غَزَلُ الأبِ لابنتِه
حِصْنٌ من الحُبِّ يَقي قلبَها من سهامِ المتربِّصين — بين هَدْي النبوّة، وشهادةِ علم النفس، وفِقْه الحدود
مَدخلٌ بَين يَدي القارئ
حين قرأتُ السؤالَ أوّلَ مرّة، توقّفتُ عند لفظِ «الغزل»؛ فالكلمةُ في أذنِ السامعِ المعاصر مشحونةٌ بظلالٍ لا يُحبُّ أن يقترنَ بها اسمُ الأبِ وابنته. ثم تأمّلتُ، فإذا السؤالُ يلامسُ جرحاً عميقاً في كثيرٍ من بيوتنا: بنتٌ مراهقةٌ يتفجّرُ في أعماقها نهرُ الأنوثةِ المبكرة، فتشتهي كلمةً تُشبعُ هذا النَّهَم، وتطمئنُ بها إلى أنّها جميلةٌ مرغوبةٌ مَحْبوبة. وفي الجوار ذئابٌ يَتَلَمَّظون لِلَقْف هذا القلبِ الغَضّ بأوّل كلمةِ إعجاب، فهل يَترُك الأبُ الرصينُ هذا الفراغَ لمن يَسُدُّه بالحرام؟
هذا المقالُ محاولةٌ لِتَأصيلِ ما أَسَمِّيه ـ مع التحفّظِ على اللفظ ـ «غَزَلَ الأبِ المباح»: تلك العبارات الحانية، والمدائحَ الصادقة، والتعبيراتِ اللطيفة، التي يَغْرسُها الأبُ في قلبِ ابنتِه فتُغنيها عن استجداءِ المديحِ من غيره. وسنرى أنّ هذا ليس بِدْعاً مِن القولِ، بل هو هَدْيٌ نبويٌّ سَبَقَ به سيّدُ المربّين صلى الله عليه وسلم، وأكّدته دراسات علماء النفس قديماً وحديثاً.
أوّلاً: في تحريرِ المصطلح
«الغَزَل» في أصل اللغة: التلطُّفُ في القولِ والتَّوَدُّدُ بالكلامِ الحَسَن. وقد جرى استعمالُه في الشِّعر العربيِّ على ضربين: غَزَلٌ بين الأقرانِ يُذكَر فيه وصفُ المحبوب، وغَزَلٌ عَفيفٌ عُذْريٌّ لا يتجاوزُ المشاعرَ النبيلة. أمّا حين نُضيفُه إلى الأبِ في حقِّ ابنته، فإنّنا ننقُلُه إلى حقلٍ دلاليٍّ جديد: هو إغداقُ الكلمةِ الحانية، والثناءُ على الجمالِ والخُلُقِ والذكاء، والتعبيرُ عن الإعجابِ بالأنوثةِ الناشئة بما يَلِيقُ بمقامِ الأُبوَّة.
ولعلَّ مَنْ يَستَثقِلُ اللفظَ يَستحْسِنُ بدائلَ مثل: «المُداعَبَة الأبوية»، أو «المَدِيح الأبوي»، أو «التَّدْلِيل الراشد»، أو «العاطفة المُعْلَنَة». والمضمون ـ بأيِّ اسمٍ سَمَّيتَه ـ هو المقصود: أن يَملأ الأبُ صدرَ ابنتِه بالكلمةِ التي تُشعِرُها بقيمتِها أنثى، قبلَ أن يَسبقَه إليها مَنْ يَكِيدُ بقلبِها الغَضّ.
ثانياً: من هَدْي النبوّةِ مع فاطمةَ رضي الله عنها
النبيُّ صلى الله عليه وسلم ـ وهو أكملُ الناسِ هَيْبَةً ووَقاراً ـ لم يكن يَخْجَلُ من إعلانِ حُبِّه لابنته ومُداعَبَتِها وتَقْريظِها أمامَ الناس. ومن أبدع ما يُرْوَى في ذلك ما رَوَتْه أمُّ المؤمنين عائشةُ رضي الله عنها، قالت:
«ما رأيتُ أحداً كان أشبَهَ سَمْتاً وهَدْياً ودَلاًّ برسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم من فاطمةَ، كانت إذا دَخَلَتْ عليه قامَ إليها، فأخَذَ بيدِها وقَبَّلَها وأَجْلَسَها في مَجْلِسِه، وكان إذا دَخَلَ عليها قامَتْ إليه، فأخَذَتْ بيدِه فَقَبَّلَتْه وأَجْلَسَتْه في مَجْلِسِها».[1]
تأمَّلْ في هذا المشهدِ الرَّبَّاني: قِيامٌ للابنة، وأَخْذٌ باليد، وتَقبيلٌ ظاهر، وإيثارٌ لها بالمجلس. أربعةُ تعبيراتٍ متتاليةٍ عن الحُبِّ في لحظةٍ واحدة! وهو نبيٌّ مُرسَل، يَخشَى الناسُ هَيْبَتَه، ويَهابُه أصحابُه إجلالاً. فإذا كان هذا هَدْيَ سيِّدِ الخَلْق، فأيُّ أبٍ بعدَه يَستَنكِفُ أن يَفعَلَه؟
وفي روايةٍ أخرى أنّه صلى الله عليه وسلم كان يقول: «فاطمةُ بَضْعَةٌ منّي، يُؤْذِينِي ما آذاها، ويُريبُنِي ما رابَها».[2] وهذا تَصْريحٌ علنيٌّ بأنّها قِطْعةٌ من قلبه، يَجْعَلُ مَشاعِرَها امتداداً لمشاعرِه، وأذاها أذىً له. أيُّ غَزَلٍ أَرَقُّ من أن يقولَ الأبُ لابنتِه: أنتِ منّي، وأنا منكِ؟
ولم يَقتَصِرْ تَعليمُه ﷺ على الفعلِ المُجرَّد، بل كان يُسمِعُها الكلمةَ الجميلة، ويَدْعو لها على مَرْأَى الناس، ويُثْنِي عليها بالعَقل والدِّين والصَّبر. وقد سَمَّاها «أمَّ أبيها» تكريماً وتدليلاً، وهو لقبٌ يَجمعُ بين الحَنانِ والاعترافِ بدورِها العاطفيِّ في حياتِه ﷺ بعد فِقدانِ أُمِّها خديجةَ رضي الله عنها زوجِ النبيِّ ﷺ.
ثالثاً: في أقوالِ علماءِ النفسِ المسلمين والمعاصرين
ولم تَعُدْ هذه الحقيقةُ حِكْراً على أهلِ الشريعة، فقد جاء علماءُ النفسِ المعاصرون يُؤيِّدون ما قَرَّرَه هَدْيُ النبوّةِ منذ أربعةَ عشرَ قَرناً، ويَكشِفون أنّ هذا الحبَّ المُعْلَنَ من الأبِ ليس تَرَفاً عاطفياً، بل ضرورةٌ نفسيّةٌ تَحُولُ دون انكسارِ شخصيّةِ البنتِ أو انحرافِها، وتُؤثِّر في تكوينِ صورتها عن ذاتها الأنثويّةِ تأثيراً لا يَكادُ يُداني تأثيرَ غيرِه من العوامل.
فهذا المستشارُ الأسريُّ الكويتيُّ الدكتور جاسم المطوّع يَنبَري في كثيرٍ من محاضراتِه ومقالاتِه إلى تقريرِ معنىً بالغِ الخطورة، إذ يقول: «البنتُ التي لا تَجِدُ مَنْ يَمدَحُها في بيتها، ستَبحَثُ عَمَّنْ يَمدَحُها خارجَه»، ولذلك يُوصِي الآباءَ أن يَجعَلوا لكلِّ ابنةٍ جَلسةً خاصّة يَتَفَرَّغُ فيها لها، يُسمِعُها عباراتِ الفخرِ والإعجاب.[3] وهي عبارةٌ يَنبَغي أن تُكتَبَ بماءِ الذَّهَب على جُدُرِ كلِّ بيتٍ فيه بنت.
ويَمضي في الاتّجاه نفسِه المُفَكِّرُ التربويُّ السوريُّ الدكتور عبد الكريم بكّار حين يُقَرِّر أنّ الحرمانَ العاطفيَّ هو أَخطرُ أنواعِ الجُوع، ويَرى أنّ البنتَ ـ بطبيعةِ تكوينِها النفسيِّ ـ تَحتاجُ إلى ما يُسَمِّيه «شَهادةَ الذُّكورِ في حياتها» بأنّها مَحَلُّ تقديرٍ وإعجاب، فإن لم تَجِدْها من الأبِ والأخِ تَلَقَّفَتْها من الغريبِ على وجهٍ آخر؛ ولذلك ـ كما يقول بكّار ـ كلمةُ الأبِ «أنتِ كَنْزي» تُعادِلُ في أَثَرِها النفسيِّ آلافَ الكلماتِ من سواه.[4]
وفي السياقِ ذاتِه يَتَحَدَّثُ المُتَخَصِّصُ في تنميةِ مهاراتِ الأبناءِ الدكتور مصطفى أبو سعد عمّا يُسَمِّيه «بَنْكَ المشاعرِ الإيجابيّة»، وهو رصيدٌ يُودِعُه الأبُ في قلبِ ابنتِه منذ الصِّغَرِ بكلماتِ التَّقديرِ والإطراء، فإذا اشتَدَّ عودُها وَجَدَتْ في هذا البَنْكِ ما يَكفِيها لتَسْتَغني عن المديحِ الخارجيِّ المَشْبوه؛ ويُحَذِّر أبو سعدٍ من نَمَطٍ شائعٍ بين الآباء يَدْعوه «الأبَ الصَّامتَ عاطفياً»، فإنّ هذا الأبَ ـ على حُسْنِ نِيَّتِه ـ يَدْفَعُ ابنتَه دونَ أن يَشعُرَ نحوَ أوّلِ شابٍّ يُحْسِنُ مُجامَلَتَها.[5]
ولم تَكُنْ هذه الشَّهاداتُ شَهاداتٍ مَعزولة، بل أَيَّدَتْها دراساتٌ ميدانيّةٌ كثيرة؛ فقد دَلَّتْ دراسةٌ أُجرِيَت في جامعةِ أكسفورد عام 2002م على نحو سبعةَ عشرَ ألفَ طفلٍ على أنّ البناتِ اللاتي نَشَأْنَ في أسرٍ يَحضُرُ فيها الأبُ حضوراً عاطفياً كُنَّ أَقَلَّ تَعَرُّضاً للأمراضِ النفسيّةِ والقلقِ والاكتئاب.[6] وأَثبَتَتْ دراساتٌ أُخرى أنّ أكثرَ من سبعين بالمئة من حالاتِ الحَمْلِ خارجَ إطارِ الزواجِ بين المراهقاتِ في البيئاتِ الغربيّة تَقَعُ في بيوتٍ يَغيبُ فيها الأبُ أو يَصْمُتُ عاطفياً، وأنّ البنتَ القريبةَ من أبيها تُؤَجِّلُ الدخولَ في علاقاتٍ مُبَكِّرة، وتكونُ زِيجاتُها أَكثرَ استقراراً واستمراراً.
والمعنى الذي تَتَّفِقُ عليه هذه الأقوالُ والدراسات: أنّ قلبَ البنتِ كالكأسِ الفارغ؛ إنْ لم يَملأْه أبوها بالحُبِّ والمَدْحِ، مَلَأَه غيرُه بما لا يَسُرُّ الوالد.
رابعاً: ميادينُ هذا الغَزَلِ الأبويِّ المباح
إذا تَقَرَّر أنّ هذا «الغَزَل» مَطْلوبٌ شرعاً وعقلاً، فما صُوَرُه العملية التي يَستطيعُ كلُّ أبٍ أن يُمارِسَها مع ابنتِه؟ يمكنُ تَلْخِيصُها في الميادينِ التالية:
- الثناءُ على الجمالِ الظاهر: «ما أَجملَكِ يا ابنتي»، «شَعْرُكِ كالحرير»، «عَيناكِ تُشبِهان عَينَيْ أمِّك»؛ فإنّ البنتَ تَحتاجُ أن تَسمَعَ هذا من رجلٍ تَثِقُ به قبل أن تَسمَعَه من غريبٍ تَخْشاه.
- المَدْحُ بالخُلُقِ والذكاء: «أنتِ أَذكى من في البيت»، «حنانُكِ يُذكِّرُني بجدّتك»، «صَبْرُكِ على أُختكِ يَدُلُّ على نُبْلِ نفسك»؛ ليَتعلَّمَ قلبُها أنّ قيمتَها لا تُختَصَر في الجَسَد.
- التَّقبيلُ والاحتضان: تَقبيلُ الجَبهةِ واليدِ والرأس، والاحتضانُ الأبويُّ في المواقف الفارقة؛ فهذا اللَّمسُ الحاني يُفْرِزُ في دماغها هرمونَ الأمانِ الذي يَحْمِيها من جوعٍ يَدفَعُها إلى أحضانٍ غريبة.
- الكلمةُ الخاصّةُ بها وحدها: لقبٌ تَدْليليٌّ تَنفَردُ به دون أخواتها، أو نِداءٌ لا يَستعمِلُه أحدٌ سواه؛ كما قال ﷺ لفاطمة: «أمُّ أبيها».
- الجَلْسَةُ الخاصّة: نِصْفُ ساعةٍ أسبوعياً يَنفَردُ فيها بها، يَسأَلُها عن دِراستها وصديقاتها وأحلامها، ويُسْمِعُها كلماتِ الفخرِ بها.
- التَّقْريظُ أمامَ الناس: أن يَمْدَحَها أمامَ أمِّها وإخوتِها وأقاربها؛ فإنّ الثناءَ العَلَنِيَّ يَفُوقُ في وَقعِه على نفسها الثناءَ السرِّي أضعافاً.
- الهدايا الرَّمزية: وَرْدةٌ، أو رسالةٌ مكتوبة، أو هَدِيَّةٌ صغيرةٌ في غير مناسبة؛ فإنّ المرأةَ ـ ولو كانت طفلة ـ تَحفَظُ هذه التفاصيلَ في خَزائنها الوِجدانية إلى آخر العُمر.
خامساً: الحدُّ الفاصلُ بين الحلالِ والحرام
لمّا كان لفظُ «الغَزَل» مَزْلَقاً قد يُساءُ فهمُه، وَجَبَ تَحريرُ الضوابطِ التي تَجعَلُه في دائرةِ المباحِ النَّبيلِ، بَعيداً عن أيِّ شائبةٍ تَخدِشُ قُدْسِيَّةَ علاقةِ الأُبوَّة. وهذه الضوابطُ سبعةٌ:
- ضابطُ النيَّةِ والمَقْصَد: أن يَكونَ مَقصِدُ الأبِ هو سَدُّ الفراغِ العاطفيِّ في قلبِ ابنتِه وتحصينُها، لا إثارةُ أيِّ شُعورٍ خارجٍ عن طبيعةِ الأُبوّة. والنيّاتُ مَنازل، والقلبُ الذي يَنوي الخيرَ يَهْدِيه الله إلى السبيلِ السَّوِيِّ في التعبير.
- ضابطُ المَحْرَمِيَّة: الأبُ مَحْرَمٌ لابنته باتِّفاقِ المسلمين؛ يَجوزُ له النظرُ إلى ما يَظهَرُ منها عادةً (الوجه، والرأس، والذراعين، والساقين في حدودِ بيتِها)، ويَجوزُ له تَقبيلُها واحتضانُها بشَفَقَةٍ ورَحْمة، ما لم يَخْشَ على نفسِه فِتْنَة. فإن طَرَأ على القَلْبِ شيءٌ ـ والعِياذُ بالله ـ وَجَبَ الكَفُّ فوراً والاستعاذة.
- ضابطُ سِنِّ الابنة وعُرفِ الناس: ما يُقالُ للطفلة في السابعة قد لا يَلِيقُ بالشابّةِ في السابعةَ عشرة. والأصلُ أنّ الاحتضانَ والتَّقبيلَ في الوجهِ والرأسِ يَبقى مَشروعاً مدى الحياة، أمّا ما يُمكنُ أن يُساءَ فهمُه فيُكْتفى منه بالكَلِمَةِ والقُبْلَةِ على الجَبْهة.
- ضابطُ مَوْضِعِ التَّقبيلِ واللَّمس: السنّةُ ودَلالاتُ النصوص أن يكونَ التَّقبيلُ في الرأسِ والجَبْهَةِ والخدِّ واليدِ. وأمّا تَقبيلُ الفمِ ـ ولو على وجهِ الشَّفَقة ـ فقد كَرِهَه جَمْعٌ من الفقهاء سَدّاً للذَّريعة، وخاصّةً بعد بُلوغ البنت.
- ضابطُ مَضْمونِ الكلام: المَدْحُ مَشروعٌ في الجمالِ والخُلُقِ والذكاء، ولكنْ يُتَجنَّبُ كلُّ وصفٍ يَدخُل في وَصْفِ مَفاتنِ المرأة (كالصدر والخَصْر والأرداف)، ولو على وجهِ المَدْح؛ فهذا ليس من أدبِ الأبوّة في شيء، ولا تَقتَضِيه حاجةُ البنت العاطفية.
- ضابطُ الخَلْوَةِ والأماكن: يَنبَغِي أن تَكونَ هذه الجلساتُ في فَضاءِ البَيتِ المُعتاد، لا في أماكنَ مُغْلَقَةٍ بصورةٍ مُريبة. والأصلُ أنّ بيتَ الأبِ يَحوي زوجَه وأبناءَه، فلا غُبارَ على الانفرادِ المعتاد. ولكنْ يَنبَغِي تَجنُّبُ كلِّ ما يُورِثُ في قلبِ الأمِّ غَيْرَةً أو في قلبِ الأخواتِ شُعوراً بالتمييز السلبي.
- ضابطُ التوازنِ بين البناتِ والأمّ: لا يَنبَغِي أن يَختَصَّ الأبُ بنتاً واحدةً بكلِّ مَدائِحِه ويُهْمِلَ أخواتِها، فإنّ ذلك يُورِثُ الحَسَدَ ويَنقُضُ المَقصودَ. كما لا يَنبَغِي أن يَنشَغِلَ بمَدْحِ ابنتِه عن مَدْحِ أمِّها وثَنائِه عليها، فإنّ القُدْوَةَ في تَوقيرِ الأمِّ من أوْكَدِ ما يَستفيدُه بناتُه.
فإذا التَزَمَ الأبُ هذه الضوابطَ السَّبْعة، فقد فَتَحَ لقلبِ ابنتِه باباً واسعاً من الطُّمأنينة، وأَغلَقَ عنها أبواباً كثيرةً من الفتنة، وعَمِلَ بهَدْي النبيِّ ﷺ، وحَقَّقَ ما أَجمَع عليه أهلُ التربية النفسية: أنّ الأبَ هو الرَّجلُ الأوَّلُ في حياةِ ابنتِه، وعلى يدِه تَتَشَكَّلُ نظرتُها إلى كلِّ رَجلٍ بعده.
سادساً: تنبيهاتٌ ختاميّة
التنبيهُ الأول: هذا الذي ذَكَرْناه ليس تَدْليلاً مُفْسِداً، بل هو احتواءٌ راشد. فالحَنانُ لا يَتعارَضُ مع الحَزْمِ، والمَدْحُ لا يَتنافى مع التأديب. والأبُ الذي يُتْقِنُ المُوازَنَةَ بينهما هو الذي يُخْرِجُ بنتاً قَوِيَّةً عَزيزةَ النَّفس.
التنبيهُ الثاني: كثيرٌ من الآباءِ يَظُنُّ أنّ القُسوةَ هي «الرُّجولة»، وأنّ إظهارَ الحُبِّ ضَعْفٌ يَلِيقُ بالنساء. وهذا فَهْمٌ مَعكوس؛ فإنّ النبيَّ ﷺ ـ وهو سيِّدُ الرجال ـ كان أَرَقَّ الناسِ مع أهلِه، ولم يَنقُص ذلك من هَيْبتِه شيئاً، بل زادَه.
التنبيهُ الثالث: هذا الغَزَلُ الأبويُّ مَسؤوليّةٌ شرعيّة، لا مَكْرُمَةٌ يَتَفَضَّلُ بها الأبُ على ابنته. فإنّه ﷺ قال: «ما نَحَلَ والدٌ ولدَه أَفضلَ من أَدبٍ حَسَن»،[7] ومن أَفضَلِ الأدبِ تَحْصينُ القلبِ بالحُبِّ قبل أن يَلِيَ تأديبُه بالكَلِمَة.
التنبيهُ الرابع: إذا كانت العلاقةُ قد بَرَدَتْ سنواتٍ طويلة، فلا يَيْأَسْ الأبُ من البَدْءِ من جديد. ابدَأ بكَلِمَةٍ، ثم اثنتين، ثم احتضنها يوماً وقُلْ لها: «أنا أُحِبُّكِ يا ابنتي». لن تَتَكَلَّفَ كثيراً، لكنّها ستَفْتَحُ في قَلْبِها باباً ظَنَّتْه مُوصَداً إلى الأبد.
خاتمة
في زَمَنٍ تَتقاطَعُ فيه أصواتُ المتربِّصين بقلوب بناتنا من كلِّ صَوْب، تَبْقى كلمةُ الأبِ هي الحِصْنُ الأوَّلُ والأخير. ليست المسألةُ تَرَفاً عاطفياً، ولا مُوضةً تَربويةً نَستوْرِدها من الغرب؛ بل هي سُنَّةٌ نبويّةٌ ثابتة، عَمِلَ بها سيِّدُ المربّين مع سيِّدةِ نساءِ أهلِ الجنّة، فقامَ إليها وأَخَذَ بيدِها وقَبَّلَها وأَجْلَسَها مكانه.
فأيُّها الأبُ الرَّصين: لا تَخْجَلْ أن تَتَغَزَّلَ بابنتِك في حدودِ ما أَحَلَّ الله. فإنّ كلمةً واحدةً منك تَملَأُ صَدْرَها، تَكْفِيها ـ بإذن الله ـ أن تَرُدَّ بها سهامَ الذِّئاب. وإنْ مَلَأْتَ أنتَ هذا الفراغ، لم يَجِدْ غيرُك إلى قلبِها سَبيلاً.
وصلِّ اللهم على نبيِّنا محمد، وعلى آله وصَحْبه أجمعين.
الهوامش
- رواه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب ما جاء في القيام، برقم (5217)، والترمذي في سننه، كتاب المناقب، باب ما جاء في فضل فاطمة رضي الله عنها، برقم (3872)، والنسائي في السنن الكبرى برقم (8517)، والحاكم في المستدرك (4/272) وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه»، ووافقه الذهبي. وحسّن إسنادَه ابن مفلح في الآداب الشرعية (2/259)، وصحّحه الألباني في مختصر الشمائل (200).↩
- متّفق عليه: رواه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب قرابة رسول الله ﷺ ومنقبة فاطمة عليها السلام، برقم (3714)، ومسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل فاطمة بنت النبي ﷺ، برقم (2449)، من حديث المسور بن مخرمة رضي الله عنه.↩
- ينظر: الدكتور جاسم محمد المطوّع، الموقع الرسمي www.drjasem.com، قسم المقالات الأسرية والتربوية، ومحاضرته «كيف تربّي ابنتك» المنشورة على قناته. وله في هذا المعنى كتابُه «منهج الثقافة الزوجية»، وسلسلة «أبناؤنا والمراهقة».↩
- ينظر: الدكتور عبد الكريم بكّار، «حول التربية والتعليم»، دار السلام، القاهرة. وكتابه «أبناؤنا وتحدّيات المراهقة»، دار وجوه، الرياض. وله في «الحرمان العاطفي» مقالاتٌ منشورة في مجلة المجتمع الكويتية وموقعه الرسمي.↩
- ينظر: الدكتور مصطفى أبو سعد، «بنك المشاعر»، مكتبة جرير، الرياض. وكتابه «المهارات الأساسية في تربية الأبناء»، دار المعرفة، بيروت. وله محاضرات صوتيّة بعنوان «الأب الفاعل» منشورة على قناة المعرفة.↩
- ينظر تقرير: "In the Best Interests of the Child"، جامعة أكسفورد، 2002م، الذي تابع أكثر من 17,000 طفل بريطاني منذ الولادة. وللتوسّع: مقالة «دور الأب العاطفي في حياة البنت» على موقع الجزيرة نت، قسم المرأة، 6/1/2021م. وراجع: David Popenoe, *Life Without Father*, Free Press, New York, 1996, pp. 139–163.↩
- رواه الترمذي في سننه، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في أدب الولد، برقم (1952)، والحاكم في المستدرك (4/263)، من حديث عمرو بن سعيد بن العاص رضي الله عنه. قال الترمذي: «هذا حديث مرسل، وعامر بن أبي عامر هذا هو ابن صالح بن رستم الخزاز». وحسّنه بعض أهل العلم بشواهده.↩