أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
العودة إلى المقالات
سلسلة · الحلقة 1
القرآن والحضارة
القرآن والحضارة

القرآن والتأصيل الحضاري

الحلقة الأولى — حين يصنع الوحي الإنسان… تُولد الحضارة

د. أحمد أبو سيف١٢ مايو ٢٠٢٦8 دقائق قراءة

نورٌ يَسبِقُ الخُطى

في ساعات الفجر الأولى، وقَبلَ أن تَضِجَّ الطُّرقات بحركة العابرين، وقَبلَ أن تَستيقظَ الأسواقُ على صَخبها المعتاد، تَتَّجِه الخُطى في هُدوءٍ نحو بيوت الله. وُجوهٌ أَنهَكَها السَّعيُ بالأمس، لكنها ما زالت تَبحث عن النور قَبلَ أن تَبدأ يومًا جديدًا. يَصطفُّ المُصلُّون خَلفَ الإمام صُفوفًا مُتراصَّةً، فكأنَّ البشريةَ تُعيدُ ترتيب عَقلها وقَلبها كلَّ صباحٍ على هُدى السماء.

يَتلو الإمامُ آياتٍ من كتاب الله، فتَنسابُ الكلماتُ في الأرواح، وتُوقِظ في الإنسان معنى وجوده، وتُعيدُ إلى القلب اتزانَه، وإلى العَقل إنارتَه، وإلى النَّفس سَكينتَها. ولَيس القرآنُ هاهنا يُهَيِّئ الإنسانَ للصلاة وحدها؛ بل يُهَيِّئُه للحياةِ كلِّها.

ثم يَنصرفُ الناسُ بعد ذلك إلى دُنياهم؛ هذا إلى مَتجره، وذاك إلى مَصنعه، وآخَرُ إلى جامعته أو مَكتبه — لكنهم جميعًا يَحملون مَعهم شيئًا من ذلك النور الذي سَمِعوه فَجرًا، نورًا يَصوغ الضمير، ويُهَذِّب السُّلوك، ويَجعل العملَ عبادةً، والكَسبَ أمانةً، والسَّعيَ في الأرض امتثالًا لأمر الله. هكذا لم يَكُن القرآنُ يومًا كتابَ عُزلةٍ عن الحياة؛ بل كان كتابَ بِناءٍ للحياة نفسها. لم يُرِد للإنسان أن يَهرُبَ من الدنيا، وإنما أراد له أن يَعمُرَها بروح السماء.

مائدةٌ تَجمع القلوبَ قبل الأَجساد

وفي البيوت تَتجلَّى صورةٌ أُخرى من صُور الحضارة القرآنية: مائدةٌ بَسيطةٌ ربَّما، لكنها تَجمع القلوبَ قَبلَ الأجساد، يَلتفُّ حولها الأبناءُ في دِفءٍ، تَتداخلُ فيها الكلماتُ بالابتسامات، والعتابُ بالمحبة، والثوابُ بالتوجيه. أبٌ حَفِظَ اللهُ به عَقدَ الأسرة، وأُمٌّ نَسجَت بخُيوط الرَّحمة والمَودَّة سَكينةَ البَيت، وأطفالٌ يُراقبون التَّفاصيلَ الصَّغيرة، يَتَرَقَّبون البَسمة، ويَتعلَّمون من الحَركة قبل العبارة.

وربَّما كان السَّقفُ الذي يَجمعُهم مُتواضعًا في نظر الناس، لكنه عظيمُ القيمة بما احتواه من دِفءٍ، وما حَفِظَه من إنسانية، وما صَنَعَه من معانٍ لا تُشترى بالأموال. فليست الحضارةُ في ارتفاع البُنيان وَحده؛ بل في بقاء الإنسان إنسانًا وَسطَ هذا العُمران كلِّه.


القرآنُ نَظرةٌ حضاريةٌ مُكتمِلة

جاءت نَظرةُ القرآن للحضارة شاملةً للإنسان في رُوحه وعَقله وأُسرته ومُجتمعه، مُدرِكةً أن البشرية مُعَرَّضةٌ للنِّسيان، وأن الإنسان قد يَغفُل عن رسالته وسط زِحام المادَّة. ولهذا جاءت التوصيةُ النبويةُ بقراءة سورة الكهف كلَّ جُمعة؛ قال النبيُّ ﷺ: «مَن قَرَأَ سُورَةَ الكَهْفِ في يَومِ الجُمُعَةِ، أَضَاءَ لَهُ من النُّورِ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى»[1].

وكأنَّ رسولَ الله ﷺ لا يُريد لِمفهوم الحضارة أن يَغيبَ عن وَعي الأمة أكثرَ من سبعة أيام. وقد قَرأ المُفسِّرون الكبارُ — كابن كثير والقُرطبي — هذه السورةَ بوصفها عَرضًا لِـالفِتَن الأربع: فِتنة الدين، وفِتنة المال، وفِتنة العلم، وفِتنة المُلك. وما نَطرحه هنا — في هذه القراءة المعاصرة — هو الوجهُ الإيجابيُّ المُقابلُ لهذه الفِتَن؛ أي أركان الحضارة الأربعة التي إذا قامت دَفَعَتْ تلك الفِتَن واستَبدلَتها بِبِناءٍ راسخ. فالسُّورةُ ـ في نَسيجها ـ تَنتظِم في أربعِ قَصصٍ كأنها أربعةُ أعمدةٍ يَقومُ عليها صَرحُ كلِّ أُمَّة.


الأركانُ الأربعةُ في سورة الكهف

١. الإنسانُ الصالح — فِتيةُ الكهف

في قصة الفِتية نرى المَورد البشري الذي تَقومُ عليه الأمم: شبابٌ يَحملون الإيمانَ والشَّجاعةَ والاستعدادَ للتَّضحية، أولئك الذين لا يُمكن أن تَقوم حضارةٌ حقيقيةٌ إلا على أَكتافهم. قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى[2]. وتقديمُ القرآن لِقَصَّتهم في صَدر السورة إشارةٌ بليغةٌ إلى أن أيَّ بِناءٍ حضاريٍّ لا يَنطلقُ من الإنسان المؤمنِ المُسلَّحِ بهُدًى مَزيد، فهو بِناءٌ على غير أساس.

٢. المالُ الرشيد — صاحبُ الجَنَّتَين

وفي قصة صاحب الجَنَّتَين تَتَجَلَّى قَضيةُ المال والاقتصاد والمَوارد المادية، وكيف يُمكن للنِّعمة أن تَكون بابَ عُمرانٍ أو بابَ هَلاك. يَعرِض القرآنُ نموذجَين مُتناقضَين: أَحدُهما أَنعَمَ اللهُ عليه بِجَنَّتَين، فأَبطَرَتْه النعمةُ وتَجَرَّأ على الإنكار؛ والآخر صاحبٌ مؤمنٌ يَستوقِفُه ليُذَكِّره بالحَمد ونِسبةِ الفَضل إلى صاحبه: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ...[3]. وبين مُعَظِّمٍ للنِّعمة يَعمُر بها، ومُحَقِّرٍ لها تَنهارُ بسببه حضاراتٌ، يَفترق مَصيرُ الأُمَم.

٣. العلمُ المُتجدِّد — موسى والخَضِر

ثم تَأتي قصةُ موسى والخَضِر لِتُؤكِّد أن الحضارةَ لا تُبنى إلا بعَقلٍ يَتعلَّم باستمرار، وأن الإنسان مَهما بَلَغ من العلم والمَكانة، فسيَظلُّ مُحتاجًا إلى المَزيد من المعرفة. ومُوسى عليه السلام — وهو كَليمُ الله — مَضى في رِحلة التَّعلُّم الطويلة، طالبًا التِّلْمَذةَ عند العبد الصالح: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا[4]. والمَغزى الحضاريّ أن منظومةَ الإسلام تَفرض على أتباعها استدامةَ التعلُّم مَهما عَلَت الدَّرجاتُ وكَثُرت الألقاب؛ ليَبقى مِدادُ القلم مُمتدًّا عبر الأجيال.

٤. القيادةُ العادلة — ذو القَرنَين

ثم يَظهر ذو القَرنَين نموذجَ القيادة الراشدة؛ القُوَّةُ المُنضبطةُ بالقِيَم، والسُّلطةُ التي تَحفظ العَدل، والقيادةُ التي تَرى في حماية الإنسان وإقامةِ الحقِّ غايتَها العُليا — لا الهيمنةَ ولا التَّسلُّطَ الإمبريالي: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا[5]. وتَتنزَّل قَصصُه ثلاثًا: مع الظالمين في مَغرب الشمس، ومع قومٍ في مَطلعها، ومع المُستضعَفين في مُواجهة يأجوجَ ومأجوج. وفي كلِّ موضعٍ يُمَيِّز ذو القرنَين بين المُسيء والمُحسن، ويَستخدم القوَّةَ والمال في مَوضعهما الحضاري الصحيح.


حاصلُ المَنظومة

كأنَّ أَركانَ الحضارة في سورة الكهف تَتلخَّص في أربعةٍ مُتلازمة:

  • الإنسان الصالح الذي يَحمل الرِّسالة
  • المال الرَّشيد الذي يَعمُر ولا يَطغى
  • العلم المُستمرّ الذي يَتجدَّد ولا يَتجمَّد
  • القيادة العادلة التي تَحفظ ولا تَستَعلي

وأيُّ خَلَلٍ في أحد هذه الأركان يَنعكسُ خَلَلًا في كيان الأمة جَمعاء؛ فلا قِيمَة لشبابٍ مؤمنٍ بلا قيادةٍ عادلة، ولا قِيمةَ لقيادةٍ راشدةٍ بلا علمٍ مُتجدِّد، ولا فائدةَ لعلمٍ في يَدِ مُتَرَفٍ يَستَصغِر النعمة. ولِذا أرادها النبيُّ ﷺ بوصلةً أسبوعية في كل جُمعة؛ كي لا تَغيبَ ولو ليومٍ زائد.


امتدادُ المَنظومة في القرآن: أنبياءُ الحضارة

ثم يَمتدُّ البِناءُ الحضاريُّ في القرآن كلِّه على هذا النَّسَق المُتَّسِق، فتَتجلَّى نماذجُ أُخرى من أنبياء الحضارة في تَخصُّصاتهم.

فنرى يوسف عليه السلام يَنظرُ إلى المستقبل بعَين التَّخطيط والحِكمة، فيُحَوِّل سَنواتِ الرَّخاء إلى مَخزونٍ يَحفظ الأمةَ من المَجاعة، ويُقَدِّم نَفسه قائدًا اقتصاديًّا: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ[6]. والحضارةُ التي تَتَبَنَّى مَنطقَ يوسف هي التي تَعرِف كيف تَستشرف المستقبلَ قَبلَ أن يَحلَّ.

ونرى إبراهيم عليه السلام يَتعامل مع الحياة بمَنطق الرِّسالة، فيَبني الإنسانَ قَبلَ البُنيان، ويَغرس التوحيدَ قَبلَ العُمران، ويَستدلُّ بالعَقل والكَون: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ • أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ[7]. وحضارةٌ بلا تَفعيلٍ للعَقل، وبلا تَأصيلٍ للسؤال، حضارةٌ تَفقد قُدرتَها على التَّجدُّد.

ونرى داود عليه السلام نموذجَ الحاكم الذي يَحفظ القانونَ ويُقيم العَدل، فلا تَستقيمُ دولةٌ بلا ميزانِ حقٍّ يَحكُمها: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ[8]. وحضارةٌ بلا دُستورٍ ناظمٍ يَحكمُها بالعَدل، حضارةٌ تَنحدر إلى فَوضى المَصالح المُتضاربة.


في المُقابِل: ظَلَمةٌ يَقصِمون ظُهورَ الحضارات

ويَقُصُّ علينا القرآنُ أخبارَ الظالمين الذين هَدَموا الحضاراتِ بظُلمهم واستعلائهم وافترائهم: فرعون الذي طَغى وادَّعى الأُلوهية، وقارون الذي وَضَعَ علمَه وثروتَه في خدمة استكباره، فقال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾، فخَسَفَ اللهُ به وبدارِه الأرضَ، وهامان الذي سَخَّر هَندستَه لتَعزيز عَرش الطَّاغية. وكلُّ هؤلاء يُجَسِّدون نَقيضَ أركان الحضارة: قيادةً جائرة، وثروةً مُفسِدة، وعِلمًا في يدِ مُستكبِر. ليُؤَكِّد القرآنُ أن سُقوطَ الأُمَم لا يَبدأ من ضَعف المال ولا قِلَّة السلاح، بل يَبدأ حين يَفسُد الإنسانُ من الداخل.


الخاتمة: الحضارةُ صناعةُ إنسان

إن الحضارةَ في المَنظور القرآني ليست مُجرَّد تَقدُّمٍ مادّي، وليست وَفرةً في الإنتاج أو ارتفاعًا في البُنيان؛ وإنما هي حُسنُ صناعةِ الإنسان: الإنسانُ الذي يَعرف ربَّه، ويُحسِن إلى أهله، ويُتقِن عملَه، ويَحفظ العَدل، ويَعمُر الأرضَ بروح الأخلاق والمعنى. وحين يَغيبُ هذا الإنسانُ، تَبقى الأبراجُ قائمةً، لكن الحضارةَ تكون قد سَقَطَتْ بالفعل.

ولعلَّ أَعظمَ ما يُمَيِّز القرآنَ أنه لم يَفصِل بين العبادة والحياة، بل جَعَلَ من الصلاةِ نورًا للحركة، ومن العلم طريقًا للعُمران، ومن القِيَمِ رُوحًا تَحفظ كلَّ ذلك من الانهيار.

ومن هنا يَبدأ التَّأصيلُ الحضاريُّ في القرآن: ليس من قاعات السياسة وَحدها، ولا من نَظريات الاقتصاد المُجرَّدة، بل من ذلك الإنسان الذي وَقَفَ فَجرًا بين يَدَي الله، ثم نَزَلَ بَعدَ ذلك ليُعَمِّرَ الأرضَ بنور الوحي.


الهوامش


كَتَبَه الإمامُ الدكتور أحمد محمد علي أبو سيف — دكتور التفسير وعلوم القرآن من جامعة الأزهر، مؤسِّس ورئيس أكاديمية الأئمة الأمريكية بتكساس.

الهوامش

  1. رواه الحاكم في المستدرك (٣٣٩٢) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، والبيهقي في السنن الكبرى (٥٩٩٦)، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع برقم (٦٤٧٠).
  2. سورة الكهف، الآية ١٣.
  3. سورة الكهف، الآية ٣٩.
  4. سورة الكهف، الآية ٦٦.
  5. سورة الكهف، الآية ٨٤.
  6. سورة يوسف، الآية ٥٥.
  7. سورة الشعراء، الآيتان ٧٥–٧٦.
  8. سورة ص، الآية ٢٦.
شارك المقال