أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
سلسلة · الحلقة 10
التفسير المقاصدي
التفسير المقاصدي

تطبيقٌ نفسيّ: مقاصد القرآن في طمأنينة النفس وعلاجها

د. أحمد أبو سيفيونيو ٢٠٢٦6 دقائق قراءة

بقلم: د. أحمد محمد علي أبو سيف، رئيس أكاديمية الأئمة بأمريكا (American Imams Academy).

نختم سلسلتنا بأعمق ميادين الإنسان وأخفاها: نفسِه وقلبِه. فالقرآن كما يُصلح السلوك ويَبني المجتمع، يُداوي النفس ويَمنحها الطمأنينة؛ وقد وَصَفه الله بأنه شفاءٌ فقال: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]. والقراءة المقاصدية لآيات السكينة تكشف أنّ من غايات القرآن الكبرى علاجَ القلق والخوف واليأس، وزرعَ الرضا والأمل في القلوب المتعَبة.

مقصد الطمأنينة: السكون بذكر الله

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]

مقصد الآية الإرشادُ إلى منبع الطمأنينة الحقيقيّ ومصدرها الذي لا يَنضب: صلةُ القلب بالله ذكراً وأُنساً. وتأمّل توكيدها بالحصر ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ كأنها تَنفي أن تكون الطمأنينة الحقّة في غير ذلك. فهي تُعلّم أنّ كثيراً من الاضطراب النفسيّ إنما هو أثرٌ للانقطاع عن الله والانشغال بالدنيا، وأنّ الدواء في العودة إليه. ومن قرأها مقاصديّاً جعل الذكر مَلاذه الأوّل عند ضيق الصدر، قبل أن يَلتمس السكون في سواه.

وكثيرٌ من قلق إنسان اليوم مصدرُه المقارنةُ الدائمة على وسائل التواصل: يَرى صُوَر الناس المنتقاة فيَحسب حياتَه ناقصةً، ويُطارد إعجاباتٍ لا تُشبِع، فيَزداد فراغاً كلّما ازداد اتصالاً. ومقصد آية الرعد يُقدّم العلاج: أنّ الطمأنينة لا تُشترى بمتابعةٍ ولا تُبنى على نظرة الناس، بل تَنبع من صلةٍ بالله. فمن أراد أن يُداوي «قلق المقارنة» فليُقلّل النظر إلى ما في أيدي الناس، ويُكثر الذكر والرضا بما قَسَم الله؛ فثَمّ تَسكن النفس.

مقصد السكينة عند الشدّة

﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]

تُبيّن الآية أنّ السكينة عطاءٌ ربّانيٌّ يُنزِّله الله على القلب وقت الشدّة فيَثبت ولا يَنهار تحت ضغط الخوف. ومقصدها تعليقُ القلب بمن يُنزِّل السكينة لا بالأسباب وحدها، فيواجه المؤمن أزماته بثباتٍ مصدرُه ثقتُه بالله وحُسن ظنّه به، لا قوّته الذاتيّة التي قد تَخذله. ولاحظ أنّ السكينة تُورِث إيماناً مزيداً؛ فالشدائد التي تُواجَه بثقةٍ بالله تَزيد القلب رسوخاً لا انكساراً.

مقصد الرجاء: حظر اليأس والقنوط

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]

مقصد الآية فتحُ باب الأمل على مصراعيه في وجه المذنب المثقَل، ومنعُ اليأس الذي يَدفع صاحبه إلى مزيدٍ من السقوط. وتأمّل لطفها: نادتهم ﴿يَا عِبَادِيَ﴾ بالإضافة المُكرِّمة رغم إسرافهم، ونَهتهم عن القنوط، ثم بشّرتهم بمغفرة الذنوب «جميعاً» بلا استثناء. فهي علاجٌ نفسيٌّ بليغ لمن يُعذِّب نفسه بماضيه ويَحبسها في سجن الذنب؛ تُعيد له الرجاء وتَستنقذه من قبضة القنوط، إذ سعةُ رحمة الله أوسع من كلّ ذنب، واليأس من رَوح الله أشدّ خطراً من الذنب نفسه.

مقصد اليُسر بعد العُسر

﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ۝ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥-٦]

كرّر القرآن البشرى مرّتين توكيداً وتثبيتاً: أنّ العُسر لا يدوم، وأنّ اليُسر مَعه ومُلازمٌ له لا بعيدٌ عنه؛ ودقّةُ التعبير ﴿مَعَ الْعُسْرِ﴾ لا «بعد العسر» تُشير إلى أنّ الفرج أقرب ممّا يَظنّ المكروب. ومقصدها تثبيتُ النفس وقت الضيق بيقين الفَرَج، فلا تستسلم للحظة العُسر وتَحسبها نهاية الطريق. ومن استبطن هذا المقصد قابل المحن بصبرٍ واثقٍ من قرب المخرج، فلا تَكسره الشدّة ولا يَطول عليه أمدُ البلاء.

مقصد الصبر والبُشرى

﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ۝ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥-١٥٦]

يُعلّم القرآن النفسَ كيف تَستقبل المصيبة لا بالجزع بل بكلمةِ الاسترجاع التي تُعيد ترتيب التصوّر: أنّ كلّ شيءٍ لله ومرجِعه إليه، فيَهون المصاب. ومقصدها بناءُ نفسٍ صبورٍ متوازنةٍ لا تَنهار عند الفقد. فهي علاجٌ وقائيٌّ يُسلِّح القلب قبل وقوع البلاء، ويَجعل المؤمن مُستعِدّاً لتقلّبات الحياة بثباتٍ ورضا.

خاتمة السلسلة

بهذا المقال تكتمل عشرُ محطّاتٍ أخذناك فيها من تحرير المفهوم وضبط المصطلح، إلى تمييزه عن أخواته، فتاريخه، فمقاصده الكبرى، فأعلامه، فضوابطه، فثمرته، ثم تطبيقاته الثلاثة في السلوك والمجتمع والنفس. وحاصلُ السلسلة كلِّها أنّ التفسير المقاصدي ليس ترفاً علميّاً ولا تكلّفاً في الفهم، بل منهجٌ يُعيد للقرآن وظيفته التي أُنزل لها: أن يَهديَ العقل، ويُزكّيَ النفس، ويُصلِح المجتمع، ويُطمئن القلب. ونسأل الله أن يجعلنا من أهل القرآن الذين يقرؤونه فيَعيشونه، ويَتدبّرونه فيَهتدون به، وأن يَنفع بهذا المشروع كاتبَه وقارئَه. والحمد لله ربّ العالمين.

— تمّت السلسلة، والحمد لله ربّ العالمين —

| خلاصةٌ للحياة عند كلّ ضيقٍ أو قلق، اجعل لك «آية طمأنينة» تَفزع إليها — كآية الرعد أو الشرح — فاقرأها متمهّلاً دقيقتين متأمّلاً مقصدها لا حروفها فقط. فالقرآن أَنزله الله شفاءً لما في الصدور، ومن قرأه طلباً لهذا المقصد وجده سكينةً تَنزل على قلبه بإذن الله. | |---|

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ