التفسير القرآنيّ بين تجدّد الواقع وتجدّد الأدوات: الذكاء الاصطناعيّ نموذجاً
قراءةٌ أصوليّةٌ في موقع الذكاء الاصطناعيّ من تطوّر علم التفسير
المؤتمر العلميّ الدوليّ الأوّل — مركز المعرفة للبحوث والتعليم (ماليزيا)
ماليزيا
يونيو ٢٠٢٦
بالتعاون مع كلّيّة الشريعة والدراسات الإسلاميّة بجامعة قطر وأكاديميّة الأئمّة بأمريكا — محور «الدراسات الإسلاميّة والعربيّة في عصر الذكاء الاصطناعيّ: التحدّيات والآفاق»
23
العربية
ملخَّص البحث
تُعالِجُ هذه الورقةُ سؤالاً معرفيّاً يتجاوزُ الاستعمالَ التقنيَّ المباشرَ للذكاء الاصطناعيّ في التفسير إلى ما هو أعمق: هل التفسيرُ القرآنيُّ علمٌ قابلٌ للتجدّد استجابةً لتجدّد الواقع وتجدّد أدوات المعرفة، وأين يقعُ الذكاءُ الاصطناعيُّ من هذا المسار؟ وتقترحُ الورقةُ منهجاً لقراءة تاريخ التفسير بوصفه سلسلةً من استيعاب أدوات المعرفة المتعاقبة (الرواية، اللغة، المنطق، المقاصد، الدراسات الأدبيّة)، ثمّ تُنزِّلُ عليه سؤالَ الذكاء الاصطناعيّ قياساً واختباراً. وتخلُص — عبر تحليلٍ مفهوميٍّ وحالةٍ توضيحيّةٍ مطبّقةٍ على نموذجٍ لغويٍّ مُسمّى — إلى أنّ الذكاء الاصطناعيّ أداةٌ معرفيّةٌ معزِّزةٌ في وظيفته، يحمل احتمالَ تحوّلٍ بنيويٍّ مرهونٍ بشروطٍ محدّدة، وأنّ موقعَه الصحيح هو «المفسِّر المعزَّز لا المفسِّر البديل». وتُسهِم الورقةُ بمعيارٍ أصوليٍّ للتمييز بين الخطأ الإحصائيّ والزيف الإسناديّ في مخرجات النماذج.
النص الكامل
⏱ 16 دقيقة قراءةيطيب للباحث أن يتقدّم بخالص الشكر والتقدير للجنة المنظِّمة للمؤتمر — مركزِ المعرفة للبحوث والتعليم بماليزيا، وكليةِ الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر، وأكاديميةِ الأئمة بأمريكا — على إتاحة فرصة المشاركة في هذا المحفل العلميّ. ويَوَدُّ الباحثُ أن يُسجّل أنّ إعدادَ هذه الورقة قد نبّهه إلى مشروعٍ بحثيٍّ أوسعَ يعتزم النهوضَ به، يكون مصنَّفاً مرجعياً في «تطوّر التفسير عبر أدوات المعرفة»؛ مشروعٌ لا يتقيّد بالذكاء الاصطناعي وحدَه وإن تطوّر، بل يجعله حلقةً واحدةً في سلسلة أدوات التجدّد، لا صانعاً للتفسير ولا مؤثّراً مستقلاً في حركته. فهذه الورقةُ نواةٌ لذلك المشروع، يرجو الباحثُ أن تَجِد من الجهة العلمية المحكِّمة عنايةً وتبنّياً ومتابعةً لتطوّرها.
مقدمة
الحمد لله الذي أنزل القرآن هدىً للناس، والصلاة والسلام على من بُعث معلّماً ومبيّناً، وبعد؛ فقد كان التفسيرُ على الدوام جسرَ الأمة إلى فهم كتابها، يتجدّد عطاؤه بتجدّد أسئلة الواقع وأدوات المعرفة مع ثبات النص وقطعيّاته. وفي عصرنا برز الذكاءُ الاصطناعيُّ أداةً معرفيةً جديدةً، فتجدّد السؤالُ القديمُ في صورةٍ جديدة: أين يقع من علاقة التفسير بأدوات كل عصر؟
ولأنّ هذا السؤال هو لبُّ محور المؤتمر — الدراسات الإسلامية في عصر الذكاء الاصطناعي — تتبنّى الورقةُ زاويةً تحليليةً قوامُها ثنائيةُ «تجدّد الواقع وتجدّد الأدوات»، وتجعل الذكاءَ الاصطناعيَّ نموذجاً تطبيقياً لتجدّد الأدوات. والمساهمةُ المركزيةُ للورقة منهجيةٌ: اقتراحُ منهجٍ لقراءة تاريخ التفسير عبر أدوات المعرفة، يكون فيه النقاشُ التقنيُّ حول الذكاء الاصطناعي تطبيقاً على المنهج واختباراً له، لا أصلاً يقوم عليه؛ فموضعُ الأصالة في المنهج التاريخيّ–المعرفيّ لا في الجانب التقنيّ المتغيّر.
وتسير الورقةُ في تمهيدٍ يضع التعريف الإجرائيّ للتجدّد، ثم مبحثٍ في قابلية التفسير للتجدّد، فمبحثٍ في أنماط استيعاب أدوات المعرفة عبر العصور (مع فصلٍ تأسيسيٍّ موجزٍ في التحوّلات الكبرى)، فمبحثٍ ثالثٍ هو قلبُ الورقة في طبيعة الذكاء الاصطناعي ومعالجته المعرفية والأصولية، فمبحثٍ رابعٍ في الإطار التكامليّ مع حالةٍ توضيحيةٍ مطبَّقة، ثم خاتمةٍ وتوصيات.
مشكلة الورقة وأسئلتها
تكمن المشكلة في غياب قراءةٍ تأصيليةٍ تربط الذكاء الاصطناعي بمسار تجدّد أدوات التفسير، بدل القراءات التقنية المجزّأة. وأسئلتُها: ما مفهومُ التجدّد التفسيريّ وضوابطُه؟ وكيف استوعب التفسيرُ أدواتِ المعرفة عبر عصوره؟ وهل الذكاءُ الاصطناعيُّ أداةٌ معزِّزةٌ أم تحوّلٌ في بنية المعرفة؟ وما المعيارُ الأصوليُّ لقبول مخرجاته أو ردّها؟ وما ملامحُ الإطار التكامليّ بين المفسِّر والآلة؟
أهداف الورقة وأهميتها
تهدف الورقةُ إلى تأصيل مفهوم التجدّد، وقراءةِ تاريخ التفسير عبر أدوات المعرفة، وتحريرِ موقع الذكاء الاصطناعي منه، وبناءِ معيارٍ أصوليٍّ لمخرجاته، وصوغِ إطارٍ تكامليٍّ يحفظ مركزية المفسِّر ويُبرز البعد التربويّ. وتبرز أهميتُها في نقل النقاش من المستوى التقنيّ إلى المستوى المعرفيّ–الأصوليّ، وفي تزويد المؤسسات الشرعية والتعليمية بتصوّرٍ منضبطٍ لموقع الأداة الجديدة.
الدراسات السابقة
تتوزّع الدراساتُ على مسارات: مسارُ التجديد وتاريخ التفسير (الرابطة المحمدية للعلماء، ومركز تفسير للدراسات القرآنية)، ومسارٌ تقنيٌّ لمعالجة اللغة الطبيعية في الدراسات القرآنية، ومسارٌ شرعيٌّ ضابطٌ. ومن الإنتاج العربيّ المعاصر المتّصل ببيئة المؤتمر: قرارُ مجمع الفقه الإسلامي الدولي رقم 258 (3/26) بشأن «الذكاء الاصطناعي: أحكامه وضوابطه» الصادرُ في الدوحة 2025، إضافةً إلى بحوث أكاديمية الفتوى ودراسات الهلوسة والتحيّز.
وتأكيداً للاطّلاع على الحقل العالميّ، تُفيد الورقةُ من أدبيات الإنسانيات الرقمية وفلسفة التقنية: فجيروم مكغان في Radiant Textuality بحث أثرَ الوسائط الرقمية في نظرية النص وتأويله، وجوانّا دروكر ناقشت توتّر المنهج الحوسبيّ مع المقاربة الإنسانية، ودون آيدي أسّس «الهرمنيوطيقا المادية» في علاقة الإنسان بالتقنية بوصفها وسيطاً تأويلياً. وفي حقل الذكاء التفسيريّ القابل للتفسير (Explainable AI) بُحث توترُ الأمانة (Faithfulness) مع المعقولية في مخرجات النماذج، وقُيِّمت أمانةُ المحتوى الإسلاميّ المولَّد بأطرٍ وكيليةٍ تربط المخرجات بمراجعها.
وتُقارَن هذه التجاربُ بتجارب رقمنة النصوص المقدسة في تقاليد أخرى — كالدراسات الكتابية الرقمية ومنصّات النصوص اليهودية (سفاريا) ومشاريع فهرسة التلمود — مع تسجيل فارقٍ جوهريّ: فرقمنةُ النصوص في التقليدين اليهوديّ والنصرانيّ تعالج في جانبٍ منها أزمةَ غياب السند المتّصل عبر النقد النصّيّ الآليّ للمخطوطات المكتوبة وموازنةِ رواياتها؛ بينما عمادُ القرآن وعلومِ تفسيره الإسنادُ الشفهيُّ المتّصلُ والملكةُ المأخوذةُ بالتلقّي والإجازة. وتأتي هذه الورقةُ لتجمع التاريخَ والتقنية في منهجٍ واحدٍ أقوى مساهماته «قراءة التفسير عبر أدوات المعرفة».
منهج الورقة وحدودها
تعتمد الورقةُ منهجاً تاريخياً–تحليلياً نقدياً: تستقرئ أنماطَ استيعاب التفسير لأدوات المعرفة، وتحلّل المفاهيم المركزية، وتقرأ طبيعةَ الذكاء الاصطناعي نقدياً، وتعزّز ذلك بحالةٍ توضيحيةٍ مطبَّقة. وحدودُها طبيعيةُ ورقةِ مؤتمرٍ: تقتصر على التفسير وعلوم القرآن من حيث صلتُهما بأدوات المعرفة، وعلى الذكاء الاصطناعي من حيث أثرُه المعرفيّ لا تفصيلُه الهندسيّ، وعلى عيّنةٍ توضيحيةٍ من ثلاث آياتٍ ونموذجٍ لغويٍّ واحدٍ مسمّى.
وتصريحاً بمواضع القوة والقصور: الشواهدُ التاريخيةُ المختارةُ تمثيليةٌ لا حاصرة، تكشف نمطاً وتُسوّغ فرضيةً قابلةً للاختبار لا قانوناً حتمياً؛ والحالةُ التطبيقيةُ مؤشّرٌ توضيحيٌّ واحد لا أساسٌ لتعميمٍ إحصائيّ. وهذه حدودٌ مناسبةٌ لحجم ورقة المؤتمر، تُبقي الأطروحةَ متوازنةً مع دليلها.
التمهيد: التفسير بين الثبات والتجدّد
القرآن كلامُ الله المحفوظ بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾؛ فثبت بذلك نصُّه، وتجدّد فهمُ الناس له بتجدّد أدوات النظر وأسئلة الواقع. فالتفسيرُ إذاً ميدانٌ يلتقي فيه ثباتُ المصدر وقطعيّاتِه بتغيُّر المناهج وزوايا النظر؛ وهذه الثنائيةُ أحدُ أسرار بقائه حيّاً متجدّد العطاء دون مساسٍ بالنص.
التعريف الإجرائي للتجدّد التفسيري
يُقصد بالتجدّد التفسيريّ: إنتاجُ فهمٍ جديدٍ للنص الثابت باستيعاب أداةٍ معرفيةٍ مستجدّةٍ أو استجابةً لسؤالٍ واقعيٍّ جديد، مع الاتصال بأصول الاستنباط وعدم مصادمة القطعيّ. وتمييزاً له عمّا يجاوره: فـالاختلافُ تعدّدٌ أفقيٌّ في الأقوال دون ترقٍّ في الأداة؛ والتطوّرُ تراكمٌ تاريخيٌّ هو وعاءُ التجدّد؛ والانحرافُ خروجٌ عن الأصول أو مصادمةٌ للقطعيّ بدعوى التجديد. وقد حرّر شُرّاحُ حديث التجديد المفهومَ بأنه إحياءُ ما اندرس من فهم الكتاب والسنّة لا تبديلُ الأصول، وعليه فالتعريفُ الإجرائيُّ هنا امتدادٌ منضبطٌ لتحريرات السابقين.
وبهذا الضابط يُفصَل في مسائلَ مشكِلة؛ ومنها التفسيرُ الإشاريُّ (الصوفيّ): فما وافق منه ظاهرَ اللفظ ولم يصادم محكماً وكان للّفظ به احتمالٌ، فهو إشارةٌ مقبولةٌ من باب التجدّد لا تفسيرٌ يُدّعى أنه المرادُ الأوحد؛ وما صادم الظاهرَ أو القطعيَّ أو ادّعى الحصرَ فهو من الانحراف. فالضابطُ واحدٌ يُطبَّق على القديم والجديد سواء.
المبحث الأول: قابلية التفسير للتجدّد
التفسيرُ لغةً من الفَسْر، وهو الكشفُ والإبانة. واصطلاحاً عرّفه الزركشيُّ بأنه «علمٌ يُفهَم به كتابُ الله، وبيانُ معانيه، واستخراجُ أحكامه وحِكَمه»، وعرّفه أبو حيّان بأنه «علمٌ يُبحَث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن ومدلولاتها وأحكامها الإفرادية والتركيبية ومعانيها التي تُحمَل عليها حالةَ التركيب»، وهو حدٌّ يَعدّه الباحثُ من أجمع الحدود لاشتماله على اللفظ ودلالته وحكمه ومعناه التركيبيّ.
والمتأمّلُ يلحظ أنّ هذه الحدود تُقيم التفسيرَ على فعلٍ بشريٍّ متجدّدٍ: فهمٌ وبيانٌ واستخراج، تتفاوت بتفاوت آلة الفاهم وأدوات عصره؛ فـقابليةُ التفسير للتجدّد كامنةٌ في حقيقته لا طارئةٌ عليه. ويعزّزه التفريقُ بين التفسير والتأويل، إذ بابُ ترجيح المحتملات بابٌ مفتوحٌ لتجدّد النظر ما دام منضبطاً بالأصول.
وأسبابُ التجدّد ثلاثةٌ متضافرة: تجدّدُ الوقائع التي تطرح أسئلةً جديدة، وتطوّرُ العلوم التي تُمدّ التفسيرَ بأدوات، وتغيّرُ أدوات المعرفة ووسائطِها — وهو محور الورقة. وهنا يلزم تمييزٌ دقيق: فثَمّ وسيلةٌ تقنيةٌ تنقل وتحفظ دون أثرٍ في الفهم، وثَمّ أداةٌ معرفيةٌ تتوسّط في إدراك المعنى وتنظيمه فتغيّر طريقةَ الوصول إلى النص أو التفكير فيه. وبهذا المعيار يُعَدّ المنطقُ والطباعةُ والذكاءُ الاصطناعيُّ من جنس الأدوات المعرفية. ومعيارُ «الأداة المؤثّرة» أن تُغيّر طريقةَ الوصول إلى النص أو تنظيمَه، أو تُوسّع طاقةَ المفسِّر في المعالجة، أو تُدخل زاويةَ نظرٍ جديدةً، دون مساسٍ بالنص؛ وعليه يُقاس الذكاءُ الاصطناعيُّ في المبحث الثالث.
المبحث الثاني: أنماط استيعاب أدوات المعرفة عبر العصور
لا يُقصد سردُ التاريخ بل تحليلُ كيف استوعب التفسيرُ في كل طورٍ أداةَ المعرفة الجديدة. والأعلامُ شواهدُ تمثيليةٌ منتقاةٌ لا استقراءٌ تامّ، ويُختم كلُّ نمطٍ بالسؤال: ما الأداةُ التي استوعبها هذا الطور؟
النمط الروائيّ (أداة الرواية والإسناد)
مناطُ الاستشهاد هنا أنّ الترجيح صار عند الطبريّ صنعةً منهجيةً منضبطةً بمعايير، لا مجرّد جمعٍ للأقوال. فهو يَسوق المرويَّ بأسانيده ثم يحسم بصيغته اللازمة: «وأَولى الأقوال في ذلك بالصواب…»، ويُعلّل اختيارَه بأصولٍ مرتّبة. وقد استقرأت دراسةٌ علميةٌ ترجيحاتِه فوجدت أنّ أكثرَ ما يستند إليه: «إجماعُ الحجة من أهل التأويل، ثم دلالةُ سياق الآيات، ثم المعروفُ المستفيض في لغة العرب»، وهذا التراتبُ في أدوات الترجيح هو عينُ النقلة المعرفية: تحويلُ التفسير من نقلٍ إلى نقدٍ وموازنةٍ بمعيار. فالأداة المستوعَبة: الروايةُ والإسنادُ ونقدُ المنقول.
النمط اللغويّ–البلاغيّ (أداة اللغة والبلاغة)
ومناطُ الاستشهاد أنّ الزمخشريَّ يُولّد المعنى من البلاغة لا يَصِفها فحسب. فعند قوله تعالى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ يقف على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب فيقول ما حاصلُه: إنّه لمّا أُجريَت على الله صفاتُ الحمد والربوبية والرحمة والمُلك، «تعلّق العلمُ بمعلومٍ عظيم الشأن، فخوطب ذلك المعلومُ المتميِّز بتلك الصفات، فقيل: إيّاك نخصُّ بالعبادة، لتكون العبادةُ أدلَّ على اختصاصه بالاستحقاق»، فالبلاغةُ هنا أداةُ كشفٍ عن سرِّ الخطاب، وهي النقلةُ المعرفية. فالأداة المستوعَبة: اللغةُ والبلاغة.
النمط الكلاميّ–الفلسفيّ (أداة المنطق والنظر العقليّ)
ومناطُ الاستشهاد أنّ الرازيَّ نقل التفسيرَ إلى بناءٍ استدلاليٍّ على هيئة «مسائل» تُفرَّع وتُناقَش بأدوات المنطق، حتى إنّه عند الاستعاذة والبسملة عقد عشراتِ المسائل في مباحثَ لغويةٍ وعقليةٍ متدرّجة، فهذا التنظيمُ «المسائليُّ» أداةٌ معرفيةٌ في هندسة النظر، نافعةٌ متى انضبطت بالأصول، منقودةٌ متى استطالت المقدّماتُ الفلسفيةُ على دلالة النص. فالأداة المستوعَبة: المنطقُ والنظرُ العقليّ.
النمط المقاصديّ–الإصلاحيّ (أداة المقاصد والنظر الاجتماعيّ)
ومناطُ الاستشهاد أنّ ابن عاشور قدّم بين يدي تفسيره «عشرَ مقدماتٍ» تأصيليةً جعل منها أداةً ناظمةً سابقةً على التطبيق، ونصّ على أنّ من أهمّ أغراض المفسِّر بيانَ «ما تتضمّنه الآياتُ من المقاصد والحِكَم»، وبنى تفسيرَه على نظرية النظم، فجَعْلُ المقاصد والنظم إطاراً حاكماً للتفسير هو النقلةُ المعرفية في هذا الطور. فالأداة المستوعَبة: المقاصدُ والنظرُ الاجتماعيّ الناشئ.
النمط الأدبيّ–الموضوعيّ (أداة مناهج الدراسات الأدبية والتفسير الموضوعيّ)
ومناطُ الاستشهاد أنّ هذا الطور صرّح بأداته المنهجية تصريحاً. فأمين الخولي أصّل «التفسير الأدبيّ» وجعل أوّلَ خطواته دراسةَ القرآن «دراسةً أدبيةً» يُتناول فيها النصُّ بوصفه نصاً عربياً بيانياً قبل كل شيء، وبنت الشاطئ طبّقت ذلك في «التفسير البياني» على أسسٍ منهجيةٍ صريحة، منها: التناولُ الموضوعيُّ بجمع كل ما في القرآن من النظير، وتلمُّسُ دلالة اللفظ بالاستقراء في القرآن كلِّه، وجعلُ سياق القرآن حاكماً، ودرّاز في «النبأ العظيم» برهن على دقة النظم القرآنيّ وإحكام تناسبه، ويُذكر سيّد قطب صيغةً حركيةً–أدبيةً من النمط («التصوير الفنّي» مع البُعد الحركيّ) لا النموذجَ الوحيد له، فالتصريحُ بأخذ النص بمناهج الدرس الأدبيّ الحديث هو النقلةُ المعرفية. فالأداة المستوعَبة: مناهجُ الدراسات الأدبية والتفسيرُ الموضوعيّ.
التحليل المقارن
تكشف هذه الشواهدُ نمطاً متكرّراً — لا قانوناً حتمياً — في أربع مراحل: ظهورُ أداةٍ ونضجُها، فاختبارُها على الأصول قبولاً أو ردّاً، فاستيعابُها بما يَخدم الفهم، فرسوخُها في عُدّة التفسير. والمتغيّرُ الأداةُ وزاويةُ النظر، لا النصُّ ولا هذا النمط؛ وهذا الاستخلاصُ لبُّ مساهمة الورقة، ويجعل النظرَ في الذكاء الاصطناعي مؤسَّساً على فرضيةٍ قابلةٍ للاختبار.
الفصل التأسيسي الموجز: التحوّلات المعرفية الكبرى
يضع هذا الفصلُ الذكاءَ الاصطناعيَّ في سلسلةٍ مفهومة: فالكتابةُ والتدوينُ ثبّتا المتون ومكّنا المراجعةَ والنقد؛ والطباعةُ وسّعت الإتاحةَ ونمّطت المتون وغيّرت سلطةَ النشر؛ والفهارسُ والموسوعاتُ نظّمت المعرفةَ ويسّرت الوصول؛ والحاسوبُ والمكتباتُ الرقمية أدخلا البحثَ الآليَّ ووسّعا طاقةَ المقارنة؛ والإنترنتُ زعزع مركزيةَ سلطة النشر والتلقّي. وكلُّها أدواتٌ معرفيةٌ بقيت طوعَ العالِم؛ ويبقى السؤالُ: هل الذكاءُ الاصطناعيُّ التوليديُّ حلقةٌ على جنسها، أم يتجاوزه إلى ما يمسّ بنيةَ تولّد المعرفة؟ وذلك مبحثُ المبحث الثالث.
المبحث الثالث: الذكاء الاصطناعي — أداةٌ معزِّزة أم تحوّلٌ بنيويّ؟
هذا البابُ قلبُ الورقة، ويُعالَج فيه السؤالُ المعرفيُّ الأعمقُ معالجةً موسَّعةً تتناسب مع محور المؤتمر.
من الأداة إلى البنية: تمييزٌ مفهوميّ
الأداةُ المؤثّرةُ تَعمل داخل البنية القائمة فتوسّعها مع بقاء العالِم مركزَ الحكم؛ والتحوّلُ البنيويُّ يَمسّ البنيةَ ذاتَها: مَن يُنتج المعرفة، وكيف تُكتسب الثقةُ بها، وأين تستقرّ سلطةُ التصديق. والميزانُ: أتبقى الأداةُ طوعَ العالِم، أم تنتقل إلى موقعٍ يُنتج قولاً يُتلقّى مستقلاً عن وساطته؟
تحرير مفهوم إنتاج المعرفة
للمفهوم مستوياتٌ أربعة: الإنتاجُ (توليدُ معرفةٍ صادقةٍ جديدةٍ بفهمٍ وقصد)، والتركيبُ (إعادةُ ترتيب المعلوم)، والاسترجاعُ (استدعاءُ المخزون)، والمحاكاةُ (صورةٌ لفظيةٌ تُشبه المعرفةَ دون فهمٍ أو صدقٍ مرجعيّ). وهذا التحريرُ يَقي من عدّ كل مخرجٍ «معرفةً» لمجرّد ورودِه في صورة الكلام العالِم.
طبيعة النماذج اللغوية الكبيرة
تقوم هذه النماذجُ على التنبّؤ الاحتماليّ بالكلمة التالية وفق أنماطٍ إحصائية، فتختار الأرجحَ إحصائياً لا الأصدقَ مرجعياً؛ وعبّر تيارٌ نقديٌّ عن ذلك بـ«الببغاء العشوائيّ»، مع ردٍّ يرى أنّ اختزالها في «التنبّؤ» يُغفِل قدراتٍ أعقد. وموضعُ الاتفاق الكافي: أنها بلا مرجعٍ خارجيٍّ ذاتيٍّ للحقيقة ولا قصدٍ، فتقع في «الهلوسة»؛ وقد بُحث توترُ الأمانة (Faithfulness) والمعقولية في مخرجاتها ضمن أدبيات الذكاء القابل للتفسير.
أثر التحوّل على بنية المعرفة الشرعية
ينعكس هذا التحوّل على ثلاثة مواضع: سلطةُ التصديق (تقديمُ قولٍ بلا إسنادٍ ولا أهلية)، وآليةُ التحقّق (اختلاطُ الصحيح بالمُهَلوَس في ثقةٍ ظاهريةٍ واحدة)، وموقعُ العالِم (انزلاقُه من منتِجٍ مسؤولٍ إلى مراجعٍ لمخرجات). وهذه أَولى بالعناية لأنها تمسّ بنيةَ الثقة في العلم.
خصوصية الإسناد والتلقّي: حائط صدٍّ أمام السيولة الرقمية
ممّا يميّز المعرفةَ الشرعيةَ ويصونها من السيولة الرقمية أنّ عمادها ليس النصَّ المكتوبَ وحدَه، بل بنيةُ التلقّي المشافهةِ والإجازةِ العلمية؛ فالقرآن أُخذ بالتلقّي المتواتر، وعلومُه ومَلَكةُ التفسير تُكتسب بصحبة العلماء والسماع والإجازة لا بمجرّد قراءة المتون. والذكاءُ الاصطناعيُّ — مهما اتّسعت مدوّناتُه — يعجز عن محاكاة هذه البنية؛ لأنها ليست بياناتٍ نصّيةً تُعالَج، بل علاقةُ تلقٍّ وتزكيةٍ وملَكةٍ تنتقل بين الأشخاص. وبهذا تكون بنيةُ التلقّي والإجازة حائطَ صدٍّ يحمي صميمَ المعرفة الشرعية من أن يُختزل في مخرجاتٍ رقميةٍ منقطعةِ السند، ويُبقي للأهلية والإسناد موقعَهما الذي لا تبلغه الآلة.
الهلوسة من منظور أصوليّ: الخطأ الإحصائيّ والزيف الإسناديّ
يلزم التمييزُ شرعياً بين أمرين: الخطأ الإحصائيّ وهو لازمُ طبيعة التنبّؤ الاحتماليّ، لا قصدَ فيه؛ والزيف الإسناديّ وهو أن يولّد النموذجُ نسبةً (آيةً أو حديثاً أو قولَ مفسّرٍ) لا أصلَ لها. والآلةُ وإن انتفى عنها «الكذب» بالمعنى الأخلاقيّ لانتفاء القصد، فإنّ اعتمادَ العالِم لهذا الزيف ونشرَه يدخل في «القول على الله بلا علم» و«الكذب على رسوله» المنهيِّ عنه أشدَّ النهي. ومحاكاةُ صورة الإسناد ليست إسناداً؛ لأنّ الإسناد توثيقٌ تاريخيٌّ لطريق النقل لا صياغةٌ لفظيةٌ تُحاكي شكله.
ومن ثَمّ يُقترح معيارٌ أصوليٌّ لقبول مخرجات النموذج أو ردّها: فلا يُقبل ما تضمّن نسبةً إلى الشرع إلا بعد التحقّق من المصدر الأصليّ. والتكييفُ الأدقّ لهذه المخرجات أنها أشبهُ بـالوِجادة غير الموثَّقة — أي ما يجده الناظرُ مكتوباً بلا سندٍ متّصلٍ ولا سماعٍ — فيُستأنس به ولا يُحتجّ به حتى يُسنَد إلى أصلٍ موثَّق. وأمّا تنزيلُها منزلةَ «خبر مجهول الحال» فإنما يصحّ من حيث الإجراءُ العمليُّ (التوقّف والتحرّي) لا من حيث العلّةُ الإسنادية؛ لأنّ مجهولَ الحال آدميٌّ مكلَّفٌ يصحّ منه الصدقُ والكذبُ وعلّةُ التوقّف جهالةُ عدالته، أمّا الآلةُ فجمادٌ غيرُ مكلَّفٍ ومخرجاتُها توليدٌ إحصائيٌّ لا إخبار، فلا توصف بعدالةٍ ولا جرح. ويقرّبه قياسٌ مساعدٌ على سهو الحافظ؛ فكما لا يُحتجّ بما تطرّق إليه احتمالُ الوهم حتى يُتثبَّت منه، فكذلك مخرجاتُ النموذج. فالأصلُ فيها التوقّفُ حتى التوثيق لا القبولُ حتى التكذيب.
مسألتان نقديتان: «الاجتهاد الآليّ» والتحيّز الكامن
لا يصحّ — في تقدير الورقة — إطلاقُ «اجتهاد» على مخرجات النموذج بالمعنى الشرعيّ؛ لأنّ الاجتهاد بذلُ الوُسع من أهلٍ مكلَّفٍ قاصدٍ متحمّلٍ للتبعة، والآلةُ لا قصدَ لها ولا أهليةَ ولا تكليف؛ فالأدقُّ تسميتُها «توليداً آلياً» لا «اجتهاداً آلياً». وأمّا التحيّزُ الكامن فخطرٌ حقيقيٌّ في نماذجَ غُذّيت ببياناتٍ غالبُها غيرُ إسلاميٍّ أو مترجَم؛ إذ تَحمل مسبقاتٍ دلاليةً وثقافيةً قد تنعكس على التراكيب التفسيرية (كاختيار المقابلات اللفظية وترجيحِ معانٍ تخالف اصطلاح الشرع)؛ وهو يقتضي بناءَ نماذجَ مخصّصةٍ على مدوّناتٍ تفسيريةٍ موثّقةٍ، ومراجعةَ المتخصّصين، وعدمَ التسليم بحياد الأداة.
مأزق الصندوق الأسود والنماذج الاحتكارية
ثَمّ خطرٌ معرفيٌّ أعمقُ من الهلوسة والتحيّز المفردين: وهو أنّ النماذج المغلقة المصدر (Proprietary) الخاضعةَ لفلاترَ تجاريةٍ وضبطٍ سلوكيٍّ (Alignment) تُجريه شركاتٌ غيرُ إسلاميةٍ وفق قيمها ومصالحها، تمثّل صندوقاً أسودَ لا تُعرَف معاييرُ ترجيحه ولا مصادرُ تهذيبه؛ فإذا تسرّبت مخرجاتُه إلى المعرفة الشرعية صار جزءٌ من سلطة التصديق فيها رهيناً بقراراتٍ تجاريةٍ خارجةٍ عن الأهلية الشرعية. ومن ثَمّ فإنّ الانتقال من عتبة «الأداة المعزِّزة» إلى «التحوّل البنيويّ الآمن» مشروطٌ ببناء نماذجَ إسلاميةٍ مفتوحةِ المصدر، تُبنى وتُهذَّب وتُراجَع داخل بيئاتٍ علميةٍ شرعية، يكون فيها معيارُ الضبط والتصديق بيد أهل العلم لا بيد المزوِّد التجاريّ.
الترجيح: تحوّلٌ محتملٌ مرهونٌ بشروط
بعرض الذكاء الاصطناعي على المعيار يظهر — في إمكانه البنيويّ لا في واقع نماذجه التجارية الحالية — أنّه قادرٌ على أن يكون أداةً معرفيةً معزِّزةً تنتسب إلى مسار التجدّد (بتغيير الوصول والتنظيم، وتوسيع المعالجة، وإمكان إدخال زاوية نظر)؛ أمّا مخرجاتُ النماذج العامة الراهنة فما تزال دون هذه العتبة كما أظهر الجدول. ويُوحَّد الموقفُ من دعوى «التحوّل البنيويّ» على أنه تحوّلٌ محتملٌ مرهونٌ بشروط لا واقعٌ حتميٌّ ولا منفيٌّ بإطلاق. وعتبةُ التحوّل أن يتحقّق شرطان: أن تُتلقّى مخرجاتُه بوصفها قولاً تفسيرياً مستقلاً يُعتمد بلا مراجعة عالِمٍ مؤهَّل، وأن تنتقل سلطةُ التصديق من العالِم إلى النظام. فدون هاتين العتبتين يبقى أداةً معزِّزةً (امتداداً للتجدّد)، وعندهما يصير تحوّلاً بنيوياً يمسّ موقعَ إنتاج المعرفة (مظِنّةَ انقطاع). فالعبرةُ بموقعه من المعادلة لا بذاته.
المبحث الرابع: الإطار التكامليّ وحالة توضيحية
بعد أن تقرّر أنّ الأداة معزِّزةٌ بشرط حفظ مركزية المفسِّر، يُبنى الإطار العمليّ: فالآلةُ تُحسن المعالجةَ والفهرسةَ والبحثَ الدلاليَّ وجمعَ الأقوال والموازنةَ والترجمة (وظائفُ خدمة)، وتعجز عن إدراك مقاصد الشريعة، والوقوفِ على قصد المتكلِّم (المعنى المراد)، والأهليةِ والمسؤوليةِ والحسِّ الإيمانيّ (صميمُ التفسير). ومن ثَمّ تتقرّر مركزيةُ المفسِّر: الأداةُ تُعين ولا تَحكُم، وتَعرِض ولا تُلزِم.
حالة توضيحية مطبَّقة: ثلاث آيات
هذه حالةٌ توضيحيةٌ واحدة — مؤشّرٌ لا أساسٌ لتعميمٍ إحصائيّ — طُبِّقت فعلياً على ثلاث آيات: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56)، ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (الإخلاص: 2)، ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: 30). والنموذجُ المستخدمُ فعلياً: Claude (من شركة Anthropic)، إصدار Opus، بتاريخ يونيو 2026. والأمرُ (Prompt) الموجَّه إليه نصُّه: «فسِّر قوله تعالى [الآية] تفسيراً موجزاً، مبيّناً أقوال المفسّرين فيها». وهذه مخرجاتٌ حقيقيةٌ من النموذج المذكور بالأمر المذكور، تُستعمل حالةً توضيحيةً، وهي قابلةٌ للتكرار بإعادة الأمر نفسِه على النموذج نفسِه (مع تنبيهٍ إلى أنّ مخرجات النماذج قد تتغيّر بتغيّر الإصدار أو ضبط المعامِلات).
مخرجات النموذج (Claude) موجزةً: في الذاريات 56: «الغايةُ من خلق الجن والإنس عبادةُ الله وحده، و﴿ليعبدون﴾ أي ليوحّدوني، واللام للتعليل عند الجمهور». وفي الإخلاص 2: «الصمدُ هو السيد المقصود في الحوائج، الغنيُّ عمّا سواه، وقيل الذي لا جوف له، وقيل الباقي». وفي البقرة 30: «الخليفة آدمُ ومن بعده يخلف بعضُهم بعضاً في عمارة الأرض وتنفيذ أمر الله، وفيه تكريمٌ واستخلافٌ بمسؤولية». وهي مخرجاتٌ تجمع المعنى العامَّ في صياغةٍ سلسةٍ دون عزوٍ مُسنَدٍ دقيقٍ ولا ترجيحٍ مؤصَّل.
وبمقابلتها بأقوال المفسّرين المحقَّقة: عند الطبري نقلُ الأقوال بالأسانيد وترجيحٌ (في الذاريات: العبادة والتذلّل؛ وفي الصمد: تعدّدُ أقوال السلف؛ وفي خليفة: التعاقبُ في عمارة الأرض)، وعند ابن عاشور تحليلٌ لغويٌّ–مقاصديّ (اللام للتعليل؛ والصمدُ السيدُ المقصود؛ والاستخلافُ وعمارةُ الأرض).
ويلخّص الجدولُ الآتي تطبيقَ المعايير الخمسة:
| المعيار | الطبري (المأثور) | ابن عاشور (اللغوي–المقاصدي) | نموذج Claude |
|---|---|---|---|
| دقّة نقل الأقوال | عالية؛ بالأسانيد | عالية؛ تحريرٌ لغويّ | متوسطة؛ أقوالٌ بلا عزوٍ مُسنَد |
| الاتصال بالأصول | وثيق (الرواية) | وثيق (اللغة والمقاصد) | ظاهريّ؛ بلا منهج استنباطٍ مُلزِم |
| عمق المعنى | عميقٌ روائياً | عميقٌ لغوياً–مقاصدياً | تلخيصيٌّ سطحيّ |
| الاتساق | جيد | جيد | جيدٌ ظاهرياً وسلس |
| مواطن الإضافة/الهلوسة | منضبط | منضبط | احتمالُ خلطٍ أو عزوٍ غير محقَّق |
ودلالةُ الحالة (لا بوصفها تعميماً): النموذجُ يُحسن التلخيصَ والإحاطةَ والصياغة، ويَقصُر عن دقة العزو الإسناديّ وعمقِ التأصيل والترجيح، ويبقى عرضةً للزيف الإسناديّ.
قيدٌ منهجيٌّ مهمّ (سدّاً لفجوة القياس): وصفُ الذكاء الاصطناعي في هذه الورقة بـ«المعزِّز» ينصرف إلى إمكاناته البنيوية الكامنة وطاقته الاستيعابية بوصفه جنساً من أدوات المعرفة، لا إلى واقع مخرجات النماذج التجارية العامة الحالية — ومنها Claude بصيغته الراهنة — التي تَبيّن من الجدول أنها ما تزال في طور المساعد التلخيصيّ الذي لا يُدخل زاويةَ نظرٍ استنباطيةً جديدة. فالحكمُ بـ«التعزيز» حكمٌ على الإمكان لا على الواقع الحاليّ، وهذا القيدُ مرعيٌّ في كل موضعٍ تُوصَف فيه الأداةُ بـ«المعزِّزة».
الأثر التربوي والتعليمي
للأداة أثرٌ في تكوين المفسِّر وطالب العلم؛ والمقصودُ بناءُ «المتعلّم المعزَّز» الذي يوسّع اطّلاعَه دون أن يَستعيض بها عن الملَكة العلمية، بشرط «السقالة التربوية»: أنشطةٌ موجَّهةٌ بنقدٍ وتحقّقٍ من المصادر. وقد دلّت دراساتٌ محكَّمةٌ على أنّ أثر الأداة في التفكير النقديّ يتوقّف على طريقة التوظيف لا على الأداة ذاتها.
الضوابط والمخاطر
وضبطاً للإطار، تُذكر المخاطرُ مسألةً فرعية: الهلوسةُ، والتحيّزُ، وغرفُ الصدى. وضوابطُها: اعتمادُ مصادرَ موثوقة، وإشرافُ المتخصصين، وحصرُ دور الأداة في المساعدة لا الإفتاء، والتحقّقُ من كل نسبةٍ، وصونُ مركزية المفسِّر المؤهَّل.
الخاتمة: المفسّر المعزَّز لا المفسّر البديل
تتوّج الورقةُ نتائجَها بأنّ أفق العلاقة الصحيحة هو «المفسِّر المعزَّز بالذكاء الاصطناعي لا المفسِّر البديل»؛ فالأداةُ تُوسّع طاقةَ المفسِّر دون أن تَحلّ محلّ أهليته ومسؤوليته. والجوابُ المحرَّر عن سؤال الورقة: الذكاءُ الاصطناعيُّ أداةٌ معزِّزةٌ في وظيفته، امتدادٌ لمسار التجدّد، يحمل احتمالَ تحوّلٍ بنيويٍّ مرهونٍ بعتبةٍ محدَّدة (تلقّي مخرجاته قولاً مستقلاً، وانتقالُ سلطة التصديق إليه)؛ فدونها امتدادٌ، وعندها انقطاع.
أبرز النتائج
- المساهمةُ المركزيةُ منهجيةٌ: قراءةُ تاريخ التفسير عبر أدوات المعرفة، والنقاشُ التقنيُّ تطبيقٌ عليها لا أصلٌ لها.
- قابليةُ التفسير للتجدّد كامنةٌ في حقيقته، والتجدّدُ يقع في الأدوات والمناهج لا في الأصول، بضوابطَ تفصله عن الاختلاف والتطوّر والانحراف.
- الشواهدُ التاريخيةُ تكشف نمطاً متكرّراً (فرضيةً قابلةً للاختبار) في استيعاب أدوات المعرفة.
- الذكاءُ الاصطناعيُّ أداةٌ معزِّزةٌ، وتحوّلُه بنيوياً محتملٌ مرهونٌ بعتبةٍ محدَّدة.
- التمييزُ الأصوليُّ بين الخطأ الإحصائيّ والزيف الإسناديّ، ومعيارُ التوقّف حتى التوثيق، ورفضُ تسمية مخرجاته «اجتهاداً».
- صونُ مركزية المفسِّر والبعدِ التربويّ شرطٌ لجعل الأداة رافداً للتجدّد لا مظِنّةَ قطع.
التوصيات
توصيات علمية ومنهجية:
- اعتماد القراءة التاريخية–المعرفية إطاراً لفهم الأدوات المستجدّة قبل الحكم عليها.
- تطوير معيارٍ أصوليٍّ إجرائيٍّ لقبول مخرجات النماذج اللغوية في النسب الشرعية وردِّها.
- بناء نماذجَ إسلاميةٍ مفتوحةِ المصدر تُهذَّب وتُراجَع داخل بيئاتٍ علميةٍ شرعيةٍ على مدوّناتٍ تفسيريةٍ موثّقة، خروجاً من «مأزق الصندوق الأسود» في النماذج الاحتكارية وحدّاً من التحيّز الكامن.
توصيات تربوية عملية:
- دمج كفايات التعامل النقديّ مع الذكاء الاصطناعي في مناهج تكوين طالب العلم.
- تصميم أنشطةٍ تعليميةٍ بسقالةٍ تربويةٍ تمنع التلقّي السطحيّ وتُلزِم بالتحقّق من المصادر.
- تأهيل المعلّمين لتوظيف الأدوات مع حفظ مركزية الأستاذ والإسناد العلميّ.
والله الموفّق والهادي إلى سواء السبيل. وكتبه: د. أحمد أبو سيف — في رحاب الحرم الشريف، مكة المكرمة.
الكلمات المفتاحية
صيغة الاستشهاد المقترحة
أبو سيف, أحمد. (2026). التفسير القرآنيّ بين تجدّد الواقع وتجدّد الأدوات: الذكاء الاصطناعيّ نموذجاً. المؤتمر العلميّ الدوليّ الأوّل — مركز المعرفة للبحوث والتعليم (ماليزيا).