أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
سلسلة · الحلقة 3
حِكَمٌ وبصائر
حِكَمٌ وبصائر

خَيرُ أُمَّةٍ لخَيرِ دِين

قراءةٌ في الميزان القرآنيِّ لـ«خَيريَّة» الأُمَّة، ومَوقعنا منها اليومَ

د. أحمد أبو سيف١٧ مايو ٢٠٢٦14 دقائق قراءة
خَيرُ أُمَّةٍ لخَيرِ دِين
هذا المقال خُلاصةُ خُطبة الجمعة التي أُلقيتْ في «مسجد التَّوبة» — مَركز شارلوت الإسلاميِّ (ICC) بولاية كارولينا الشَّماليَّة (الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة)، يوم الجمعة 16 أغسطس 2024م، ضِمن زيارة د. أحمد أبو سيف لرعاية أبناء الجالية المسلمة.

بقلم: د. أحمد محمد علي أبو سيف، رئيس أكاديمية الأئمة بأمريكا (American Imams Academy).

مدخل: حين تكون الآية شرطا لا وصفا

﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110].

هذه الآية أكثر ما يستحضر حين يتحدث المسلمون عن أنفسهم. يستشهد بها الخطباء، ويستلهمها الناشطون، ويكتبها المؤلفون على أغلفة الكتب. لكنها — لكثرة تداولها — صارت عند بعضنا شهادة انتساب مجانية، يحملها المسلم كأن الخيرية هدية أهديت إليه بمجرد كونه مسلما.

والآية تقول العكس.

الخيرية في القرآن ليست وسام انتساب، بل مسؤولية وظيفة.

اقرأ الآية ثانية، وانظر ماذا قرنت بـ«خير أمة»: ثلاث مشروطات — ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾، و﴿تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾، و﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. من قام بهذه الثلاث فهو من تلك الأمة الموصوفة، ومن قعد عنها فاته الوصف ولو حمل الاسم. الآية ميزان، لا مجانية.

أقترح في هذا المقال أن نقف معا أمام هذه الآية بصراحة. لن نفخر، ولن نجلد. نسأل في أمانة: أين نحن من ميزانها اليوم؟


أولا: «كنتم» — لماذا الماضي، لا الحاضر؟

تأمل صيغة الفعل: «كنتم»، بصيغة الماضي. لا «أنتم». ولا «ستكونون».

اختلف المفسرون في توجيهها. بعضهم قال هي بمعنى الحال، وبعضهم قال هي إشارة إلى ما كانت عليه الأمة في زمن الوحي. والراجح أنها تذكر بما كانوا عليه حين قاموا بالشروط، فتدعو إلى المحافظة على المعنى[1]. كأن الله يقول: «كنتم خير أمة يوم قمتم بالواجب — فحافظوا على المعنى يبقى لكم الوصف».

ثم لاحظ كلمة ثانية: «أخرجت» — فعل مبني للمجهول. الأمة لم تخرج لنفسها، أخرجت من الله. لمن؟ ﴿لِلنَّاسِ﴾. لا لجنسها، ولا لطائفتها. أخرجت لتقدم للناس شيئا، لا لتأخذ منهم شيئا. هذه نقطة مفصلية. حين تنكفئ الأمة على نفسها، يفوتها وصف الخيرية — حتى لو ظلت تحمل الاسم.


ثانيا: الدين يصنع الأمة، والأمة تحمل الدين

عنوان المقال «خير أمة لخير دين» يربط طرفين في علاقة تبادلية دقيقة:

الدين صنع الأمة. قبل الإسلام كان العرب قبائل متفرقة، يدور بينها الثأر كل عقد. ثم جاء الإسلام فصهر المتفرقين في وحدة تتجاوز الدم واللسان والعشيرة. هذه الأمة بمفهومها — ولدها الإسلام، ولم تولد هي الإسلام.

والأمة حملت الدين. الدين نص سماوي يحتاج إلى حامل بشري يجسده في حضارة. لولا الأمة لظل النص في الكتاب، ولم يعرفه التاريخ كحضارة. وقد قيل: «المسلمون يحفظون القرآن، والقرآن يحفظ المسلمين»[2].

العلاقة تكاملية. إذا ضعف الدين في المسلمين، ضعفت الأمة. وإذا ضعفت الأمة، خفت ظهور الدين في العالم. لا يستقل طرف عن الآخر.


ثالثا: ما حقيقة «الخيرية»؟

ها هنا يلزم تنبيه مهم. قد يفهم بعض القراء أن «خير أمة» وصف تفوق عرقي أو ذاتي، كأن المسلمين خير بطبيعتهم. وهذا فهم مردود، لثلاثة أسباب:

أولا: الإسلام نفسه يرفض الفخر بالعرق رفضا قاطعا. قال النبي ﷺ يوم فتح مكة: «يا أيها الناس، إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء؛ الناس من آدم وآدم من تراب»[3].

ثانيا: الآية نصت على الشروط ولم تذكر العرق. لو كانت الخيرية عرقية، ما احتاجت الآية إلى ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾.

ثالثا: «أخرجت للناس» يدل على وظيفة، لا امتياز. الأمة خير بقدر قيامها بالوظيفة، لا بمجرد انتماء النسب أو الزمن.

الأمة لا تكون «خير أمة» لأنها تحمل اسم الإسلام، بل لأنها تحمل رسالته للناس.

رابعا: المسلمون في الغرب — فرصة «أخرجت للناس»

تأملوا — وأنتم تعيشون في أمريكا — موقعكم من هذه الآية. أنتم أقلية، لا سلطان لكم على القانون ولا على المؤسسات الكبرى. فهل ينطبق عليكم وصف «خير أمة أخرجت للناس»؟

نعم. بل أنتم في موقع نادر يتيح لكم تحقيق المعنى بأنقى صوره.

لأن «الإخراج للناس» يعني أن تكون الأمة في تماس مع غير المسلمين، تقدم لهم نموذجها بالقدوة قبل الكلمة، تعرفهم بالإسلام من خلال أخلاق المسلم في الشارع والمدرسة والشركة والمستشفى. هذا تماس يعيشه المسلم في أمريكا كل يوم تلقائيا — بينما يفتقده المسلم في القاهرة أو إسطنبول إلا نادرا.

خذوا مثالا حيا من بين أظهركم: طبيب مسلم في إحدى مستشفيات شارلوت، يستقبل مريضا بعد مريض بصبر ورحمة، يلمس فيه المرضى من غير المسلمين أدبا لا يجدونه في كثير من زملائه. لا يكتب هذا الطبيب منشورات، ولا يخطب على منبر — لكنه يجسد «أخرجت للناس» كل يوم. حين تدخل عيادته امرأة مسيحية في الخامسة والسبعين، فيعاملها بأدب الإسلام في رفقه ودقته، فتخرج وفي قلبها سؤال: «ما هذا الدين الذي يصنع رجلا كهذا؟» — في تلك اللحظة، صار هذا الطبيب، وحده، «خير أمة أخرجت للناس» في مدينته.

موقعكم في الغرب ليس مصيبة، بل مهمة. أنتم تمثلون الإسلام اليوم في مجتمعكم — ينظر إليه الناس من خلالكم.

والقرآن يضرب لنا أمثلة جميلة: - النجاشي في الحبشة: رعى أول هجرة في الإسلام، وحفظ الدين في أرض لم تكن أرض المسلمين. - يوسف عليه السلام في مصر: صار وزيرا في دولة غير مسلمة، فاستخدم منصبه لخدمة العدل وإحياء الأرض، دون أن يفقد هويته.

كلاهما نموذج للمسلم في الأقلية: حافظا لدينه، عاملا لخير المجتمع الذي يعيش فيه، صانعا «خيرية» يلمسها أهل البلد قبل أهل دينه.


خامسا: تشخيص بأمانة — أين نحن من الميزان؟

افتح ميزانك أنت، لا ميزان الأمة. هل أنت تقوم بالشروط الثلاثة؟

الشرط الأول: تأمرون بالمعروف. كثير من المسلمين انكفأ على «ذاتية دينية» لا تتعدى البيت. صار همه أن يصلح نفسه فقط. وهذا نصف الواجب لا كله. أما أن تأمر بالمعروف في مدرسة أولادك، أو في شركتك، أو في الجمعية التي تنتمي إليها — فهذا ما يكاد يختفي.

الشرط الثاني: تنهون عن المنكر. صار النهي عن المنكر — في عصر السوشيال ميديا — مقترنا بالتشهير، لا بالنصيحة. يكتب الواحد منشورا قاسيا فينفر من أخطأ بدل أن يهديه. والنهي النبوي كان بالحكمة والموعظة الحسنة، وبستر الأخطاء قبل بيانها للناس.

الشرط الثالث: تؤمنون بالله. قد يستغرب البعض ذكر الإيمان شرطا — أوليس ركنا؟ لكن الإيمان الذي تتحدث عنه الآية ليس إيمان الانتساب. هو إيمان القلب الفاعل: الذي ينقل المؤمن من السلبية إلى المبادرة. وهذا إيمان يتآكل اليوم تحت ضغط المادية، حتى صار الإيمان عند بعضنا حالة وجدانية يعيشها في صلاته، ثم يخرج إلى الحياة بمنطق آخر تماما.

والصورة العامة — لمن يحزر نفسه — مقلقة.


سادسا: ثلاث آفات تفصم الأمة عن خيريتها

ما الذي حول الأمة من حالها الأول إلى هذه الحال؟ ثلاث آفات متداخلة:

الانعزالية. أن يفر المسلمون من العالم بدل أن يخدموه. صار كثير من جالياتنا «جزرا معزولة»: مسجد مغلق على رواده، مدارس إسلامية تفصل الأطفال عن المجتمع، علاقات لا تتجاوز دائرة المسلمين. هذا انكفاء يناقض «أخرجت للناس».

التبعية. أن نقلد الآخر بدل أن نقدم له نموذجنا. شبابنا يستهلك الثقافة الغربية بلا فلترة، وأكاديميونا يستوردون النظريات في الأخلاق والسياسة دون أن يستحضروا ميراثهم.

التجزؤ. أن يفقد المسلمون الإحساس بـ«الأمة الواحدة». صار كل يعيش همه الفردي، أو هم جنسيته، أو هم مذهبه. أين الإحساس بأنك جزء من جسد، إن اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد؟[4]


سابعا: طريق العودة — ماذا أفعل أنا اليوم؟

السؤال العملي الذي ينبغي أن يخرج به القارئ: ماذا أفعل أنا الآن؟ فيما يلي أربعة طرق عملية:

ابدأ بإصلاح نفسك. الخيرية لا تبدأ بأمة كاملة، بل بأفراد يستقيمون. حسن صلاتك. أصلح علاقتك ببيتك. تعلم خلقا جديدا كل شهر. من لم يكن خيرا في بيته، فأنى له أن يكون خيرا في أمته؟

اصنع قدوة في مجالك. أنت طبيب؟ كن أكثر الأطباء عدلا. أنت معلم؟ كن أنفع المعلمين. أنت تاجر؟ كن أصدق التجار. الإسلام ينتشر بأخلاق أهله أكثر مما ينتشر بكتب التعريف به.

اجتمع مع إخوانك على مشروع كبير. العمل الفردي لا يكفي. نحتاج مشاريع مؤسسية: مدارس، مراكز ثقافية، خدمات اجتماعية، أوقاف للأيتام والمحتاجين. من لا يجتمع مع غيره على مشروع، يبقى فردا، ولا يكون أمة.

أحي الوعي العالمي. اعلم أنك جزء من رسالة للعالمين. أتقن لغة العصر، وأنصت لأسئلة العصر، وقدم الإسلام بلغة يفهمها أهل العصر. النبي ﷺ خاطب كل قوم بلسانهم.


خاتمة: «كنتم» — فعل ماض يلهم حاضرا

عد إلى مطلع الآية: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾.

هذه «كان» لا تغلق بابا، بل تفتحه. الله سبحانه لم يقل «أنتم خير أمة» جزما. ولم يقل «ستكونون» وعدا. قال: «كنتم» — كأنه يذكرنا أن هذا الوصف كان ثابتا في حق الأمة يوم قامت بالشروط، وأنه باق لمن قام بها بعد، فائت عمن قعد عنها بعد.

ها هنا خياران: - إما أن نتعامل مع الآية كـوسام نلبسه، وننام. - وإما أن نتعامل معها كـمهمة تذكرنا أن الخيرية موقوفة على الفعل، لا على الانتساب.

أدعو الله أن نكون من الفريق الثاني.


أيها المؤمن الكريم في الغرب، ربما لم يختر الله لكم الغربة عبثا. فلعل من حكمة هذا الوجود البعيد أن تعود الأمة — من خلالكم أنتم — فتتذكر أنها أخرجت للناس، لا لنفسها.

عاش المسلمون قرونا في دار الإسلام حتى نسي بعضهم أن الإسلام رسالة للعالمين. أنتم اليوم تلتقون بغير المسلمين كل يوم — في الجامعة، في العمل، في المتجر. تنقلون لهم صورة الإسلام، شئتم أم أبيتم.

اجعلوا تلك الصورة جميلة. اجعلوا تلك الرسالة صادقة. تكونوا — بإذن الله — جزءا من «خير أمة أخرجت للناس» في زمانكم: في شارلوت، وفي تامبا، وفي كاليفورنيا، وفي نيويورك، وفي كل بقعة تطؤها أقدامكم.

اللهم اجعلنا من «خير أمة» لا بالاسم بل بالميزان. واجعلنا نأمر بالمعروف بالحكمة، وننهى عن المنكر بالرحمة، ونؤمن بك إيمانا حيا يتحرك في الجسد كما يتحرك الدم.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

الهوامش

  1. انظر «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير، و«جامع البيان» للطبري، و«الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ من سورة آل عمران.
  2. عبارة منسوبة إلى بعض العلماء المتأخرين تدور في مجالس العلم، ولم نقف لها على إسناد ثابت، فيذكر معناها بصيغة التمريض.
  3. أخرجه أبو داود (5116) والترمذي (3955) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. حسنه الألباني في «صحيح الجامع» (5198).
  4. إشارة إلى الحديث المتفق عليه: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى». أخرجه البخاري (6011) ومسلم (2586) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه.
شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ