خسرتموها. فما بالُ الذين ليس عندهم شيءٌ منها أصلًا؟ هؤلاء إذا تعلّقوا بالله تبارك وتعالى حقّ التعلق أوجد الله لهم جنةً لا يستطيع أحدٌ من الخلق أن يطّلع عليها، ولا أن يراها، ولا أن يدرك أسرارها، إلا هم، بما عرّفهم الله في نفوسهم من الرضا، وفي قلوبهم من الاستقرار. اتفقنا؟
أفنجعل المسلمين كالمجرمين؟
ثم يقول ربّ العالمين سبحانه: ﴿أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: 35].
ما رأيكم؟ لنضع مبدئيًّا هذه القاعدة، أو هذا الاختيار، أو هذه الموازنة، أمام أهل العقل: فإما أن يكون الإنسان عاقلًا مفكّرًا فيختار الأصوب، وإما ألّا يكون لديه عقل فيخرج من دائرة النقاش. أنتم تعرفون هذا: حين نعقد مسابقة لنُخرِج منها التصفيات، يتقدّم للمسابقة مئتا إنسان، فكم يخرج منهم إلى التصفيات؟ عشرون، فتكون قد استبعدتَ مئةً وثمانين. تخيّل: عشرون فقط هم الداخلون إلى التصفيات، والتصفيات نفسها مراحل. فلنبحث عن كبيرٍ نخاطبه: ﴿أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ﴾؟ ما رأيكم؟
إن قالوا: نعم، نجعل المسلمين كالمجرمين، فقد خرقوا نواميس الكون. فلا يصحّ بحالٍ أن تعامل شخصًا دخل بيتك بإذنك كما تعامل شخصًا دخل ليسرق. وهل هذا معقول؟ أن تعامل من جاء يطرق بابك ويقول: إني أتقدّم لابنتك، أو أخطبها، كما تعامل من جاء يعتدي على من في البيت؟ أو أن تعامل من يقابلك في الشارع فيقول: لو سمحت، أحتاج منك عشرة دولارات فأسلِفْنيها، كما تعامل من جاء يسرقك؟
ما لكم كيف تحكمون؟
فيجيبهم الله سبحانه وتعالى: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: 36]. طيب، لعلّ الذي تقولونه موجودٌ في كتابٍ ما، في مكانٍ ما: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَـٰبٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ [القلم: 37]. أعندكم منهجٌ منزَّلٌ من أحد، وكتابٌ آخر يقول لكم غير الذي تعرفه الناس كلها والبشرية والعقل؟ لو عندكم كتابٌ يا سيدي فاختاروا منه: ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾ [القلم: 38].
وانتبهوا إلى هذا الأدب. هل من تمام العدل أن تجعل خصمك هو الذي يحكم؟ هذا ليس من تمام العدل، بل هو من تمام الفضل. فمستوى العدل أن يحكم حاكمٌ في الوسط، لكن من تمام الفضل أن تقول لخصمك: هذه مسألتي بيني وبينك، فاحكم فيها بما شئت. هكذا يقول الله تبارك وتعالى: إن لكم فيه لما تخيّرون.
فإن لم يكن عندكم كتاب، فنحن نقول إن عندنا كتابًا، وهو منهج الله سبحانه وتعالى: القرآن الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم، ونحن نتكلم به. فأنتم بين أن يكون عندكم كتاب، أو لا يكون.
الأيمان البالغة إلى يوم القيامة
ثم: ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَـٰنٌ عَلَيْنَا بَـٰلِغَةٌ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۙ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: 39]. تخيّل أن ربنا سبحانه وتعالى يسأل الكفار فيقول لهم: هل وقفنا يومًا قبالة بعضنا وحلفتم لنا يمينًا، فنحن ملتزمون بها وسنفي بها؟ أو كان بيننا وبينكم عقدٌ مكتوب، أو اتفاقٌ نظري؟ ثم إن هذا الادعاء لا يستقيم أصلًا، فإن صاحبه بعد قليلٍ يموت؛ فحتى لو قال: لي عندك يمينٌ يا ربّ، فإنه صائرٌ إليك على كل حال، وليس عنده استمرارية إلى يوم القيامة بأي حال. ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَـٰنٌ عَلَيْنَا بَـٰلِغَةٌ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾، ثم يكرّر: إن لكم لما تخيّرون، إن لكم لما تحكمون.
يا سيدي، أنت الحَكَم وأنت الخصم، وما تريده أنت أفعله وأسايرك فيه، ولكن تكلّم بالمنطق، تكلّم بالمعروف.
ويقول ربّ العالمين سبحانه وتعالى: ﴿سَلْهُم أَيُّهُم بِذَٰلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم: 40]. أي: ما دمنا لا نقدر على الكلام مع بقية الناس ولا أحد يردّ علينا، فليختاروا من وسطهم من يتكلم عنهم.
حين يسوق الله عز وجل مثل هذه الأدلة، وتقرأ إلى آخر السورة، فواللهِ ترى عجبًا. ترى عجبًا في الحوار القرآني مع المشركين.
غرضان من هذا الحوار
وحين يسوق ربّ العزة سبحانه هذا الحوار النقاشي فإنما يسوقه لأمرين.
الأمر الأول: إلزام الحجة للمشركين المعاندين للدعوة؛ كأنه يقول لهم: الحجة عليك، فأسلم تسلم.
والأمر الآخر: أن يعلّم المسلمين كيف يخوضون النقاش على أعلى مستويات الرقيّ. فأنت حين تجادل أحدًا فقد وضع الله لك المنهج: ﴿ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125]، ﴿وَلَا تُجَـٰدِلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: 46]. وذلك على كل المستويات: سواء كنتَ تبتدئ بالكلام فليكن على مستوى أحسن، أو كنتَ ترد على كلام فليكن بمستوى أحسن. وكذلك ينبغي أن يكون المسلم في حالاته كلها.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدينا إلى أرشد القول، وإلى أحكم المنطق، وإلى أصدق اللفظ، وإلى أخلص النية. اللهم إنا نسألك أن ترزقنا نفوسًا صافية نقية، وقلوبًا تقية مطمئنة، وأن ترجّح عقولنا، وأن تهدينا إلى أحسن القول وأحسن العمل.
--- [1]: توثيق المحرر: الآيات من سورة القلم. أورد المتحدث ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ فَأَصْبَحَتْ كَٱلصَّرِيمِ﴾ مختصرةً؛ وقد حُفظ ذلك في المتن بعلامة الحذف (…) لأن بين الجزأين في المصحف «وَهُمْ نَآئِمُونَ». وآية العنكبوت وردت في كلامه بلفظ «ولا تجادل» وأُثبتت هنا بنص المصحف.
Comentarios
Comparte un beneficio o una idea sobre el artículo; agradecemos tu opinión.
Aún no hay comentarios publicados. Sé el primero en comentar.